119
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث السادس
وصول أحمد الشريف الى تركيا
سابعاً: صدى وفاة أحمد الشريف في العالم الاسلامي:
نشر بمجلة اللطائف المصورة بعدد 20945مارس سنة 1933م مايلي:
يوم 11 الجاري نعت برقيات الحجاز السيد أحمد الشريف السنوسي الكبير؛ فكان لنعيه رنة حزن مرير اعادت الى الاذهان تلك الجهود الجبارة، والتضحيات الغالية التي بذلها هذا الفقيد العظيم في نشر الاسلام، وتثقيف أهل البيد، ومكافحة الاستعمار الايطالي سنوات عديدة، قضاها أرسخ مايكون ثباتاً وإيماناً؛ فقد كان للفقيد نفوذ روحي عجيب استطاع به أن يعمم دعوته في احشاء الصحراء وشمال أفريقيا، وأعمال السودان، ولما اغارت ايطاليا على طرابلس منذ ربع قرن ثارت نخوته الوطنية الدينية ووقف يدافع عن وطنه ودينه مثيراً روح العزم والقوة في أنفس العربان ثم انظم الى الاتراك ضد الايطاليين إلا أن تركيا اشتغلت بالحرب البلقانية الثانية سنة 1911م، فضل الفقيد يناضل وحده في الميدان، وصمد به مايزيد عن ثلاث سنوات استطاع خلالها بجلده، ومضاء عزمه، ويقينه مع قواته القليلة أن يقهر القوات الايطالية المنظمة الكبيرة، ويلحق بها الهزائم والخسائر حتى أرغم إيطاليا على طلب الصلح معه على يد الخديوي السابق عباس حلمي، فرفضه قائلاً إني لا أصالح أبداً دولة مسيحية على شبر من أرض للمسلمين، واستمر في جهاده المستميت الى آخر سني الحرب العالمية، حيث سافر الى تركيا ، وعرضت عليه الخلافة الاسلامية ، فرفضها... وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ألتجأ الى بلاد الحجاز، وضل فيها اربعة عشر عاماً بعيداً عن وطنه محتفظاً بإيمانه وتقشفه ، ووطنيته الى أن لبى نداء ربه وله في القلوب أفعم الذكريات ...)( ).
فرح إيطاليا بموته:
أعلنت إيطاليا وفاة السيد أحمد الشريف على لسان وزير مستعمراتها وقتذاك الجنرال دى بونو داخل قاعة المجلس الفاشيستي المنعقد حينذاك فقال: مات السيد أحمد الشريف السنوسي بالحجاز، متأثراً بالشلل، وبموته ماتت جميع مخاوفنا في افريقيا وقال أيضاً مامعناه أن موت هذا الرجل العدو اللدود لنا يجعلنا نطمئن لجميع أعمالنا، ومقاصدنا الدينية في شمال أفريقيا، وقد كتبت أكثر الصحف الايطالية يومية كانت أو اسبوعية في فصول عقدتها حول تصدع ذلكم الصرح العظيم( ).
شكيب ارسلان يأبنّ أحمد الشريف في عنوان كبير بقية السلف الصالح وخاتمة المجاهدين:
لم يشعر بالخوف قلبي فيما عدا المصائب التي رزئت بها في أفراد عائلتي ماأشعره النبأ الصادع، والخبر الفاجع الذي نقل الى الآفاق نعي الاستاذ الأكبر، والسراج الأزهر خاتمة المجاهدين، ومثال الغزاة المرابطين ، السيف الباتر على هدى الصحابة الكرام في العصر الحاضر محي مآثر الأوائل في ايام الأواخر سيدي أحمد الشريف ابن سيدي الشريف ابن سيدي محمد بن علي السنوسي رضي الله عنه وعن سلفه وأرضاهم وجعل في جوار قدسه مأواهم.
إن فجيعة العالم الاسلامي بهذا الرجل الكبير من رجاله، بل بهذا الجبل الراسي من جباله هي من الحوادث التي تشغل مكاناً خاصاً في تاريخ مصائب الاسلام الذي أصبح أغنى تواريخ الأمم بالمصائب، وان هذا الفقيد العظيم لو عاش في زمن السلف الصالح وأيام الغزوات العربية والفتوحات العمرية لما كان مكانه في ذلك الوقت ليقصر عن مكان أحد من أولئك الابطال الذين نشروا الاسلام في الخافقين ورفعوا لواءه من نهر الرون الى جدار الصين، فما ظنك وهو قد جاهد هذا الجهاد كله، ووقف مدة عشرين سنة في وجه دولة من الدول العظام في عصر دثرت فيه معالم الجهاد، وانطفأت جذوة الاسلام حتى لم يبق منها إلا الرماد، واستولى اليأس على قلوب المسلمين حتى حسبوا كل مقاومة لدولة أوروبية ضرباً من ضروب الحماقة، وعم ذلك جموعهم الحاضر منهم والباد، وانتشر في الربى والوهاد، ومع هذا فإن سيدي أحمد الشريف السنوسي قد أتى ببرهان ساطع، ودليل قاطع على أن فئة من المسلمين في قطر لايتجاوز عدد أهله عدة مئات من الألوف يمكنها بقوة الارادة ، وثبات العزم، ومضاء الصريمة، وإباء الضيم، وترجيح المعنى عن المادة، وإيثار الشرف على الترف، وامتلاء القلوب بالايمان، ووقف النفوس على اعتزام عزائم الاسلام ان تثبت مدة 240 شهراً ، بازاء دولة عدد أهلها اثنان واربعون مليوناً مجهزة بجميع ماهي مجهزة به عظيمات دول العالم المتمدن لها من فيالق البر وأساطيل البحر، وسيارات الكهرباء، والمحلقات في الفضاء ما لاتملك أعظم منه دولة من الدول القاعدة في الصف الأول في ممالك الأرض.
وقد يقول المتعنتون الذين في قلوبهم مرض والذين لايروقهم إلا أن يروا الاسلام ذليلاً مهيناً: وماذا أفادنا قيام السيد السنوسي في وجه إيطاليا، وهل كان ذلك إلا سبباً في زيادة قهر المسلمين ، وإرهاقهم ، بأفانين الظلم، وأساليب الاستئصال في طرابلس الغرب؟ فلو كان هؤلاء الاهالي قد خضعوا من بداية الأمر للدولة التي قد احتلت بلادهم وقضي الله بسيادتهم عليهم لربما كانوا قد نجوا من العذاب المقيم الذي هم فيه والخطوب التي أبادت خضراءهم، وماأشبه ذلك من الاعاليل التي تفيض بها قرائح النفوس الخاملة المولعة بالاستحذاء للأجنبي أيا كان.
وجوابنا على ذلك بسيط وهو: إننا مارأينا أمة اوروبية مهما قل عددها وانقطع مددها، قد رضيت بالاستحذاء لدولة اوروبية عظيمة مهما علا سلطانها، وغلظت ملكتها في الأرض؛ بل القاعدة عند الأوروبيين -الذين هم قدوة الشرقيين الآن في جميع المآخذ والمتارك- هي أن الأمة المستقلة لابد لها من أن تذود عن حوضها وتدافع بغير دفاع فالموت أولى به من الحياة بلا نزاع. وأن بقية السيف مهما قلت هي أشرف مقاماً، وأرجى حياة من الكثرة المستنيمة الى الذل ولو كان كالجراد المنتشر ، وقد حققت الحوادث، وأيدت التجاريب أن الخضوع ليس من أحسن الوسائل التي تعالج بها عداوة الأعداء وأن قول الشاعر:
قاتل عدوك باللسان
وإن قدرت فبالسنــــــــــــان
إن العداوة ليس
يصلحها الخضوع مدى الزمان
لاتزال هي الحقيقة السياسية التي تدين بها دول العالم الحديث، كما دانت بها دول العالم القديم. ولعمري لو خضع الطرابلسيون من أول الأمر أكمل الخضوع لايطاليا لما كان لذلك نتيجة سوى زيادة الطغيان في معاملتهم واستخفافهم بملتهم، وامتداد أيدي الأوروبيين دون أدنى تردد الى كل قطر من الأقطار الاسلامية قياساً على قضية طرابلس، واعتقاداً بأن هذه الامة قد فقدت حسيس الحياة فهي لاتبدي ، ولا تعيد، ولا تفعل فيها الأسنة ولا السهام لأنه مالجرح بميت ايلام.
قد استشهدنا على صحة المقاومة ولو كان المعتدي قوياً، والمعتدي عليه ضعيفاً بالقاعدة السياسية والمبادئ الاساسية التي يسير عليها الأوروبيون حرباً وسلماً، وعملاً وعلماً ، ولم تتعرض الى مايجب من ذلك على المسلمين الذين ينهاهم كتابهم عن الخضوع للاجنبيين عنهم ويقول لهم : ,... إن كان اباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين...- ولم يكن تقديمنا الحجة الاولى لكوننا أشد بها اقتناعاً من الحجة الثانية، ولكن لمعرفتنا أن مثل هؤلاء المصابين بمرض الافتتان بالسلطة الأوروبية ليسوا ممن يقبلون الجدال على قاعدة الأوامر والنواهي القرآنية، وإنك إن لم تستظهر عليهم بكتاب أوروبي أو سنة غربية لم يفدك الأخذ والرد معهم شيئاً.
فالسيد أحمد الشريف السنوسي هو خاتمة مجاهدي الاسلام الى هذا الوقت قد سبقه الشيخ شامل الداغستاني الذي قاوم الروسية أربعين سنة، والامير عبدالقادر الجزائري الذي ناهض فرنسا 17 سنة، وتبعه في الجهاد واقتدى بسيرته محمد عبدالكريم الخطابي الريفي الذي كانت مقاومته قصيرة ولكنها عريضة تواقف فيها مع دولتي فرنسا وأسبانيا معاً وجهاً لوجه وزلزلتا في حربه زلزالاً شديداً ولولا السيد أحمد الشريف رحمه الله تعالى لكانت ايطاليا استصفت قطرى طرابلس ، وبرقة من الشهر الاول من غارتها الغادرة عليهما واننا لانزال نذكر كلام القواد، ورجال السياسة الاوروبية عن الحملة الايطالية يوم جردتها ذينك القطرين إذ قال بعضهم إن إيطاليا ستقبض على ناصية الامر ، وتستكمل هذا الفتح في مدة 15 يوماً ، وقال أشدهم تشاؤماً وأقلهم تخيلاً، وأبصرهم بأمور الشرق وهو اللورد كتشنر المشهور أن هذا الفتح الذي يستهله الناس على إيطاليا أمامه من الصعوبات أكثر مما يظنون ، وقد يستغرق ثلاثة أشهر بالاقل.. فليتأمل أولوا الألباب كيف أن هذه الثلاثة أشهر امتدت عشرين عاماً، ورزأت الدولة الايطالية بمائة وخمسين ألف عسكري قتلى عدا الجرحى، وبثلثمائة مليون جنيه من الذهب الوضاح، هذا كان مجموع خسائر ايطاليا منذ سنتين بحسب الاحصاءات الرسمية، وهذا كان ثمرة جهاد ذلك السيد السند.
نعم لم تأكل ايطاليا في اعتدائها الفظيع هذا مريئاً ولم تشرب هنيئاً ، وعلق في حلقها من سمك الاسلام حسك لايزول في الاحقاب، ولا في القرون، وكل ذلك بما أراده الله على يد رجل قد كان يفهم الاسلام حق الفهم، ويعمل بما يعلم منه بدون انحراف يمنة ولا يسرة، ولم يكن في قلبه شيء من الدنيا بجانب الآخرة، وكانت جميع حطام هذا العالم الفاني لا توازي عنده جناح بعوضة في جانب الواجب الاسلامي ، وهذا الرجل هو السيد السنوسي الكبير الذي لولاه لم يكن أنور قدر أن يعمل شيئاً، ولا كانت الدولة العثمانية قدرت أن تدافع عن طرابلس شهراً واحداً. وماكان المرحوم الشهيد البطل الفريد عمر المختار إلا حسنة من حسنات السيد أحمد الشريف، وقائداً من قواده.
قلت أن السيد السنوسي لو كان في عصر السلف لكان في صف أعاظم أبطال المسلمين ، فكيف وهو في عصر الخلف الذين بينهم، وبين السلف مابين المشرق والمغرب، وإن هذه المقابلة تذكرني بما قاله احد العلماء عن أحمد بن حنبل ? : ماقام أحمد بأمر الاسلام بعد رسول الله ? مثل أحمد بن حنبل فقيل لذلك القائل، وأظنه ابن المديني المحدث المشهور: ولا أبوبكر الصديق؟ فأجاب ولا أبوبكر الصديق. وذلك لأن أبا بكر الصديق ? كان له رجال وأعوان وأن احمد بن حنبل لم يكن له رجال ولا أعوان، وإنما كان يناضل بقوة نفسه وحدها.
ونحن نقول لو كانت الدولة العثمانية قاومت ايطاليا هذه المقاومة أو قاومت أعظم من أيطاليا مما سبقت لها العادة بمقاومته وأحياناً بموالاة الهزائم عليه لما كان في ذلك مايقضي بالعجب، ولكن الذي قام هذا المقام الشريف، ووقف هذا الموقف التاريخي النادر النظير هو رجل لايملك سوى قوة ارادته ، ومتانة ايمانه، وإيمان رجاله، وعزة أنفسهم بالاسلام، وصبرهم في البأسا وحين البأس، وبينهم وبين عدوهم في الاعتدة والأسلحة والمال، والعدد من الفروق الهائلة مالا يحتمل التنظير في قليل ولا كثير؛ ففضله إذن إعظم جداً من فضل الدولة العثمانية في جهادها وان كان فضلها عظيم، وهو وحده كان مصدر هذه الارادة التي أنشأت بإذن الله هذا الجهاد الطويل العريض، وحفظت شرف الاسلام المعتدى عليه في طرابلس ، وغير طرابلس لانه مما يجب أن لانتمارى فيه ان أوروبا لاتعرف في ذات نفسها إلا إسلاماً واحداً، أن السيد أحمد الشريف هو بنفسه أمة، وأن سيرة السيد أحمد الشريف هي بذاتها تاريخ، وإن كل من عرف عن كثب ذلك السيد الغطريف علم من أخلاقه وورعه وحلمه وعلمه، وزهده في الدنيا، وحبه لمعالي الأمور وعزوفه عن سفاسفها ، ومؤاساته للفقراء، وحنانه على الضعفاء، وشدته مع ذلك في الدين، وانحصار كل همومه في استتباب أمر المسلمين ، ومحافظته على الفرائض والسنن، وغير ذلك من الأخلاق العالية، والهمم الشماء، والمنازع القعساء مايذكر بأخلاق الصحابة الكرام، بل يشبه من أخلاق الخلفاء الراشدين العظام، ولا أقول هذا في مقام تأبين من عادة الناس أن يروا فيه الحسنات مجسمة، وأن يحملهم الموت على طي الهنات وتناسي السيئات، بل أقول أنه كان هذا لسان جميع من خالطوه، والفقيد رحمه الله ملآن حياة، وكل من خالطه يعرف منه هذه الاخلاق بأجمعها ويعرف أكثر منها؛ وطالما كان يقول الأمير سعيد حليم الصدر الأعظم: إن الامة الاسلامية والدولة العثمانية لم تقدر هذا الرجل حق قدره... وإني لمتذكر كوننا صمنا شهر رمضان في مرسين وذلك سنة 1342هـ، فكنت إفطر في منزلي بالبلدة ثم أذهب الى خرستيان كوى حيث يقيم السيد، ونصلي وراءه العشاء والتراويح،وكان يجتمع المغاربة الذين في مرسين نحواً من أربعين شخصاً ويصلون وراءه أيضاً، فكان يقرأ خمس القرآن في كل صلاة، وكنت صليت وراءه ساعتين؛ فعجزت عن ذلك ، وصرت أقتصر على صلاة العشاء وكانوا هم يصلون التراويح ، وبعد الصلاة نجلس الى السحور، وكان في القراءة يتدفق كالسيل ولايتوقف، ولايتردد، ولايتلعثم، وكنت أقضي من ذلك العجب العجاب، وأقول كيف أن رجلاً كهذا الرجل قد توسط بين الخمسين والستين من العمر، وتحمل من الهموم، والاثقال ماتنوء به الجبال، وهو لايزال يتذكر كتاب الله كله ويقرأه عن ظهر قلبه كقراءته للفاتحة؛ لم أتذكر أنه مدة الشهر من أوله الى آخره وفي الختمات الست التي ختمها لكتاب الله توقف في القراءة أكثر من ثلاث أو أربع مرات كان يقف قليلاً ليتذكر الآية، وكان وراءه شاب تونسي حافظ، فيسرع بالقائه إياها له؛ فيمضي في القراءة مضاء السهم، وهذا غريب؛ فيمن بلغ تلك السن، وانطوى على ذلك الهم العظيم؛ من فراق الأوطان ، وتنوع الأشجان، وجور الحدثان.
ولم يكن للسيد غرام في الدنيا إلا بأمر هذه الأمة ولما سألته عند اجتماعنا في مكة عن أولاده الذين تركهم أطفالاً أجابني : قد صاروا الآن رجالاً، وما أنا بمفكر في أمرهم ، وإنما يهمني أمر هذه الأمة المعذبة في طرابلس، وكان في قلبه من أمر طرابلس مالا يعلمه إلا الله، ولكنه كان في إيمانه في ثبات الجبال، وكان يرى في هذه المصائب مقدمات يقظة الاسلام.... اللهم انه كان من اجل العارفين بك وأبر القائمين بأوامرك ونواهيك وأشد المحبين لعيالك الخلق، وأصلب المتمسكين بكلمتك الحق، وانه كان القدوة المثلى بين خلائقك، والحجة الوثقى بحقائك والرجل الذي أدى الى آخر نفس من أنفاسه جميع الواجب الذي عليه لدينه ولقومه، ولناسه، وللانسانية التي كان لها مثالاُ، فأعلي درجته يارب في جوار قدسك ونوّر وحشتة قبره بأنسك وبوئه في عقباه المقام الكريم الذي يليق بكرمك العميم، وبثوابك لمن سلكوا الصراط المستقيم واستحقوا النعيم المقيم إنك أنت الرحمن الرحيم)( ).
لقد نعت احمد الشريف رحمه الله أغلب الصحف في المشرق الاسلامي ، بأقلام أكابر الشعراء والكتّاب ، وقد كتب السيد عبدالرحمن عزام فصلاً عن حياة السيد احمد الشريف نشرته جريد البلاغ الغراء الصادرة بمصر( )، وقد صلى عليه المسلمون صلاة الغائب بعد صلاة الجمعة الاولى من شهر محرم فاتحة سنة 1352هـ وقالت مجلة المنار: تقام صلاة الغائب على الزعيم الاسلامي المجاهد العظيم، والمرشد الشهير، السيد أحمد الشريف السنوسي في جميع المساجد الجامعة في القطر المصري، وسائر الاقطار التي بلغتها الدعوة الى هذه الصلاة من مكتب المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف، ستكون هذه الصلاة ممتازة بمعنى لم يسبق لها نظير في مثيلاتها من صلاة الغائب التي يقيمها المسلمون في بعض الاقطار عندما يموت عظيم من عظماء الاسلام في علمه الواسع وعمله النافع، لا باتصاف السيد السنوسي بشرف الحسب ولا باشتهاره بالصلاح والتقوى، ولا بمكانه المعروف في العلم والعمل والارشاد والاصلاح، والبر والاحسان، ولا بالجاه العريض الذي ناله بتقليده سيف البيعة للسلطان محمد الخامس، وانعام السلطان عليه بلقب الوزارة والنيشان المرصع، فكان أول عالم مرشد معهم تحلى بها، كما تقدم آنفاً؛ بل تمتاز هذه الصلاة على هذا الرجل العظيم بعمل له هو الذي تم به كماله وهوالجهاد بماله، ونفسه في سبيل الله دفاعاً عن دينه، وقومه، ووطنه، وبما آل إليه أمره من جراء هذا الجهاد من هجرته الاولى الى بلاد الترك، ثم اخراجه منها وتعذر رجوعه الى وطنه، وتعذر اقامته في سورية ، ومصر وفي كل قطر اسلامي خاضع لنفوذ الدول الاستعمارية الثلاثة المحاربة للاسلام المستذلة للمسلمين، وقد قاتلها كلها في سبيل الله، حتى لجأ أخيراً الى مهد الاسلام في حرم الله، وحرم رسوله ?، ومات بجوار جده صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، فبهذا كله صار للصلاة عليه معنى لم يسبق لغيره من عظماء الاسلام المعاصرين( ).
هذا وقد أبنه الشاعر الكبير الاستاذ احمد محرم المصري بقصيدة قال فيها:
هتف النعى فما ملكت بياني
ليت النعى الى الامام نعاني
فزع الحيطم وراع يثرب عاصف
للموت ضج لهوله الحرمان
سهم أصاب المسلمين وجال في
كبد الهدى وحشاشة الايمان
جرح الائمة واستمر فما ارعوى
حتى استباح مقاتل الفرسان
ذهب الامام يقيم حائط دينه
ويراه انفع مايقيم الباني
ذهب المجاهد يشتري لبلاده
عز الحياة باشرف الأثمان( )
وأما الاستاذ عبدالقادر المجددي الأفغاني نزيل الحجاز فقد قال قصيدة عصماء في رثاء احمد الشريف من ابياتها:
الله أكبر ماهذه المصيبات
ذابت لاهوالها منا الحشاشات
اعلام جيش الهدى قد نكست جزعاً
لما توالت من الايام صدمات
مات الذي كان للاسلام خير حمى
رباه رحماك ماهذه الدهيات
من للبواتر من بعد الفقيد ومن
للمشرفيه إن صحت ملاقات
الى أن يقول:
ذببت عن حوض هذا الدين متكلاً
على الإله فوافتك الشهادات
في الغرب في الشرق في الاسلام في عرب
بطن الصحائف من ذكراك آيات( )
هذه قصة احمد الشريف السنوسي، السيد الصنديد، والعالم الجليل، والعابد الخاشع، والمجاهد الشجاع، والمهاجر الحزين، حاولت جاهداً أن أوضح للقارئ الكريم ملامحها الايمانية، وروائحها الزكية، وروحها الأبية، وحياتها المليئة بالدعوة، والجهاد، والعبادة، والعطاء لهذا الدين العظيم.
إن هذه السيرة العطرة تبين لمسلمي ليبيا أن من أصلاب أجدادهم خرج مثل هؤلاء الأبطال، وعاشوا للذود عن الاسلام، ونشره بين الأنام، وبذلوا الأنفس والأموال، وتقيم الحجة الدامغة، بالبراهين الساطعة، والحجج الواضحة أن الشعب المسلم في ليبيا خرج منه قادة وأبطال، ورجال عظام ، ندر الزمان أن يأتي بمثلهم وأن شجرة الاسلام الزكية الضاربة بجذورها في شعبنا من زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب? لكفيلة بأن تؤتى اكلها كل حين بأذن ربها، وأن مانحن فيه من عثرة، وكبوة، وذلة، وبلاء (لاشك أنه من ذنوبنا) ، كما أنها فترة تمر بها الشعوب قبل تمكينها، فإلى الغد المشرق مع فجر الاسلام النير، فتلكن الهمم متجهة ولتتوحد الصفوف للعمل والتضحية والعطاء، والبذل من أجل أن تصبح بلادنا قلعة من قلاع المسلمين الحصينة منها تخرج جيوش المجاهدين، والدعاة العاملين، وتستقبل وفود طلاب العلم من العالم أجمع، ونسأل الله تعالى أن تعود بلادنا كما كانت وأكثر في دعوتها للاسلام وجهادها في سبيله على أسس صحيحة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وهدى الصحابة الميامين ومن تابعهم الى يوم الدين.
وعلى أحمد الشريف السنوسي وإخوانه الميامين الذين سطروا لنا هذا التاريخ العظيم؛ عليهم من الله المغفرة والرحمة والرضوان.
وكأن الشاعر عندما صاغ الابيات الآتية يجسد لنا حال أحمد الشريف
-رحمه الله-:
أقسمت أن لاأنثني عن غايتي
مادمت أحمل مصحفي وسلاحي
سأُعيد للاسلام سالف مجده
بعزيمتي وبوحدتي وكفاحي
أنا مسلم لا أرتضي بعقيدة
تُملى من الدجال والسَّفَّاحِ
أنا مسلم سجلت أروع صفحة
بعقيدتي وعدالتي وصلاحي
أنا ثائر أبْني الحياة كريمة
وعزيزة وعلى هدى وفلاح
في الأرض أبذر شرع دين محمد
ويشع نور جلاله الوضاح
أقسمت - ياوطني - بأن لا أنحني
إلا لربي فالق الاصباح
قسماً بأن أسعى لإسعاد الورى
سعياً حثيثاً مؤذناً بنجاح
(سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق