77
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثاني
احمد الشريف يتولى قيادة الحركة
ولما شعر محمد المهدي بدنو أجله، عهد الى ابن أخيه بالقيادة، لما توسم فيه من القدرة على الاضطلاع بأعباء الحركة، والوصاية على الخليفة الشرعي (ادريس)، ولما لمس فيه من صفات قيادية، واستعداد فطري، وخبرة اكتسبها في معاركه ضد فرنسا أهلته لتولي القيادة( ).
وكان اسناد الزعامة الى احمد الشريف قد صادف قبولاً وارتياحاً من جانب جميع الأخوان الذين اجتمعوا بالكفرة يوم 12 ربيع الأول من عام 1220هـ الموافق ليوم 19 يونيو 1902م حيث جرى الاحتفال بانتخاب احمد الشريف( ).
استمر احمد الشريف على نهج زعماء الحركة السنوسية، فواصل الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي، ونشر الدعوة الاسلامية بكل حكمة في أفريقيا، واتخذ من الكفرة عاصمة للحركة السنوسية وأناب عنه محمد السني لإدارة أمور الجهاد، وشرع احمد الشريف في تشكيل جبهة اسلامية ، ضد الغزو الفرنسي الزاحف من جنوب تشاد الى شرقها وشمالها، فقام بالاتصال بسلطان وداي (داود مرة) سنة 1903م، وأقنعه بسحب اعتراف وداي بالحماية الفرنسية على كانم، وباقومي ، واستجاب السلطان داود لذلك وسحب اعترافه بالحماية الفرنسية( )، واتصل بالسلطان على دينار (سلطان دارفور) الذي أعلن توحيد جهود المسلمين ضد الغزو الصليبي الأوروبي( )، لقد رأى احمد الشريف أن التوسع الفرنسي في الصحراء الأفريقية يعتبر تهديداً مباشراً لحركته الاسلامية الدعوية، ولتجارة القوافل التي كانت تدعم بمردوداتها الاقتصادية نظام زواياه في تلك المناطق( ).
لقد كان تجار القوافل التابعين للحركة السنوسية من اعمدة الحركة الاقتصادية، ولنضرب مثلاً على ذلك بالحاج احمد الثني الغدامسي الذي كانت له تجارة عظيمة مع أهل برنو وواداي وغات ومصر وطرابلس وتونس، وكان جميع مايأتي الى جغبوب يأتي على يديه وهو الذي يجلبه الى هناك بأثمان متهاونة، رفقاً بالاخوان ولذلك كان من المقربين من الشيخ محمد المهدي( ).
إن الحركة السنوسية في بداية أمرها لم تكن لها سلطة الحكام الذي يدبرون الشؤون العامة كالعزل والتولية وإقامة الحدود، وجباية الاموال، وتنفيذ الاحكام، بل كانت بداية أمرها، الاهتمام بالدعوة الى الله، وارشاد العباد الى العمل بما يأمر به دينهم الحنيف ويسعون لإصلاح ذات البين، ويتبادلون النصح للحاكم والمحكوم، ويرشدونهم الى تعاليم كتاب الله، وتعليم سنة رسوله، ويحرضونهم على بناية المساجد لاقامة الشعائر الاسلامية فيها، ويقومون هم واتباعهم بعمارة هذه المساجد بتعليم كتاب الله، والصلوات فيها، ويبذلون الجهد لفض المنازعات مابين القبائل والمتخاصمين ويعلمونهم كيفية اخراج زكاة أموالهم، وكيفية عقد انكحتهم ، ويحرضونهم على نبذ العادات المخالفة للشرع، وبدأ جهادهم المنظم لحكومة فرنسا التي بدأت بالاعتداء على دعوتهم وحركتهم وقاوموا فرنسا غيرة على الدين الاسلامي الذي نشرته الحركة ودعاتها في مجاهل أفريقيا( )، لقد قام الفرنسيون بعد ما دانت لهم تشاد عام 1909م بهدم مراكز الاصلاح والارشاد التابعة للحركة السنوسية، وإلغائها، واستطاع احمد الشريف أن يقنع العثمانيين بضرورة دعمه، والوقوف مع حركته، واسفرت مفاوضاته مع العثمانيين عن ارسال جند من النظاميين الى برقو والتبستي وتأسيس قائمقام في الكفرة، عين بها الشيخ كيلاني الأطيوش من قبيلة المغاربة الرعيضات وهو والد المجاهد الكبير الذي دوخ ايطاليا صالح باش الأطيوش، ورفعت الراية العثمانية في (وان) بالقرب من عين كلك، وكان المشرف على حركة الجهاد الشيخ الجليل محمد السني الذي أرسله المهدي الى (أبشه) عاصمة واداي عقب انتقاله من الجغبوب الى الكفرة، وهكذا ظلت المناوشات دائرة بين السنوسيين والفرنسيين واستطاع (الكولونيل لارجو) في ديسمبر عام 1913م أن يلحق بالمجاهدين هزيمة كبيرة في (قرو) حيث جرح ولدا السيد المهدي السني نفسه عبدالله وعبدالعال) ووقعا في الأسر( )، إن الفرنسيين كانوا يشعرون بالخطر العظيم من قبل الحركة السنوسية وكذلك الدول الأوروبية، وقد نشرت جريدة (دي كولوني) الالمانية كلاماً عن عالم ألماني خبير بأحوال افريقيا عامة والسنوسيين خاصة زعم فيه ان عددهم يبلغ تسعة ملايين وان في وسعهم انفاذ جيش الى مصر والسودان مؤلف من خمسمائة ألف مقاتل، وذكر مجملاً من تاريخهم عربته جرية المؤيد عن جريدة الميموريال وهو: (إن طريقة السنوسية مهمة جداً من حيث انتشارها السياسي في افريقية ومن حيث الكفاح القائم بين الديانتين الاسلامية ، والمسيحية، في هذه القارة وقد أنشئت هذه الطريقة منذ خمسين عاماً تقريباً أي في عام 1855م بواحة الجغبوب، وواضع اساسها هو الشيخ محمد بن علي السنوسي ....ثم خلفه ابنه المهدي وكان وقتئذ فتى فتياً وهو الى اليوم رئيس المذهب الذي أصبح على عهده واسع النطاق منتشراً في الآفاق واشارة منه تكفي الآن لازالة الشحناء والخصومة من بين سلطانين من سلاطين افريقية اذا قام بينهما الشقاق واستحكم الخلاف لأمر من الأمور، ومن الأمور التي لا ريب ولا خلاف فيها أنه اذا جاء يوم أمر فيه بالجهاد وأشار بالحرب الدينية اهتزت لصوته اركان العالم الاسلامي التي تترامى في حدوده في افريقية الى مصر شرقاً والكونغو جنوباً حتى بحيرة تشاد ومراكش غرباً وعليه يكون حزب السنوسي قد صار قوة من القوى السياسية التي ينبغي على كل دولة من دول أوروبا أن تعمل لها حساباً وقد اشتهر سيدي المهدي محمد بالتناهي في التقوى والصلاح ورعاية أمور الدين، والتقشف في المعيشة وهو دائب السعي على توفير اسباب الوئام والاتفاق بين الاقوام والشعوب الأفريقية....)( ).
إن أعداء الاسلام يحاولون أن يرصدوا أي تحرك مفيد للدعوة والمسلمين ، ويعملون ليلاً ونهاراً وسراً واعلاناً على التحذير منه، وتشويهه ووضع العوائق في طريقه مهما كلفهم الثمن، يدفعهم ذلك حقدهم الدفين على الاسلام، والمسلمين.
يقول ادرو ساليفو استناداً الى الوثائق الفرنسية: (....من المهم أن نوضح أن السنوسية لم تكن مجرد حركة متذمرة ومتعصبة، فهي طريقة اصلاحية تهدف الى احياء الدين الاسلامي، وإرجاعه الى أصوله السلفية، كما تهدف الى تحرير العالم الاسلامي من التبعية الاستعمارية التي سقط فيها. والى جانب ذلك الهدف الديني فإن السنوسية لها هدف آخر سياسي في غاية الأهمية، وهو توحيد أفريقيا الاسلامية أولاً وتوحيد العالم الاسلامي بعد ذلك في أمبراطورية اسلامية جديدة، تتمتع بالأبهة والمجد والعظمة ، وخالية من الشوائب التي لحقت بها خلال القرون التي ابتعد فيها العالم الاسلامي عن السنّة النبوية الصحيحة مما أضعفه نتيجة لذلك، وبالاضافة الى الهدف الديني والهدف السياسي هناك أيضاً الهدف الاقتصادي حيث كان (الاخوان) يتنافسون بينهم على أعمال الزراعة والصناعة الخفيفة والتجارة من أي مكان تمد فيه الزوايا السنوسية أعملها ونشاطها( )، لقد كان الصراع بين فرنسا والحركة السنوسية في افريقيا على أشده، وتميز السنوسيون في جهادهم بقدرتهم على الكر والفر، وكانت قبائل الصحراء ، والقبائل الليبية تتمحور حول قيادة الحركة السنوسية، وبدأت قبائل توارق النيجر تتجه شرقاً للالتحاق، بحركة الجهاد، ولم تقع في النيجر أي حوادث تذكر حتى بداية عام 1903م عندما بدأ الفرنسيون يزحفون نحو الشمال( )، واندلعت المعارك الطاحنة التي كان خلفها اتباع الحركة السنوسية ، وكان من أشهر قادة الحركة السنوسية:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق