10
الحركة السنوسية في ليبيا
الفصل الأول
الإمام محمد بن علي السنوسي
المبحث الأول
اسمه ونسبه وشيوخه ورحلاته في طلب العلم
سابعاً : دخول الحجاز:
دخل ابن السنوسي الحجاز عام 1240هـ/1825م، ونزل بمكة المكرمة وكانت تلك الزيارة لمكة ذات اثر كبير في قيام الدعوة السنوسية وظهور شأنها، و ساعد على هذا جملة اسباب:
1- استطاع ابن السنوسي ان يتحصل على انباء عظيمة عن احوال واخلاق المسلمين الوافدين الى مكة .
2- اتيحت له فرصة طيبة للإحتكاك بعلماء وفقهاء ومفكري الامة، وتبادل معهم الآراء ، والافكار في كيفية النهوض وإعادة مجد الامة .
3- كانت مكة منبراً مهماً للدعوة ولذلك اشتغل ابن السنوسي بنشر العلوم وتحصيلها و المناظرة فيها واجتهد في دراسة المذاهب الاسلامية حتى حذق مخاطبة جميع العالم الإسلامي .
4- اتيحت له دراية بحركةالشيخ محمد ابن عبدالوهاب عن قرب وعاشر اتباع الدعوة السلفية ومريديها وتتلمذ على علمائها وشيوخها ودرس الحركة السلفية دراسة واعية في مواقفها السياسية واجتهاداتها العملية
5- شيوخه في مكة :
اقبل ابن السنوسي في مكة على العلماء يتعرف عليهم ويأخذ عنهم ، لقد كان تشوقه للعلم وتواضعه في اخذه يبدوا جلياً في أي مكان حل فيه وكانت مكة تضم عدداً من العلماء المسلمين يمثلوا المذاهب والاتجاهات الفكرية المختلفة ، ففيهم الصوفي وفيهم المالكي وفيهم السلفي ، وهذا جعله يطلع على معظم الاتجاهات في عصره ، ومن اشهر العلماء الذين اخذ عنهم :
1- ابو سليمان عبدالحفيظ العجمي مفتي مكة وقاضيها .
2- ابو حفص عمر ابن عبدالرسول العطار ، وقد ذكرهما في رسالته التي كتبها ، كمقدمة لموطأ مالك باعتبارهما العالمين الذين يروي الموطأ عنهما من المشارقة .
3- احمد الدجاني ، حيث اخذ عنه ابن السنوسي عدداً من الطرق الصوفية وغيرهم كثير .
4- احمد ابن ادريس من افضل شيوخ ابن السنوسي وقد تأثر به ابن السنوسي تأثراً عظيماً وقد اخذ عنه ابن السنوسي عدداً من الطرق الصوفية ، ودرس ودرس عليه الحديث والسنة ، ولد محمد ابن ادريس سنة 1173هـ بميسورة( ) اصله من المغرب الاقصى وتلقى العلم على اكابر علمائها ثم هاجر الى مكة واستقر في الحجاز ، واصبح من علماء وقته ومر هذا العالم بالجزائر وتونس وطرابلس وبنغازي سيراً على الاقدام ، واستقر فترة من الزمن في بنغازي ، ثم رحل الى الاسكندرية بحراً ، واثنى على اهل بنغازي واهل الجبل الاخضر لما رأى عندهم من محبة الخير والصلاح وقال فيهم ( هذه بلادنا فيه تحيا اورادناحيها سعيد وميتها شهيد طوبى لمن اراد الخير لأهلها وويل لمن اراد الشر بأهلها )( ).
ودخل الحجاز واستمر يتنقل بين مكة والمدينة والطائف ما يقارب ثلاثين سنة واستفاد منه خلق كثير من اصقاع العالم الإسلامي ، من مصر ، والسودان،والهند،واليمن،وبلاد المغرب وغيرهم وكان دخول الحجاز عام 1213هـ( )
وعندما دخل سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود الحجاز عام 1221هـ لم يتعرضوا للشيخ احمد بن ادريس بأذىوكذلك اتباعه وقد وصف ابن ادريس بانه ذو ميول سلفية
قضى ابن السنوسي سنوات عديدة مع استاذه ابن ادريس الى ان اضطر الاخير الى الارتحال من الحجاز :( وكان سبب الارتحال مالقيه ابن ادريس من عنف السلطات الحكومية ،ومعارضة علماء مكة الذين صاروا ينقدون السيد على اعتبار انه كان لا يتفق في منهجه مع ما اعتاد عليه هؤلاء من ازمان طويلة حتى صاروا يعدونه مبتدعاً ثم انقلب نقدهم اضطهاد اضطر بسببه السيد ابن ادريس لمغادرة مكة الى صبياً العسير ) وكانت ( صبيا العسير ) ضمن املاك الدولة السعودية ومبادىء الدعوة السلفية متمكنة في نفوس اهلها وهذا ماكان يكرهه علماء الدولة العثمانية في مكة واتباعها .
ان ارتحال احمد ابن ادريس الى صبيا دليل على حسن الصلة التي بينه وبين اتباع حركة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب( ) وسافر ابن السنوسي مع استاذه الى صبيا واقام معه هناك حتى وفاته( ).
ان تتلمذ ابن السنوسي على احمد ابن ادريس افاده كثيراً وقد توثقت العلاقة بين ابن السنوسي وشيخه ابن ادريس واصبحت علاقة قوية جداً يوضحها احمد الشريف في كتابه الانوار القدسية ما نقله عن ابن ادريس ( ...أما ولدنا السيد محمد بن السنوسي فنحن أمرناه أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله اياكم ثم اياكم من كل مايقطعكم عن صحبته فانه النائب عنا قد اختاره الله لذلك، وقد طلب منا مراراً أن نجعل ذلك لمن يقوم به غيره فلم نر فيه المصلحة إلا هو ... ونحن ماأقمناه حتى أقامه الله ورسوله فقد قام امتثالاً لأمرهما فلم يكن له غرض لطلب دنيا ولا طلب جاه)( ).
لقد اخذ ابن السنوسي من شيخه الاذن لإعطاء العهود وتلقين الذكر فأذن له وأمره (أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله)( ) ولم يلبث ابن السنوسي طويلاً بعد ذلك حتى بنى أول زاوية له في الحجاز وباشر الدعوة في حياة شيخه ابن ادريس وشرع ابن السنوسي في إلقاء الدروس في مكة وتعليم من يجتمع حوله من المريدين وطلاب العلم، ويعتبر المؤرخون زاوية ابي قيس أول الزوايا التي أسسها ابن السنوسي بعد اعتزامه القيام بالدعوة واختياره لنظام الزوايا كوسيلة لنشر تعاليمه وأفكاره ، ومكث في الحجاز في رحلته الاولى خمسة عشر سنة استطاع أن يجمع خلالها من التلاميذ والاتباع والمريدين أعداداً كثيرة، مما حرك ضده عداوة شيوخ مكة وعلمائها الذين كانوا يخالفونه وينقدون اعتماده الصريح الخالص على الكتاب والسنة في دروسه واقتفاء السلف الصالح في إرشاده وتعليمه، وإقامته الحجة على أن الاجتهاد لم يغلق بابه، وزاد على ذلك أن السلطات الحكومية بدأت تشعر بخطورته، وخطورة الدعوة التي يحملها من جراء التفاف الناس حوله، وكان ابن السنوسي على اتصال مستمر بأبناء ابن ادريس في صبيا وهي تابعة للحركة السلفية، وكان العداء على أشده بين الحكومة العثمانية والاشراف بمكة وبين اتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهكذا كثرت الصعاب والعوائق في طريقه وفكر في الانتقال بالدعوة الى مكان آخر، ولاشك أن قامته الطويلة في مكة أثرت على جوانب كثيرة في تفكيره ووجهت اتجاهه الاصلاحي الوجهة التي سار عليها، فهناك في مكة أخذ كفايته على العلماء، ودرس معظم الاتجاهات الفكرية ، والتقى بأستاذه ابن ادريس، وكذلك بوفود الحجيج القادمين من مدن وقرى العالم الاسلامي وتعرّف على احوالهم ، وزاد فهماً للداء الذي ينخر فيهم، وكانت هذه الجموع من الحجيج تربة خصبة استطاع أن يبذر فيها دعوته واختار منهم من يصلح لمعاونته( ).
ولم ينس القضية الجزائرية واذكاء جذوة الجهاد في نفوس ابناء الجزائر ضد فرنسا ، وعندما قدم محي الدين الجزائري برفقه ولده وأشراف قومه الى مكة إلتقى بهم ابن السنوسي وأكرمهم غاية الاكرام، وبعد ان ارادوا السفر ودعهم وقال لهم : إن الدين الاسلامي يحتم على كل مسلم أن يدافع عنه بقدر استطاعته ويحرْم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والاسلام والمعطل لأحكام الله واني استوصيك بولدنا عبدالقادر هذا خيراً فإنه ممن سيذود عن حرمات الاسلام ويرفع راية الجهاد فكان هذا سبباً في ايجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما فيه ومعلوم لدى الباحثين جهاد عبدالقادر محي الدين الجزائري في الجزائر( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق