120
الحركة السنوسية في ليبيا
الخلاصة
• ولد محمد المهدي السنوسي في الجبل الأخضر في ليبيا في شهر ذي القعدة عام 1260هـ، الموافق نوفمبر 1844م.
• كانت فرحة الاخوان ، وابن السنوسي بمولد محمد المهدي عظيمة .
• لما ولد الأبن الثاني لمحمد بن علي السنوسي عام 1262هـ/ 1846م، كتب عمران بن بركة لشيخه يهنئه بالمولود الثاني ويسأله عن اسم الوليد الثاني رد له الجواب بتسميته الشريف قائلاً له : (إننا لانحيد بأسماء ابنائنا عن اسماء النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يختلفون في الألقاب والكنى؛ فكما سميت الأول محمد المهدي ليحوز أنواع الهداية فسمي هذا محمد الشريف ليحوز أنواع الشرف.
• أسند ابن السنوسي تربية أولاده للأخوان وكان المسؤول الأول الشيخ العلامة عمران بن بركة.
• وبعد ان حفظ محمد المهدي القرآن الكريم طلبه والده للمجيئ للحجاز وصحبه العلامة محمد بن ابراهيم الغماري، وهناك عهد به والده الى نخبة من العلماء لتربيته وتلقنيه العلوم تحت إشرافه المباشر.
• رجع محمد المهدي الى الجغبوب بصحبة العلامة عبدالرحيم المحبوب، وواصل محمد المهدي تعليمه العالي في معهد الجغبوب وأشرف على تعليمه وتربيته والده ابن السنوسي وكبار الاخوان.
• تميز محمد المهدي منذ طفولته بالذكاء، وحسن الخلق، والصفات الرفيعة ، والأخلاق الحميدة.
• تزوج محمد المهدي في حياة والده وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره بفاطمة ابنة عمران بن بركة وذلك عام 1275هـ/ 1858م، وقد أنجبت للمهدي عدة أولاد وتوفيت في حياته سنة 1891م.
• بعدوفاة ابنالسنوسي خف كبار العلماء والشيوخ في الحركة السنوسية الى مبايعة محمد المهدي .
• كون محمد المهدي السنوسي مجلساً أعلى من كبار الأخوان، يتكون من العلامة عمران بن بركة ، وأحمد الريفي، وعلي عبدالمولى، وفالح الطاهري، وعبدالرحيم المحبوب، ومحمد المدني التلمساني، محمد بن الحسن البسكري.
• كان المجلس الاعلى للحركة يمثل قمة الهرم الذي قاعدته الزوايا، وكان يضم كبار رؤساء الزوايا في برقة وطرابلس ومصر والحجاز، والسودان، وشمال أفريقيا وكان يجتمع سنوياً في الجغبوب للنظر في أهم أمور الحركة.
• من الملاحظ أن مبدأ التفرغ كان موجوداً في الحركة، لقناعة الحركة السنوسية أن الأعمال العظيمة تحتاج الى أوقات كبيرة، وجهود ضخمة، وهمم عالية ، ولذلك سلكت الحركة السنوسية مسلك تفريغ بعض القيادات، ووفرت المال اللازم لهذا الهدف، ووفرت كل ما يحتاجه الافراد المتفرغين حتى يستطيع لمتفرغون أن يبذلوا مافي وسعهم من اجل الدعوة ونشرها بين الناس.
• اهتم محمد المهدي بتطوير العاصمة السنوسية؛ فحفلت الجغبوب بالنشاط العلمي، والزراعي ، وانتظم سير العمل في معهد الجغبوب، ووزع تلاميذ المدارس القرآنية على أقسام، ورتبت بدقة أمور الدراسة، وكل ماتيعلق بالطلاب.
• كانت الزوايا تقوم بدورها في جمع المعلومات وما يتعلق بالقضايا الأمنية وترسلها الى الجغبوب، وكان نظام البريد ينقسم الى اربعة أقسام نقطة ارتكازها الجغبوب.
• نمت الحركة السنوسية في عهد محمد المهدي نمواً كبيراً، وتضاعف عدد الزوايا أكثر من اربعة أضعاف وانتشرت هذه الزوايا في الصحراء الكبرى، وعلى طريق مصر، وتونس، وفي واداي.
• كانت من اسباب هذا النمو السريع، طبيعة الحركة، ونظمها المتطورة بالنسبة لعصرها، وفهمها لطبيعة المجتمعات القبلية، وطول المدة التي قضاها الزعيم الثاني في قيادة الحركة إذ تجاوزت اربعين سنة، فتمكن أثناءها من تركيز العلم الذي بدأه والده.
• تمكن الامام المهدي ان يبني علاقات قوية مع الامارات الاسلامية في واداي، وبرقو، وكانم وغيرها، واختط خطة حكيمة كانت مبنية على الحيطة والحذر من النفوذ الصليبي الأوروبي في افريقيا ثم عدم التردد في مكافحة هذه الدول إذا جد الجد، كما فعل مع فرنسا.
• كان محمد المهدي يحرص دائماً على ازالة البغضاء والشحناء من نفوس القبائل المتعادية، ويدعوها الى أخوة الاسلام، وشغلها بالطاعة، ودفعها نحو المعالي، والأخلاق الرفيعة، واستطاع أن ينظم من القبائل كتاب للجهاد ساهمت في قتال فرنسا، وبعد وفاته قاتلت ايطاليا.
• كرس المهدي جهوده للبناء الداخلي في الحركة واختط طريقاً سلمياً تجنب الاحتكاك فيه جهد المستطاع بالقوى المحيطة به، واستطاع أن يتخذ مواقف تدل على بعد نظره وثاقب فكره من الثورات التي حدثت في السودان، ومصر، وكذلك الدول الأوروبية.
• نشطت الحركة السنوسية في تعئبة اتباعها على الاستعداد للجهاد، ونظمت صفوفها، ورأى السلطان عبدالحميد الثاني في الحركة السنوسية قوة منظمة ومعدة إعداداً مادياً ومعنوياً جيداً يمكن استغلالها في المواجهة العسكرية المتوقعة مع أعداء الدولة العثمانية في شمال أفريقيا.
• حققت الحركة السنوسية انتشاراً كبيراً في أواسط أفريقيا، وتوطد سلطانها في قلب الصحراء الكبرى، وكانت عقبة في طريق الرسالات التنصيرية التي وجدت في الحركة السنوسية خصوماً عنيدين عطلوا عليها أعمالها لدرجة بعيدة.
• تولت فرنسا مهمة الهجوم الاعلامي على الحركة السنوسية، وأرسلت عدداً من الرحالة منهم دوفرييه، ثم وقفت من الحركة موقفاص عدائياً وشنت عليها حرباً دعائية بواسطة رحالتها الذين كتبوا عن السنوسية، وقصدت بذلك تشويه الحركة، كما تجلى موقفها العدائي في ضغطها على الباب العالي للتضييق على السنوسية ثم تبلور هذا الموقف في حربها الظالمة لمواقع الحركة السنوسية في تشاد.
• إن نظرة المهدي للثورات الغير مدروسة دراسة دقيقة تتيح للأجانب التدخل، ويرى أن طريق البناء، والتربية، والإعداد العقدي، والوسائل السلمية هي الطريقة المثلى نحو النهوض الشامل للأمة.
• إن علماء الحركة السنوسية وعلى رأسهم المهدي السنوسي لم يؤمنوا بمهدية محمد أحمد، وكذلك رفضوا القول بمهدية المهدي السنوسي واعتبره محمد المهدي السنوسي نوعاً من التخريف ويرجع ذلك الى علمهم المتين، واستيعابهم لكتاب الله، والسنة المطهرة التي بينت حقيقة المهدي المنتظر، وألتزموا بعقيدة أهل السنة والجماعة التي وضحت هذا المعتقد.
• إن التهمة الموجهة للحركة السنوسية بأن أتباعها يعتقدون في الامام المهدي السنوسي هو المهدي المنتظر تهمة باطلة، رفضها الامام محمد المهدي، وعارضها وأبى الموافقة على القول بها وعندما سئل الملك ادريس -رحمه الله- عن رأي أبيه في قول بعض أتباع الطريقة بمهدويته أجاب: (كان كلما سمع هذا القول نفاه بشدة، وابداً لم يعتقد به).
• إن الليبيين عموماً ارتبطوا بفكرة الجامعة الاسلامية، وسياسة الدولة العثمانية وسلطانها عبدالحميد الثاني الذي تبنى الدعوة إليها، وأكدوا في كل مناسبة ارتباطهم بهذه الدعوة، وخاصة في أزمات الدولة، ففي حرب الدولة مع اليونان سارع أهل طرابلس بتشكيل اللجان لجمع التبرعات وقد كتب على الاستمارات المعدة للجمع عبارة (إعانة جهادية) وبلغ مجموع التبرعات قرابة (مائة ألف فرنك).
• كانت خطة التوسع عند الحركة السنوسية تستدعي من زعيمها محمد المهدي الانتقال نحو الجنوب وفق خطوات مرسومة، ومراحل معلومة لدى قادة الحركة، وتقرر لدى محمد المهدي الانتقال من الجغبوب الى الكفرة، وشرع في تنفيذ القرار الاستراتيجي بسرعة البرق، فجمعت الابل الكافية للنقل، وخبراء الطريق، والامتعة الضرورية.
• كان قرار انتقال الامام المهدي الى الكفرة مفاجأة لأهالي ليبيا واهتزت البلاد من أقصاها الى أقصاها وترك أثراً حزيناً أليماً في النفوس.
• تولى المهدي السنوسي تصريف أمور الحركة من الكفرة، فعجت بالحركة وأصبح اتباع الحركة يقدمون إليها من كل حدب وصوب، حتى ضاقت بهم مساكنها.
• تأثر محمد المهدي بوفاة أخيه محمد الشريف الذي كان عالماً ربانياً، ومستشاراً عبقرياً، وكان مشرفاً على معهد الجغبوب، وقد تميز بغزارة العلم ودقة الفهم، والقدرة على التدريس.
• استطاعت الحركة السنوسية أن تفجر طاقات الشعراء وأضفت عليهم معاني في الصدق، والمثل الرفيعة، ومبادئ الدعوة، وكونت أدباً رفيعاً خاصاً بها، يستحق البحث والتنقيب، والدراسة والتحليل.
• بعد أربع سنوات من المكوث في الكفرة شد المهدي رحاله الى زاوية قرو في برقو في السودان الغربي، ليشرف بنفسه على تنظيم المقاومة، واتخاذ الأهبة لمواجهة القوات الفرنسية الزاحفة نحو بحيرة تشاد.
• تقدم الفرنسيون نحو كانم في حملة مجهزة بالاسلحة والمعدات الحديثة، واستعد السنوسيون لملاقاتهم فوضعوا حامية كبيرة في بير العلالي، واشتبكت الحملة في معركة حامية الوطيس مع الاخوان السنوسيين، وكان النصر حليف المدافعين برئاسة الشيخ محمد البراني.
• استمرت المعارك بين قوات المجاهدين والجيش الفرنسي، واضطر المجاهدون تحت وابل الرصاص للانسحاب بعد ان قتلوا من الجيش الفرنسي اضعاف مضاعفة وفي هذا الاثناء وصل الى المجاهدين خبر وفاة الامام المهدي، فخارت العزائم، وضعفت الهمم، وكانت وفاة المهدي بعد أن اشتد المرض عليه وكان ذلك في يوم الاحد 24 صفر 1320هـ الموافق 2 يونيو 1902م في زاوية قرو ثم نقل ودفن في زاوية التاج.
• كان محمد المهدي داعية من الطراز الاول، تجسدت في شخصيته صفات القادة الربانيين، وكان يهتم بأمر المسلمين، في كل صقع من أصقاع العالم، وكان يؤلمه أي خلاف اسلامي أو أي مشكلة تقع بين الافراد، او بين القبائل، فكان يولي هذه الناحية مجهودات كبيرة في فكره وتفكيره، ويتخذ كل الوسائل لازالة سوء التفاهم بعمله وآرائه وتدبيره عاملاً على إحلال الصفاء والوئام محل الشقاق والخصام.
• ترك لنا الشاعر احمد رفيق المهدوي قصيدة رائعة تحمل في كل بيت منها صورة واضحة لسيرة الزعيم الثاني للحركة السنوسية، وبينت اصلاحاته العلمية، والدينية، والعملية، والنظامية.
• تولى قيادة الحركة السنوسية بعد وفاة المهدي ابن اخيه احمد الشريف الذي قاد كتائب الجهاد ضد فرنسا في تشاد، وضد ايطاليا في ليبيا، وضد بريطانيا في مصر.
• يتفق معظم المؤرخين بأن أحمد الشريف ولد بواحة الجغبوب ليلة الاربعاء بتاريخ 27 شوال سنة 1290هـ الموافق لسنة 1873م، إنكب منذ طفولته على القراءة والتحصيل، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة.
• تربى احمد الشريف في حجر والده العلامة محمد الشريف وحينما ترعرع وبلغ السادسة من عمره دخل تحت كنف عمه المهدي السنوسي، فأهتم بتربيته وتهذيبه واشرف عمه على تعليمه وتحفيظه للقرآن الكريم.
• شارك احمد الشريف مع عمه في معارك الحركة ضد فرنسا في تشاد، ولما شعر محمد المهدي بدنو أجله، عهد الى ابن أخيه بالقيادة لما توسم فيه من القدرة على الاضطلاع بأعباء الحركة.
• استمر احمد الشريف على نهج زعماء الحركة السنوسية، فواصل الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي، ونشر الدعوة الاسلامية بكل حكمة في افريقيا، واتخذ من الكفرة عاصمة للحركة السنوسية، وأناب عنه محمد السني لإدارة أمور الجهاد.
• كان الصراع بين فرنسا والحركة السنوسية في افريقيا على أشده، وتميز السنوسيون في جهادهم بقدرتهم على الكر والفر ، وكانت قبائل الصحراء، والقبائل الليبية تتمحور حول قيادة الحركة السنوسية.
• كان من أشهر قادة الحركة السنوسية في جهادها ضد فرنسا، المجاهد محمد كاوصن، عبدالله السني، عبدالله فضيل الطوير الزوي، البراني الساعدي، غيث عبدالجليل سيف النصر، محمد بوعقيلة الزوي، صالح بوكريم الزوي، كيلاني الأطيوش المغربي، عابدين الكنتي.
• استمرت ايطاليا اكثر من ثلاثين سنة وهي تجمع المعلومات وترسل الجواسيس، وتخطط لغزو ليبيا، وتتوغل بالمؤسسات التجارية، والمدارس العلمية لغزو بلادنا.
• كانت ايطاليا عازمة على احتلال ليبيا، وبذلت في سبيل ذلك جهداً كبيراً على مستوى الولاية نفسها، بتعزيز مظاهر نفوذها او على المستوى الدولي بالحصول على موافقة أغلب الدول الأوروبية على ذلك إلا أن شدة تمسك الدولة العثمانية بالولاية في زمن السلطان عبدالحميد الثاني، وقوة نفوذ الحركة السنوسية في دواخل ليبيا، وحسن التنسيق القائم بين الطرفين، كل ذلك أدى الى تأجيل إيطاليا تنفيذ مشروعها الاستعماري العدواني الغاشم عام 1911م.
• في عام 1911م أعلنت إيطاليا الحرب على ليبيا وشرعت بوارجها في قصف المدن الليبية، واستعد أهالي البلاد للجهاد في سبيل الله تعالى.
• بعد وصول خبر احتلال ليبيا لطرابلس، وقصفها لبقية المدن الليبية بأساطيلها، قام احمد الشريف بجمع السادة، والشيوخ والعلماء، والقادة ، وعرض عليهم الامر واستشارهم، وخرج الأمر بتوجيه الشيوخ وعلماء الحركة بقيادة المجاهدين في كافة ساحات الوغى وقال أحمد الشريف: (والله نحاربهم ولو وحدي بعصاتي هذه).
• تدفق اتباع الحركة السنوسية كالسيل الجارف على ميدان القتال في طرابلس وفي منتصف يناير 1912م قال السيد احمد الشريف كلمته لاهل ليبيا وأصدر نداءه المشهور يحث فيه اهالي البلاد على الجهاد ضد العدو المعتدي ويعلن فيه نبأ اعتزام النزول بنفسه الى ميدان القتال.
• اعترف السلطان العثماني بجهود احمد الشريف، وأهداه في مارس 1912م سيفاً ونيشاناً مرصعاً بالجواهر مكافأة وتقديراً لجهوده في الجهاد.
• خلد التاريخ المعاصر اسماء المعارك التي قام بها الاجداد ضد ايطاليا في المنطقة الغربية من ليبيا من أهمها؛ معركة طرابلس ، معارك الخمس، معركة الهاني ، سيدي مصري، معركة قرقارش، معركة أبي كماش، معركة لبدة، معركة تاجوراء.
• ارسل احمد الشريف اخيه صفي الدين ليتولى قيادة الجهات الغربية من برقة وكان لإرساله فرحة عظيمة لدى القبائل المنضوية تحت لواء الحركة السنوسية، وقاد صفي الدين معركة عظيمة ضد ايطاليا بموقع (أبي هادي) واستمرت المعركة بشدة وعنف عدة ساعات انجلت عن خسارة ايطاليا.
• كانت الانتصارات التي حققتها الحركة السنوسية، محل الاعجاب والتقدير من ابناء ليبيا المخلصين، ولذلك اتصل كثير من القادة والشيوخ بصفي الدين، وكان رمضان السويحلي المجاهد الكبير على رأس أولئك الابطال المغاوير.
• حقق المجاهدون نصراً عظيماً في معركة القرضابية وبدأت قواتهم في تطهير البلاد من المعتدين، وتركت الحاميات الايطالية ، حصونها بسهولة وهامت على وجهها عبر التلال والسهول المحرقة الجافة، وحررت مزدة،والقصبات، وسرعان ماوصل المجاهدون إلى بن غشير على بعد 15 ميلاً من طرابلس.
• حقق المجاهدون انتصاراً عظيماً على ايطاليا ولولا الشقاق، والخلاف،والنزاع الذي وقع بين رمضان السويحلي وصفي الدين السنوسي لاصبح الجهاد أمراً آخر.
• تولى محمد عابد السنوسي جهاد الجنوب في فزان والجفرة والنواحي الغربية من فزان، واتخذ من زاوية (واو) مركزاً للقيادة.
• قاد سالم بن عبدالنبي الزنتاني حرب عصابات ناجحة في ولاية فزان، واثخن في أعداء الله ، وهاجم القاهرة وهي ربوة عالية في سبها يوجد بها حصناً، وسياجاً من المدافع والاسلاك الشائكة وأصبحت تلك القلعة منيعة جداً، واستطاع سالم عبدالنبي فتحها بقواته المجاهدة عام 1914م، لقد أبلى أهل الجنوب بلاءً حسناً في جهادهم ضد ايطاليا.
• جاهد أهالي بنغازي عن مدينتهم دفاعاً مجيداً ، وأظهرواً من البطولة والشجاعة النادرة، ماجعلهم محل التقدير من كل المسلمين وسجلوا صفحات مجيدة خالدة في سجل التاريخ.
• توافدت النجدات العسكرية الى مدينة بنغازي بقيادة شيوخ الحركة السنوسية، فوصلت كتيبة العرفا، وعددها ثلاثمائة مسلح يقودها الشيخ عمران السكوري، وتلتها بقية النجدات التي جاء بها زعماء القبائل، وشيوخ الزوايا من كل حدب وصوب.
• صممت الدولة العثمانية على المقاومة حفظاً لماء الوجه، امام الرأي العام الاسلامي، فأرسلت نخبة من ضباطها وقوادها المشهورين، لتقوية روح المقاومة والدفاع وتدريب المجاهدين وتعليمهم كيفية استعمال الاسلحة الحديثة والمعدات.
• كان من ابرز قادة الاتراك الذين ارسلتهم الحكومة العثمانية كل من ؛ الرائد انور بك، ومصطفى كمال، فتحي اوفيار، وخليل بك عم انور بك، فؤاد بولجا قاش باشي ، سليمان العسكري، وعزيز علي المصري، أدهم باشا الحلبي.
• تفاعل العالم الاسلامي مع البطولات العظمية التي حققها المجاهدون في ليبيا، وقامت الشعوب الاسلامية بواجبها نحو اخوانهم في الدين.
• أدركت ايطاليا عجزها عن اتمام احتلال بقية ليبيا، ولذلك قررت أن تهاجم الدولة العثمانية في مراكزها الضعيفة لترغمها في الدخول في المفاوضات للوصول الى تخلي تركيا عن دعمها لليبيا ونجحت في ذلك.
• كان موقف احمد الشريف واضحاً قبل توقيع الصلح بين ايطاليا وتركيا، فقد بعث الى أنور باشا في درنة يذكر فيه ماوصله من ان الدولة تعتزم إعطاء ليبيا الى إيطاليا فقد جاء في رسالته:(نحن والصلح على طرفي نقيض، ولا نقبل صلحاً بوجه من الوجوه) إذا كان ثمن الصلح تسليم البلاد الى العدو، وزيادة وحذره مما سوف يحدثه قبول الصلح في نفوس المسلمين في جميع الاقطار من نفور شديد من الدولة العثمانية.
• قامت الدولة العثمانية بتنفيذ معاهدة أوشي، فأصدرت أوامرها لضباطها وجنودها في ليبيا للانسحاب.
• تولى القيادة الفعلية لحركة الجهاد بعد خروج أنور باشا احمد الشريف الذي بذل كل جهوده لتنظيم حركة الجهاد بعد انسحاب الاتراك، وكتب منشوراً الى مشايخ الزوايا والقبائل يعلن فيه استمرارية مواصلة الجهاد، وطلب من كل مسلم من سن الرابعة عشر حتى الخامسة والستين أن يذهب الى ميدان الجهاد مزوداً بمؤونته وسلاحه.
• عزم الايطاليون على سحق قوات احمد الشريف، فدبروا تنظيم حملة قوية قوامها خمسة آلاف جندي مسلح، تسليحاً حديثاً لضرب معسكري المجاهدين في سيدي عزيز، وسيدي القرباع على ضفتي وادي درنه وفي اليوم الذي وصل فيه احمد الشريف الى منطقة الظهر الاحمر جرت معركة مهولة عرفت باسم سيدي القرباع، واشتهرت باسم (يوم الجمعة) وقد تمكن المجاهدون بفضل الله من تحقيق الانتصار الحاسم في تلك المعركة.
• بعد تلك المعركة شرع احمد الشريف في جولات تفتيشية ابتدأت من الغريان وانتهت بجدابية، فمر بجميع معسكرات الجبل الاخضر، وفتشها واطلع على سير الامور فيها، ورتب امور الضباط، ونظم المجالس الاستشارية المعسكرات، ووقعت معارك بين الطليان والمجاهدين أثناء مروره بدواخل البلاد، فأشترك في الكثير منها، لقد طاف احمد الشريف بين المدن والقبائل يحض الناس على الجهاد وحمل السلاح ضد الغزاة، وحضر بنفسه في المعارك، ونبه المجاهدين الى ضرورة اعتماد حرب العصابات القائمة على الكر والفر، وأكد لهم صعوبة اعتماد الخطط السابقة التي كان الاتراك يعتمدونها خلال المراحل الاولى.
• حاولت ايطاليا أن تضغط على أحمد الشريف بواسطة الخديوي عباس باشا بعد أن فشلت جميع وفودها التي كانت تتوافد على المجاهد احمد الشريف وتعرض عليه، أن تضمن له إمارة هو تحت سلطانه، وتحتفظ هي بالموانئ والثغور الساحلية، فضرب بقولها عرض الحائط.
• استمر المجاهدون في جهادهم بالرغم من احتياجاتهم ونواقصهم الحربية، والضغوط الخارجية التي تدفعهم لوقف مسيرة الجهاد.
• بدأت ملامح الحرب العالمية الاولى تلوح في الأفق، وكان احمد الشريف يقظاً لما يجري حوله، فأقام معسكرات التدريب، ورسم خطة للدفاع ، وحماية الشعب، والاستعداد للجهاد، وشرع في تشكيل جيش نظامي مدرب، ليخوض به غمار حرب طويلة المدى ضد العدو الصليبي الايطالي ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى بدأت الدول تتسارع وتتسابق لكسب ود احمد الشريف وقواته المجاهدة.
• كانت القوى المهتمة بكسب احمد الشريف الى جانبها هي تركيا، وألمانيا بالدرجة الاولى وبريطانيا ومصر بعد ذلك.
• كانت بريطانيا حريصة على استمالة احمد الشريف إليها قبيل الحرب العالمية الاولى، وزاد حرصها بعد اندلاع الحرب الكونية، وحفظ التاربخ بعض الرسائل من القادة الانكليز في مصر مرسلة الى احمد الشريف.
• بعد دخول تركيا الحرب العالمية الاولى بجانب ألمانيا، رأت الحكومات التركية والألمانية الاستفادة من جهود السنوسيين لتشتيت القوات الانجليزية وفق خطة لاحتلال قناة السويس وتطهير مصر من الوجود الانجليزي.
• اقحم الاتراك احمد الشريف في حربهم ضد الانجليز رغم رفض احمد الشريف بشدة في البداية ، لأنه كان على يقين أن ذلك الهجوم لايتمشى مع مصلحة بلاده، فإن الاتراك والألمان كانوا ينظرون الى الحرب في شكلها المتكامل ، والتي لاتمثل طرابلس إلا جبهة فرعية في تلك الاستراتيجية.
• فشلت هجمات الاتراك على القوات الانجليزية في القناة وفي الصحراء الغربية، وتدهورت الحالة الاقتصادية في برقة وساعدت تلك الظروف ظهور الامير ادريس على مسرح الاحداث بعد أن اصبحت حاجة البلاد الى قيادة جديدة تتولى معالجة تلك المواقف الحرجة.
• فشلت حملة احمد الشريف في تحقيق اهدافها لعدة اسباب منها؛ الضعف العسكري ، والضعف الاقتصادي، وعدم التخطيط الاستراتيجي....الخ.
• كان رأي الأمير ادريس السنوسي بأن الحرب ضد بريطانيا لاتحقق أية نتيجة ، وعلى السنوسيين استغلال الظروف الدولية، لتحقيق استقلال ليبيا، وكان يرى أن بريطانيا هي المؤهلة لان تأخذ على عاتقها انجاز هذا الامر.
• كان لفشل حملة احمد الشريف آثار سلبية على سير حركة الجهاد في برقة ضد القوات الايطالية نذكر منها؛ ضاعت فرصة مواصلة القتال ضد ايطاليا، تزعزت العلاقات الروحية التي كانت تربط احمد الشريف بالقبائل المصرية بسبب المواجهة بين الطرفين وسقوط القتلى من كل جانب، انقطع الشريان الاقتصادي لحركة الجهاد وسدت المنافذ المصرية،....
• غادر احمد الشريف ليبيا الى استانبول بواسطة غواصة ألمانية أثر طلب من الحكومة التركية ليقوم احمد الشريف بفتح المفاوضات بينها وبين الشريف حسين بن علي أمير مكة الذي أعلن الانفصال عن الدولة التركية.
• وصل احمد الشريف الى تركيا واستقبله كبار رجال الدولة استقبالاً حافلاً ورسمياً في محطة (سركه جي) حضره بعض المسؤولين العثمانيين يتقدمه صديقه أنور باشا وزير الحربية العثمانية.
• دخلت جيوش الحلفاء الى استانبول واستولت على عموم الولايات والموانئ وعقدوا العزم على إبادة تركيا، وتشتيتها وتقسيمها، واراد الانكليز أن يستغلوا هذا الظرف لصالحهم وبدأوا في تنفيذ مخططهم الهادف الى تدمير الدولة العثمانية .
• ظهر مصطفى كمال في ثوب المسلم الوطني المتدين الثائر وأصبح السلطان تحت قيود الحلفاء وأصبحت تركيا تحت زعامتي مصطفى كمال، والسلطان وحكومته وعمل مصطفى كمال على كسب احمد الشريف لصفه لعلمه لما له من المكانة الروحية في قلوب المسلمين، وكان مصطفى كمال ابتدأ حركته باسم الدين حتى أنه أمر بإحراق جميع الخمور وتكسيرأدواتها ، ومعاملها وإبعاد جميع النساء المومسات ، وإغلاق دور الدعارة، واصدار أوامر شديدة بلزوم المحافظة على الصلوات في وقتها....
• قرر احمد الشريف بعد تفكير طويل الذهاب الى الاناضول والانضمام الى مصطفى كمال رغم ماجاء من الرسل والرسائل من طرف السلطان وحكومته يحذرونه من الانخداع بمظاهر مصطفى كمال المصطنعة وإدعاءاته الكاذبة.
• كان انضمام احمد الشريف نصراً عظيماً لمصطفى كمال لما له من المنزلة الروحية الكبيرة في قلوب مختلف الشعوب الاسلامية وكان الناس يعتقدون أن احمد الشريف لا يميل إلا الى الجبهة التي على الحق.
• ساهم احمد الشريف بطلب من مصطفى كمال في إخماد ثورة الاكراد وخرج إليهم وألتقى بشيوخهم ودعاهم الى الوحدة والوقوف صفاً واحداً ضد أعداء الدين.
• بعد الانتهاء من حروب اليونان تهيأت القوات الكمالية لدخول ولاية استانبول وبعد حصار دام مايقارب من الاربعة أشهر، ومحاولات طويلة مع دول الحلفاء تم الاتفاق على اخلاء استانبول من قوات الاحتلال، ودخلت القوات الكمالية استانبول ثم تدرجت حكومة مصطفى كمال بعد أن تمكنت من الوضع وخلعت الخليفة الصوري عبدالمجيد، وأبعدته كما أبعدت كل من له صلة أو محبة أو انتماء لآل عثمان.
• بدأت نوايا مصطفى كمال الشريرة تظهر رويداً رويداً، فتدخل في الاحكام وغير القوانيين الشرعية، فأنزعج أحمد الشريف غاية، وغضب نهاية، وخاطب مصطفى كمال وقال له: أننا والمسلمون لم نناصرك ، ونقف معك إلا لأجل حفظ كيان الدين الاسلامي.
• من طرفي خفي بدأت السلطات التركية تضايق أحمد الشريف وتعد عليه أنفاسه، وأحكمت الرقابة على كل من له تعلق بالسيد، او يزوره وانتهى الامر بإخراجه من تركيا وسافر الى الشام .
• اشتد ضغط الحكومة الفرنسية على احمد الشريف للخروج من الشام وانتهى به المقام بالحجاز وأصبح يتنقل بين المدينة ومكة المكرمة ويتصل بأهل ليبيا عن طريق الحجاج ويجمع لهم الأموال والمساعدات ويقوم بتوجيهم خير قيام.
• توفى احمد الشريف في تمام الساعة الثامنة من يوم الجمعة 13 ذي القعدة سنة 1351هـ الموافق العاشر من شهر مارس سنة 1933م في الزاوية السنوسية في المدينة المنورة أثر مرض عضال لم يمهله ، ودفن في مقبرة البقيع قرب قبر الامام مالك بن أنس امام دار الهجرة بعد أن عاش أحدى وستين سنة قضاها في خدمة الاسلام والمسلمين، ورفع شأن الدين، ومجاهدة الكافرين الغاصبين في شتى الميادين، فعليه وعلى أمثاله الرحمة والمغفرة والرضوان من رب العالمين وأعلى الله ذكره في المصلحين.
• هذه هي خلاصة التي وصلت إليها وقد ملت الى الاختصار الشديد خوفاً من الاطالة والاطناب.
وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل هذا الجهد المتواضع قبولاً حسناً وأن يبارك فيه، وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه: وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى : { ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}.
وبقول الشاعر :
أنا الفقير الى رب البريات
أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي
والخير إن يأتينا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة
ولا عن النفس لي دفع المضرات
والفقر لي وصف ذات لازم أبداً
كما الغني أبداً وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم
وكلهم عنده عبد له آتي
(سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)، (وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق