32
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثاني
المنهج التربوي
ثالثاً: ( ثم يتوجه إلى تزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب وتنقية السر ):
إن دعوة ابن السنوسي إلى تزكية النفس وتهذيب الأخلاق من صميم القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف.
قال تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحدٍ أبداً ولكنّ الله يزكي من يشاء والله سميع عليم } ( سورة النور: آية 21 ).
جاءت هذه الآية بعد قصة الإفك، وبعد الآيات التي نهت عن إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وبعد النهي عن اتباع خطوات الشيطان، وجاءت قبل قوله تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } ( سورة النور: آية 22 ).
وذلك يؤكد مايلي:
1- أن موانع التزكية من القوة بحيث تستحيل معها التزكية لولا فضل الله، وهذا يقتضي شيئين: بذل جهد في التزكية، وسؤال الله إياها والاعتماد عليه فيها، وفي الحديث: " اللهم آتِ نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها "( ).
2- أن من تزكية النفس العفو والصفح عمن أساء إلينا لأن الأمر جاء بمناسبة الحديث عن مسطح بن أثاثة الذي كان ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، والذي خاض في الإفك، فمنع عنه أبو بكر رفده، فجاءت الآية واعظة، وَفَاء أبو بكر إلى سيرته، وما أرقاه من مقام !! وما أعلى مايراد بكلمة التزكية!!.
3- إن من تزكية النفس عدم اتباع خطوات الشيطان لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر، وإذن فالتزكية تعني - تجنب الفحشاء والمنكر، وتجنب خطوات الشيطان، وأولى خطواته الحسد والكبر، فقد حسد آدم وتكبر عن السجود له.
4- عدم محبة إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وعدم السير في طريق ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.
5- إمساك اللسان عن الأعراض، وترك المشاركة في كل مايؤذيها إلا إذا توفرت شروط شهادة وتعيَّنت( ).
هذه القضايا الخمس لها صلة بالتزكية، فالتزكية باب واسع وقد تحدث ابن السنوسي عن النفس البشرية وأنواعها وأمراضها وكيفية علاجها حديث العالم الخبير في تحقيقها فمن حديثه عن:
- النفس الأمارة: وهي صاحبة الجهل والبخل والحرص والكبر والغضب والشره والشهوة والحسد وسوء الخلق والخوض فيما لايعني من الكلام وغيره والاستهزاء والبغض والإيذاء باليد واللسان وغير ذلك من القبائح ... فكن أيها الأخ منها على حذر ولاتنتصر لها إن أحد آذاها بل كن معيناً له عليها وتخلص من هذه الآفات.. بالذكر الكثير القوي وتقليل الطعام والمنام، وحساب النفس كل ساعة، وخوفها بالموت، وعذاب القبر ومابعده من الأهوال إلا إذا أوصل الخوف إلى درجة القنوط فيجب عليك حينئذ تذكر أسباب الرجاء وسعة رحمة الله تعالى وعليك بالتذلل، والخضوع، والتضرع، له تعالى، واطلب الخلاص بلطفه واحسانه من الأوصاف الذميمة والتحلي بالصفات الحميدة كالصدق والتواضع، والمحبة، والإخلاص، والخمول، ونحو ذلك لأنك إذا اشتغلت في خلاص نفسك من الآفات وتبدلت بالأوصاف الحميدة شاهدت بعض العجائب المكنونة والأسرار المخزونة في صدفة البشرية، وأقبل على من لاغنى لك عنه بمعاملات الاحسان قبل أن تساق إليه بسلاسل الامتحان وقد قال لك من تقرب اليّ بشبر تقربت منه ذراعاً الحديث؛ فاترك التواني واعرض عما يشغلك عن مولاك واستغن بالقناعة بما في يدك ودع اللذات الفانية لأهلها ولا تسوف التوبة والاقبال على الله تعالى فإنك لاتدري مابقي من عمرك وقد نقل السنوسي الاجماع على أن التوبة واجبة على الفور، ويلزم من تأخيرها تضاعف الذنوب على من لم يتب وليس هذا التضاعف، كتضاعف الحسنات ، بل اذا لم يتب صار عليه ذنب الفعل وذنب ترك التوبة وهاذان الذنبان تجب التوبة منهما أيضاً، واذا لم يتب منهما على الفور صاحب اربعة وعلى هذا القياس، واذا نظرت بعين الانصاف والشفقة على نفسك رأيت احتياجك الى التوبة أشد من احتياجك الى المأكل والمشرب، والمسكن لأنها قد حجبتك عن مطالعة الغيوب وحالت بينك وبين كل محبوب وعلامة خلاص النفس من الآفات المارة أن يكون الخلق كلهم عنده على السوية، لايحبهم محبة طبيعية تميله إليهم في منكر، ولا يكرههم كراهة تغير باطنه عليهم في معروف ويستوي عند جميع المأكل، وجميع الملابس، فمن رأى في نفسه شهوة لبعض دون بعض، وجب عليه المجاهدة، الى أن يستوي ذلك عنده وإلا كان حيواناً في صورة انسان بل الحيوان خير منه لانه ليس عليه تكليف ولا حساب ولا عقاب( ) وماقاله ابن السنوسي آنفاً تفسيراً لقوله تعالى: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا مارحم ربي إن ربي غفور رحيم} (سورة يوسف، آية 53).
- النفس اللوامة: وقد تحدث ابن السنوسي عنها فقال: وهي التي لها رغبة في المجاهدة وموافقة الشرع ولها أعمال صالحة من قيام، وصيام، وصدقة، وغير ذلك من أفعال البر لكن يدخل عليها العجب والكبر وكذا الرياء الخفي ؛ بأن يحب صاحبها أن يطلع الناس على ماهو عليه من الاعمال الصالحة، كالاخلاص وغيره ويحمده عليها مع أنه يخفيها عنهم ويعمل لله، ويكره هذه الخاصة لكن لايمكنه قلعها بالكلية والخلاص من ذلك الرياء يكون بالفناء عن شهود الإخلاص بشهود أن المحرك والمسكن هو الله تعالى شهود ذوق، ويشهد أن المنة لله تعالى عليه حيث فتح له أبواب العبادات ، ومكنه من الدخول الى حضرته وأهله للقبول في خدمته، والخلاص من الأولين، يكون بالمجاهدة ، وهي ترك العادات، ومعظمها يكون بستة أشياء، تقليل الطعام، وتقليل المنام وتقليل الكلام، والاعتزال عن الأنام، والذكر المدام، والفكر التام، فمن فعلها بصدق نقلته الى الباقي والمطلوب من هذه الاشياء الاعتدال ، ولذا لم يقولوا ترك الطعام بل لايأكل حتى يجوع وإذا أكل لم يشبع .... فعالج نفسك بالشريعة وخلصها من أمراضها وأعظمها الكبر والعجب اللذان هما أصل الغضب الذي ينشأ عنه الحقد الذي يتفرع عنه الحسد ولا يزول الكبر والعجب إلا إذا انقطع المدد عنهما وهو امتلاء البطن وللحسد اسباب أخر، كحب الرياسة، وخبث النفس وكثيراً ماتكون هذه الاسباب بين أهل الطريق المتصوفين فيتمنى زوال ما على أخيه من المشيخة أو الخلافة وماهو عليه من الاستقامة والتوجه الى الله تعالى إذا عرفت ذلك فعليك بمعرفة أربعة أشياء، والتأمل فيها. الأول: أنه تعالى لا يعجزه شيء. الثاني: احاطة علمه بكل شيء، الثالث: أنه تعالى أرحم الراحمين، الرابع : أن جميع أفعاله خير؛ فإن تحقق الأول يزيد همتك بالتوجه إليه والطلب منه مع اليقين بالاجابة والطلب على هذا المنوال لايرد اصلاً، وتحققك بالثاني والأخير يحقق لك مقام التوكل والرضى والشوق والمحبة وغير ذلك وتحققك بالثالث يدفع عنك خوف الانس والجن( )، وهذا شرح لقوله تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} (سورة القيامة، آية 2).
وقال ابن السنوسي عن النفس المطمئنة:
-النفس المطمئنة : وهي التي لاتفارق الأمر التكليفي شبراً ولا تتلذ إلا بأخلاق المصطفى ? ولا تطمئن إلا باتباع اقواله وتتلذ بصاحبها أعين الناظرين وأسماع السامعين وعلم معنى قوله تعالى: {كل من عليها فان ..} ؛ فيجب عليه الاجتماع مع الخلق في بعض الاوقات ليفيض عليهم بما أنعم الله به عليه من علم الصدور ، لاعلم السطور، وليكن في بقية الاوقات مع الله تعالى ليرقى الى المقامات الباقية وليكثر من الذكر ولا يلتفت الى مايظهر من أنوار أو كمالات أو كرامات لأن حضرة القرب لايدخلها إلا العبيد الخلص، وكل ماسوى الله قاطع عن المقصود، فهو فتنة فلا تقف عنده وإن الى ربك المنتهى ومن وصل الى حضرة القرب صارت الكرامات طوع يده ومن تعرض لكرامة أولاً فقد طلب الشيء قبل أوانه، فيعاقب بحرمانه فيكون مشغلاً بما لايعني والانسان مدة حياته متعرض للمحن فينبغي التحرز من الآفات الى الممات واياك وحب الرياسة والشهرة والتعرض للمشيخة والارشاد( ) وتحدث ابن السنوسي عن النفس الكاملة فقال:
- النفس الكاملة: وهي التي لايفتر صاحبها عن العبادة إما بجميع البدن أو باللسان ، أو بالقلب، أبو بعضو من الأعضاء وصاحبها كثير الاستغفار، كثير التواضع، سروره ورضاه في توجه الخلق الى الحق، وحزنه في ضد ذلك، وهو كثير الاوجاع قليل القوى قليل الحركة ليس في قلبه كراهة لمخلوق من المخلوقات مع أنه يأمر وينهي ولا تأخذه في الله لومة لائم ويظهر الكراهة لمستحقيها والمحبة لمستحقها، فيضع كل شيء في محله متى ما وجه همته الى كون من الاكوان أوجده الله تعالى على وفق مراده وذلك لان مراده في مراد الحق سبحانه وتعالى( ).
لقد كان ابن السنوسي مربياً من الطراز الأول وكان عليماً بأمراض النفوس، وخبيراً بعالجها، ولقد نجح في تربية أصحابه على الاخلاق الرفيعة ، وحقق نجاحاً باهراً، ورسم لأتباعه طريقة تعتمد على كتاب الله وسنة رسوله ? لقد تحدث ابن السنوسي عن اسباب التي تعين العبد على تصفية نفسه وتزكيتها فقال:
رابعاً: ومن اسباب حصولها طيب المطعم فإن من أكل حراماً، فَعَله في ظاهره أو باطنه لا محال، ومن أسبابه سماع أحاديث الترغيب والترهيب، وحكايات الشيوخ في مجاهداتهم وشريف معاملاتهم؛ فإنها جند من جنود الله ، كما يشير الى ذلك قوله تعالى : {وكُلاً نقص عليك من أنباء الرسل مانُثبت به فؤادك} (سورة هود، آية )، وليشتغل المريد بالأعمال المسرعة به الى حضرة الفلاح والفوز بالكمال، كالصلاة على النبي ?، فقد قال بعضهم إنها لايدخلها الرياء، وبعضهم انها مقبولة مطلقاً وهي على هذا من الغنائم الباردة المبذولة لسالكي طريق المجاهدة في الله...)( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق