1162
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> أوروبا الوسطى -> المتصوفة
4- المتصوفة
لقد غرس القرنان الرابع عشر والخامس عشر بذور الإصلاح الديني: وكابد لويس ملك بافاريا وويكليف في انجلترا وهس في بوهيميا، التجربة قبل لوثر وهنري الثامن وكالفن ونوكس وأصبحت ثورة رجال الدين المتزايدة في اسكندناوة والمعفاة من الضرائب عبئاً ثقيلاً على الشعب الحكومة وزعم النقاد أن الكنيسة كانت تملك نصف أراضي الدنمارك، ولها الحق الإقطاعي على كوبنهاجن نفسها. ونزر النبلاء بحسم مشئوم، إلى أملاك لا يحميها إلا العقيدة بل إن المسيحيين المحافظين كانوا ضد الكهنوت. أما في سويسرا فقد كان الاستقلال الأشم للولايات تمهيداً لظهور زونجلي وكالفن. وفي عام 1433 طردت مجديبرج، كبير أساقفتها وهكهانها، وانتقضت بمبرج على حكم الأساقفة، وحاصرت باسو أسقفها في قلعته. وفي عام 1449، وجه أستاذ في جامعة أرفورت (حيث قدر للوثر أن يدرس) إلى البابا نيقولاس الخامس، دفاعاً عن مجالس العامة باعتبارها أعلى سلطة من الباباوات. وانتشرت أصداء من ثورة الهوسيين المجاورة، إلى ألمانيا بأسرها، وحافظت الجماعات الولدنيزية، هنا وهناك، سراً على الهرطقة القديمة والأطماع الشبيهة بالشيوعية. واتجه الورع نفسه إلى تصوف يقترب من الهرطقة.
وأجمع التصوف عند جوهانس إيكهارت، مذهباً من مذاهب وحدة الوجود، لا يعبأ بالكنيسة، ويكاد يتجاهل القانون الديني المحدود. وكان هذا الراهب الدومينيكي على حظ من العلم جعل لقب "أستاذ" جزءاً من اسمه. وصيغت كتاباته الفلسفية بلغة لاتينية متحذلقة، ولو أنها كانت كل أثاره، لما بلغ حظاً من الشهرة أو الخطر. ولكنه كان يدعو بلغة ألمانية منظومة من ديره في كولونيا، إلى مذهبه الجريء في وحدة الوجود مما
عرضه لمحكمة التفتيش. واتبع ديونيس الأريوفاغيظ وجوهانز سكوتس ارجينا، فجهد للتعبير عن حسه الغلاب بباله موجود في كل مكان. وهذا الإله غير المحدود، لم يتصوّره إيكهارت، شخصاً أو روحاً، ولكنه وحدة مطلقة خالصة... هوة بلا كيفية ولا شكل، للإله الصامت الواسع... حيث لا يرى قط خلاف، لا أب ولا ابن ولا روح القدس، حيث لا يوجد واحد في داره، ولكن حيث تكون جذوة النفس في سلام أكثر مما تكون مع نفسها. ولا يوجد بصفة أساسية سوى هذا الإله الذي لا شكل له..."الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله. إن الأب ينجيني بلا توقف، فأكون ابنه. وأنا أقول أكثر من ذلك: إنه يُنْجِبُ في ذاتهِ، وفي ذاته ينجبني. والعين التي أرى بها الله هي العين ذاتها التي أرى الله بها... وعيني وعين الله عين واحدة".
وفي كل فرد قطعة من الله، وعن طريقها تستطيع الاتصال به مباشرة وتستطيع أن تكون ذاته. لا عن طريق شعيرة الكنيسة، ولا حتى عن طريق الكتاب المقدس، ولكن عن طريق هذا الوعي الكوني وحده تستطيع النفس أن تقترب وأن ترى الله. وكلما تجرد الفرد من أغراضه الذاتية والدنيوية، كلما أصبحت هذه الجذوة الإلهية أكثر شفافية وأحد بصراً حتى يكون الله والنفس واحد آخر الأمر، و "نتحول كلية إلى الله". فليست الجنة والأعراف والجحيم أماكن، ولكنها أحوال النفس.. فالافتراق عن الله هو الجحيم، والاتحاد معه هو الفردوس. واشتم كبير أساقفة كلونيا من هذه الأقوال رائحة الهرطقة، فدعا إيكهارت للمحاكمة (1326) فأكد الرجل صحة محافظته على العقيدة واقترح أن يحكم على أقواله باعتبارها مبالغات أدبية، ومع ذلك فقد أدانه الأسقف. فاستأنف الراهب الحكم إلى
البابا يوحنا الثاني والعشرين ثم تخلص من المحرقة بالموت في الوقت المناسب (1327).
وانتشر تأثيره على يد تلميذين دومينكيين عرفا كيف يحتفظان بمذهبه وفي وحدة الوجود في نطاق أمين. فقد عذب هانيريخ سوسو نفسه، ست عشرة سنة، في زهادة صارمة، وحفر اسم المسيح في لحمه على قلبه؛ وزعم أنه تلقى في فمه دماً من جراح المسيح، وألف كتيبه في "الحكمة الخالدة" باللغة الألمانية. لأن الله كما قال، أوحاه إليه بهذه اللغة. أما جوهانزتولر فقد وصف ديكهارت بأنه "أستاذه الأقدس" ودعا في ستراسبورج وبازل إلى مذهب الاتحاد الصوفي بالله. ونسب لوثر إليه كتاباً عنوانه علم اللاهوت الألماني، وكان تأثير هذا الكتاب، في عميقاً، ببساطة معتقده: الله، المسيح، الخلود.
ونظرت الكنيسة بشيء من الاهتمام إلى المتصوفة الذين تجاهلوا أغلب تعاليمها، وأهملوا شعائرها وزعموا الوصول إلى الله بلا استعانة من القصص أو الأسرار المقدسة. وهنا نجد مبادئ الإصلاح الديني بحكم الفرد على نفسه، وكل إنسان في ذاته قسيس، وليس التبرير في الأعمال الطيبة ولكنه في العقيدة السامية. وفي رأي الكنيسة أن الإيحاءات الخارقة قد تأتي من الشياطين والمجاذيب كما تأتي من الله والقديسين، وأن الأمر يحتاج إلى إرشاد صارم يحفظ الدين من التحلل إلى الفوضى تتألف من ديانات وعلوم دين فردية. ولا يزال هذا الخلاف في الرأي يقسم المخلصين.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق