105
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الخامس
الحرب العالمية الأولى
في أول عام 1333هـ قامت الحرب العالمية الأولى مابين ألمانيا وحليفاتها النمسا وبلغاريا، وإيطاليا ومابين بريطانيا وفرنسا وتبعتهم دول أوروبا الصغيرة ماعدا سويسرا، كما انضمت إليها روسيا وأمريكا، وكانت تركيا مترددة في الدخول مع هذا أو ذاك حتى أول عام 1334هـ دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا وحليفاتها، وفي نفس الوقت قامت إيطاليا وخانت حليفتها المانيا، وانضمت إلى صف الحلفاء، فرنسا وبريطانيا، وحليفاتهم روسيا واميركا، وبدخول تركيا الحرب ضد الحلفاء الذين كانوا يتوقعون منها ذلك تكالبوا عليها، وفتحوا عليها عدة جبهات، فكانت روسيا تحاربهم بالقفقاس، وفي عموم شواطئ البحر الأسود، والإنجليز في عموم شواطئ البحر الأحمر، واستطاعت بريطانيا أن تفتن أمير مكة الحسين بن علي وتحرضه على الدولة العثمانية وحدثت معارك أضعفت الدولة العثمانية بسبب تلك الأمور( )، لقد خدعت بريطانيا الحسين بن علي وأعطته وعوداً وأملاً ومنّته بإقامة دولة عربية تشمل كامل جزيرة العرب تحت تاجه، وبذلك أعلن ثورته على الحكومة العثمانية وتابعته قبائل العرب في الحجاز، وشرق الأردن، وأطراف نجد، وبادية العراق، وسوريا وفلسطين وثاروا على تركيا لثورته، فعمت البلوى، ولم يكتف الحلفاء بهذا كله، فجمعوا قواتهم الجوية، وأساطيلهم الحربية في البحر الأبيض، وفتحوا جبهة الدردنيل وكانت هذه الجبهة هي أشد الجبهات على تركيا وأخطرها، ولذلك كرست ما لديها من المجهود لدفع هذه الجبهة واستمرت معركة الإستماتة زهاء ستة أشهر استشهد خلالها ماينوف عن مائتي ألف جندي للأتراك لكنهم دفعوا العدو إلى البحر( ).
وكانت بريطانيا حريصة على استمالت أحمد الشريف إليها قبيل الحرب العالمية الأولى، وزاد حرصها بعد اندلاع الحرب الكونية، ويحفظ لنا التاريخ بعض الرسائل من القادة الإنجليز في مصر مرسلة إلى أحمد الشريف فهذه رسالة أرسلها اللورد كتثنر بواسطة بعض عملائهم
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالله المتوكل على الله سبحانه وتعالى اللورد كتشنر المعتمد السياسي لجلالة جورج الخامس ملك بريطانيا العظمى بالقطر المصري.
إلى مهبط اسرار الحضرة الربانية، ومصدر صفوة الإرشادات اللدنية صاحب التجليات الأسنية، والنفحات القدسية، قطب دائرة أهل الفضل والكمال، وخلاصة أرباب الحجا والجلال، المتحلي بروحانية أسلافه الطيبين الطاهرين، والمتجمل بصفات أهل الجمال واليقين، والمتخلي عن أوضار الأغيار في مهيع عبادة رب العالمين دوحة الشجرة الهاشمية وبضعة السلالة العلوية، خليفة صاحب ذلك النور القدوسي سيدي أحمد الشريف السنوسي رضي الله عنه وأيّده بروح منه.
أما بعد فإن الفرصة التي دعتني الآن لمكاتبة السيد الجليل أحسبها من أشرف الفرص، وإن كانت القصة الداعية إليها ليست من أحسن القصص على أن السيد الجليل والشريف النبيل خليفة ذلك الإمام المهدي العظيم وولي الله الكريم قد يسره أن ترفع اليه الظلامات ليحقق آمال رافعيها وأن تصل اليه أصوات الضراعات ليكون ملجأ ضارعيها، ولهذا يسرني أن أكون الواسطة لديكم لرفع مظالم قد ارتكبها من لم تخالط هدايتكم قلوبهم ولم تستأصل ارشاداتكم العالية من نفوسهم الخاطئة ذنوبهم ولذلك اكتب لمقامكم الكريم مايلي:
قد ورد لي من سعادة حاكم السودان العام أن جماعة من عربان الكبابيش التابعين لحكومة السودان ويبلغ عددهم تسعة وعشرين رجلاً قصدوا بير النظرون التابع لمديرية دنقلا، وبينما كانوا عند البئر اذ انقض عليهم عدد عظيم من العربان بينهم نحو مائة من أهل فزان أتباع الطريقة السنوسية الشريفة والباقون من أهل زغاوة والبديات، واعتدوا عليهم شر اعتداء وكان دافعهم إلى هذا الشر وداعيهم اليه قبل كل أحد زعيم الفزانين، واسمه الشيخ محمد أبو دوشي الفزاني أحد الخاضعين لسلطانكم والمستظلين بظل حمايتكم واحسانكم اذ ذهب برجاله إلى عربان غزاوة والبديات وطلب منهم الإنضمام إليه لمقاتلة الكبابيش وحرضهم على ذلك حتى انصاع اليه جمع منهم، فبلغ ذلك عدد عصابته التي أغار بها على ذلك النفر القلائل، ولم يخف سطوة الله عزوجل، ولم يذكر أن عمله المنكر فضلاً عن دونه يغضب الله وملائكته سيجلب عليه سخطكم وغضبكم الذي هو من سخط الله وغضبه، وكأنه لم يكفه أن يكون عدده كثيراً كالجيش الجرار، بإزاء جماعة الكبابيش الذين كانوا عند البئر بل أخذهم غدراً وفاجأهم على غرة منهم، فبينما كانوا آمنين لايحسبون للشر حساباً إذ أطلق عليهم رجاله من بنادقهم ناراً حامية كادت أن تحصدهم حصداً، فلما رآهم قد وقفوا أمامهم برهة من الزمن حملوا عليهم بسيوفهم ورماحهم، فطعنوا في صدورهم، أنكى الطعنات، وقتلوا بذلك ثمانية وجرحوا ثلاثة وأسروا اثنين وسلبوا ماكان معهم من سلاح ومتاع ثم استاقوا جمالهم وعددها مائة وواحد وأربعون بما عليها من الأحمال غير مبالين بأن يعدوا في شريعة الإسلام من العاثين في الأرض فساداً وأن جزاءهم فيها اذا وجدوا قضاة عدولاً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض الخ الآية الكريمة، فيرى السيد حفظه الله ووفقه لاجراء عدله على حكم الله وسنة رسوله الأمين، أن جماعة الفزانين الذين ينسبون أنفسهم لطريقتكم الشريفة، ويعتزون بطول البلاد وعرضها بعزها قد خانوا الله وخانوا محجة رسول الله البيضاء، وخانوا عهد طريقتكم السمحاء ولم يبالوا بغضب الله ولابغضبكم، ولم يذكروا اليوم الآخر وحسابه، وبطش الله وعقابه، وهذا غريب جداً أيها السيد الكريم مع ما يعلم القاصي والداني من خضوع هؤلاء الأقوام لسطوتكم وائتمارهم بأوامركم، ومع ماسارت الركبان والأمثال من أخبار عدلكم المشهور، وشدة بأسكم على أهل البغي والعناد، وماتحلى به شخصكم الكريم من صفات الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر التي انتهت اليكم تراثاً عن أسلافكم العظماء الأكابر ذوي البأس الشديد، والتاريخ المجيد، فكيف مع هذا يجرؤ قوم أشداء كثيرو العدد من أتباع طريقتكم الشريفة على الاعتداء على قوم مستضعفين قليلي النفر، فيقتلون منهم الأنفس، ويسلبون الأموال، والمتاع، وهم مع هذا يرون أنهم من أتباعكم خليقون بحمايتكم وحسن رعايتكم لقد كان في وسع حكومة جلالة الملك أن تتخذ في مثل هذا الحادث اجراءات أخرى عظيمة التأثير والأثر على أمثال أولئك الطغاة البغاة وتضرب بهم الأمثال للناس وهي لاتعدم الوسيلة لذلك، ولكن بما أعرفه عن سيادتكم من حب العدل والانصاف، والغيرة على إقامة معالم الشريعة الغراء في البلاد والجهات التي يصل لها نفوذكم، وتمتد إليها سطوتكم، قد فضلت أن أراجع مقامكم السامي في هذه النازلة، لرفعها طبق مايقتضيه العدل الإسلامي الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فإذا شاء السيد حفظه الله تحقيق آمالي في عدله وانصافه فما أسهل على حضرته أن يأمر تابعيه بكف الأذى عن جيرانهم، وإخوانهم في الدين، وأن يكلف اولئك المعتدين بردِّ الجمال والأحمال التي سلبوها مع دفع التعويضات كما يراها السيد بالحق الدية للمقتول، والتعويض للمجروح، ظلماً وعدواناً، ولست أظن أنه يوجد من الموانع مايحول دون توقيع هذه الجزاءات على مستحقيها عند فضيلة السيد ولكن اذا كان هناك مانع لا أعرفه فانني أرجو من حضرته الكريمة أن تشرفني بإفادني عن الطريقة التي يحسن اتباعها للوصول إلى تلك الغاية من غير أن يمسّ كرامتكم التي أودّ أن أحافظ عليها دائماً وأطلب من الله المزيد فيها، وقد أرفقت بكتابي هذا بياناً مشتملاً على أسماء الأشخاص المعتدى عليهم من عرب الكبابيش، ومن قتل ومن جرح منهم، لتكونوا على بيّنة من الأمر ولتجروا العدل فيهم، كما أمر الله جعلكم الله ملاذاً أعلى لتحقيق عدله بين خلقه وأمدكم بروح منه، مادامت احساناته اليكم متواصلة وعنايته بكم شاملة ونفعنا الله ببركاتكم على الدوام آمين( ).
( اللورد كتشنر باشا )
بغض النظر عن حقيقة هذه القصة التي في الرسالة، إلا أننا نجد فيها أمور مهمة منها: اهتمام الانجليز بشخصية أحمد الشريف واحترامها ومحاولة كسبها واستمالتها، ونجد أيضاً استعانة الإنجليز بالعرب الأدباء ليكتبوا لهم ما أرادوا توجيهه لسيادة أحمد الشريف – رحمه الله – وهذا أسلوب إنجليزي معروف، فيحاولون إيجاد ثغرات ومنافذ في كيان الأمة والسعي الدؤوب في تضعيفها، وتمزيقها، فقد نجحوا مع أمير مكة الحسين بن علي، وهم الآن يحاولون مع أحمد الشريف، كانت بريطانيا حريصة على جذب السيد أحمد الشريف إلى معسكرها، أو تحييده، وكانت حريصة على أن تكسب الشعوب الإسلامية، وأنها تعمل على مساندة حركة المجاهدين المسلمين في ليبيا، فتخدر بذلك مشاعر المسلمين في مصر، والهند، وغيرها، وأظهرت تعاطفها مع أحمد الشريف للضغط على إيطاليا، وتضعيف تحالفها مع المانيا في حربها المنتظرة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق