100
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الرابع
الجهاد في برقة
خامساً: الجولة التفتيشية في الجبل الأخضر:
وبعد أن اجتمع برؤساء الزوايا وشيوخ القبائل شرع أحمد الشريف في جولات تفتيشية ابتدأت من العزيات وانتهت بجدابية، فمر بجميع معسكرات الجبل الأخضر، وفتشها واطلع على سير الأمور فيها، ورتب أمور الضباط، ونظم المجالس الاستشارية بالمعسكرات، ووقعت معارك بين الطليان والمجاهدين أثناء مروره بدواخل البلاد، فاشترك في الكثير منها، وقد لقي في هذه الجولة من الاتعاب والمشاق والسهر وقد أمضه الجوع، وأضناه العطش في كثير من الايام وكان لايبالي بما يلاقيه ولاينظر الى التعب إلا بعين الازدراء مادام ينظر الى ماعند الله من الثواب والجزاء وقد وصفه الكثير من رفاقه بأنه في تلك الحالة كان باسم الثغر، مبتهج الخاطر، مرتاح الضمير، ساطع المحيا، صبيح المنظر، لايركن للراحة، ولايفكر في رغد العيش( ).
يقول شكيب ارسلان عن احمد الشريف: (....اشتهر أثناء الحرب الطرابلسية وقام فيها المقام المحمود الذي لم يقمه أحد، ولولاه لم يكن انور ، ولا غيره من ابطال الدفاع عن بر طرابلس أن يعملوا شيئاً....)( ).
(.. وقد لحظت منه صبراً قل أن يوجد في غيره من الرجال وعزماً شديداً تلوح سيماؤه على وجهه.. وقد بلغني أنه كان في حرب طرابلس يشهد كثيراً من الوقائع بنفسه ولا يقتدي بالأمراء، وقواد الجيوش الذين يتأخرون عن ميدان الحرب مسافة كافية، أن لاتصل إليهم يد العدو فيما لو وقعت هزيمة، وفي احدى المرات ، أوشك أن يقع في أيدي الطليان، وشاع أنهم أخذوه أسيراً، وقد سالته عن تلك الواقعة فحكى لي خبرها بتفاصيله؛ وهو أنه كان ببرقة فبلغ الطليان بواسطة الجواسيس أن السيد في قلة من المجاهدين، وغير بعيد عن جيش الطليان، فسرحوا إليه قوة عدة آلاف ومعها سيارة كهربائية ، إذ كان اعتقادهم أنه لايفلت من ايديهم تلك المرة؛ فبلغه خبر زحفهم، وكان يمكنه أن يخيم عن اللقاء أو أن يتحرف بنفسه الى جهة يكون فيها بمنجاة من الخطر، أو يترك الحرب للمجاهدين فلم يفعل. وقال لي : (خفت انني ان طلبت النجاة بنفسي، أصاب المجاهدين الوهل، فدارت عليهم الدائرة، فثبت للطليان وهم بضعة آلاف بثلثمائة مقاتل لاغير واستمات العرب، وصدموا العدو، فلما رأى هؤلاء وفرة من وقع من القتلى والجرحى، ارتدوا على اعقابهم؛ وخلصنا نحن الى جهة وافتنا فيها جموع المجاهدين) وقال لي : (وفي هذه الوقعة جرح الضابط نجيب الحوراني، الذي كان من أشجع أبطال الحرب الطرابلسية، كان قائداً شجاعاً ولكنه كان يغامر بنفسه في كل وقعة، فجرح مرتين واستشهد في الثالثة رحمه الله)( ) لقد كان في جولاته يشارك الناس في شرابهم وأكلهم، ويصلي معهم، ويجاهد بنفسه بينهم، فقد كان قمة في الصبر والحلم والتواضع والبساطة، والشجاعة، والاقدام، ولايعرف الخوف إلا من الله وحده سبحانه وتعالى، فقد قوى الله به عزم المجاهدين، وشحذ به هممهم ، ووحد به صفهم وكلمتهم في برقة كلها، ومن الأشعار التي قيلت بمناسبة نزوله الى ساحات النزال ماقاله حمزة الفقي الجهيني من قصيدة طويلة:
ياليث (جغبوب) أتيت ببرقة
والأم ثكلى والدموع هوامي
والاسد في كنف الهلال يظلها
يابن البواسل والجروح دوامي
قد عودت أن لاتضام فخاطرت
والعرب لاترضى سوى الاقدام
والخيل تصهل والوجوه عوابس
والطير غرثى والسيوف ضوامي
قل للصوص تشتتوا فأنا الذي
أحمى الذمار بهمتي وحسامي( )
وقد قال أيضاً في قصيدة أخرى:
ولي نفس إذا مارمت أمراً
تحمّل جسمها ياقوم مالا
فقالوا ماوهبت فقلت روحي
وقالوا مابذلت فقلت مالا
ولي قلب (ببرقة) مشتهاه
يميل مع (السنوسي) حيث مالا
ولي الله مقـــــــدام تقي
إذا ماجئته شمت الجلال( )
وقد وصف الشاعر الليبي الاستاذ حسين بن محمد الحلافي أعمال احمد الشريف في الجهاد في قصيدة عصماء قال فيها:
فتاريخ السنوسي الدهر باق
على رغم الخطوب المبليات
غداة احتل جيش الظلم (ليبيا)
بنسافاته ومدمرات
فصير بحرها الاسطول ناراً
واحرق برها بمفرقعات
وزلزل أرضها بدوي تنك
وأزعج جوها بالطائرات
فعاف العيش في ترف وعز
بعيد عن ضروب المهلكات
ببيت أبدع الصناع فيه
تحوط به الحدائق باسقات
ينعم فيه بين اخ وابن
وبين أفاضل كالنيرات
وغادر (تاجه) وسعى إليها
وناد معلناً بين الكلمات( )
أجيبوا داعي الله استعدوا
بني قومي الى حرب الطغاة
دعى فأجابه جم غفير
وهل حرب تكون بلا دعاة
فضل حياته يسعى ويدعو
لتوحيد الشعوب على العداة
فكم ليل تطاول لم ينمه
ولم يعمل به غير الصلاة
وكم يوم طواه بغير زاد
قضاه على ظهور الصافنــــــــات
بمعمعة يشيب الطفل منها
يضيق لهولها صدر الفـــــــــــلاة
فلم تنظر اذا حققت إلا
(مدافع) كالصواعق داويــــــات
قنابلها تدك الأرض دكاً
وتقتلع الجبال الشاهقــــــــــات
فاخض الارض أموات وجرحى
ووارى الشمس تصنع العاديات
وكم يوم (ببرقة) مثل هذا
تسطره تواريخ الثقــــــــــــــاة( )
لقد طاف احمد الشريف بين المدن والقبائل يحض الناس على الجهاد وحمل السلاح ضد الغزاة، وحضر بنفسه في المعارك، ونبه المجاهدين الى ضرورة اعتماد حرب العصابات القائمة على الكر والفر وأكد لهم صعوبة اعتماد الخطط السابقة التي كان الاتراك يعتمدونها خلال المراحل الأولى( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق