17
قصة الحروب الصليبية(د.راغب السرجاني)
وقفة للتحليل بعد سقوط بيت المقدس
الوقفة الأولى: مع حال الإمارات الصليبية التي تكوَّنت في أرض الإسلام (خريطة 17)، وحال الزعماء الصليبيين الذين قطعوا المسافات لتحقيق أحلامهم التوسعية.
أول الإمارات تكوينًا كانت إمارة الرها، وتولى قيادتها بلدوين أخو جودفري بوايون، وكانت قاعدتها هي مدينة الرها غرب الفرات، واستطاع بلدوين أن يضم إليها مدينة سُمَيْساط وسروج، وبذلك تكوَّنت الإمارة في شمال الجزيرة، أي المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات، وكذلك غرب الفرات، وهي في تقسيمات الدول الحالية تضم أجزاء من العراق وسوريا وتركيا، وهذه الإمارة كان يغلب على سكانها الأرمن، ولم تكن تدين بالولاء حتى هذه اللحظة للقوات الصليبية ولا للدولة البيزنطية، ولكنها كانت منفصلة مستقلة، وبذلك تحققت فيها أحلام بلدوين .
وأمَّا الإمارة الثانية التي تكونت فهي إمارة أنطاكية، وهي مكوَّنة من مدينة أنطاكية في الأساس، وبعض المدن الصغيرة والقرى في شمالها وجنوبها وشرقها، وكان على رأس هذه الإمارة بوهيموند النورماني، وبها غالب الجيش النورماني، وسيطر عليها بوهيموند بعد صراع مع ريمون الرابع كونت تولوز، وكان غالبية السكان من النصارى الكاثوليك وهو جيش بوهيموند والنصارى الأرثوذكس، وكذلك الأرمن الذين يعيشون في هذه المدينة منذ أمدٍ، أما مسلمو المدينة فقد ذُبح أكثرهم، وطُرد الباقي إلى المناطق المجاورة.
وبذلك حقَّق بوهيموند أطماعه هو الآخر، وكوَّن إمارة مستقلة عن القوات الصليبية، وأنكر بوهيموند في الوقت نفسه صلته الحميمة بإمبراطور الدولة البيزنطية ألكسيوس كومنين، ومن ثَمَّ أصبحت إمارة أنطاكية معادية للدولة البيزنطية كما هي معادية للمسلمي ن.
ومع أن الإمارتين السابقتين منفصلتان تمامًا عن القوات الصليبية التي أكملت الطريق إلى بيت المقدس، فإنَّ وجودهما كان له أكبر النفع لهذه القوات الصليبية الغازية؛ حيث كانت تقوم بدور عزل القوات السلجوقية عن الجيش الصليبي، ومن ثَمَّ تأمين ظهره أثناء عملية التقدم إلى بيت المقدس، وقد ظلت هاتان الإمارتان - وخاصةً إمارة الرها - تتحملان عبء صدِّ الهجوم القادم من شرق العالم الإسلامي في السنوات اللاحقة.
وثالث الإمارات تكوينًا كانت إمارة بيت المقدس، والتي لن تلبث إلا قليلاً - كما سيتبين لنا - حتى تتحول إلى مملكة متكاملة، فقد قامت على مساحة واسعة نسبيًّا من أرض فلسطين تشمل مدينة القدس ذاتها، إضافةً إلى يافا والرَّمْلة واللُّدِّ، مع عقد معاهدات استسلام مع عكَّا وقَيْسَارِيَة وأُرْسُوف وعَسْقلان، ورأس هذه الإمارة الجديدة جودفري بوايون، وكانت أهم الإمارات، حيث إنها تسيطر على أهم مدينة عند النصارى في العالم، وهي مدينة القدس؛ ولذلك حاول جودفري بوايون أن يجمع في حكمه بين الشكل العلماني الذي يتميز به الملوك والأمراء والشكل الديني الذي يتميز به القساوسة والرهبان، ومن ثَمَّ أطلق على نفسه لقب (حامي بيت المقدس) بدلاً من أمير أو ملك.
ومن الجدير بالذكر أن أعداد الصليبيين كانت قد قلت جدًّا، على الرغم من الإمدادات القادمة عن طريق البحر بواسطة السفن الإيطالية، ولم يكن يُؤمِّن كل إمارة إلا عدد محدود من الجنود، وإن كان تعرضهم لهجمات المسلمين كان قليلاً؛ لذعر المسلمين من الصليبيين بوجه عام.
أما الزعيم الفرنسي ريمون الرابع فلم يجد له إمارة حتى الآن، ولقد فشلت محاولته في تكوين إمارة خاصة به في أنطاكية ثم في عِرْقَةَ بلبنان، ثم في بيت المقدس ثم في عسقلان، ومن ثَمَّ فقد غادر فلسطين كلها بجيشه وهو غاضب، واتجه ناحية لبنان حيث سيسعى إلى تكوين إمارة هناك حول مدينة طَرابُلُس.
هذا هو حال الجيش الصليبي، ولا شك أنه - على رغم قتل العدد الكبير وهلاكه من الجيش - حقَّق نجاحًا ملحوظًا بتكوين ثلاث إمارات في العالم الإسلامي في غضون سنتين تقريبًا من نزول الأراضي الإسلامية، وما زال راغبًا في التوسُّع والزيادة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق