106
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الخامس
الحرب العالمية الأولى
أولاً: إقحام أحمد الشريف في الحرب :
بعد دخول تركيا الحرب العالمية الأولى بجانب المانيا، رأت الحكومات التركية والألمانية الاستفادة من جهود السنوسيين لتشتيت القوات الإنجليزية، وفق خطة لإحتلال قناة السويس وتطهير مصر من الوجود الإنجليزي، ولتحقيق هذه الغاية بعث أنور باشا إلى أحمد الشريف يبلغه أن السلطان العثماني قرّر منحه النيابة عنه في إفريقيا، ويخوّله ما له من نفوذ مطلق مدنيا، وعسكرياً، مثل حق إعطاء الرتب، والنياشين، والعفو عن المحكومين، والتولية والعزل، دون الرجوع إلى الباب العالي باستانبول، ثم وصل إلى برقة الضابط العثماني أخو أنور باشا (نوري باشا) ومعه الأوسمة الرفيعة والنياشين، وقابل أحمد الشريف قرب السلوم وسلمه رسالة أخيه أنور التي كانت تحمل نبأ إعلان الحرب، وتعيين السلطان له نائباً عنه في إفريقيا الشمالية( )، وفي نفس الفترة وصل برقة الضابط الألماني مانسمان( ) الذي كان معه كتاب خاص من إمبراطور ألمانيا إلى أحمد الشريف، ويحمل نيشاناً رفيعاً منحه الإمبراطور إليه، كما وصلها أيضاً جعفر العسكري( ).
وكان هؤلاء الضباط مستائين من سياسة أحمد الشريف تجاه الإنجليز، لأن ذلك يخالف أغراضهم التي جاءوا من أجلها، وبذل نوري باشا ورفقائه جهوداً مضنية للتأثير على أحمد الشريف كي يهاجم الإنجليز، فاخفقوا أمام إصرار أحمد الشريف عن الإمتناع، ووصلت عدة كتابات من أنور باشا يبين فيها للسيد أحمد الشريف فوائد الصدام مع الإنجليز والاصطدام بهم ورد عليه أحمد الشريف بتقرير بتاريخ 29 صفر سنة 1335هـ جاء فيه: ( ... حرب ياتيك (يقصد به حرب الطليان )، وحرب تاتيه( يقصد بها حرب الإنجليز )، فالحرب الذي ياتيك يجب عليك مدافعته باي حالة كانت، والحرب الذي تاتيه يجب عليك الإستعداد له )( ).
ويوضح تقرير أحمد الشريف أنه مهتم بأمر حرب الطليان الذين جاءوا إلى أرضه، وأنه يجب عليه أن يركز جهوده عليها من أجل تحرير بلاده، وفي نفس الوقت فهو غير مستعد لإعلان حرب جديدة لاقدرة له عليها، ولاتسمح له ظروفه الحربية، والسياسية، والإقتصادية القيام بها.
وهناك سؤال يطرح نفسه في نص تقرير أحمد الشريف وهو ماذا يقصد بعبارة ( يجب عليك الاستعداد له ) إن أحمد الشريف يؤكد لأنور وزير الحربية من خلال هذا التقرير أنه يجب الاستعداد لهذه الحرب، إن أحمد الشريف كان لايريد الدخول في حرب إلا مع أعدائه الإيطاليين المحتلين للأراضي الليبية وخصوصاً أنه يريد أن يحافظ على علاقته الجيدة مع الإنجليز الذين كانوا قد تركوا السنوسيين وشأنهم ولم يعتدوا عليهم، " وكان حيادهم على جانب عظيم من الأهمية بالنسبة لحركة الجهاد لأن جميع ذخائر المجاهدين في الجبهة الشرقية كانت تأتي من مصر حيث كانوا يتمتعون بعطف الشعب كله "( ) وقد ترك الإنجليز المجاهدين يبيعون الأسلاب التي غنموها من الطليان في ميناء السلوم، وحرصوا على أن تكون العلاقة بينهم وبين السنوسيين جيدة، فكانوا يبعثون الهدايا والكتب ومعها رسائل الإحترام والتقدير لشخصه وبلاده، كما أن أحمد الشريف نفسه كان يجامل المسؤولين الإنجليز لتأمين حدود بلاده وسلامتها أولاً ثم لقضاء حاجياته من مصر، فقد كانت تصنع فيها ألبسة رجال جيشه وكان بعض العتاد والذخائر يصل إليه منها( ).
كان أحمد الشريف مشفق من التورط في أمور هو في غنى عنها في ذلك الوقت بالذات، ولذلك فقد طلب من الشيخ محمد سوف المحمودي الذي وصل من تركيا أن يسافر برجاله إلى طرابلس، وأن يقيم معسكراً بمجرّد وصوله إلى هناك لمواصلة حرب الإيطاليين، وقد منحه أحمد الشريف رتبة بكباشي شرف تقديراً لشخصه وجهاده، وأطاع الشيخ سوف الأمر وسافر برجاله إلى طرابلس وذلك في أوائل شهر يناير سنة 1915م.
إلا أن منظمة تشكيلات مخصوصة وهي تابعة للمخابرات العسكرية العثمانية يعرفها البعض: ( بأنها منظمة عثمانية سرية غامضة مهمتها الأساسية الأمن الخارجي للأمبراطورية العثمانية، ومكافحة التجسس الأجنبي عليها وكان لمعظم المنتسبين إليها الصفة العسكرية( ). حاولت هذه المنظمة أن تجعل من أحمد الشريف أداة طيعة تستغلها حسبما تمليه مصالح الإمبراطورية العثمانية، وليس حسبما تقتضيه مصالح ليبيا والمتمثلة في تحريرها من الاستعمار الإيطالي، وكانت الحكومة التركية قد أرسلت بعض أنصارها الذين هم من ولاية طرابلس الغرب وكانوا قد هاجروا إلى تركيا بعد فشل المجاهدين في معركة جندوية سنة 1913م وكان من هؤلاء الشيخ سليمان الباروني، عضو مجلس المبعوثان وزعيم الجهاد الطرابلسي في الفترة الأولى 11/1913م وكان الشيخ الباروني: ( عثماني الميول وهو على علم بالمخطط التركي لغزو مصر، وإعداد حملتين لها شرقية وغربية وإخراج الإنجليز منها، ثم تحرير طرابلس بعد إخراج الطليان منها.. ) وقد عبر عن هذا عند وصوله إلى برقة وسأله هلال محمد الشريف السنوسي وهما بالسلوم عن شعر رأسه الطويل، وهو رجل متقدم في السن وصاحب منزلة كبيرة ماهذا الشعر يا باشا؟ فردّ الباروني سأجيبك بقصيدة من شعري لأنه أجمل من شَعْري .. وكان مما قال:
هذا هو الشعر الذي
شهد الحروب الهائلات
وعليه أمطرت القنابل
كالصواعق نازلات
خاض المعامع لايهاب
على الجياد الصافنات
حبا بتطهير المواطن
من بني الايطاليات
آليت أن يبقى إلى
أن يعبر الجند القناة( )
لنرى الغزاة على ضفاف
النيل تفتك بالبغاة
ونرى طرابلس العزيزة
في ليال باهرات
تختال في برد الهنا
بالانتصار على الطغاة
وتسود أعلام الخليفة
في البلاد الضائعات
ونرى الهلال متوجاً
جزر المحيط الخالدات
إذ ذاك يحلق بين
أفواج الأعاظم والغزاة
مابين تهليل وتكبير
وتقديم الصلات
فيكون عنوان الفتوح
مدى العصور الدائرات
أو هكذا يبقى إذا
لم ننتصر حتى الممات
يامن وعدت المسلمين
النصر أمنن بالحياة( )
عزمت المنظمة العثمانية على الزج بقوات أحمد الشريف في حرب لم يكن في حاجة إليها، خاصة في ذلك الوقت ولما يئست هذه المنظمة من إقناع أحمد الشريف بتلك الحرب، اتجهت نية ضباط تشكيلات مخصوصة إلى الخلاص من أحمد الشريف، وأعدت انقلاباً ضده، وتفجير خيمته، ووضع بديل له من العائلة السنوسية، يكون أسهل انقياداً وانصياعاً لمخططات هذه المنظمة، وتمّ اعداد المؤامرة إلا أنه اكتشف أمرها، وألقى القبض على المتهمين، وأمر أحمد الشريف البقية من مهاجري طرابلس بأن يسافروا إلى بلادهم بسرعة للإنضمام إلى الشيخ محمد سوف، وأنذر أحمد الشريف من يخالف أوامره بالإعدام، فنفذت كاملة، وهدأت الحالة وكان ذلك في شهر فبراير عام 1915م( ) ووصل الأمر بأن أتهم أحمد الشريف بأنه ممالئ للإنجليز سراً وفي مقابلة مع أحمد الشريف قام بها الضابط المصري محمد صالح حرب قبل نشوب الحرب سأل الأخير أحمد الشريف عن حقيقة موقفه، فأجابه: ( .. إن الأتراك إنما يريدون أن يورطوه في حرب مع الإنجليز قبل أن يستعد لها، وأنه لايمالئ الإنجليز محبة فيهم أو تقرباً منهم، ولكن مصر هي الباب الوحيد المفتوح الذي تأتيه منه الأرزاق التي يستطيع بسببها متابعة القتال ضد الطليان، فإذا قفل هذا الباب تحرج موقفه، وأنه لم يستدع الأتراك إلى ليبيا إلا ليجلبوا معهم الامدادات الكافية والتي يكون فيها الغناء عن ذلك المفتوح، ولكن هؤلاء حضروا وليس معهم أية امدادات أو أرزاق أو مال، ومع ذلك فهم يطلبون منه كل يوم القيام بحركة ويلحون في هذا الطلب، مع العلم أن بدء الحركة قبل أن يحين الوقت الملائم يعود بالشر والبال على الجميع، وختم السيد أحمد قوله: (وإني أصرح لك بأنه لاسلاح ولا ذخيرة، ولا مال ولا أرزاق كافية لدينا، وأنا ليس في نيتي أن أحارب الإنكليز)( ).
استمر ضباط منظمة تشكيلاتي مخصوصة في مهمتهم الرئيسية لإقحام احمد الشريف في حرب ضد الانكليز -وقد اعترف نوري باشا بأنه صار مرغماً بسبب سكوت أحمد الشريف على تدبير المخطط لفصم العلاقات القائمة بينه وبين الانكليز وبادر الاتراك سرياً بمهاجمة المراكز البريطانية ، وزوروا أوامر أحمد الشريف الى ضباط العرب وعساكرهم ووقع ماوقع( )، وأرسل الاتراك سعاة الى مصر يقولون أن احمد الشريف يأبى الزحف الى مصر مداراة للانكليز مع أنه حضر من الاستانة لأجل اعداد حملة على مصر وإنقاذها من أيدي الانكليز، فصارت تتوارد من مصر الرسل الى أحمد الشريف تعاتبه على موقفه هذا( ).
وعلى العموم فإن الأمور تلاحقت، وتتابعت الحوادث على الحدود بفعل التأثيرات الشديدة للحرب وضغوطها على الجانبين، فلم يكن بمقدور أحمد الشريف صد تيار الانجراف، فحدث ماحدث دون أن تكون له سيطرة على زمام الأمور، وحاول الانكليز تدارك الموقف بالطرق الدبلوماسية، تجنب العنف والصادم مع السنوسيين، تقليلاً لعدد خصومهم وأعدائهم ، في وقت كانت الحرب العالمية الأولى على أشدها، فاتصلوا بالسلطان حسين كامل (سلطان مصر) وأطلعوه على ماجرى وراء الحدود، ورجوه أن يعمل للاصلاح والتوفيق ولإقناع أحمد الشريف بالتزام الحياد، والتنبيه الى خطورة الاستماع الى الاتراك والألمان، فأرسل السلطان حسين كامل وفداً برئاسة محمد الشريف الادريسي نجل عبدالمتعال بن احمد بن ادريس ، وكانت معهم رسائل من السلطان حسين كامل، ومن السير ماكمهون نائب ملك الانكليز في مصر، ومن الجنرال ماكسويل قائد الجيش الاحتلال البريطاني في مصر، وتدور الرسائل حول فكرة النصح للسيد احمد الشريف بالتزام الحياد( ).
وهذا نص الرسالة التي ارسلها الجنرال السير جون مكسويل القائد العام لجنود جلالة ملك بريطانيا العظمى:
مصر في 3 ديسمبر سنة 1915/ 25 محرم سنة 1334هـ
حضرة الاستاذ الأعظم السيد أحمد الشريف السنوسي الخطابي الادريسي الحسني دام وجوده الكريم
تحية وسلاماً وبعد فقد أدهشني ماوجدته بعد عودتي الى مصر من زيارة الجيوش المتحالفة في غليبولي –إن العلاقات بيننا قد حدث فيها تغيير، وأن أتباع سيادتكم قد ارتكبوا أعمالاً عدائية ضد الحكومة المصرية.
وقد سمعت بارتياح أنكم أرسلتم كبيراً من مستشاريكم الى البّراني ليسعى في ارجاع بعض اتباعكم الذين عصوا أوامركم ولكني تعجبت إذ سمعت أن هؤلاء الاتباع قد تمادوا في العصيان حتى أنهم لم يطيعوا الأوامر فقط بل أطلقوا فعلاً على جعفر افندي. هذا وقد بلغني أيضاً ماهمني وهو أن سبعين رجلاً من رعايا الدولة الذين نجوا من مركب غرّقته العدو قد حجزوا غرب حدودنا؛ فأسألكم برهاناً على العواطف الودية التي أظهرتموها لنا أن ترسلوا هؤلاء الرجال المنكودي الحظ حالاً بدون أذى الى مرسي مطروح هذا ويظهر أن نفوذ نوري بك وأصدقائه الألمان عليكم يشبه نفوذ أنور باشا على جلالة سلطان تركيا. وهذا النفوذ الضار هو الذي زج تركيا في الحرب المهلكة والتي ستنتهي حتماً بزوال دولة الاتراك من الوجود إنكم تعلموا ان الحكومة المصرية والحكومة البريطانية عاملتا سيادتكم بكل اهتمام واحترام وأما الآن فقد اضطررت بسبب المقاصد السيئة التي تحيط بسيادتكم أن استدعى رجالي من نقطة السلوم، واتخذ لهم مركزاً في مرسى مطروح وعليكم الآن ان تبينوا بأعمالكم وأعمال اتباعكم اذا كنتم تحبون بقاء العلائق الودية ام لا .
ومن الآن وصاعداً كل رجل من اتباعكم يتعدى الحدود حاملاً سلاحه اضطر أن أعده كمن له مقاصد عدائية واعماله كذلك لقد سألتكم ان تظهروا مقاصدكم الودية بابعاد الاشخاص الذين معكم الآن المعروفين بعداوتهم لنا وأنا اتأسف أن أرى انكم لم تتمكنوا الى الأن من ابعادهم اني لا أشك ان السيد محمد الشريف الادريسي قد سلمكم كتابي، وفاوضكم في جميع الشؤون التي ولج اليه مفاوضتكم فيها ولا أشك في أنه بين لكم مقاصدنا نحوكم ودية محضة، وأن ما اوجب التغيير في العلاقات بيننا هو اعمال صدرت من جهتكم لا من جهتنا ولا يسعني إلا الظن بأن الدساسين قد نقلوا اخباراًكاذبة عن الحرب الاوربية والحقيقة هي ان خسارة امبراطور الألمان وحلفائه بطيئة و لكنها اكيدة على جميع خطوط القتال والمستقبل يريكم ما اراد الله .
واني اسألكم ان تمعنوا النظر في الأمر وتعتبروا انه اذا اتخذتم بسؤ الحظ خطة عدائية فانكم لا تجلبون عليكم ايطاليا بل فرنسا، وانكلترا، ومصر وتتحملون مسؤلية جميع النفوس التي تضيع في هذا السبيل، وتعرضون بلادكم للجوع اذ تسد عليكم طريق الزاد والمؤنة براً وتحصر الشطوط البحرية وإذ كان مستشاروكم يعتمدون على غواصات الاعداء فاعتمادهم قائم على لاشيء واني لكم ذلك كله ليس بقصد التهديد، بل بقصد "النصيحة" كصديق، والاتراك يقضون بكم مأربهم ثم ينبذونكم نبذ النواة وراء ظهورهم .
إن الحالة الحاضرة لايمكن ان تبقى على ما هي عليه الان ولذلك فإني اسألكم ان تبرهنوا حسن مقاصدكم، بالأعمال وليس بالاقوال، وان ترسلوا حالاً الى مرس مطروح الرجال الانكليز الذين نجوا من مركبهم وهم الآن غرب حدودنا، وان تعيدوا العلاقات الودية معنا، وان تخرجوا من بلادكم المستشارين الاتراك والالمان، أي نوري بك وما نسمان وغيرهما من الذين لا شك في انهم يجلبون عليكم وعلى بلادكم بلاءً عظيماً ولي الرجاء انكم توفون هذه المسائل حقها من الاهتمام قبل ان يقع ضرر لا يمكن تلافيه( ).
وقد كلف الجنرال ماكسويل رئيس الوفد بأن يبلغ أحمد الشريف باسم حكومته بأنها إذا انتهت الحرب العظمى الاولى، ولم يشترك فيها أحمد الشريف، وحافظ على الحياد، فإن انكلترا تتعهد بأن تساعده في الحصول على استقلال بلاده وتوفق بينه وبين إيطاليا، كما أنه سيكون أعظم شخصية عربية في البلاد العربية ومرجعاً لأمراء العرب، وكبرائهم( ).
واستمرت جهود ضباط منظمة تشكيلاتي مخصوصة لإشعال نار الحرب على الحدود، واستمالوا بعض العناصر بالوعود، والمال والذهب، ومن هؤلاء الذين تأثروا بدعاية الاتراك (احمد مختار الطرابلسي وأبو القاسم وآخرون)( ).
وكان هؤلاء الضباط قد هاجموا القوات الانكليزية قرب السلوم، وكان كل هذا يجري دون علم أحمد الشريف، وفعلاً هاجم المسلحون نقطة حراسة القوات الانكليزية في السلوم، وعلم أحمد الشريف بالحادثة في صباح اليوم التالي؛ فتأثر لذلك كثيراً؛ واضطرب اضطراباً شديداً، وحاول اصلاح الموقف، إلا أن الأمور سارت بما لا تشتهي، وانفرط زمام الموقف من يده فوجد نفسه هدفاً لهجوم مضاد من قبل، الانكليز، فما كان منه إلا أن يقبل الأمر الواقع الذي أوقعته فيه ضباط منظمة تشكيلاتي مخصوصة( ).
وكانت الأحداث تتجاذب أحمد الشريف بشدة، وتضعه في جملة من المواقف الحرجة منها:
1. أن تركيا مسلمة وهي تمثل الخلافة الاسلامية في نظره، وكان طبيعياً أن يميل الى الاسلام والمسلمين ومساعداتهم.
2. إن قوة الألمان العسكرية، وانتصاراتهم الباهرة مع بداية الحرب العالمية الأولى أقنعت بصورة أو أخرى، أحمدالشريف بقوة ألمانيا العسكرية، وبأنها ستحقق النصر النهائي على قوات الحلف (فرنسا، وبريطانيا، إيطاليا).
3. إن وعود بريطانيا للسيد أحمد الشريف بالتنازل له عن بعض الواحات هي وعود شفوية، أو كتابية فقط ولن ترى النور، ولن تخرج الى حيز التطبيق العملي مطلقاً، وهذه هي عادة بريطانيا التي كانت تطلق وعوداً غامضة متكررة ومتناقضة تصدر تحت ضغط الحرب.
4. كان أحمد الشريف مديناً بالولاء الودي والجميل للأتراك، فهم الذين قاتلوا وجاهدوا مع الليبيين في برقة وطرابلس، وله ارتباطات متينة مع كبار الضباط الأتراك، وعلى سبيل المثال كعلاقته مع أنور باشا وزير الحربية، كما أنه أصبح نائب السلطان (بحكم فرمان سلطاني) في شمال أفريقيا.
5. إن وعود الأتراك (الباب العالي - السلطان - وزارة الحربية- كبار الضباط - منظمة تشكيلات مخصوصة...) للسيد أحمد الشريف بتزويده بالسلاح والعتاد، والمال، وكل مستلزمات الحرب، كانت وعوداً صادقة في البداية ، وكان في تصور احمد الشريف أن ذلك العون سيستمر حتى تحرير البلاد، وخصوصاً أنهم بعثوا له بعض العون عن طريق الغواصات الألمانية قبل قيامه بإعلان الحرب ضد الانكليز في مصر.
6. ألتقت مصلحة أحمد الشريف، ومصلحة الاتراك والألمان في شيء واحد، ينتفعون جميعاً من فعله والقيام به، ألا وهو محاربة إيطاليا لأنها عدوة لهم جميعاً في تلك الفترة( ).
ورغم كل ذلك ومهم كانت الظروف ، فإن قراره بمهاجمة الانكليز عبر الحدود المصرية ، كان قراراً سريعاً رغم أن السيد أحمد قد رفضه وبشدة في البداية، لأنه على يقين أن ذلك الهجوم لا يتمشى مع مصلحة بلاده، فإن الاتراك والألمان كانوا ينظرون الى الحرب في شكلها المتكامل، والتي لاتمثل طرابلس إلا جبهة فرعية في تلك الاستراتيجية اتخذوا من أحمد الشريف مطية لتحقيق أغراضهم. ونحن نستغرب موافقة السيد أحمد على الدخول في تلك الحرب، فهي خارج بلاده، وتنقصه العدة ، والاسلحة، كما ليست ضد إيطاليا المحتلة لوطنه، لقد كان خطأ في الحكم والتقدير من رجل محنك صقلته التجارب وابتلته الأحداث، وكان له في ميادين السياسة والحرب صولات وجولات.
كان يجب عليه أن يتعاون مع الاتراك والألمان ضد، ايطاليا لتحرير بلاده أولاً( ).
ومهما يكن من أمر فإن الظروف لعبت دورها وأشترك أحمد الشريف بقواته وسار بجيشه وعدده أربعة آلاف مسلح وكان معه نوري باشا قائداً أولاً وجعفر العسكري قائداً ثانياً، وغرضهم الهجوم على السلوم، وجهز الانكليز جيشاً بلغ تعداده ثلاثين ألفاً من مشاة وفرسان.
وقامت الحرب بالفعل في نوفمبر سنة 1915م، وأخذت الفرق العسكرية النظامية والمتطوعة تنحدر الى الاراضي المصرية، وبدأت القيادة في إعلان وجوب اشتراك رجال القبائل المصرية في الحرب ضد الانكليز المحتلين، لمصر، والوقوف الى جانب الدولة العثمانية( ).
وكان الضابط المصري محمد صالح حرب تابعاً للقوات الانكليزية، فجمع الرؤساء والمشايخ وخاطبهم قائلاً:
(نقف اليوم بين معسكرين الانكليز أعداء الله والوطن الذين رفعوا علينا الحماية، والآخر معسكر العرب والأتراك الذين يقولون أنهم جاووا ليخلصونا ، وقد أقنعني ضميري وواجبي الديني بعدم البقاء مع الانكليز وقد خرجت في سبيل الجهاد ضدهم، فمن كان منكم يحرص على حياته أو تلزمه أية مسؤولية عائلية بالعودة الى مرسى مطروح فإنني لا أحول بينه وبين العودة إنما شريطة أن يترك مامعه من سلاح ومؤونة...)( ).
فلم يرغب أحد منهم في العودة، بل أبدوا جميعاً التصميم على البقاء الى جانب رئيسهم، وعاهدوه على الجهاد والثورة التي بدأت بصورة علنية، واستجاب لها بعض عرب قبائل أولاد علي، وبغض النظر عن عدد هذه القوة التي انضمت لقوات السيد أحمد، وغالباً ماكانت تقدر بحوالي مائة وخمسين جندياً( )، فإن هذه القوة المنظمة للمجاهدين أعطتهم دفعاً جديداً ، واجّجت في نفوسهم الرغبة لمنازلة الانكليز وتحرير الديار من نير المستمعرين.
بدأ هجوم المجاهدين والاتراك على القوات الانكليزية عند حدود مصر ودارت معارك طاحنة من أشهرها معركة وادي ماجد في أواخر شهر ديسمبر عام 1915م، ومعركة بوتونس التي قال فيها ضابط بريطاني شارك في هذه المعارك: (... لقد قام العدو بعزم شديد ومقاومة عنيفة ودام القتال من أجل إحراز قصب السبق اربع ساعات تحت نيران البنادق التي كان العدو يستخدماه بنجاح ودقة بقيادة ضباط أتراك وألمان وعلى حين كنا نحاول بشق الأنفس أن نصمد، دبت الفوضى في صف الفرسان على الميسرة، عندها قويت شوكة العرب الذين كانوا يجابهون هذا الجانب من صف الفرسان...)( ).
إلا أن المجاهدين كان ينقصهم الدواء واللباس، والذخيرة ، والسلاح، ولذلك تأثرت بقية المعارك ونتائجها تبعاً لذلك، فأخذ المجاهدون في الانسحاب والتقهقر اضطراراً . وبذلك النقص والانسحاب تأزم الموقف ودب الخلاف بين أحمد الشريف ونوري باشا، لتفاقم واشتداد الضرر الاقتصادي في معسكر المجاهدين وماحوله بشكل تجاوز حد الاحتمال( )، ولذلك عقد أحمد الشريف اجتماعاً عاجلاً لوضع حد معين لهذه الاحتجاجات والنواقص ولدراسة الأحداث من كل جوانبها، وعقد الاجتماع في أواخر يناير 1916م، في خيمة أحمد الشريف وحضره نوري باشا وجعفر العسكري عن الجانب التركي، ومحمد صالح حرب عن الضباط المصريين وثلاثة من كبار رجال السيد أحمد الشريف الذي ترأس ذلك الاجتماع، وكانت تبدو على أحمد الشريف علامات الانفعال والغضب، وألقى نقده على الضباط الاتراك الذين تسرعوا في بدء العمليات العسكرية بالرغم من عدم استكمال الاستعدادات اللازمة لها، وكان مما قاله موجهاً حديثه لنوري وجعفر: (.. لقد قفلتم فمن أين نتنفس...)( ). وقد ختم أحمد الشريف حديثه مخاطباً (نوري وجعفر) : (فما رايكم وقد أوصلتموها الى هذا الحال..وظهر اني كنت على هدى وكنتم على ضلال)( ).
وتناول الحديث محمد حرب بعد ماتكلم ضباط الاتراك وانتقد الخطة الحربية العامة للضباط الاتراك، وكان رأيه مناقضاً لما ذكره (نوري وجعفر) ذلك أن التقدم من جهة الساحل (قرب البحر) وعلى أرض تكاد تكون مكشوفة بالكامل يُمكن -حسب رأيه- القوات الانكليزية على قوات المجاهدين ، وتسليط نيرانهم المختلفة عليهم، هذا إضافة الى أن الأراضي الساحلية، متماسكة وتساعد الانكليز في أن يستخدموا عرباتهم وسياراتهم ونقلياتهم بسهولة، وكذلك فإن نشوب المعارك قرب البحر يُمَكن الانكليز من استغلال البحر سواء بسفنهم الحربية المزودة بالمدافع أو بنجدة سريعة للقوات الانكليزية إذا ماحقق المجاهدون انتصاراً عليها، وبناءً على ذلك، فقد كان رأي الضابط المصري (محمد حرب) هو أن يتحرك المجاهدون في ناحية الجنوب محاولة منهم لاحتلال الواحات المصرية على التتابع، ويُمَكِنَهم بذلك الإتصال بمشائخ العرب، ومسلمي الصعيد في المدن والقرى، الذين يرغبون في التخلص من الاستعمار الانكليزي ، لعل حركة الجهاد تشعل ثورة قوية تعصف بالحكم الانكليزي في مصر، بالإضافة الى توفر الماء، والتمور، وبالاضافة الى ذلك فإن القوات الانكليزية تضطر الى نشر قواتها على طول وادي النيل وبشكل يستهلك جزءاً من هذه القوات( ).
ورأى أحمد الشريف بصفته رئيس الاجتماع ونائب السلطان العثماني ، ان تنقسم قوات المجاهدين الى قسمين، قسم يتوجه الى الجنوب وهدفه احتلال الواحات المصرية، وكان هذا القسم يتألف من ثلاثة آلاف وخمسمائة مجاهد تقريباً يقوده محمد صالح حرب تحت اشراف السيد أحمد، والقسم الآخر يبقى في الشمال (الساحل) ويقوده جعفر العسكري ويشرف عليه القائد العام نوري باشا، وعدد رجاله ستة آلاف مجاهد( ). وانتهى ذلك الاجتماع على هذه المقررات، واتضح من خلال هذا الاجتماع بعض الأمور الهامة وفي مقدمتها مايلي:
1. سيطرة احمد الشريف الكاملة على جميع القوات الزاحفة ضد الانكليز عبر حدود مصر الغربية.
2. خطأ القادة الأتراك سواء في عدم الاستعداد لهذه الحملة (عسكرياً ، ومالياً ، وبشرياً..) او في رسم الخطط الحربية، ووضع استراتيجية هامة وتنسيق كامل، لتحطيم النفوذ الانكليزي في مصر.
3. إن وعود الأتراك للسيد أحمد الشريف بأن المدد متواصل، ومستمر ولن ينقطع ولن يكون هناك نقص في السلاح، والذخيرة والعتاد، والمؤن والأموال واللباس والدواء...كانت وعوداً غير عملية ولم ينفذ منه شيء، بل كان نوعاً من الدعاية لخدمة مصلحة الاتراك وأعوانهم.
4. اتضح وبجلاء أنه ليس بمقدور المجاهدين هزيمة الانكليز والانتصار عليهم لتفوقهم في الامكانيات والقدرات المتباينة .
5. اتضح الآن أن برقة يهددها شبح المجاعة ذلك أن جميع الطرق التجارية قفلت (مع الانكليز شرقاً، والفرنسيين جنوباً، والإيطاليين شمالاً).
6. إن الحال الذي عليه المجاهدون يبدو من خلال مادار في هذا الاجتماع متسماً بالصعوبة والضيق.
7. صواب رأي أحمد الشريف في عدم الرغبة في دخول الحرب مع الانكليز.
دخلت القوات الشمالية بقيادة نوري باشا في معارك طاحنة مع الانكليز في معركة وادي مقتلة، ومعركة العقاقير، وكانت النتيجة هزيمة المجاهدين الذين أخذوا في الانسحاب نحو الغرب، ولحقت بهم السيارات المدرعة الانكليزية، بعد أن حلقت فوقهم الطائرات الانكليزية تنذرهم بالتسليم خلال الاربع والعشرين ساعة ، وإلا هاجمتهم حتى الابادة( )، واستمرت مطاردة المنسحبين الى الحدود، بل وأكثر من ذلك داخل أراضي برقة نفسها، واستولى الانكليز على سيدي براني يوم 28 فبراير سنة 1916م، وكان من أثر معركة العقاقير التي أسر فيها القائد التركي جعفر باشا أن تشتت شمل القوات الشمالية للحملة، واستطاع الانكليز مطاردة فلول قوات المجاهدين، وتعقبتهم السيارات المدرعة متوغلة في برقة الى ماوراء بئر واعر، لقد كانت معركة العقاقير تمثل، نتيجة حملة أحمد الشريف على مصر، واستمرت القوات الانكليزية تطارد فلول المجاهدين ، فوقعت معركة بقبق شرق السلوم انتصر فيها الانكليز، الذين احتلوا بعد ذلك معركة السلوم( )، ودخل الانكليز الاراضي الليبية ووصلوا بئر حكيم في جنوب غرب طبرق واستطاعوا تخليص الأسرى الانكليز وكان عددهم 92 بحاراً بعد ان أبادوا قوات الحراسة( ) أما قوات المجاهدين في الجنوب كان يقودها اللواء محمد صالح حرب تحت إشراف احمد الشريف زحفت هذه القوات جنوباً وتمكنت من احتلال الواحات البحرية، والفرافرة والداخلة، وانضم إليها كل من كان بهذه الواحات من الموظفين المصريين، وكذلك الضباط والجنود، واتصل محمد صالح حرب بشيوخ العرب في المنيا، واسيوط والفيوم، ولم تعط هذه الاتصالات نتائج مشجعة، وبدأت قوات الانكليز تتزايد وتتكاثف بعد أن صدت الحملة العثمانية الشرقية على قناة السويس ، وفشلت ثورة السلطان علي دينار في منطقة دارفور ، واضطر المجاهدون للانسحاب من الواحات الداخلة الى الغرب جنوب سيوه والجغبوب، وكان لاعتماد الانكليز على الطائرات العسكرية في عمليات الكشف والاغارة، واستخدام قواتهم العسكرية للسيارات المصفحة والمدرعة والمزودة بالمدافع السريعة الطلقات أثر كبير في قلب ميزان القوى لصالحهم( ).
وتمكنت قوات المجاهدين من الوصول الى واحة سيوة في أمان تام، وكان أول ماعني به قائد المجاهدين محمد صالح حرب في سيوة هو إرسال التمور الى الجغبوب ليتزود به المجاهدون هناك( ).
وفي سيوة لحقت القوات الانكليزية بالمجاهدين وحصلت بينهم معركة كبيرة بتاريخ 8 فبراير 1917م، دامت نحو يوم كامل، وكانت معركة فاصلة جهز لها الانكليز كل إمكانياتهم لقتال وهزيمة وإفناء المجاهدين الذين دافعوا دفاعاً مستميتاً وانسحبوا من سيوة الى الجنوب على مسيرة ثلاثة أيام( ) وكان وصولهم إليها في شهر فبراير 1917م وحاول الانكليز مطاردة قوات المجاهدين المنسحبة الى الغرب نحو الجغبوب وبالقرب منها دارت بينهما آخر معركة في تلك الحرب وهي معركة (قرب) إحدى ضواحي الجغبوب( ) ولم يستطع الانكليز مواصلة السير ، وألتجأوا بعد ذلك الى الوسائل السياسية، وكان قبل وصول أحمد الشريف الى الجغبوب قد أرسلوا إليه رسالة مطولة وهذا نص رسالة الجنرال السير جون مكسيول القائد العام لجنود جلالة ملك بريطانيا العظمى:
مصر في 4 جمادى الأولى سنة 1334هـ الموافق 8 مارس سنة 1916م حضرة صاحب السيادة الاستاذ أحمد السنوسي الكبير تحية وسلاماً وبعد فقد وصلني كتابكم المرسل بيد رسولكم موسى وليس لي ان أرد عليه عما قلته في كتبي السابقة، إني كنت دائماً أحذركم من خطر الاصغاء الى نصائح نوري بك، وجعفر وغيرهما لأن مصلحة هؤلاء تناقض مصلحتكم على خط مستقيم، فإنكم بالاصغاء الى نصائحهم قد أثرتم حرباً على مصر ونسيتم جميل بيت محمد علي باشا الكبير الذي يمثله صاحب العظمة السلطان حسين سلطان مصر الحالي.
إنكم تعديتم الحدود ودخلتم الاراضي المصرية برجال مسلحين ومدافع وقد أطلقتم نيرانكم على العساكر المصرية والانكليزية، وأظهرتم بكل جلاء ووضوح أن مقاصدكم عدائية.
تقولون أني صدقت مقالة سنوبك ولم أصدق ماقلتموه أنتم فما هو الصحيح؟
إن جماعات من المحافظية المسلحين كانت على الدوام تأتي الى الأراضي المصرية أما بعلم منكم أو بغير علم منكم وتسيئ معاملة العرب الذين تحت إدارتنا وتأخذ منهم الضرائب بالقوة، وقد أطلق أتباعكم النيران على الغواصات الانكليزية لغير ماسبب، وأنزلت الغواصات الألمانية الأسلحة والعساكر وغيرها بقرب برديّه وأطلقت نيرانها على طراد لخفر السواحل وأغرقته وأتباعكم لم يطلقوا النار على الغواصات الألمانية بل استقبلوها بالترحاب ثم إنكم حفظتم في الأسر جماعة من رعايا الدولة البريطانية الذين غرق وابورهم ولجؤ الى سواحلكم. وقد هاجم أتباعكم نقطتنا في البراني والسبيل وأسروا عساكر الحرس وسرقوا بنادقهم وقطعوا خطوطنا التلغرافية، وهددوا نقطتنا بالسلوم حتى اضطررت أن أصدر الأوامر الى سنوبك بالرجوع الى مرسى مطروح وفي الوقت الذي كنتم فيه تصرحون بأن علاقتكم معنا على غاية الوداد كنتم تكتبون وترسلون مع رسلكم كتباً كالتي أرفقها بكتابي هذا وإني مرسلها إليكم لتعلموا الحقيقة أرى أنكم لازلتم تذكرون أمر معاهدة عقدت مع الطليان ووجدت بين اوراق سنوبك. وأنا أعود فأكرر القول أن ذلك غير صحيح لسببين: الأول لأنه لم نعمل معاهدة مثل هذه قط والثاني لأن سنوبك لم يكن عنده السلطة لان يعقد معاهدة كهذه.
إن جعفر هو الآن أسير حرب يقول إن الانكليز الذين نجو من الوابور والآن في الأسر عندكم هم في شقاء عظيم وليس عندهم مايلزمهم من الثيات والطعام. وأنتم تقولون أنهم على أتم الراحة والأمان. فإي القولين أصدق . إنكم تشكون من أني حجزت رسلكم هنا وأنا لم أفعل ذلك إلا بعد أن بادأتموني بالعداء. إن الله وحده يعلم بالخفايا، وماهو في ضميركم. وكل مايمكنني أن أقوله لكم أن أعمالكم كلها دلت على عدم تبصّر وروية، ويلزم أن تحصدوا الزرع الذي غرستموه.
إنكم بأعمالكم قد وقفتم موقف العدو ومادام في الأراضي المصرية رجل مسلح من رجالكم فإني أعتبركم عدواً، وقد سبقت فأخبرتكم عن الشروط التي بها وحدها يمكنني أن ابدأ بالمفاوضة معكم. وهذه الشروط أرسلتها في كتاب مؤرخ في 28 صفر سنة 1334هـ الموافق 4 يناير 1916م وهي كما يأتي :
1. أن تردوا بسلام جميع الأسرى البريطانيين أو الهنود أو الأوروبيين الذين في يدكم.
2. يجب أن تبعدوا كل الأتراك أو الألمان الذين عندكم، وإن كنتم تجدون صعوبة في إبعادهم فيمكنكم أن تسلموهم لي اسرى حرب.
3. يجب أن تخرجوا جميع رجالكم المسلحين من الأراضي المصرية وتتعهدوا بعدم دخول رجال مسلحين الى الأراضي المصرية ، وإذا دخلوا عوملوا معاملة أعداء حيثما وجدوا.
4. يجب أن تجلو جلاءً تاماً عن سيوه والسلوم وعن جميع البلاد التي الى الشرق منها وتقيموا بسلام في الجغبوب؛ فإذا كنتم الآن تجيبون هذه المطالب، وتظهرون بالأعمال أنكم تريدون أن تكونوا على الوداد؛ فإني مستعد للتساهل معكم أكثر مما تؤملون( ).
الجنرال السير جون مكسويل
القائد العام لجيوش جلالة الملك بريطانيا العظمى
كانت تلك الرسالة قد كتبها ماكسويل قائد الجيش البريطاني في مصر بعد الاستيلاء على معسكر السنوسي، واحتلال السلوم.
كان ادريس المهدي السنوسي أثناء تلك الحوادث ببرقة وكيلاً عاماً عن أحمد الشريف، وقد عرف سيادته، ببعد النظر، والتضلع في معرفة الأمور وكان قد نبه أكثر من مرة أحمد الشريف ووأوضح له رأيه، وكان يرى عدم الدخول مع الاتراك ضد بريطانيا في الحدود المصرية، وقد أصبحت البلاد في حال يرثى لها فقد تفشت فيها المجاعة، كما تسرب إليها مرض الطاعون، وسدت سبيل السبل في وجوه الليبيين بعد ماكانت السوق المصرية مفتوحة الابواب وأصيبت الحيوانات بالجدب، وهي أهم موارد البلاد وقد أمسكت السماء ، ودخلت البلاد في حروب مع إيطاليا من جهة، ومع الانكليز من جهة أخرى، وألتفت القبائل وشيوخها حول زعامة أدريس المهدي السنوسي( ) وكتبت الى ادريس بمقره في اجدابية، بصفته صاحب الحق الشرعي في إمامة السنوسيين، ليتدارك ماوقع فيه ابن عمه أحمد الشريف الوصي على الامارة بمحاربته الانكليز جرياً وراء الاتراك، خصوصاً أنهم لم يوفوا بوعودهم التي قطعوها له، فلم يرسلوا إليه بما يسد حاجة جيشه وبلاده كما وعدوه بل ورطوا البلاد في نكبة الحرب ضد بريطانيا، وتركوا شعبها الأبي يموت جوعاً( ) وكتب الامير ادريس السنوسي الى ابن عمه أحمد الشريف شارحاً له ماكان يجري في برقة، فرد الأخير برسالة مماثلة في أواخر سنة 1916م جاء فيها: (... أعمل ماتراه مناسباً، والحاضر يرى مالايراه الغائب، وأنا موافق على مطالب أهل الوطن حيث أن لهم حقاً في ذلك...)( ).
كان فشل الحملتين الشرقية والغربية على مصر، وتدهور الحالة الاقتصادية في برقة من الاسباب التي ساعدت على ظهور الأمير ادريس على مسرح الاحداث بعد ان أصبحت حاجة البلاد الى قيادة جديدة تتولى معالجة تلك المواقف الحرجة وسوف نرى بإذن الله تعالى الخطوات السياسية التي اتخذها الأمير إدريس ، بعد أن نكمل مسيرة أحمد الشريف الى وفاته.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق