358
تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها
الفصل الثاني في تاريخ سيناء في عهد الأسرة المحمدية العلوية
سنة 1805: 1914م
" 7- عباس حلمي باشا الثاني ابنه سنة 1892: 1914م "
" فرمانه " وخلف توفيق باشا ابنه الأكبر عباس حلمي باشا الثاني . ولما أرسل السلطان عبد الحميد فرمان توليته خديويا على مصر أخرج جزيرة سيناء كلها من حدود مصر فاعترض المعتمد الانكليزي السر افلن بارنج " اللورد كرومر " على ذلك وأوقف قراءة الفرمان رسميا حتى جاء التصحيح من الآستانة .
" زيارته الطور سنة 1896" وفي 22 يونيو سنة 1896 أبحر عباس باشا إلى مدينة الطور فزار محجرها وجامعها وحمام موسى وعاد إلى مصر .
" زيارته العريش سنة 1898 " وفي سنة 1898 زار برا بلاد العريش فوصل عمودي الحدود عند رفح واستراح هناك ساعة . وكان محافظ العريش إذ ذاك عثمان بك فريد فأمره بأن يكتب تاريخ زيارته الحدود على العمود الذي إلى جهة مصر . فخط التاريخ الشيخ ابراهيم محمد قاضي المحكمة الشرعية بالعريش . خطه على صحيفة كبيرة , ونقشه في العمود مصطفى أفندي البيك من أهالي العريش . وكان القاضي قد عمل مسودة للتاريخ فبقيت عند عبد الحميد أفندي وهبة كاتب المحكمة فسلمني إياها في العريش في 9 سبتمبر سنة 1906 . ص 555
ومما أجراه عباس باشا من الإصلاح عند زيارته العريش أنه جدد بناء جامع العريش كما مر . ورمم بئر قطية . وحفر بئرا جديدة عند النبي ياسر على ساحل العريش .
وأما ما جرى من الإصلاح في سيناء عموما على عهده فقد مر الكلام عليه تفصيلا . ومن الحوادث التي جرت في عهده في سيناء قتل الهندوايين . وتفصيل ذلك : ص 556
" قتل الهندواويين على درب الحج سنة 1905 " إنه في 7 مارس سنة 1905 خرج محمد الهنداوي وأخوه ابراهيم من بلدتهما نخل في طريق الحج المصري قاصدين العقبة للإتجار ومعهما جملان يحملان من بضاعة البن والسكر والزيت والحنطة والأقمشة ما لا تزيد قيمته على 15 جنيها . وقد رافقهما من نخل رجل ترباني وعبد من العقبة معه جمل يحمل بضاعة لسيده . فلما كانوا على نحو عشرة أميال من نخل صادفهم خمسة من الصقيرات التياها مسلحين ببنادق رمنتون آتين من الشمال لغزو الصفايحة في الجنوب طلبا لثأر . وكان بين هؤلاء الصقيرات الخمسة : " سليم الأطرش " فتى في الثلاثين من عمره "و صباح حسين " في الخامسة والعشرين . فقال هذان لرفاقهما هلموا نتبع هؤلاء التجار فنقتلهم ونغنم مالهم , فأبى الرفاق عليهما ذلك وبقوا مستمرين في طريقهم لغزو الصفايحة . أما هما فإنهما صمما على إنفاذ رأيهما وتتبعا التجار إلى أن نزلوا للمبيت في وادي " أبي قويعة " على نحو عشرين ميلا من نخل . وما أوقدوا النار وشرعوا في تهيئة الطعام حتى كان الرفيقان قد اقتربا من الوادي متسترين بالظلام فأطلق سليم الأطرش عيارا ناريا أصاب محمد الهنداوي فجندله قتيلا . وحاول صباح حسين إطلاق عياره فلم ينطلق لأنه كان فاسدا ثم هاجما المحلة ففر العبد والترباني وبقي ابراهيم الهنداوي مدهوشا مما دهاه فأوثقاه وربطا عنقه برجل أخيه المقتول وحملا الإبل الثلاثة بما خف وغلا . ثم حشا صباح حسين بندقيته بعيار صالح وأطلقه على ابراهيم فأرداه ثم أخذا جمال القافلة الثلاثة وأوغلا شمالا في بلاد التيه .
وفي صباح اليوم التالي 8 مارس حضر التربان يثم العبد إلى نخل وكان فيها الميرالاي محمد بك كمال قومندانا فأخبراه بما كان فأمر للحال ناظر نخل النشيط الملازم ميخائيل أفندي حبيب ونفرا من البوليس الأهلي وبينهم من يقص الأثر لمطاردة الجناة فوصل الناظر ورجاله محل الحادثة الساعة 3 بعد لظهر فوجدوا الأخوين المقتولين وابراهيم لا تزال عنقه مربوطة برجل أخيه محمد وبضاعتهما منهوبة مبعثرة فوضعوا كل جثة في جيس وحملوهما على جمل وأرسلوهما إلى نخل ثم تتبعوا الأثر فوجدوا أن القاتلين هما اثنان من الصقيرات بل عينوهما بالاسم فذهبوا إلى مخيم الصقيرات ص 557
وسألوا عنهما فقيل أنهما غائبان منذ أيام فاخذوا اثنين من أقرب أقربائما رهينة وانقلبوا راجعين إلى نخل . وفي الطريق التقوا رفاق الجانيين الثلاثة المار ذكرهم عائدين من غزو الصفايحة فساقوهم إلى نخل وقد أخبروا كيف أن رفيقيهم تركاهم ليقتلا رجال قافلة نخل وينهبا مالهم . ووصل الناظر بمن معه إلى نخل في 14 مارس وأخبر القومندان بما كان فأصدر القومندان أمره إلى الشيخ حمد مصلح شيخ التياها فطارد الجانيين إلى بلاد غزة وأحضرهما إلى نخل في 26 مارس فأنكرا جنايتهما أولا ثم اعترفا بها . وكان عند القومندان بنخل أمر عال مؤرخ 3 يناير سنة 1888 يقضي بتأليف " قومسيون " رئيسه القومندان وأعضاؤه ستة من مشايخ الجزيرة لمحاكمة الجناة . واتفق أنهم كانوا جميعا في نخل فعقدوا مجلسا وحكموا على الجانيين بالقتل . ولما أرسل الحكم إلى مصر وجد أن الأمر العالي المشار إليه قد فات وقته فاستصدرت الحربية أمرا عاليا لمحاكمة الجانيين من جديد وهذه صورته :
نحن خديو مصر . بناء على ما عرضه علينا ناظر الحربية وموافقة رأي مجلس النظار أمرنا بما هو آت : المادة 1- يشكل قومسيون من : نعوم بك شقير نائبا عن قلم المخابرات بنظارة الحربية . والميرالاي بعد بك رفعت وعلي بك حسين وكيل النيابة تحت رئاسة نعوم بك شقير للتوجه إلى شبه جزيرة سيناء لسماع الدعوى المتهم فيها سليم الأطرش وصباح بن حسين بقتل محمد الهنداوي وابراهيم الهنداوي في 7 مارس الماضي والحكم فيها .
المادة 2- المرافعة والإجراءات أمام هذا القومسيون تكون علنية إلا في ما يتعلق بالمداولة .
المادة 3-يعمل محضر عن كافة اجراءات القومسيون .
المادة 4- يعاون القومسيون في سماع الدعوى أربعة مشايخ ينتخبهم الرئيس من أعيان الجهة يصفة عدول . ويجوز لكل واحد من هؤلاء العدول أن يقترح على الرئيس تكليف أي شخص بالحضور أمام القومسيون بصفة شاهد وتوجيه أي سؤال إلى أي شاهد من الشهود . ويأخذ القومسيون رأي كل واحد منهم عن مجموع القضية قبل أن يفصل هو فيها وتدون آراؤهم في محضر الإجراءات . . ص 558
المادة 5- يراعي القوومسيون في حكمه ما يكو معلوما من عوائد الجهة مالم يكن مغايرا للعدالة أو الذمة وفي حالة عدم وجود عوائد معلومة أو إذا كانت هذه العوائد مخالغة للعدالة أو الذمة يراعي القومسيون مبادئ العدالة . ويجوز للقومسيون بما له من واسع السلطة أن يحكم بأي عقوبة جائزة بمقتضى قانون العقوباتأو أي عقوبة تقل عنها بشرط أنه إذا حكم القومسيون بالإعدام فلا ينفذ إلا بعد عرض الحكم علينا للتصديق عليه .
المادة 6- يكون محافظ شبه جزيرة سيناء مسؤولا عن إحضار أي شخص يكون حضوره ضروريا أما القومسيون بصفة متهم أو شاهد .
المادة 7- يقدم القومسيون تقريرا عن إجراءاته إلى ناظر الحربية
المادة 8- على ناظر الحربية تنفيذ أمرنا هذا
صدر بسراي عابدين في 12 صفر 1323هـ 17 ابريل سنة 1905
ناظر الحربية محمد العباني
عباس حلمي بأمر الحضرة الخديوية رئيس مجلس النظار مصطفى فهمي
فوصلنا نحم أعضاء القومسيون الجديد نخل في 25 ابريل وبعثنا في طلب الشهود وفي 7 مايو ذهبنا فشاهدنا محل الحادثة وعدنا إلى نخل في اليوم نفسه . وكان المشايخ والشهود قد حضروا . وجاء العرب من جميع أنحاء الجزيرة لحضور المحاكمة فانتخبنا أربعة من أعيان الجزيرة ليكونوا "عدول " الجلسة حسب الأمر العالي وهم : سلام سلامة البرعصي من التياها , وسلمان سلام أبو صفية من الصفايحة اللحيوات . وسلامة بن جازي من الترابين وسعد سلمان أبو نار من الحويطات
وفي 9 مايو الساعة 9 صباحا عقدت الجلسة لمحاكمة المتهمين حضرها نحو مئة رجل من عرب سيناء وموظفيها فبدأ رئيس القومسيون بكلام تمهيدي اقتضاه المقام . ثم فتحت الجلسة باسم الجناب العالي وسئل المتهمان كل منهما على حده غاعترف سالم الأطرش أنه قتل محمد الهنداوي واعترف حسين صباح أنه قتل ابراهيم الهنداوي وأتيا على تفصيل ذلك كما مر . وقد صدق غقرارهما عدة شهود
ص 559
ثم سئل المشايخ العدول الأربعة عن رأيهم فقالوا أنه ليس عندهم أقل ريب في أن المتهمين هما الجانيان وقد وجب عقابهما . قالوا ولكن عادات البلاد تعطي أهل القتيل من الأب فصاعدا أو من الإبن والأخ والأب فنازلا لخامس جد حق الثأر او العفو بأخذ الدية من القاتل أو من أقاربه الأ
نين لخامس جد . وإن أقارب القاتلين والمقتولين يجب أن يسألوا هل جرت بينهم المفاوضات المعتادة في مثل هذا الحادث بشأن العفو عن الجانيين بدفع الدية . ثم إن الدية في الشرع الإسلامي مئة جمل أما في سيناء فالدية 41 جملا . وعرف البدو في سيناء كالشرع الإسلامي في أن لأقارب المقتول حق العفو التام عن القاتل أو العفو عن أخذ الدية أو قسم منها وأنه إذا عفا واحد من ورثة المقتول سقط حق الورثة الآخرين في طلب العقاب كثروا أو قلوا . فأحضرنا أهل القاتلين والمقتولين جميعا . فقال أهل القاتلين " لو رضي أهل القتيلين الدية فإننا لا نستطيع دفعها لفقرنا قبل عدة سنين " ثم سئل أهل المقتولين مرارا فردا فردا فأصروا جميعهم على تنفيذ الحد الشرعي في الجانيين وأبوا بتاتا النظر في أمر الدية .
وفي الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم خلا أعضاء القومسيون للنظر في القضية فصدر الحكم بإجماع الآراء بقتل سليم الأطرش وصباح حسين شنقا أمام قلعة نخل وأرسل الحكم إلى القاهرة فصدقه الجناب العالي ونفذ في القاتلين في 28 مايو سنة 1905 الساعة 6 وربع صباحا أمام باب القلعة .
" حوادث هامة " هذا ومن الأمور الهامة التي حصلت في أيام عباس باشا في سيناء ما سمي " بحادثة الحدود " سنة 1906 . ثم لما كانت الحرب الأوربية الحاضرة دخلت تركيا في صف ألمانيا فأعلنت انكلترا الحرب عليها . وكان عباس باشا إذ ذاك في الآستانة فانحاز إلى المانيا فأعلنت انكلترا حمايتها على مصر وسمت الأمير حسين كامل . ابن المغفور له اسماعيل باشا سلطانا عليها في 19 ديسمبر سنة 1914 . ثم إن تركيا جردت حملة على مصر بطريق سيناء في أوائل سنة 1915 فكان نصيبها الفشل . وسنأتي على ذكر هذه الحوادث كلها تفصيلا بعد . ص 560
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق