إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 29 أبريل 2014

1319 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفن في أسبانيا والب 7- الفن في أسبانيا والبرتغال 1515 - 1555





1319


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> الفن في عصر هولبين -> الفن في أسبانيا والب

7- الفن في أسبانيا والبرتغال


1515 - 1555


لم تعرف أسبانيا قط النهضة بالمعنى الإيطالي الغني على الرغم من الجريكو وفيلاسكيز، وسرفانتيس وكالديرون. فثروتها التي جاءتها من أقطار نائية أضفت على ثقافتها المسيحية زخارف جديدة، وأتاحت لها إجزال العطاء للوطنيين النابغين في الأدب والفن، ولكنها لم تتدفق كما تدفقت الثروة في إيطاليا وفرنسا إلى أي جهود مثيرة لاستعادة تلك الحضارة الوثنية التي ازدان بها عالم البحر المتوسط قبل المسيح وبعده، والتي أنجبت سنيكا ولوكان ومارتيال وكونتيليان وتراجان وهادريان على أرض أسبانيا ذاتها. لقد طغى على ذكرى العهد الكلاسيكي طول الصراع بين المسيحية الإسبانية والمغاربة، وكل الذكريات المجيدة كانت ذكريات ذلك الانتصار المتطاول، وغدا الإيمان الذي حققه مقترناً بتلك الذكرى الفخور لا ينفصل عنها. وبينما كانت الدولة تذل الكنيسة في كل أرجاء أوربا الأخرى، كان النظام الكنسي في أسبانيا يزداد قوة على الزمن، فتحدى البابوية وتجاهلها، حتى حين كان الأسبان يحكمون الفاتيكان، وعاش رغم الاستبداد الورع الذي فرضه فرديناند وشارل الخامس وفيليب الثاني، ثم سيطر على كل نواحي الحياة الأسبانية. وكانت الكنيسة في أسبانيا الراعي الوحيد تقريباً للفنون، ومن ثم فقد قررت اللحن الذي تريده، وحددت الموضوعات، وجعلت الفن كالفلسفة خادماً للاهوت. وعينت محاكم التفتيش الإسبانية مفتشين


لتحريم العرى أو البذاءة أو الوثنية أو الهرطقة في الفن، ولتحديد طريقة تناول المواضيع المقدسة في النحت والتصوير، ولتوجيه الفن الأسباني وجهة التبصير بالإيمان وتثبيته.
ومع ذلك كان التأثير الإيطالي يتدفق إلى أسبانيا. فارتقاء الأسبان عرش البابوية وفتح ملوك الأسبان نابلي وميلان، وحملات الجيوش الأسبانية وبعثات رجال الدولة والكنيسة إلى إيطاليا، والتجارة الرائجة بين أسبانيا والثغور الإيطالية، وزيارة الفنانين الأسبان أمثال فورمنت وبيروجويتي وابنه لإيطاليا، والفنانين الإيطاليين أمثال توريجيانو وليوني ليوني لأسبانيا- هذه العوامل كلها أثرت في الفن الأسباني من حيث طرائقه وزخرفته وأسلوبه، ولم نؤثر تأثيراً يذكر في روحه أو موضوعه؛ أثرت في التصوير أكثر مما أثرت في النحت، وكانت أقل ما تكون تأثيراً في العمارة.
وسيطرت الكاتدرائيات على مشاهد الريف والمدن سيطرة الدين على الحياة. فالرحلة في أسبانيا أشبه بالحج من هيكل إلى آخر من هذه الهياكل الجبارة. وضخامتها المهيبة، وغنى زخارفها الداخلية، وصمت أبهائها الذي يلفه ضوء خافت، وأشغال الحجر المكرسة التي تبني بها أروقتها، كلها تبرز البساطة والفقر الواضحين في مساكن الآجر الجميلة المتزاحمة في أسفلها وهي تتطلع إليها كأنها الوعد بعالم أفضل. وظل الطراز القوطي هو السائد في الكاتدرائيات الشامخة التي ارتفعت في سماء سلمنقة (1513) وسقوبية (1422)، ولكن المعماري ديبجو دي سيلوي، وكان ابن نحات قوطي الفن، صمم الأجزاء الداخلية من كاتدرائية غرناطة بأعمدة وتيجان كلاسيكية، وتوج التصميم القوطي بقبة كلاسيكية (1525). وأزاح طراز النهضة الإيطالية الطراز القوطي إزاحة تامة في قصر شارل الخامس بغرناطة. وكان شارل قد وبخ أسقف قرطبة

على إتلافه المسجد الكبير ببناء كنيسة مسيحية داخل أعمدته البالغ عددها 850(34)، ولكنه ارتكب ذنباً لا يكاد يقل فداحة حين هدم بعض قاعات قصر الحمراء وأبنيته ليفسح مكاناً لبناء كان من الجائز أن يتقبل المرء ضخامته الصارمة وتماثله السخيف دون تأذ لو أنه قام وسط أبنية مماثلة له في روما، ولكنه ظهر نابياً أشد النبو وسط القلعة المغربية برشاقتها الهشة وتنوعها البهيج.
وظهر شيء من ميل المغاربة للزخارف المعمارية في طراز "الأطباق" الذي طبع أكثر ما طبع المعمار المدني في ذلك العهد. وقد اشتق اسمه من الشبه بينه وبين الحلي المعقدة الرقيقة التي كان صائغو الفضة (البلاتيرو) أو الذهب يحلون بها آنية المائدة وغيرها من تحف فنهم. وقد ملأ هذا الطراز قمم وجوانب البوابات والنوافذ بأحجار ملتفة عربية الطراز، وحفر الأعمدة أو لولبها أو زهرها بخيال إسلامي غريب، وثقب النوافذ المصّبعة والداربزينات بورق شجر وبوشي من الرخام. وكان هذا الطراز طابع كنيسة أوبيسبو في مدريد، وكنيسة سانتو توماس في أفيلا، وخورس كاتدرائية قرطبة. وقد أطلق لنفسه العنان في قاعة مدينة إشبيلية (1526). واقتبست البرتغال هذا الطراز على بوابة حفلت بالحلي وأعمدة نقشت بالزخارف في دير سانتا ماريا الفخم في بيليم (1517)، وحمله شارل الخامس إلى الأراضي المنخفضة وألمانيا حيث نشر طابعه على قاعات مدينتي أنتورب وليدن وقلعة هيدلبرج. ولكن فيليب الثاني وجد في هذا الطراز إسرافاً في الزخرف لا يطيقه ذوقه، فمات موتاً مبكراً تحت عبساته.
أما النحت الأسباني فقد خضع للمد الإيطالي المتعاظم بأيسر مما خضع المعمار. فبعد أن كسر بيترو توريجيانو أنف ميكل أنجيلو في فلورنسة، وتحدى هنري الثامن في لندن، استقر في إشبيلية (1521) وصنع من



الطين المحروق تمثالاً غليظاً للقديس جيروم، ارتأى فيه جوياً رأياً خاطئاً، هو أنه أعظم أعمال النحت الحديث(35). وأحس توريجيانو أنه نقد أجراً حقيراً لقاء صنعه تمثالاً للعذراء، فحطمه شذر مذر، وقبضت عليه محكمة التفتيش فمات في سجونها(36). أما دميان فورمنت فقد حمل روح النهضة على إزميله وفي عباراته الطنانة بعد عودته إلى أرجوان من إيطاليا. كان يصف نفسه بأنه "قريع فيدياس وبراكسيتيليس". وتقبله الناس بالقدر الذي قدر به نفسه، فسمحت له السلطات الكنسية بحفر صور له ولزوجته على قاعدة حاجز المذبح الخلفي الذي صنعه لدير مونتي أرجوان. ثم صنع من المرمر لكنيسة نويسترا سينورا ديل بيلار في سرقسطة رافدة مذبح كبيرة بالنقوش ضئيلة بالبروز، مزج فيها العناصر القوطية بعناصر النهضة، والتصوير بالنحت، واللون بالشكل. وكرس فورمنت لرافدة مذبح أخرى في كاتدرائية وشقة في السنوات الثلاث عشرة الباقية من حياته (1520- 1533).
وكما أن بدرو برجويتي هيمن على التصوير الأسباني في نصف القرن السابق على شارل الخامس، فكذلك أصبح ابنه أكبر النحاتين الأسبان في العهد الذي نحن بصدده. وقد تعلم ألونسو فن اللون من أبيه، وذهب إلى إيطاليا واشتغل مع رفائيل مصوراً، ومع برامانتي وميكل أنجيلو مثالاً. فلما عاد إلى أسبانيا (1520) جلب معه ولع ميكل أنجيلو بالوجوه تلتقط في حدة الانفعال أو عف المواقف. وعينه شارل مثالاً ومصوراً للبلاط. وظل ست سنوات في بلد الوليد ينحت من الخشب حجاباً لمذبح كنيسة سان بنيتو إل ريال، طوله اثنان وأربعون قدماً وعرضه ثلاثون، ولم يبق منه إلا قطع متناثرة، أهمها صورة للقديس سباستيان ذات ألوان حية، والدم يتدفق من جروحه. وفي 1535 اشترك مع أهم منافسيه، فيليبي دبورجونا، في نقش مقاعد للمرتلين في كاتدرائية طليطلة، وهنا

أيضاً كان أسلوب ميكل أنجيلو هو الموجه ليده، والمنبئ بطراز الباروك في أسبانيا. ولما قارب الثمانين كلف أن يقيم في مستشفى القديس يوحنا بطليطلة أثراً تذكارياً لمؤسسه الكاردينال جوان دي تافيرا. وأخذ معه ابنه ألونسو مساعداً، وأبدع إحدى الروائع الكبرى في النحت الأسباني، ثم مات خلال هذه المحاولة وقد بلغ الخامسة والسبعين (1561).
أما التصوير الأسباني الذي كان لا يزال آنئذ تحت وصاية إيطاليا وفلاندر فلم يجد بفنان بارز في عهد شارل الخامس. وكان الإمبراطور يؤثر المصورين الأجانب، فاستقدم أنطونيس مور ليصور أعيان الأسبان، أما عن نفسه فقد صرح بأنه لن يسمح لأحد أن يصوره غير تيشان العظيم. والمصور الأسباني الوحيد الذي عبرت سمعته جبال البرانس هو لويس دي موراليس. وقد قضى السنين الخمسين الأولى من حياته فقيراً مغموراً في بلدته بطليوس، يرسم الصور للكنائس كبيرها وصغيرها في إقليم استريمادورا. وكان يناهز الرابعة والخمسين حين أمره فيليب الثاني بالحضور والتصوير في الأسكوريال (1564). فقدم نفسه للملك في ثياب بهية رأى فيليب أنها لا تليق بفنان، ولكنه لان حين علم أن لويس أنفق مدخرات العمر ليعد لنفسه ثياباً تليق بالمثول بين يدي جلالته. ولم تستهو الملك لوحته "المسيح حاملاً الصليب"، فعاد إلى بطليوس وحياة الضنك. وتعرض عدة لوحات بريشته في الجمعية الأسبانية بنيويورك، وكلها جميلة، غير أن أفضل مثال لفنه هو لوحة "العذراء والطفل" في البرادو- وهي تذكرنا من بعض وجوهها برفائيل تذكيراً شديداً. ولما اجتاز فيليب ببلدة بطليوس في عام 1581 خصص معاشاً متأخراً للفنان الذي أعجزه الفالج وضعف البصر، فيسر له بذلك القوت المنتظم في السنوات الخمس الباقية له من عمره.


أما صناع أسبانيا المهرة فكثيراً ما كانوا فنانين في كل شيء ولا ينقصهم غير الاسم. فقد ظلت أشغال التخريم والجلد تحظى بأرفع مكانة في أوربا. كذلك كان النجارون لا ضريب لهم، وعند تيوفيل جوتييه أن الفن القوطي لم يدن قط من الكمال دنوه في مقاعد المرتلين بكاتدرائية طليطلة. أما المشتغلون بالمصنوعات المعدنية فقد جعلوا من حجب الهياكل، ومصبعات النوافذ، وداربزينات الشرفات، ومفصلات الأبواب، بل من المسامير، تحفاً فنية. وأحال صاغة الذهب والفضة بعض المدن النفيس المتدفق من أمريكا حلياً للأمراء وآنية للكنيسة، واشتهر من أشغالهم الآنية التي صاغوها بتخريم الفضة أو الذهب لاحتواء القربان المكرس. ولم يقنع جل فيتشنتي بمكانته زعيماً لكتاب المسرحية في البرتغال وأسبانيا في هذه الفترة، بل صنع وعاء للقربان المقدس- يخرج به الكاهن على جمهور المصلين- قيل في تقديره "انه أروع أشغال الصياغة في البرتغال"(37). وواصل فرانشيسكو دي هولاندا، البرتغالي برغم اسمه، زخرفة المخطوطات ببراعة، وهي فن كان بسبيله إلى الزوال.
ويمكن القول على الجملة إن هذه الفترة التي تقل عن نصف قرن قد وفقت توفيقاً مشرفاً في مجال الفن على الرغم من استنفاد الطاقات وتمزقها في الثورة الدينية. لم يكن كبار المعماريين والنحاتين والمصورين ممن يثبتون للمقارنة بالعمالقة الذي زلزلوا باللاهوت أوربا، وكان الدين لحن العهد، وقصارى ما كان يستطيعه الفن أن يكون مصاحباً له. بيد أن إل روسو، وبريماتتشيو، وليسكو، وديلورم، وجوجون، وآل كلويه في فرنسا، وبروجويتي وابنه في أسبانيا، وبروجل في فلاندر، وكراناخ في ألمانيا، وهولبين في كل بلد- كل أولئك كانوا قائمة نبيلة من الفنانين لعهد شديد الاضطراب بالغ القصر. إن


الفن نظام، ولكن كل شيء كان فوضى- لا الدين فحسب، بل الأخلاق، والنظام الاجتماعي، والفن نفسه. وكان الفن القوطي يخوض معركته الخاسرة مع الطرز والأساليب الكلاسيكية، واضطر الفنان بعد أن اقتلع من ماضيه أن يجرب بمحاولات اجتهادية لم تستطع أن تمنحه جلال الاستقرار المتأصل في زمان واثق من نفسه. كذلك كان الإيمان متردداً وسط هذا الاضطراب الشامل، فلم يعد يعطي الفن أوامر وتوجيهات واضحة، وهوجمت الصور الدينية وحطمت، وأخذت الموضوعات المقدسة تفقد قدرتها على استثارة العبقرية أو الإعجاب أو التقوى بعد أن كانت مبعت إلهام لمبدع الجمال ولمشاهده على السواء. أما في مجال العلم فقد راحت أعظم الثورات قاطبة تخلع الأرض عن عرشها اللاهوتي، وتضيّع في الفراغ اللانهائي تلك الكرة الصغيرة التي كان الافتقاد الإلهي لها سبباً في تكوين العقل الوسيط وخلق الفن الوسيط. ترى، متى يعود الاستقرار ثانية؟

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق