79
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثاني
احمد الشريف يتولى قيادة الحركة
ثانياً: المجاهد محمد عبدالله السني :
ومن قيادات الحركة السنوسية التي قادت حركة الجهاد ضد فرنسا في تشاد ولد بمزدة سنة 1268هـ الموافق 1851م، من أسرة تنتمي للعباس بن عبدالمطلب، جاء جدها الأول من المدينة المنورة ونزل بواد قرب بلدة سنار بالسودان، فسمي الوادي باسمه ( وادي مدني ).
انتقل والده إلى مكة حيث درس الفقه وعلوم الدين على يد الشيخ أحمد بن إدريس حيث التقى هناك بالشيخ محمد بن علي السنوسي، والذي عاد برفقته إلى ليبيا واشتركا في تأسيس الزوايا لتعليم القرآن، وعلوم الدين، حيث شرع الشيخ السنوسي بتكوين زواياه بالجبل الأخضر، وفي المناطق الشرقية من ليبيا، وبدأ الشيخ عبدالله السني في تأسيس زواياه في غرب ليبيا حيث أسس زوايا في غدامس، ومزدة، والحرابة، ومصراته وغيرها.
ولما توفي الشيخ عبدالله سنة 1296هـ تولى ابنه إدارة الزوايا وتأسيس زوايا أخرى حيث أسس زاوية غريان، والقلعة، والعمامرة، والرحيبات وكان رجلاً مباركاً سعى إلى إخماد الكثير من الفتن بين القبائل، وفي عام 1313هـ عاد أخوه عبدالسلام من الكفرة بعد أن أنهى تحصيله العلمي، فترك له أمر الزوايا وذهب إلى الكفرة لملاقاة الشيخ محمد المهدي السنوسي، الذي تولى أمر الدعوة بعد وفاة والده.
وعند وصوله إلى هناك أمره شيخه بالتوجه لنشر الدين الإسلامي، وصد التغلغل التبشيري المسيحي في بلاد السودان ( تشاد الحالية والنيجر ).
سافر إلى هناك عام 1896م وأسس زاوية ( قرو ) وعدة زوايا أخرى وأستقر ( بكانم ) حيث تتواجد القبائل العربية الليبية، أولاد سليمان وغيرها، وأرسل في إحضار جزء من أسرته حيث لحق به أبناه عبدالله، وعبدالعالي، وبقيت الأسرة في مزده، واستمر في جهاده في الصحراء أكثر من عشر سنوات، لقد شارك في الجهاد ضد فرنسا واصطدم بقواتها وساهم بنفسه وماله في حركة الجهاد في زمن المهدي السنوسي، وأحمد الشريف( ).
وكانت له أشعار رائعة في مدح الإمام الثاني للحركة السنوسية، ومنها قوله:
هو المرتجى للدين ينصر حزبه
فتعضده الأنصار والنصر والنصل
تجر بحوراً من بني العرب ترتمي
بأمواج آفات هي الضرب والقتل
إذا صففت تحت العقاب جنوده
تخال جبالاً فوقها شعل شعل
وإن زحفوا يوم اللقاء حسبتهم
سيول خيول برقها يبرق يعلو
كأن مثار النقع في حومة الوغى
غيوم بها برق الصوارم ينهل
إمام الهدى نافي الردى قاهر العدا
فدونك عجل قد تطاولنا الذل
تجد من بني الإسلام أخلص عصبة
جحاجح أبطال متى قلت لايألوا
هم القوم إن قالوا فثق بمقالهم
فلاشك عندي ان سيعقبه الفعل
وإن عطفوا بعد الفراغ الى الحمى
رأيت وجوه الحق بالبشر تنهل( )
ثم ينتقل بعد هذه الإشادة بالمجاهدين، إلى تقريع الفرنسيين الذين نعتهم بـ(الشياطين) لأنهم ناصبوا الدعوة الإسلامية العداء، واصلوا أهل البلاد الاصلاء نار حامية، فنراه يتولاهم بالوعيد والتعنيف حيث يقول:
رويدكم أهل الجحيم فإنه
سيبدؤكم منه الذي كان من قبل
فينسى فرنسيساً بتونسه أنسه
ويحرز كفراً بالجزائر قد حلوا
فتطهر أرض طالما قد تنجست
فأفعالهم سيل الدماء لها غسل( )
وشارك هذا الشيخ الجليل في الجهاد ضد ايطاليا، استطاع ابنه المهدي تفجير ثورة 1914م - 1915م في فزان ضد إيطاليا واستولى على قلعة (القاهرة بسبها).
واستمر ابنا محمد عبدالله السني يقودان الجهاد ضد ايطاليا حيث تولى المهدي قيادة الجهاد في فزان، وأحمد قيادته في منطقة الجبل الغربي إلى أن ضعفت المقاومة وانتقل المجاهدون إلى فزان، وفي أوباري قدم الشيخ محمد بن عبدالله السني إلى الأسرة حيث التقى بها بعد غياب دام ثلاثين سنة، ولكن الإيطاليين طوقوهم في أوباري حوالي عام 1930م، وحكم على الشيخ وأبنائه بالإعدام، ولكن عفواً عاماً شملهم، فوضعوا جميعاً تحت الإقامة الجبرية بمزده بعد أن صودرت ممتلكاتهم وأحرقت مكتبة مزدة( ). وفي عام 1932م، توفي محمد عبدالله السني -رحمه الله- ويعتبر هذا العالم والمجاهد الكبير من شعراء الحركة السنوسية، وقد تعرض الأستاذ محمد مسعود جبران لهذا الجانب على قلة ماوصل إليه من شعره وقال: (في الحق إن شعره - على قلته- استطاع أن يرسم لنا إلى حدما شخصيته، ويصور لنا جوانب من أخلاقه ومثله التي كان يؤمن بها، في الاعتزاز بالدين، والذود عن العرين وفي شوقه وحنينه للمدارج التي تربى بها، والبوادي التي كبر بين أحضانها، ويبين عن العهود التي وثقت صلاته بالعلماء والمجاهدين ...)( ).
ومن قصائده التي يصف فيها مقاومته الصحراء ونصبها وعنتها قوله:
يامن لهم همم نأى مقصودها
مجرى المطي إلى المرام يذودها
متحيراً من عز مشرقه الذرا
عنسا عياهل في رضاك يقودها
ورمى بها الدهناء يرقل مذئباً
يطوي بنص اليعملات بعيدها
ويفل بالعزم المجد مجاهلاً
بيت القطا أغوارها ونجودها( )
إن هذا العلم الشامخ، والبحر الزاخر، والشاعر الموهوب، والداعية المتفاني، والمجاهد الشجاع كان من القادة التابعين لقيادة الحركة السنوسية، ومن الذين أفنوا حياتهم وجهادهم في هذا الطريق المبارك، ساهمت الحركة السنوسية في تربية بعض القيادات الميدانية التي شاركت في دفع حركة الجهاد ضد فرنسا ومن أشهرهم:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق