113
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث السادس
وصول أحمد الشريف الى تركيا
أولاً: عرض مصطفى كمال على أحمد الشريف نيابة الخليفة وجهاده مع الأتراك:
عرض مصطفى كمال على أحمد الشريف منصب نيابة الخليفة وقال لسيادته إن كافة الوزارات أصبح لها عندنا وكلاء يقومون باختصاصاتها بصفة مؤقتة حتى تمام النصر إن شاء الله تعالى غير أن مقام نيابة الخليفة لم نجد له من يليق به إلا سيادتكم ونرجوا أن تتموا لنا هذا النقص في جهازنا ولكم علينا ميثاق الله وعهده أننا سنقوم بكل مايترتب علينا نحو هذا المقام، ونرجوا أن تتموا لنا نقصنا هذا فقال له السيد احمد الشريف أنتم الآن مشغولون بما هو أهم مشغولون بصد العدو المهاجم لكم، والمحيط بكم، من كل ناحية وتحتاجون الى من يؤازركم فعلياً في ميادين الجهاد لا من يجلس على الكرسي ثم أنتم فيكم البركة واجراءاتكم حكيمة وصائبة، وأنا أحب أن أساهم معكم فعلياً في جهادكم هذا بقدر استطاعتي في أي جهة كانت وأرجوا أن تعذروني وسوف ياتي الوقت الذي لاتحتاجون فيه الى غيركم، وأنا معكم في السراء والضراء حتى يتم النصر إن شاء الله فقال -له مصطفى كمال- أنا مطمئن ، وواثق من ذلك، وهذا ظني وظن كل من يشاركني في هذه الثورة وفي الحقيقة ماتعلمت هذه الدروس المفيدة ولا تشربت في جسمي هذه الروح الأبية إلا في مدرســـتكم التي اسستموها في برقة المجاهدة، وها أنتم اليوم تؤسسوها عندنا من جديد وبذلك سنتصر بحول الله وقوته وستجني ثمرة جهادنا هذه ببركة مشاركتكم لنا، ووجودكم بيننا فأنت الأب، وأنا الابن وكل ماتراه صالحاً مرناً به ونحن على أتم الاستعداد للتنفيذ وفي اتباعنا لكم شرف لنا( ).
لقد أتقن مصطفى كمال دور النفاق والتدليس قال تعالى : ,ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافي قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لايحب الفساد، وإذا قيل له اتقي الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد-(سورة البقرة ، آية......).
إن احمد الشريف انخدع لكلام مصطفى كمال الذي مرد على النفاق وتفنن فيه، لأنه اكتفى بالظاهر، وترك الباطن لعالمه سبحانه وتعالى، ولأن مصطفى كمال ظهر بثوب الجهاد، وصد المعتدين فالوقوف بجانبه واجب شرعي هذا رأي أحمد الشريف حسب ظني.
ساهم احمد الشريف بطلب من مصطفى كمال في إخماد ثورة الاكراد وخرج إليهم وألتقى بشيوخهم ودعاهم الى الوحدة والوقوف صفاً واحداً ضد أعداء الدين، وطلب شيوخ الأكراد من أحمد الشريف أن يقيم وسطهم، ويتولى أمرهم، فامتنع عن ذلك وقال: إنما أنا مجمع ولست مفرق، ومصلح، ولست بمفسد، وسمع الأكراد ، وأطاعوا ، وأخذ عليهم مواثيق غليظة لوقوفهم مع مصطفى كمال، وبقي في ديار بكر، ونصيبين ، وماردين، مدة ستة أشهر حتى تحقق تماماً من تهدأة الثورة.
وفي مدة أقامته في ديار بكر كانت القوات اليونانية تتقدم والقوات الكمالية تدافع، غير أن القوات اليونانية انتصرت في عدة مواقع، وقامت بهجمات خاطفة، وجعلت هدفها ، انقرة، فاندحرت القوات الكمالية، أمام الجيوش اليونانية واحتلت الجبهة تماماً، وتحققت حكومة مصطفى كمال من الفشل، وأخلت بلدة أنقرة من كل شيء إلا الجنود( ).
وكانت القوات اليونانية قد استولت على ولاية أزمير وبروسه ومدانيه، وعلى كوتاهيه، واسبارطه، وافيون قره حصار، واسكيشهر، وأخيراً قصدت العاصمة انقرة، حتى لم يبق بينها وبين انقرة إلا عدة كيلومترات، واضطربت الأحوال، وارتبكت حكومة انقرة، وبدأ مصطفى كمال يوالي برقياته المطولة المثيرة الى سيادة أحمد الشريف ويقول لسيادته فيها : تغلب علينا العدو، فاذرعوا الى الله ليدركنا بعنايته، وكانت برقيات مثيرة تأثر منها أحمد الشريف تأثراً بالغاً، ورد أحمد الشريف على برقيات مصطفى كمال وقال له: ثق بالنصر من الله ، ويأتيك الغوث إن شاء الله تعالى ثم انتدب إليه رفيقه في جهاده الشيخ محمد عبدالله الزوي، وأعطاه مصحف شريف، وسيف، وبرنوس من ملابسه، الخاصة وقال له: في كتابه الخاص بعثت إليك بمصحف الله تعالى، وسيف النصر، وكسوة العز والفوز إن شاء الله تعالى، فلما وصل مندوبه الى مصطفى كمال وهو في الجبهة على رأس الجيش المستميت على نهر (سقاريا) سلمه الرسالة، وأعطاه الأمانة، فأمر مصطفى كمال بالتعبئة العامة، والهجوم المعاكس على العدو، ورتب الجبهة وفي الصباح اليوم الذي قرر فيه بدء الهجوم جمع القادة يتقدمهم رئيس اركان حربه فوزي باشا، وعصمت باشا، ورأفت باشا، وغيرهم ثم لبس البرنوس المرسل له من السيد احمد الشريف، وتقلد السيف، وعلق المصحف الشريف ثم تقدم وصلي بهؤلاء القادة ركعتين بحضور محمد عبدالله الزوي، وتضرعوا الى الله وطلبوا منه العون والنصر ثم اطلق مصطفى كمال من يده رصاصة الهجوم وبدأت معركة الاستماتة، ودامت ثلاثة أيام بلياليها، فني خلالها ماينوف على العشرين الفاً من الاتراك، ومايزيد على الثلاثين ألفاً من اليونان، واختلت في نهايتها مقدمة جيش اليونان، وولت فلوله على أعقابها وتعقبتها الجيوش الكمالية، وكان ذلك بداية الانتصار النهائي على اليونان( ).
وبعد ذلك الانتصار الحاسم ورجوع الحكومة الكمالية الى انقرة زار احمد الشريف مصطفى كمال مهنئاً بالنصر، واحتفلت به الحكومة التركية، ثم ذهب الى طرسوس، وفي أثناء اقامته بها قام مصطفى كمال بجولة تفقدية في انحاء الاناضول، وعرج على ولاية أظنة وأتى خصيصاً لزيارة احمد الشريف، فأقام احمد الشريف لمصطفى كمال حفلة غذاء فخمة حضرها كل من معه من القادة، كما حضرها عموم أعيان البلاد ووجهاؤها، والموظفون ، وفي اثناء جلوس الجميع على المائدة وقف مصطفى كمال وقال مخاطباً لقادته الحاضرين باللغة التركية (أيها الأخوان اسمحوا لي لأعرفكم بمن نحن في حضرته، وعلى مائدته نحن الآن في حضرة فخر المسلمين، وحفيد سيد المرسلين، المجاهد السيد أحمد الشريف السنوسي، معلمنا الأول ، ومؤسس أول مدرسة في برقة كنا وفدنا إليها، وتلقينا دروس الجهاد، والمقاومة، والدفاع عن النفس، والدين ، والوطن بها، وهذا ويشير الى سيادة احمد الشريف، هو الذي غرس في نفوسنا شجرة الدفاع الثابتة، وهو الذي آزرنا في محنتنا القاسية، وشجعنا بافكاره، وآرائه الصائبة حتى نلنا شرفنا ، وعزتنا، وانقذنا من براثن الاعداء بلادنا، فله من الحكومة والشعب التركي؛ كمال الشكر، والتقدير، ثم اختتم كلامه وجلس فقابله سيادته بكلمات شكر. وقال الشكر لله وحده هو الذي أيدكم ونصركم، ومزق أعداءكم بسبب جدكم واجتهادكم وتوحيد صفوفكم ونرجو من الله لكم مزيد التوفيق؟
وبعدإقامته في طرسوس لمدة سنة تقريباً انتقل أحمد الشريف الى مرفأ مرسين، وفي اثناء اقامته وفد إليه صديقه الحميم أمير البيان الأمير شكيب ارسلان واتت بعض وجوه الناس من ليبيا، وارسل الرسائل الى ابن عمه محمد ادريس، والى قائد حركة الجهاد الغر الميمون عمر المختار يحثه على مواصلة الجهاد( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق