إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 2 يونيو 2014

381 تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها الفصل الخامس في حادثة الحدود سنة 1906


381

تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها
 
الفصل الخامس في حادثة الحدود سنة 1906

المشهور أن الفرمان الذي أصدره السلطان محمود الثاني لمحمد على باشا سنة 1841 يثبته فيه على مصر ويجعل الحكم وراثيا في أسرته كان معه خريطة عين فيها حد مصر الشرقي بخط يمتد من العريش إلى السويس . والباب العالي يستشهد بهذه الخريطة أحيانا . على أن هذه الخريطة لم يوقف لها على أثر في مصر أو الآستانة . وحكومة مصر لم تعترف بالحد المشار إليه بل جعلت حد مصر الشرقي خطا مستقيما ممتدا من رفح على نحو 28 ميلا من العريش إلى جنوب قلعة الوجه فأدخلت به سيناء كلها وقلاع العقبة وضبا والمويلح والوجه بدليل أنها كانت تدير سيناء وهذه القلاع وتحميها بعساكرها قبل فرمان سنة 1841 . ثم لما سلمت القلاع الحجازية  من الوجه إلى العقبة إلى الدولة سنة 87: 1892 جعلت حدها الشرقي خطا مستقيما ممتدا من رفح إلى رأس خليج العقبة .

  لذلك لما جاء فرمان عباس حلمي باشا من السلطان عبد الحميد وقد أخرج منه جزيرة سيناء قامت مصر تطالب بحقها وعضدتها انكلترا فأوقفت قراءة الفرمان حتى ورد تلغراف جواد باشا الصدر الأعظم المؤرخ 8 ابريل سنة 1892 يولج مصر إدارة سيناء ويترك القديم على قدمه فقبلت الفرمان إذ ذاك وعدت التلغراف متمما له . ثم لأجل منع سوء التفاهم في المستقبل أرسل السر أفلن بارنج " اللورد كرومر " معتمد الدولة البريطانية في مصر بتاريخ 13 ابريل سنة 1892 مذكرة إلى نيغران باشا ناظر الخارجية المصرية في ذلك الحين مفادها " أنه لا يمكن تغيير شئ من الفرمانات المقررة للعلائق التي بين الباب العالي ومصر إلا برضى الدولة البريطانية ... وأن شبه جزيرة سيناء أي الأراضي المحدودة شرقا بخط يمتد جنوبا من نقطة      ص    588

تبعد مسافة قصيرة عن شرق العريش إلى خليج العقبة تستمر إدارتها بيد مصر . وأما القلعة الواقعة شرقي الخط المذكور فتكون تابعة لولاية الحجاز "

  وقد أرسل اللورد كرومر مذكرته هذه رسميا إلى سفير انكلترا في الآستانة فأبلغها السفير إلى الباب العالي وأرسل أيضا صورة منها مع صور جميع المكاتبات التي دارت بشأن فرمان التولية إلى الدول الأخرى فاعترفت بقبولها . واما الباب العالي فلم يجب عنها سلبا ولا إيجابا .

" حادثة المرشش " ونامت المسألة نوما طبيعيا إلى أن سمي المستر براملي الانكليزي مفتشا للجزيرة سنة 1905 وشرع في الإصلاح الإداري الذي تقدم لنا ذكره . من ذلك تنظيم البوليس الأهلي وقسمته إلى هجانة ومشاة وإقامة سد في بطن وادي العريش قرب نخل لإرواء الأراضي المجاورة لها . فأشاعت بعض الجرائد المحلية المعادية للإحتلال خبرا مؤداه أن الانكليز أرسلوا رجالهم إلى سينا ليبنوا القلاع على حدودها وفي النفس شئ فبعث والي سوريا برسالة برقية بهذا المعنى إلى السلطان فطلب من مصر رجوع العساكر الانكليزية عن الحدود فأجابته مصر بكذب هذه الإشاعة .

  ثم بلغ مصر أن السلطان أمر بإنشاء نقطة عسكرية عند عين القصيمة وأخرى عند مشاش الكنتلا في وادي الجرافي وكلا المحلين داخل في حد سيناء وكان السلطان قد أنشأ قائمقامية جديدة سنة 1899 في بئر السبع . فأخذت مصر ترقب حركاته على الحدود بعين ساهرة .

  وفي يناير سنة 1906 أصدرت أمرها إلى المستر براملي مفتش جزيرة سيناء بوضع خفر من البوليس في نقب العقبة لمراقبة الحدود فذهب المستر براملي ببعض رجال البوليس إلى رأس النقب ولما لم يجد فيه الماء الكافي نزل إلى المرشش في سفح النقب على الجانب الغربي من رأس خليج العقبة . وكان في قلعة العقبة إذ ذاك اللواء رشدي باشا الذي حارب في اليمن فأتى المرشش وطلب من المستر براملي بطل تلطف الرجوع عنها فرجع وأبلغ الأمر إلى حكومة مصر فطلبت من السلطان تعيين لجنة من الأتراك والمصريين لتحديد التخوم نهائيا بين سيناء وسوريا فأبى     ص   589

" حادثة طابا " فاهتمت الحكومة المصرية لهذا الإباء وأرسلت "بلوكا " من العساكر النظامية مع الأميرالاي سعد بك رفعت قومندان سيناء لإحتلال وادي طابا . وكان رشدي باشا قد سبق فأرسل إلى هذا الوادي حامية من العساكر . قال سعد بك : " فلما وصلت بنا الباخرة ميناء طابة رأيت العساكر التركية قد انتشرت على التلال التي تطل على طابا من الشرق وقائدهم ضابط برتبة بكباشي واقفا على الشاطئ فأمرت العساكر بالاستعداد للنزول إلى البر وسبقتهم إليه فاستقبلني القائد المذكور وقال ما الخبر قلت قد جئت ببعض العساكر المصرية لاحتلال طابا . قال إن طابا في حد " العقبة " وجزء منها فلا أسمح لأحد أن ينزل فيها .قلت بل طابا في حد الجزيرة وقد أقمت فيها بنفسي مع العساكر بعد إخلاء العقبة سنة 1892 تسعة أشهر وحفرت فيها هذه البئر ودللته عليها . وفيما أنا أناقشه في ذلك حضر المستر براملي برا من نخل بوادي طويبة واشترك معنا في المناقشة فأصر القائد التركي على قوله انه يقاومنا إذا

ص   590

أنزلنا العساكر إلى البر وكانت عساكره قد انتشرت على التلال وصوبت نيرانها نحونا . فرأينا من الصواب أجتناب سفك الدماء فعدنا إلى الباخرة ونزلنا في جزيرة فرعون على نحو ميلين من طابا ثم أرسلنا الخبر إلى حكومتنا ومكثنا ننتظر أوامرها " اه

  وفي 17 فبراير سنة 1906 صدر الأمر إلى الكابتن " فبس هورنبي " قومندن الطراد " ديانا " في السويس بالسفر إلى جزيرة فرعون للمحافظة على العساكر النازلة فيها ومنع العساكر التركية من التوغل في سيناء . وقد صدر لي الأمر بمرافقة الطراد المذكور مندوبا من قبل المخابرات فوصلنا جزيرة فرعون مساء 18 فبراير .

  وفي صباح اليوم التالي قام بنا الطراد إلى العقبة . وكان قد حضر إلى جزيرة فرعون القائمقام باركر بك مساعد مدير المخابرات المصرية فرافقنا إلى العقبة , وعند مرونا بطابة براينا العساكر التركية لا تزال محتلة ذلك الوادي . وكنا نراقب العقبة بالنظارات فلما اقتربنا منها رأينا العساكر التركية قد اصطفت وراء جدران الجنائن قرب الشاطئ وبعضها في خنادق في منحدر الجبل فوق الجنائن وكلهم في استعداد تام لإطلاق النار . وقد قدرنا عددهم بنحو ألفي رجل  ص     591

فوقف الكبتن هورنبي بالطراد بعيدا عن الشاطئ وقال لي " هل لك أن تنزل إلى البر وتهدي سلامي إلى اللواء رشدي باشا وتقول له إني جئت لأزوره في محله وأريد أن أحيي القلعة بإطلاق المدافع إذا كان يجيب التحية " . وأمر لي بقارب فذهبت به إلى البر فوجدت على الرصيف ضابطا تركيا برتبة لواء طويل القامة أشقر اللون أزرق العينين كبير الشاربين ومعه ضابط هو ترجمانه وياوره . وكان اللواء ممتقع الوجه مرتجف اليدين مما دل على شدة تأثره . فحييته وقلت " هل أنا أخاطب رشدي باشا قومندان هذا الموقع " فقال بصوت أجش " نعم أنا رشدي باشا ومن أنت وما شأن هذا الطراد " قلت إني من موظفي الحربية المصرية وهذا الطراد انكليزي وقد جئت إليك من قومندانه برسالة وأبلغته الرسالة . فقال " أما أنه يريد زيارتي فليتفضل ولكن ألم ير أصغر من هذا الطراد لتأدية الزيارة . وأما القلعة فليس فيها مدفع لرد التحية لأنها قد تخربت منذ عهد بعيد ونحن نستعملها الآن مخزنا للغلال والمؤن " فرجعت إلى الكبتن هورنبي بهذا الجواب . فركب وفاص الطراد وركب معه باركر بك وكاتب هذه السطور وأتينا لزيارة رشدي باشا فاستقبلنا على الرصيف وآثار التأثر لا تزال بادية على وجهه . فأمر بالكراسي فجلسنا تحت ظل النخيل قرب الرصيف ودار الحديث على أصل الخلاف فعد رشدي باشا نزول المستر براملى إلى المرشش تحرشا بالدولة وقال إن طابة والنقب بتحكمان بالعقبة لذلك فهما منها ولا بد من ضمهما إليها لأجل سلامتها . فقلنا له المعلوم لدى حكومة مصر أن شرق الخليج تابع للعقبة وغربه تابع لسيناء وقد سبق لعساكر مصر أن احتلت طابا عدة أشهر بعد إخلاء العقبة ولم تتركها إلا لبعدها ووعورة طرقها فاحتلالكم لطابا والنقب قبل تحديد التخوم رسميا بين الدولة ومصر يعد تحرشا بمصر وقال الكبتن هورنبي " وأنا عائد الآن إلى جزيرة فرعون وسأبقى فيها إلى أن ترسل لجنة لتحديد التخوم " ثم ودعناه وانصرفنا . وعند انصرافنا أبدى رشدي باشا رغبته في رد الزيارة للكبتن هورنبي قبل تركه ميناء العقبة فلما رجعنا إلى الطراد أرسل الكبتن هورنبي رفاصه وقاربه إلى رشدي فأتى بهما فرد الزيارة وعاد إلى العقبة وقد ذهب عنه تأثره وذهبنا نحن إلى جزيرة فرعون    ص   592

  وفي اليوم التالي أتانا ياور رشدي بقارب شراعي وكان القرب الوحيد في العقبة وقال أنه ورد خبر من الآستانة أن مختار باشا الغازي قادم إلى العقبة لتحديد التخوم .

  ثم حضرت البراخرة نور البحر من السويس وفيها الخبر أن الحكومتين اتفقتا على إرسال مندوبين لتعيين الحدود وان مندوبي الدولة هم ضابط من العقبة وضابطان من الآستانة أحمد مظفر بك ومحمد فهمي بك وقد برحا الآستانة إلى مصر . وأما مندوبو مصر فهم الأميرالاي أوين بك مدير المخابرات واللواء اسماعيل باشا سرهنك وكيل الحربية والأميرالاي سعد بك رفعت قومندان سيناء . فسألني الكبتن هورنبي أن أذهب بالرفاص إلى رشدي باشا وأبلغه هذ الخبر . فذهبت إليه صباح 26 فبراير فاستقبلني في خيمة فوق البحر فأبلغته ذلك .

  ثم شرعنا نتحدث بشأن الحدود بصفة غير رسمية . وكان رشدي يتوهم أن الانكليز يباشرون أعمالا حربية عظيمة في سيناء ويقصدون بالدولة شرا . وأن المستر براملي قد أرسل إلى المرشش عمدا لفتح باب الشر . فرأيت من الواجب إزالة هذا الوهم من ذهنه حبا بالسلام فقلت : " أنت تعلم أن بدو سيناء وسوريا دأبهم شن الغارة بعضهم على بعض . والسنة الماضية سنة 1905عمت الفوضى سيناء كلها وقتل اثنان من غزاة البدو واخوين من أهالي نخل على درب الحج وفرا إلى سوريا . وكلما ارتكب بدوي جناية في سيناء فر إلى سوريا أوالحجاز وليس على الحدود من رادع أو مراقب . فاضطرت الحربية المصرية أن تعيد سعد بك رفعت قومندانا على سيناء بعد أن أحيل على المعش نظرا لمعرفته حال البلاد ومقدرته على سياسة البدو وعينت معه المستر براملي مفتشا ومساعدا قصد ترقية أحوال البلاد الاقتصادية والزراعية . ثم بينت له الأعمال الاصلاحية التي باشرها المستر براملي في الجزيرة وقلت إن كل ما تريده حكومة مصر الآن هو أن يعين الخط الفاصل بين سيناء وسوريا لتتمكن من وضع خفر في نقط معينة على الحدود لمنع غزاة سوريا من الدخول إلى سيناء ومنع غزاة سيناء من الخروج إلى سوريا والوقوف في وجه الجناة الفارين من البلادين . وربما كان قصدها البعيد أن يكون القنال بعيدا من كل خطر " . ثم قلت وإني     ص  593

ارى القوم مصرين على طلب إخلاء طابا قبل الشروع في تعيين الحدود لذلك يحسن جدا أن تنصحو بإخلاء هذا الوادي قبل أن يقدم الطلب رسميا . فشكر لي صراحتي وإخلاصي ثم ودعته وعدت إلى الطراد

  ولما لم يعد لي شغل في جزيرة فرعون استأذنت الكبتن هورنبي وعدت إلى مصر فوجدت المندوبين التركيين قد حضرا ونزلا ضيفين على مختار باشا الغازي ثم صدر لهما الأمر بعد اسبوع فذهبا إلى العقبة عن طريق بيروت والشام ومعان بدون أن يكلما أحدا بشأن مهمتهما . فساء ذلك أصحاب الشأن من الانكليز والمصريين وانتقلت المفاوضات بشأن الحدود إلى لندن والآستانة .

  فطلبت الدولة العلية ضم معظم بلاد التيه إلى سوريا وذلك برسم خط من العريش إلى السويس ومن هذه إلى نقب العقبة بحيث يكون شرق هذه الخط لها والباقي لمصر . ولما رفضت مصر النظر في هذا الطلب عادت فطلبت قسمة جزيرة سيناء قسمين بخط مستقيم من العريش إلى رأس محمد وجعل القسم الغربي لمصر والشرقي للدولة فأبت مصر النظر في هذا الطلب أيضا وأصرت على الخط الذي يخوله فرمان عباس حلمي باشا من رفح إلى العقبة .

  " حادثة رفح " هذا وكان الأتراك بعد إحتلال طابا قد أرسلوا نفرا من العساكر لإحتلال رفح فأزالوا عمودي الحدود من مكانهما تحت السدرة واقتلعوا عمد التلغراف المصري بين بئر رفح وطرق بئر رفيح وجعلوا مكانها عمدا تركية ونصبوا خيامهم في حد مصر بين السدرة وطريق رفيح . فلما بلغ الخبر حكومة مصر . وقد بلغها أولا عن أسعد أفندي عرفات مكاتب المقطم في العريش أمرت الطراد منرفا الانكليزي في بورسعيد بالسفر حالا إلى رفح لتحقيق الخبر وأمرتني بمرافقته وقد عينت قومندانه الكبتن ويموث "معتمدا للدولة البريطانية " وعينتني " معتمدا للحكومة المصرية " وأمرتنا بالتثبت من الخبر بأنفسنا حتى إذا ما وجدناه صحيحا نحتج على العمل رسميا باسم الدولة البريطانية والحكومة المصرية معا فنسلم احتجاجنا إلى ضابط العساكر التركية في رفح ثم نعود إلى مصر . وقد حذرتنا في الوقت نفسه من      ص   594

تعدي حدود رفح شمالا . فقام بنا الطراد منرفا من بورت سعيد عصر 28 افريل سنة 1906 فوصلنا العريش صباح اليوم التالي فقابلت محافظها محمد بك إسلام وانتقيت أربعة من رجالها العارفين ميناء رفح ومكان عمودي رفح بالدقة وهم " الشيخ سلام عرادة عمدة السواركة . والشيخ سليمان معيوف شيخ الرميلات وحسين عبد الكريم الجعلي من أنشط بوليس العريش . وقطامش أغا عيد كبير هجانة العريش . فأرسلت اثنين منهم في الحال بطريق الشاطئ على أن يقفا عند ميناء رفح ويومئا إلينا لنقف عند الحد وأخذت اثنين منهم في الطراد . وقام الطراد بنا قاصدا ميناء رفح الساعة الأولى بعد الظهر . وكنت قد أعلمت القومندان بما أخبر به الدليلان اللذان معي عن موقع رفح فرسى في مينائها وذلك في الساعة أربعة وربع بعد الظهر . وكان الدليلان المرسلان بالبر قد قاما قبلنا من العريش بساعتين فوصلا بعدنا بساعة وربع ووقفا على الشاطئ تجاهنا وأومآ إلينا فنزلت إلى البر وقابلتهما فأكدا لي أننا على الحد ولم نتعده . وخرائب رفح على نحو ساعة منا تحجبها التلال الرملية التي تحاذي الشاطئ من بلدة العريش . وكانت الشمس قد غابت فأوصيت شيخ الرميلات أن يعد لنا بعض الركائب إلى الصباح وعدت إلى الطراد . وفي صباح 30 افريل نزلت إلى البر وركبت ومعي الخبراء الأربعة قاصدا رفح . أما الكبتن ريموث فإنه بقي في الطراد ينتظر مني الخبر وقد تركت له على الشاطئ جوادا مع خبير .

  وفي طريقي إلى رفح في التلال الرملية التقيت بعض فرسان الرميلات فأكدوا لي : أن عمودي الحدود قد أزيلا من مكانهما في 12 أفريل وأن 11 عمودا من عمد التلغراف المصري من بئر رفح إلى طريق رفيح قد بدلت بعمد تركية في 28 افريل . وقالوا إن في رفح نحو خمسين عسكريا عليهم ملازم يدعى " اسماعيل أفندي " ومعهم موظف ملكي مأمور الجفالك يدعى " مصطفى أفندي " وعلى الجميع يوزباشي أركان حرب " مفيد بك " . وهم يسكنون في 5 خيام وقد نصبوا خيامهم في حد مصر بين السدرة حيث كان عمودا الحدود وطريق رفيح . مع أن عادة العساكر التركية كانت إذا جاءت لتنشئ محجرا على الحدود تجعل خيامها بين      ص   595

السدرة وبئر رفح . فلما خرجت من التلال الرملية وأشرفت على الخيام أرسلت مع البوليس حسين رقعة باسمي عليها هذه العبارة :

" نعوم بك شقير موظف بنظارة الحربية بمصر حضر مندوبا من قبل الحكومة المصرية لمقابلة حضرة قومندان العساكر الشاهانية المعسكرة الآن في رفح مقابلة خصوصية ودية " . ثم تقدمت إلى كوخ التلغراف وهو عند ملتقى طريق رفيح بطريق العريش إلى رفح على نحو 500 خطوة من الخيام و600 خطوة من السدرة وكثت فيه بانتظار رد العجالة . وقد رأيت السدرة ولم أر عمودي الحدود ورأيت عمد التلغراف من الكوخ جنوبا تختلف عنها منه شمالا . وقد وضع العساكر حارسا على الطريق بينهم وبين الكوخ فأوقف الحارس الرسول . وبعد هيهة عاد الرسول وقال إن مفيد بك قومندان النقطة غائب في خان يونس ولكن مصطفى أفندي مأمور الجفالك هنا وهو بانتظارك عند الحارس . فتقدمت إليه وبعد السلام قلت أليس الأصلح أن نعود إلى الكوخ أو ندخل إحدى هذه الخيام فنتحدث بما هو لازم . فتردد في الجواب فعلمت أنه مأمور بمقابلتي في ذلك المكان . فقلت أين قائد هذه العساكر . قال ذهب إلى خان يونس بمهمة وسيعود قبل الظهر وقد بعثت إليه برقعتك مع رسول خاص . قلت إذا انتظر قدومه في هذا الكوخ لأني أريد مقابلته لغرض هام وقد حضر الكبتن ويموث في الطراد منرفا معتمدا من قبل الحكومة الانكليزية وهو أيضا يريد أن يقابله للغرض عينه . قال أليس لي أن أعلم هذا الغرض ؟ قلت بلى كان تحت هذه السدرة عمودان من الغرانيت جعلا الحد بين مصر وسوريا فأزيلا في 12 الجاري وفي 28 منه بدلت عمد التلغراف المصري بين كوخ التلغراف هذه وبئر رفح بعمد تركية . فنريد مقابلة الضابط المسؤول في هذه الجهة لنسأله عن ذلك ونبلغه أمرا نحن مكلفون إبلاغه إياه رسميا . فقال لقد مضى علينا هنا 43 يوما فلم نر أحدا غير عمد التلغراف ولا رأينا عمدا للحدود تحت السدرة ولكن هذا المكان مملوء بالعمد لأنه قد قام عليه في القديم هيكل عظيم وهذه العمد هي من آثاره ثم إن الحد الذي نعرفه بين محافظة العريش وقائمقامية غزة هو طريق رفيح الذي عليه كوخ التلغراف . وقد   ص   596

كانت أراضي رفح كلها بيد أناس من خان يونس ولكن لم يكن معهم حجج تثبت ملكيتهم فانتزعتها منهم وضممتها إلى إدارة الجفالك باسم الحضرة السلطانية وبقي الواضعون أيديهم على الأرض يحرثونها كما من قبل ويدفعون العشور . فعلمت من جوابه أن الترك ينوون إنكار وجود العمودين وإذا اضطروا قالوا انهما بقايا هيكل قديم وليسا الحد بين مصر وسوريا . ولكن لما لم يكن هو الموظف المسؤول عما يقول قلت له فهمت جوابك فمتى حضر الضابط المسؤول نرى قوله ونجيب عنه . ثم عدت إلى الكوخ وبعثت برسول إلى الكبتن ويموث أخبره بما كان فحضر عند الظهر وانتظر القومندان برهة فلم يحضر فأرسل إليه عجالة بهذا المعنى : " قومندان العساكر الشاهانية برفح . بعد السلام أكتب إليكم هذا لأخبركم أني جئت مندوبا من قبل الحكومة البريطانية لمقابلتكم بشأن خط الحدود ويمكني الانتظار هنا ساعتين فقط فإما أن تأتوا إلي أو أن أذهب إليكم . ومعي نعوم بك شقير الذي حضر مندوبا من حكومة مصر . وأرجو أن تتكرموا بالرد حالا مع رافعه . واعلموا أن مأموريتنا هذه هي مأمورية ودية سلمية ويمكن إنهاؤها بمقابلة قصيرة "    رفح 28 افريل سنة 1906      الكبتن ا. و. ويموث   قومندان الطراد منرفا

  فما وصلت عجالته هذه مخيم العساكر حتى حضر اسماعيل أفندي وقال إن مفيد بك لا يزال في خان يونس ولكن لا بد من حضوره بعد نصف ساعة . وكانت الساعة إذ ذاك واحدة بعد الظهر فانتظرناه إلى الساعة الثانية والربع فلم يحضر مع أن خان يونس لا يبعد عنا غير ساعة فعدنا إلى الوابور وأرسلنا إليه الأحتجاج الآتي :

مينا رفح في 30 افريل سنة 1906 الساعة 3 بعد الظهر

" حضرة قومندان العساكر الشاهانية برفح

" نعلم حضرتكم أننا انتظرنا خمس ساعات في بيت التلغراف تجاه معسكركم لأجل مقابلتكم فلا حضرتم ولا حضر منكم جواب فعدنا إلى الوابور . وقد لا حظنا أن عمودي الحدود اللذين كانا قائمين عن جانبي السدرة التي عسكرتم بقربها قد رفعا من مكانهما .     ص    597

ولاحظنا أيضا أن عمد التلغراف المصري من خط الحدود إلى طريق بئر رفيح قد بدلت بعمد أخرى . فبالنيابة عن الحكومة المصرية والحكومة البريطانية نحتج على فعلكم هذا احتجاجا شديدا ونطلب أن تعيدوا عمودي الحدود وعند التلغراف إلى أماكنها وتحافظوا على الحدود المقررة . وسنرسل نسخة من كتابنا هذا إلى رجال الحل والعقد من المصريين والانكليز في مصر . وإذا أحببتم مخاطبتنا فالطراد لا يسافر من مينا رفح قبل صباح الثلاثاء الساعة 9 افرنجية "

ا. و. ريموث . قومندان الطراد منرفا            نعوم شقير

معتمد الحكومة البريطانية                    معتمد الحكومة المصرية

وفي فجر الغد حضر ضابط من معسكر الترك إلى الشاطئ وأرسل خبرا إلى الطراد أم مفيد بك آت لمقابلتنا السعة 8 من الصباح . فلما كان الميعاد رأينا كوكبة من الفرسان آتية من جهة رفح فعلمنا أنها مفيد بك وحرسه , فذهبت في قارب يجره رفاص الطراد لمقابلته . وكان قد قام في البحر إذ ذاك نوء شديد فلم يكن من الممكن الوصول بالقارب إلى الشاطئ وكان قطامش الهجان الذي رافقني من العريش يحسن السباحة فأرسلته إلى مفيد بك فقال " لو كنت أحسن السباحة لذهبت إليكم في الحال على أن النزول من القارب الآن أيسر جدا من الصعود إليه فحبذا لو استطعتم النزول إلى البر للمفاوضة معكم في ما اتيتم لأجله " . وكان البحر قد اشتد هياجه حتى تعالت أمواجه كالجبال وأنا لا أحسن السباحة إلى حد احتقر معه الأنواء ولكني لم أطق أن أعود أدراجي إلى الطراد بدون مقابلة الضابط المسؤول وسماع أقواله لا سيما وقد لحظت من رسالته أنه يود كثيرا مقابلتي قبل السفر . فاعتمدت على الله وامتطيت الأمواج وصحبني الهجان والبوليس وأربعة من البحارة الانكليز فوصلنا الشاطئ بعد جهاد عظيم فوجدت مفيد بك و مصطفى أفندي وأسماعيل أفندي قد ترجلوا ووقفوا على الشاطئ ومعهم 15 قارسا قد انتظموا صفا واحدا على بضع خطوات منهم . فرحبوا بي وهنئوني بالسلامة ثم خلع علي مصطفى أفندي عباءته ورفع الهجان شمسية فوق رأسي وشرعنا في الحديث فقال مفيد بك : " كنت أمس في خان يونس وغزة أحقق قضية قتيل فلما وصلني كتابكم الأخير أسرعت لمقابلتكم . أما أنت معتمد الحكومة   ص   ص 598

المصرية فإني أفاوضك في الأمر وأما الكبتن ويموث معتمد الحكومة البريطانية فإني أستقبله كزائر وكل ما أعلمه عن مركز الانكليز في مصر أنهم يديرون ماليتها وليس لهم حق التدخل في مسألة الحدود . فالمفاوضة في الحدود إنما تكون بين مصر , وهي ولاية ممتازة من ولايات الدولة العلية , وبين متصرفية القدس الشريف " . ثم قال " وهل تقصدون بكتابكم الأخير هذا بلاغا نهائيا ؟ " قلت لا إنما هو احتجاج رسمي على إزالة عمودي الحدود من مكانهما . فاتخذ مفيد بك خطة مصطفى أفندي من إنكار وجود العمودين بتاتا . فاستغربت اتخاذهم لهذه الخطة في مسألة هامة صريحة كمسألة العمودين وأحببت أن أريه عبث هذه الخطة وكان قد تجمع على الشاطئ بعض الرميلات وفيهم سليمان معيوف شيخ الرميلات فقلت " أيها الرميلات أصحاب هذه البلاد قولوا الحق : هل كان تحت السدرة في رفح عمودان يعدان الحد بين مصر والشام ؟ فأجابوا " نعم كان تحت السدرة عمودان من الغرانيت الأحمر كنا نراهما هناك منذ نشأتنا ونعلم أنهما الحد بين مصر والشام وقد ورثنا هذا العلم عن الآباء والأجداد . وفي سنة 1898 زار خديوي مصر الحدود ونقش تاريخ زيارته على العمود الذي إلى جهة العريش . فلما جاءت عساكر الدولة مؤخرا أزالت العمودين في 12 أفريل سنة 1906 " فامتعض مفيد بك من صراحة الرميلات وجرأتهم ولكنه كظم غيظه وقال : " إن العساكر لا تجسر أن تزيل العمد أو تبدلها إلا بأوامر عالية " . قلت قد فهمت الحالة الآن وأريد الإنصراف . ولكن قبل الإنصراف أريد أن أقول كلمة نصح لعلها تفيد . ولست أقول هذه الكلمة كمندوب من قبل الحكومة المصرية بل أقولها كلبناني الأصل ذي صبغة عثمانية يغار على كرامة دولته : إن مسألة الحدود الآن قد دخلت في دور حرج جدا وأن قولنا لم يكن هناك عمد تدل على الحدود لا يشرفنا ولا ينجينا من الحرج وأرى " القوم " قد عقدوا النية على تنفيذ مطالبهم وترك القديم على قدمه بالرضى أو بالقوة . فإن كان رجال الدولة واثقين بقدرتهم على الثبات في هذا المضمار فليفعلوا ما شاءوا وإلا فإني بالحاح أنصحهم أن يجدوا لهذه المشكلة حلا يحفظ كرامة الدولة ولا يعرضها للفشل والخذلان . وأبسط حل لها في ما أرى أن تعود العساكر .  ص 599

من طابا والعقبة إلى أماكنها وتعين لجنة مختلطة من أتراك ومصريين تمر على الحدود فتعين الخط الفاصل بصورة جدية ودية . وقد رأى مفيد بك ورفيقاه إني أكلمهم بإخلاص فشكروني على ذلك كثيرا ولكنهم لم يجسروا أن يصرحوا لي بغير ما لقنوه  ثم ودعني مفيد بك وعاد بحرسه إلى رفح وترك معي مصطفى أفندي واسماعيل افندي للإعتناء بي إلى أن أعود إلى الطراد .

وكان القارب والرفاص لا يزالان في انتظارنا وراء الأمواج فرمى لنا الرفاص حبلا نستعين به على الرجوع وكان النوء قد زاد اشتدادا فحاولنا الوصول إلى القرب مرارا فلم نفلح وقد أصبح القارب في خطر الغرق . وكان بين الانكليز الذين على الشاطئ من يحسن المواصلة بالإشارة فبعثت بإشارة إلى الكبتن ويموث أخبره أن المفاوضة مع مفيد بك لم تسفر عن شئ يستلزم حضوره أو بقاءه في المينا وأنه يستحيل  علينا بسبب الأنواء أن نصل القارب فإذا كان يود السفر إلى العريش حالا فليرسل إلينا ثيابنا ونحن نسير في البر فنوافيه إلى العريش غدا . فطلب إذ ذاك الرفاص والقارب وجعل ثيابنا في برميل ورماه في البحر فقذفته الأمواج إلى الشاطئ . ثم أقلع بالطراد إلى العريش .

  وذهب اسماعيل أفندي الضابط التركي مع الهجان وشيخ الرميلات ليحضروا لنا الركائب وبقي معي مصطفى أفندي فعاد إلى مسألة الحدود فقال : " كنا ظننا أن الطراد عازم على إنزال العساكر إلى البر فصففنا عساكرنا على رؤوس التلال الرملية المشرفة على الشطئ لمنع عساكركم من النزول . بل نوينا مرة , إذ كنت أنت والكبتن ويموث في الكوخ , أن نلقي القبض عليكما قال ولكن لا تسألني عن السبب " فقلت لطف الله بهذه الدولة وقيض لها رجالا أكفاء أمناء يعرفون كيف يديرون دفتها إلى ميناء الأمان

  وفي الساع الثالثة بعد الظهر حضرت الركائب من الابل والخيل فسرنا ما بقي من النهار وقسما من الليل حتى وصلنا قلعة العريش الساعة الثالثة من صباح 2 مايو فبتنا في القلعة إلى طلوع الشمس ثم ذهبنا إلى الشاطئ فأرسل لنا الطراد الرفاص ومعه قارب مسطح يمكن ادناءه من الشاطئ في النو وكان النو لا يزال شديدا فوصلنا الرفاص بكل مشقة . وعاد بنا الطراد فوصلنا بورسعيد مساء ذلك اليوم ومصر مساء اليوم التالي    ص   600

" لهج الجرائد " هذا وقد لهجت الجرائد المحلية بمسألة الحدود وجاهرت المعادية منها للإحتلال باستيائها الشديد من مداخلة انكلترا فيها وقالت ليس لانكلترا حق الدفاع عن استقلال مصر الإداري في وجه الدولة لأنها لو تغلبت عليها في هذا المضمار فقدت الدولة معنى السيادة الحقيقي على مصر .

  وقالت الجرائد الموالية للإحتلال " بل لانكلترا كل الحق في هذا الدفاع وإلا فإنها تفقد معنى السيادة الاحتلالية ويكون بعد ذلك للدولة الحق أن تنقص ما شاءت من استقلال مصر الإداري .

  وأيدت بعض الجرائد المعتدلة هذا القول الأخير وزادت عليه أن حق انكلترا هذا يدوم حتى تقوم الدولة العلية وتكرهها على الجلاء عن مصر . واما في مسألة سينا فالأمر ليس كذلك لأن سيناء ليست جزءا من مصر ولا امتيازا لها بل هي " وديعة " اعطيت لها موقتا تسهيلا للحج المصري ففي احتلال الدولة لطابا تكون قد استردت جزءا من سيناء لإيجاد دائرة حول العقبى لا يكون لأحد كلمة فيها غير الأتراك كما استردت من قبل الوجه والمويلح وضبا والعقبة .

  فرد المنتصرون لمصر هذا القول بأن سيناء كانت في أكثر عصور التاريخ بل بعد الإسلام كانت في كل العصور تابعة لمصر وجزءا متمما لها غير منفصل عنها يشهد بذلك آثار مصر الباقية في سيناء منذ عهد الدولة الأولى المصرية إلى هذا العهد . هذه هي خلاصة ما دار في الجرائد المحلية في مسألة سيناء

  أما الحكومة البريطانية فإنها صرحت بانها لا تسمح بأقل تغيير يحصل في امتيازات مصر الممنوحة لها في الفرمانات إلا إذا صدقته وأقرته وقالت إننا دخلنا مصر وسيناء جزء منها وتحت إدارتها وسنرى أنها تبقى كذلك ما دمنا فيها .

  وكانت الجرائد المحلية قد أحدثت بعض الشغب في البلاد خصوصا وأن بعضها أتهم الانكليز أنهم يسعون في إحباط مشروع سكة الحجاز الحديدية فزادت الحكومة البريطانية حاميتها حتى بلغت نحو 6000 رجل .

  " بلاغ انكلترا النهائي إلى تركيا " ورأت انكلترا أن في قبول مطالب تركيا    ص  601

باتساعها الأخير خطرا على حرية القنال ومصر والعائلة الخديوية فأوعز ناظر خارجيتها السر ادوارد جراي إلى سفيرها في الأستانة السر نيقولاس أوكنور فرفع إلى الباب العالي بلاغا نهائيا بتاريخ 3 مايو يدعوه إلى إجبة مطالب انكلترا في أثناء عشرة أيام . وهذه المطالب هي : " 1- إخلاء طابا  2- عود عساكر رفح إلى حدهم . 3- إعادة عمودي الحدود في رفح إلى مكانهما " . ودل البلاغ المذكور أنه إذا لم يقدم الباب العالي الترضية المطلوبة تضطر انكلترا للإلتجاء إلى القوة . وعضد سفيرا فرنسا وروسيا في الآستانة مطالب انكلترا وأخذت انكلترا تستعد للطوارئ في مصر وسيناء واِلآستانة .

  هذا وقد كان معلوما للمطلعين على دخائل الأمور أن ألمانيا هي التي حرشت تركيا في الخفاء على إحداث مسألة الحدود وحرضتها على المقاومة لغاية في النفس .

والظاهر أن استعداد ألمانيا لم يكن قد تم بعد فنصح سفيرها في الآستانة السلطان بالتسليم إلى مطالب انكلترا قال لأن دولته لا تستطيع أن تنصره عليها في الأحوال الحاضرة . فسلم السلطان بمطالب انكلترا في آخر ساعة وأمر فخرجت العساكر من طابا وعاد عساكر رفح إلى حدهم وكانوا قد كسروا عمودي الحدود فصدر الأمر إلى قائمقام بئر السبع وقائمقام غزة بتلافي الأمر  فحضرا إلى رفح ونبشا عمودين من خرائب رفح عمودا من الغرانيت الأسود طوله 6 أقدام وآخر من الغرانيت الرمادي طوله 4 أمتار ونصباهما تحت السدرة بقرب مكان العمودين الأولين .

  وفي 14 مايو سنة 1906 بعث توفيق باشا الصدر الأعظم الرسالة الآتية إلى السر نيقولاس أوكونور سفير بريطانيا العظمى بالآستانة هذه نصها :

" جناب السفير   تشرفت بالمذكرة التي تكرمتم بإ رسالها لي في 12 الجاري بشأن إحتلال طابا . فاسمحوا لي أن أخبركم أنه لم يخطر قط ببال الحكومة الشاهانية الخروج عن مضمون التلغراف المرسل من الرحوم جواد باشا إلى سمو الخديوي في 8 افريل سنة 1892 ومع ذلك فإن الرسالة التي تشرفت بإرسالها إليكم في 11 الجاري كانت واضحة كل الوضوح فإن إخلاء طابا قد تقرر وصدرت الأوامر بذلك.

ص  602

" وقد قر الرأي على أن الضباط أركان حرب الموجودين الآن في العقبة والموظفين ينتدبون من قبل سمو الخديوي يمرون معا على الأمكنة اللازمة ليجروا التحريات الفنية على مقتضى القواعد الطوبوغرافية ويعينوا على خريطة النقط الطبيعية التي يكون بها ضمان الحال الحاضرة وبقاء القديم على قدمه في شبه جزيرة سيناء على القاعدة التي وضعها جواد باشا في تلغرافه السالف الذكر وأن يرسموا خطا للحدوود يبتدئ من رفح بقرب العريش ويتجه جنوبا بشرق على خط مستقيم تقريبا إلى نقطة على خليج العقبة تبعد على الأقل 3 أميال من العقبة . وبذلك تكون الرغائب التي أبديتموها سعادتكم في رسالتكم المشار إليها قد تحققت تماما .

" هذ وأنا نسأل سعادتكم أن تبلغوا ذلك إلى لندن ونأمل أن حكومة جلالة الملك ترى بذلك برهانا على رغبتنا الشديدة في دوام ارتياهخا لذلك دليلا  على القيمة التي تعلقها على حفظ وتزطيد العلاقات الحسنة الكائنة لحسن الحظ بين الحكومتين أفندم .      الإمضاء " توفيق "    ص   603

" لجنة تحديد التخوم " وبناء على ذلك صدر أمر الباب العالي إلى المندوبين العثمانيين في العقبة أن يتحدا مع من تنتدبهم مصر لتعيين خط الحدود . وقد جرى تبديل في أعضاء اللجنة التي انتدبتها مصر أولا لأسباب صحية وتألفت من جديد من الأميرالاي أوين بك مدير المخابرات واللواء ابراهيم باشا فتحي من أرباب المعاشات إذ ذاك . وقد ندبت للذهاب معهما سكرتيرا للجنة المصرية . وهذه صورة الأمر العالي الصادر بهذا الشأن :

  " سعادتلو ابراهيم باشا فتحي . وعزتلو الأميرالاي أوين بك " اقتضت إرادتنا بتعيينكما وتعيين حضرة نعوم بك شقير معكما بصفة سكرتير لتسوية الحدود بين العقبة رفح وذلك بالاتحاد مع الضباط المندوبين من قبل الدولة العلية لهذا الغرض وهم الآن في العقبة . وقد فوضناكم تفويضا مطلقا بإجراء ما ترونه موافقا من التغييرات الطفيفة في خط الحدود بقصد تسهيل الإدارة على الطرفين وذلك بالاتفاق مع مندوبي الدولة العلية المذكورين . وهذا الخط الفاصل يبدأ من رفح بقرب العريش ويتجه إلى الجنوب الشرقي حتى ينتهي في نقطة على خليج   ص   604

العقبة تبعد على الأقل ثلاثة أميال من العقبة ويكون خطا متعرجا يقرب من المستقيم ولذا أصدرنا أمرنا هذا لكم للعمل بمقتضاه .

في 33 نلية ستى 1806      الختم   " عباس حلمي "

  وقد صحب اللجنة المصرية : المستر كيلن . والمستر ويد وهما مهندسان انكليزيان بارعان من قلم المساحة المصرية لأجل رسم خريطة فنية للحدود من العقبة إلى رفح . والقائمقام براكنرج بك طبيب انكليزي ماهر من المصلحة الطبية بالجيش المصري والمستر افنس كاتب انكليزي نجيب من موظفي إدارة المخابرات بمصر ويوسف أفندي سامح " والان بك " مترجم تركي موظف في نظارة الحربية بمصر فسار أعضاء اللجنة المصرية من مصر الخميس في 24 مايو 1906 قاصدين العقبة بطريق البحر فوصلوا جزيرة فرعون مساء السبت في 26 من الشهر المذكور .

  وفي صباح اليوم التالي ذهبنا إلى العقبة فاستقبلنا على الرصيف : اللواء رشدي باشا . وياوره الجديد محمد أسعد بك صاغ أركان حرب وهو ضابط عربي نجيب من أهل بيروت يتقن التركية والعربية وينظم الشعر وله إلمام بالعلوم الطبيعية والرياضية . والمندوبان العثمانيان وهما : الأميرالاي أركان حرب أحمد مظفر بك وهو تركي الأصل أشقر اللون معتدل القامة يناهز الخمسين من العمر . والبكباشي أركان حرب محمد فهمي بك كردي الأصل ولد في السليمانية قرب الموصل وتربى في بغداد وهو قصير القامة أسمر اللون أسود العينين براقهما وسنه يناهز الأربعين

  وبعد أن تعارفنا وتبادلنا التحية شرع المهندسان المرافقان لجنتنا في رسم خريطة العقبة وضواحيها وذهبنا نحن إلى خيمة على شاطئ البحر وشرعنا نتناقش في مبدإ الخط الفاصل فصرح رشدي باشا ومندوبا اللجنة التركية أن الدولة العلية إنما أخلت طابا وتركته لمصر حفظا لكرامة مصر والدولة البريطانية وأملوا لقاء ذلك أن تسلم اللجنة المصرية بان يبدأ الخط المستقيم المشار إليه في كتاب الصدر الأعظم من أنف الجبل الذي على شاطئ الخليج ويطل على وادي طابا من الشرق ثم يتمشى على رؤوس تلال النقب التي تطل على العقبة إلى المفرق . قالوا لأن هذا الحد وحده يضمن سلامة العقبة من الوجهة الحربية . فأجلت اللجنة المصرية قرارهخا في ذلك إلى أن تتم خريطة الحدود     ص    605

وكانت الحكومة المصرية قد عهدت بتدبير طعامنا وشرابنا وخيامنا إلى شركة كوك بمصر فأرسلت هذه إلى وكالتها في القدس فبعثت بترجمانها سليم أفندي أسعد بطريق البر فوصل العقبة يوم وصولنا ومعه الخيام والمؤن والمهمات اللازمة فنصب لنا الخيام على رأس الخليج بين قلعة العقبة والمرشش فأقمنا هناك أياما في انتظار خريطة العقبة . وكنا في كل يوم أو يومين نجتمع برشدي واللجنة التركية ونبحث في خط الحدود حتى عرف كل منا رأي الآخر ولكنا قررنا إلا نبت في أمر حتى تتم الخريطة فننظر في خط الحود كله دفعة واحدة .    ص   606

وفي 4 يونيو سنة 1906 فرغ المهندسان من رسم خريطة العقبة فبرحناها على أن نسير على الحدود إلى رفح . ولما كان اتفاق 14 مايو الأخير يقضي باتباع " خط يقرب من المستقيم يبدأ من رفح وينتهي ينقطة تبعد 3 أميال على الأقل من العقبة " كان لا بد لنا قبل ترك العقبة من تعيين نقطة على خليج العقبة تكون مبدأ الخط الذي نسير عليه فاتفقنا أن يكون مبدأه المرشش التي تبعد 3/4 3 الميل من قلعة العقبة وخمنا موقع رفح تخمينا من الخرط التي بأيدينا ورسمنا بين المكانين خطا تقريبيا اتخذناه دليلا لنا لتعيين  جهة السير على الحدود . فجعلنا أول محطة لنا . المفرق عند رأس النقب فوصلناه عصر 4 يونيو . وكان في حملتنا نحو مئة جمل يخفرها اثنا عشر من هجانة السواحل

وفي اليوم التالي لحقنا إليه مندوبا اللجنة التركية يصحبهما أسعد بك المار ذكره سكرتيرا ليكون عدد أعضاء اللجنتين متساويا . وقد صحبهما أيضا ضابط تركي برتبة ملازم وبعض العساكر للإهتمام بحملتهم   وفي 7 يونيو سنة 1906 سار المهندسان أمامنا على الخط المستقيم التخميني يعينان مواقع الجبال والأمكنة البارزة عن جانبي الخط بالأرصاد الفلكية ويرسمان خريطة الطريق . وسرنا نحن في أثرهما على الخط أو عرجنا عنه يسيرا طلبا للماء .    ص    607

وما زلنا كذلك حتى أتينا رفح في 28 يونيو سنة 1906 ولم نكن نعلم موقعها الجغرافي بالدقة فلما وصلناها وجدنا مكتب التلغراف من مصر قد سبقنا إليها . فاتصل المهندسان بالمرصد الفلكي في حلوان فعينا موقع رفح الجغرافي فإذا هو في طول شرقي 1 ً 36 َ 29 ْ . ولم يكن في رفح محل يصلح لرسم الخرط فأخذ المهندسان أرصادهما ورسموهما وذهبا إلى قلعة العريش وكان في انتظارهما هناك المستر هيس من موظفي قلم المساحة النجباء فرسوا خريطة للحدود خطا مستقيما من رفح إلى المرشش والبلاد عن جانبيه على نحو خمسة أميال من كل جانب .

  فاجتمع اللجنتان إذ ذاك للنظر في تعيين خط الحدود . فعرضت اللجنة المصرية خطا للحدود يقرب جدا من المستقيم وينطبق على طبيعة البلاد وتقسيم القبائل أكثر من كل خط سواه .

أما اللجنة التركية فقد عرضت خطا . سمته الخط الإداري الفاصل . بدأ من رأس طابا على خليج العقبة وامتد على رؤوس التلال المطلة على العقبة إلى المفرق ثم سار بطريق غزة المشهورة إلى أن وصل جبل الأحيقبة فانحرف شمالا بغرب إلى بئر عجرود فضمها إليه ثم عاد إلى طريق غزة حتى وصل قرب عين القصيمة فانحرف غربا نحو 5 كيلومترات عنه فضمها إليه . ومر فوق جبل المويلح إلى الروافعة في

ص   608

وادي العريش وتمشي في الوادي الى المقضبة . ثم سار شمالا بشرق إلى الحد بين السواركة والترابين فتمشي عليه إلى رفح فمر بعامودي الحدود إلى أن وصل البحر المتوسط عند تل خرائب عند مينا رفح على البحر المتوسط . وقد أدخلت اللجنة التركية في هذا الخط كثيرا من بلاد اللحيوات والتياها والعزازمة والترابين التابعين لسيناء . وحجتها أن قائمقامية بئر السبع بعد تأسيسها سنة 1899 وقائمقامية غزة من قبلها ضربتا عليها الضرائب وأن اتفاق 14 مايو يقضي علينا بترك القديم على قدمه

ففندت اللجنة المصرية هذه الحجة تفنيدا وبينت بالأدلة الناصعة والمحررات الرسمية وشهادة مشايخ الحدود أنفسهم الذين رافقونا من العقبة إلى رفح إن البلاد التي أخرجتها اللجنة التركية من خطنا الذي يقرب من المستقيم وأدخلتها في خطها   ص  609

المتعرج نحو الغرب كانت منذ القديم تابعة لسيناء ولم يدفع أهلها قط ضرائب لتركيا . إلا القديرات التياها والصبحيون العزازمة الداخلين في خطنا أيضا فقد تبين أن قائمقامية بئر السبع بعد تأسيسها سنة 1899 ضربت عليهم بعض الضرائب ظلما واعتداء ولكن قائمقامية غزة من قبلها لم تضرب عليهم ضرائب . وقد استغرقت هذه المناقشات عدة جلسات بين 8 و 22 يوليو سنة 1906 فأصرت اللجنة التركية على رأيها ولم تشأ تعديل خطها فرفع كل فريق حججه وآراءه مفصلة إلى حكومته ولا نتعب القارئ بسردها هنا . ومكثنا في رفح ننتظر الرد وقد طال انتظارنا حتى سئمنا عيشة الخلاء والبداوة

" اتفاق الحدود " فلما كان يوم 13 سبتمبر سنة 1906 جاء لكل فريق تلغرافا من حكومته يخبره بما تم عليه القرار بين سفير الدولة البريطانية ومجلس الوكلاء في الآستانة ومفاد الإرادة السلطانية بهذا الشأن وهو : 1- إن الحكومة العثمانية أقرت على أن النقب من رأس طابا الشرقي إلى نقطة قرب المفرق يكون للعقبة . وأما المفرق نفسه وآبار مايين وعين قديس وعين القديرات وعين القصيمة تكون لجزيرة سيناء ويكون خط الحدود من المفرق إلى رفح خطا يقرب من المستقيم كما اقترحته اللجنة المصرية .

2- أن تقام أعمدة على طول خط الحدود للدلالة عليه وذلك بحضور مندوبي الفريقين 

3- إن القبائل القاطنة عن جانبي الخط يكون لها حق الانتفاع بالمياه كجاري العادة . وكذلك العساكر الشاهانية وأفراد الأهالي والجندرمة ينتفعون من المياه التي بقيت غربي الخط الفاصل .

4- أن يبقى الأهالي والعربان على ما كانوا عليه قبلا من حيث ملكية الأراضي والمياه كما هو متعارف بينهم . فعقد أعضاء اللجنتين عدة جلسات وعينوا خط الحدود بموجب هذه القواعد الأربعة على الخريطة فكان خطا يقرب جدا من المستقيم ولكنه واقع كله غربي الخط المستقيم إلا نقطة واحدة فيه أي موضع عمودي رفح فإنها وحدها على الخط الستقيم . فرفع كل فريق هذا الخط وصورة الاتفاق إلى حكومته .

ص  610

ولما كان صباح 1 اكتوبر سنة 1906 جاء لكل فريق التصريح من حكومته بتوقيع الاتفاق والخريطة فاجتمع الفريقان في خيمة " مس " المندوبين المصريين بعد ظهر ذلك اليوم ورسموا الخط المتفق عليه منقطا بالحبر الأسود الهندي على نسختين من خريطة الحدود . ثم بحثوا مليا في اللغة التي يكتب بها الاتفاق فاتفقوا أخيرا على أن يكتب بالتركية لأنها اللغة الرسمية بين تركيا ومصر وأن يعمل منه نسختان ويوقع الفريقان نسختي الاتفاق والخريطة . وأن يترجم الاتفاق إلى الانكليزية والعربية فيأخذ كل فريق نسخة من كل ترجمة ليضمها إلى الأصل الموقع .

ولما كانت الساعة 8 من مساء اليوم المذكور وقع مندوبو الفريقين نسختين من الاتفاق المكتوب بالتركية ونسختين من الخريطة المرسوم عليها خط الحدود المتفق عليه . وأخذ كل فريق نسخة من الاتفاق ونسخة من الخريطة الموقع عليهما . وضم إليهما نسخة من الترجمة الانكليزية  وأخرى من الترجمة العربية . وهذه هي صورة الاتفاق كما ترجم إلى العربية بالحرف الواحد :

  " هذه هي الاتفاقية التي وقع عليها وتبودلت في رفح . 13 شعبان المعظم سنة 1324 الموافق 18 أيلول سنة 1322 أول أكتوبر سنة 1906 بين   ص  611

مندوبي الدولة العلية ومندوبي الخديوية الجليلة المصرية بشأن تعيين " خط فاصل إداري " بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس , وبين شبه جزيرة طور سيناء .

  " بما أنه قد عهد إلى كل من الأميرالاي أركان حرب أحمد مظفر بك والبكباشي أركان حرب محمد فهمي بك بصفتهما ومندوبي الدولة العلية وإلى كل من أمير اللواء ابراهيم فتحي باشا والأميرالاي روجر كرميكل روبرت أوين بك بصفتهما مندوبي الخديوية الجليلة المصرية بتعيين خط فاصل إداري بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس وبين شبه جزيرة طور سيناء قد اتفق الفريقان باسم الدولة العلية والخديوية الجليلة المصرية على ما يأتي : -

" المادة الأولى " يبدأ الخط الفاصل الإداري كما هو مبين بالخريطة المرفوقة بهذه الاتفاقية من نقطة رأس طابا الكائنة على الساحل الغربي لخليج العقبة ويمتد إلى قمة جبل فورت مارا على رؤوس جبال طابا الشرقية المطلة على وادي طابا . ثم من قمة جبل فورت يتجه الخط الفاصل بالاستقامات الآتية :

  من جبل فورت إلى نقطة لا تتجاوز مائتي متر إلى الشرق من قمة جبل فتحي باشا ومنها إلى النقطة الحادثة من تلاقي امتداد هذا الخط بالعمود المقام من نقطة على مائتي متر من قمة جبل فتحي باشا على الخط الذي يربط مركز تلك القمة بنقطة المفرق " المفرق هو ملتقى طريق غزة إلى العقبة بطريق نخل إلى العقبة " . ومن نقطة التلاقي المذكورة إلى التلة التي إلى الشرق من مكان ماء يعرف بثميلة الردادي والمطلة على تلك الثميلة " بحيث تبقى الثميلة غربي الخط " . ومن هناك إلى قمة رأس الردادي المدلول عليها بالخريطة المذكورة أعلاه ب A3 . ومن هناك إلى رأس جبل الصفر المدلول عليه ب A4 . ومن هناك إلى القمة الشرقية لجبل أم قف المدلول عليها ب A5 . ومن هناك إلى نقطة مدلول عليها ب A7 إلى الشمال من ثميلة سويلمة . ومنها إلى نقطة مدلول عليها ب A8 إلى غرب الشمال الغربي من جبل سماوي . ومن هناك إلى قمة التلة التي إلى غرب الشمال الغربي من بئر المغارة " وهو بئر في الفرع الشمالي من وادي ما يين بحيث يكون البئر شرقي الخط الفاصل " .   ص   612

ومن هناك إلى A9 . ومنها إلى bis A9 غربي جبل المقراة . ومن هناك إلى رأس العين المدلول عليه ب bis A10 . ومن هناك إلى منتصف المسافة بين عمودين قائمين تحت شجرة على مسافة " 390 " ثلاثماية وتسعين مترا إلى الجنوب الغربي من بئر رفح والمدلول عليه A13 . ومن هناك إلى نقطة على التلال الرملية في اتجاه " 280 إلى الغرب " وعلى مسافة أربعماية وعشرين مترا في خط مستقيم من العمودين المذكورين . ومن هذه النقطة يمتد الخط مستقيما باتجاه " 334 ْ " ثلثماية وأربع وثلاثين درجة من الشمال المغناطيسي " أعني 26 ْ إلى الغرب " إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط مارا بتلة خرائب على ساحل البحر

" المادة الثانية " قد دل على الخط الفاصل المذكور بالمادة الأولى بخط أسود متقطع في نسختي الخريطة المرفوقة بهذه الاتفاقية والتي يوقع عليها الفريقان ويتبادلانها بنفس الوقت الذي يوقعان فيه على الاتفاقية ويتبادلانها .

" المادة الثالثة " تقام أعمدة على طول الخط الفاصل من النقطة التي على ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى النقطة التي على ساحل خليج العقبة بحيث أن كل عمود منها يمكن رؤيته من العمود الذي يليه وذلك بحضور مندوبي الفريقين .

" المادة الرابعة " يحافظ على أعمدة الخط الفاصل هذه كل من الدولة العلية والخديوية الجليلة المصرية

" المادة الخامسة " إذا اقتضى في المستقبل تجديد هذه الأعمدة أو الزيادة عليها فكل من الطرفين يرسل مندوبا لهذه الغاية وتطبق مواقع العمد التي تزاد على الخط المدلول عليه في الخريطة .

" المادة السادسة " جميع القبائل القاطنة في كلا الجانبين لها حق الانتفاع بالمياه حسب سابق عاداتها أي أن القديم يبقى على قدمه فيما يتعلق بذلك وتعطى التأمينات اللازمة بهذا الشأن إلى العربان والعشائر . وكذلك العساكر الشاهانية وأفراد الأهالي والجندرمة ينتفعون من المياه التي بقيت غربي الخط الفاصل .

ص   613

" المادة السابعة " لا يؤذن للعساكر الشاهانية والجندرمة بالمرور إلى غربي الخط الفاصل وهم مسلحون

" المادة الثامنة " تبقى أهالي وعربان الجهتين على ما كانت عليه قبلا من حيث ملكية المياه والحقول والأراضي في الجهتين كما هو متعارف بينهم "

مندوبون من قبلا الخديوية الجليلة المصرية           مندوبون من قبل الدولة العلية

أمير اللواء "ابراهيم فتحي "                          أميرالاي أركان حرب " مظفر "

أمرالاي أوين                                           بكباشي أركان حرب فهمي

وقد نظم فرج سليمان شاعر الرميلات برفح قصيدة في الحد قال :

فأول دهرنا ما لنا حد مضبوط     وأما رفح في الذكر نسمع بطرياه

التمت الباشات بين المحاديد      وإحنا صبرنا بينهم للمداعـــــــاه

واليوم صار حدادنا بطن بارود   والكل من حده يرجع لممشــــــاه

نعوم بك والمدير المسمى         وفتحات باشا والعساكر بتبـــراه

جاهم مظفر وفهمي وأسعد       الكل منهم بيك يا نعم ملقــــــــاه

يوم الأحد مشيوا على خيرة الله وغزو علايم حدهم بالمواتـــــــاه

يارب تحميهم وتنصر دولهم    ارتاحت العربان بعد المقاســـــاه

" أعمدة الحدود"   وبعد توقيع الاتفاق أصبح من الضروري أن يعود أعضاء اللجنتين على طول الحد لتخطيطه عملا بالمادة الثالثة فر رأي اللجنتين أن تقام عمد على طول الخط وتثبت في الأرض بفلنكان من حديد كعمد التلغراف . وبد ذلك تبنى في مكان هذه العمد عمد ثابتة بالحجر والسمنت بحضور مندوبي الغريقين . وعليه فقد أحضروا من مصر بطريق القنطرة عمدا وفلنكات من حديد وسار الفريقان على طول الخط ونصبوا العمد بحيث كان كل عمود يرى من مكان العمود الذي يليه كنص المادة المذكورة . فكان جملة ما نصبوه 91 عمودا وقد نصبوا أول عمود في مينا رفح على تل الخرائب المار ذكره بعد ظهر الخميس في 4 أوكتوبر وآخر عمود على رأس طابا الأربعاء في 17 منه عند غروب الشمس

وفي اليوم التالي عاد اللواء فتحي باشا وبعض ملحقات اللجنة المصرية بطريق   ص   614

البحر الى مصر . أما مدير المخابرات وكاتب هذه السطور فقد رجعنا بدرب الحج المصري فوصلنا السويس في 24 أوكتوبر سنة 1906 م .

وكان قد رافقنا من رفح اليوزباشي اسماعيل أفندي المفتي من أنجب ضباط مصلحة الأشغال بالجيش المصري والمستر ويد أحد مهندسي اللجنة المصرية ليساعدا في نصب الأعمدة وفي 4 ديسمبر سنة 1906 عاد اليوزباشي اسماعيل أفندي المفتي إلى طابا مندوبا من قبل اللجنة المصرية لبناء الأعمدة بالحجارة حسب اتفاق اللجنتين ومعه الملازم الأول النشيط غالي أفندي زكي والملازم الثاني على أفندي حلمي من ضباط الجيش المصري و37 عسكريا من الأورطة الرابعة المشاة و 5 عساكر بنائين من قسم الأشغال وعسكري تمرجي من القسم الطبي . ساروا بطريق البحر فوصلوا طابا في 7 ديسمبر . وكان القائمقام باركر بك قد سمي مديرا على جزيرة سيناء فوافاهم إلى طابا برا في اليوم المذكور وكثوا في انتظار المندوبين العثمانيين .

وفي 30 من الشهر المذكور حضر مظفر باشا وفهمي بك مندوبا لجنة الحدود التركية ومعهما اليوزباشي غالب أفندي ليرافقوا مندوبي لجنة الحدود المصرية لبناء العمد فنظر الجميع في شكل العمد الثابتة التي يجب إقامتها فاتفقوا بعد جدال طويل على أن يكو شكلها هرما مقطوعا تكون قاعدته متر مربع وارتفاعه عن سطح     ص    615

الأرض من مترين ونصف متر ومسطح رأسه 30 × 30 س وإن تنزع الفلنكة الحديدية وعرق الخشب فيستغنى عن العرق وتغرز الفلنكة في رأس العمود .

  وبعد الاتفاق على شكل العمد عاد باركر بك إلى نخل وشرع اسماعيل أفندي ورجاله في بناء العمد يصحبهم المندوبون الأتراك الثلاثة على طول الخط حتى أتوا إلى آخرها . وقد اعترضهم في الطريق صعوبتان : الماء والحجارة في الصحاري المرملة . أما الماء فإنهم بعد خروجهم من طابا أتوا به من بئر ملحان وبئر غضيان في وادي العربة حتى وصلوا آبار مايين فوجدوها جافة فاستقوا من بئر المغارة . وأتوا بالحجارة إلى صحراء الهاشة من جبل أم قف قرب جبال الصفرا وإلى صحراء العجرة من خرائب العوجة وجبل خشم القرن وخربة الرطيل وشاطئ البحر .

وكان أول عمود بنوه على رأس طابا السبت في 31 ديسمبر سنة 1906 أعطوه نمرة 91 وآخر عمود على تل الخرائب في مينا رفح في 9 فبراير سنة 1907 أعطوه نمرة 1 . وهذه السرعة التي أتم فيها اسماعيل أفندي ورجاله بناء العمد على طول الخط دلت على نشاط عظيم وأوجبت لهم كل مدح وثناء .

  وقد بلغت أجور الجمال التي كانت تنقل المياه ومواد البناء لهذه العمد 717 جنيها و40 مليما  وكان جملة ما أنفقته مصر على تحديد التخوم نحو عشرين ألف جنيه أو أكثر

  وبعد أن تم بناء العمد شرعت حكومة سيناء في إقامة نقط البوليس على الحدود فجعلت نقطا في بئر الثمد ومشاش الكنتلا والقصيمة ورفح ومدت إليها الأسلاك التليقونية وما زالت مثابرة على الإصلاح على ما بينا في باب الجغرافية حتى قامت الحرب الأوروبية الكبرى في أوغسطوس سنة 1914 وزج الاتحاديون الدولة في هذه الحرب في جانب ألمانيا وجردوا حملة على مصر قصد فتحها فرأت السلطة العسكرية في مصر إخلاء سيناء لتجعل الصحراء بينها وبين الجيش المهاجم فسحبت عساكرها من نقط الحدود ثم أخلت العريش في 24 أوكتوبر ونخل في 30 أوكتوبر سنة 1914 فدخل الأتراك سيناء واحتلوا بلاد العريش والتيه . وأما بلاد الطور فما زالت بيد مصر ولها حامية في محجر الطور . وسيجئ تفصيل ذلك في الفصل اتالي وهو الخاتمة .    ص   616


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق