إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 29 أبريل 2014

1324 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> العلم في عصر كوبرنيق -> فيساليوس 5- فيساليوس





1324


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> ماوراء الستار -> العلم في عصر كوبرنيق -> فيساليوس

5- فيساليوس


في عام 1543 نشر أندرياس فيساليوس كتاباً قال عنه السر وليم أوسلر إنه أعظم ما كتب في الطب قاطبة(53). كان أبوه أندرياس فيسل صيدلياً غنياً في بروكسل، وجده طبيباً لماري البرجندية ثم لزوجها مكسمليان الأول، أما جده الأكبر-وكان طبيباً-فقد كتب تعليقاً على كتاب ابن سينا "القانون". هنا نجد حالة من الوراثة الاجتماعية تفوق حالة أسرة باخ. وما لبث فيساليوس أن أغرم بالتشريح بعد أن درب عليه منذ نعومة أظفاره. "فلم ينج من مبضعه حيوان. فهو يشرح الكلاب والقطط والجرذان والفيران والخلدان تشريحاً غاية في الدقة(54)" غير أنه لم يهمل الدراسات الأخرى. ففي الثانية والعشرين من عمره حاضر في اللاتينية، وكان يقرأ اليونانية في يسر. ثم درس التشريح في باريس (1533-36) على جاك دويوا الذي أطلق على كثير من العضلات والأوعية الدموية أسماءها التي ما زالت تحملها إلى اليوم. وظل فيساليوس طويلاً، كأساتذته، يؤمن بجالينوس إنجيلاً له، ولم يفقد احترامه له قط، ولكنه كان يحترم سلطان المشاهدة والمناقشة أكثر كثيراً. وقام هو وبعض زملائه الطلبة برحلات كثيرة إلى مستودعات جثث الموتى حيث جمعت العظام المستخرجة من جبانة الأطفال، وهناك ألفوا منظر أجزاء الهيكل البشرى ألفة أتاحت لهم كما روي "أن نجرؤ أحياناً، حتى ونحن معصوبو الأعين، على مراهنة رفاقنا، وخلال نصف ساعة لم تكن تقدم لنا عظمة... إلا وعرفناها باللمس(55)". وحدث غير مرة في محاضرات دوبوا أن كان المشرح الشاب الجريء يزيح "الحلاقين الصحيين" الذين كان الأستاذ الطبيب يكل إليهم عادة مهمة التشريح الفعلي، ويقوم هو بعرض الأعضاء موضوع المحاضرة عرض خبير(56).


واعتكف فيساليوس في لوفان حين غزا مليكه شارل الخامس فرنسا عام 1536. وقد عطل نشاطه هناك نقص الجثث، فخطف جثة من الهواء هو وصديق له يدعى جيما فريزيوس (الذي اشتهر فيما بعد رياضياً). وتكشف روايته للحادث عن ولعه بالتشريح. يقول:
بينما كنا نتمشى ونبحث عن عظام في المكان الذي يوضع فيه عادة من أعدموا، على الطريق الريفية، وقعت على جثة متيبسة... وكانت العظام مجردة من اللحم كلية ولا يمسكها غير الأربطة. وتسلقت الخازوق بمساعدة جيما وجذبت عظم الفخذ، وأتبعته العظم الكتفي والذراعين واليدين... وبعد أن حملت الساقين والذراعين إلى البيت خفية وفي رحلات متتالية... تركت نفسي حبيساً خارج المدينة في المساء حتى آتى بالصدر، وكان مربوطاً ربطاً وثيقاً بسلسة، وكنت أتحرق شوقاً إلى إتمام مهمتي... وفي الغد نقلت العظام جزءاً فجزءاً خلال بوابة أخرى من بوابات المدينة".(57)
وأدرك عمدة المدينة الأمر، ومن بعدها كان يعطي فصول التشريح ما أمكن الإفراج عنه من الجثث. يقول فيساليوس "وكان هو نفسه يحضر بانتظام كلما قمت بالتشريح(58)".
وما كان في استطاعة رجل كهذا "يتحرق شوقاً" أن يحتفظ بطبعه هادئاً. فلما لبث أن اشتبك في نزاع حاد مع مدرس حول طرائق شق الوريد، ورحل عن لوفان (1537) وركب هابطاً الرين عابراً جبال الألب إلى إيطاليا. وكان قد بلغ من الكفاية مبلغاً أتاح له الحصول قبل نهاية تلك السنة على درجة الطب في بادوا "بأقصى خفض" في الرسوم، لأنه كلما علا تقدير الطالب انخفضت رسوم تخرجه. وفي اليوم التالي نفسه (6 ديسمبر 1537) عينه مجلس شيوخ البندقية أستاذاً للجراحة والتشريح بجامعة بادوا. وكان يومها في الثالثة والعشرين.



وقام في الأعوام الستة التالية بالتدريس في بادوا وبولونيا وبيزا، وشرح مئات الجثث بيديه، وأصدر بعض الكتب الصغيرة. وقد رسم تلميذه لتيشان يدعى جان ستيفان فان كالكار، تحت إشرافه، ست لوحات نشرت عام 1538 بعنوان Tabulae anatomicae sex وبعد عام أيد فيساليوس في رسالته عن "شق الأوردة" بيير بريسو الباريسي في طرق الفصد. وفي معرض مناقشته للموضوع كشف عن بعض نتائج تشريحه للجهاز الوريدي، وقد أعانت ملاحظاته هذه على كشف الدورة الدموية. وفي 1541-42 اشترك مع علماء آخرين في نشر طبعة جديدة من النص اليوناني لجالينوس. وقد أدهشته أخطاء ندت عن جالينوس وكانت خليقة بأن يدحضها أبسط تشريح لجسم الإنسان كقوله مثلاً: إن الفك السفلي قسمان، وإن القص سبع عظام متميزة، والكبد عدة فصوص. وما كان ممكناً تعليل هذه الأخطاء واغتفارها إلا على فرض أن جالينوس لم يشرح قط آدميين بل حيوانات. وشعر فيساليوس أنه قد حان الوقت لمراجعة علم تشريح الإنسان بتشريح الآدميين. وهكذا أعد أعظم كتبه.
وحين طبع يوهان أوبورينوس عام 1543 بمدينة بازل كتابه هذا المسمى "بنية جسم الإنسان" في 663 صفحة من القطع الكبير، لا بد أن الشيء الذي أدهش القارئ لتوه كان صفحة الغلاف-وكانت حفراً جديراً بالفنان دورو، يمثل فيساليوس يشرح تشريح ذراع مفتوحة، ومن حوله خمسون طالباً يرقبونه. ثم الرسوم التوضيحية: 277 رسماً مطبوعاً من كليشيهات خشبية ذات دقة تشريحية لم يسبق لها نظير وبراعة فنية عظيمة، معظمها من صنع فان كالكار، وخلف الأشكال مناظر لا تتصل علمياً بالموضوع ولكنها جذابة من الناحية الفنية-فترى مثلاً هيكلاً عظيماً عند مقعد للقراءة. وكانت هذه الرسوم المطبوعة من الجمال بحيث خالها بعضهم مصممة في مرسم تيشان



ربما بإشرافه؛ ولا بد أن نضيف إلى هذا أن فيساليوس رسم عدة رسوم منها بيده. وقد رافق الكليشيهات الخشبية ساهراً على سلامتها في الرحلة على ظهر بغل من البندقية إلى بال عبر جبال الألب. وحين تم طبع الكتاب حفظت الكليشيهات بعناية، وفي تاريخ لاحق اشتريت، ثم تبودلت، ثم فقدت، وفي عام 1891 عثر عليها مخبأة في مكتبة جامعة ميونيخ، وقد دمرتها القنابل في الحرب العالمية الثانية.
أما الذي كان ينبغي أن يثير في النفس دهشة أعظم مما أثارته هذه الرسوم فهو النص-وهو نصر طباعي ولكنه غلى ذلك ثورة علمية-كان من صنع فتى لم يتجاوز التاسعة والعشرين. وهو ثورة لأنه أنهى سلطان جالينوس على التشريح، وراجع العلم كله بلغة التشريح، وبهذا أرسى دعائم الأساس الفيزيائي للطب الحديث، الذي يبدأ بهذا الكتاب. فهنا وصف لأول مرة سير الأوردة الصحيح وتشريح القلب؛ وهنا ورد ذلك القول الخطير، وهو أن التشريح البالغ الدقة لم يظهر أياً من تلك المسام التي افترض جالينوس أن الدم يمر عن طريقها من بطين إلى آخر؛ وبهذا أصح الطريق معبداً لسرفيتوس وكولومبو هارفي. وقد صححت أخطاء جالينوس المرة بعد المرة-فيما يتصل بالكبد، والقنوات المرارية، والفكين، والرحم. وقد ارتكب فيساليوس هو أيضاً أخطاء، حتى في المشاهدة، وأخفق في أن يقفز القفزة الكبرى من تشريح القلب إلى دورة الدم. ولكن هنا أوصاف صادقة لعشرات من الأعضاء لم تحظ قط بمثل هذا الوصف الدقيق من قبل، وفتح كل جزء من أجزاء الجسم للعلم بيد واثقة قديرة.
على أن فيساليوس عانى من عيوب فضائله. ذلك أن الكبرياء التي سندته طوال دراسته الموفقة جعلته سريع الغضب، بطيئاً في



الاعتراف بمنجزات سابقيه وتقدير حساسية منافسيه. وبلغ ولعه بذلك "الإنجيل الصادق... ألا وهو جسم الإنسان وطبيعة الإنسان"(9) مبلغاً جعله يؤذي شعور عدد كبير من أقطاب اللاهوتيين. وكان يشير في تهكم إلى رجال الكنيسة الذين يشتد إقبالهم على غرفة محاضراته حين يكون موضوع الدرس والعرض هو الأعضاء التناسلية(60). وقد أثار عداء الكثيرين، ومع أن جسنر وفالوبيو رحبا بكتابه، فإن أكثر الأساتذة القدامى، ومنهم أستاذه السابق دوبوا، نددوا بالمؤلف بوصفه محدثاً وقحاً، وجدوا في تسقط العيوب في كتابه. وقال دوبوا إن جالينوس لم يخطئ، ولكن جسم الإنسان عراه تغير منذ عهد جالينوس، وعلى ذلك فعظام الفخذين الواضحة الاستقامة، والتي ليست مقوسة كما وصفها جالينوس، إنما هي في رأيه نتيجة لارتداء أورُبيّي عصر النهضة سراويل ضيقة(61).
وفي عاصفة من خيبة الأمل في موقف هؤلاء الرجال أحرق فيساليوس مجلداً ضخماً من كتاب "التعليقات" Annotationes وتفسيراً للأجزاء العشرة التي يتألف منها كتاب الرازي "كتاب المنصوري"-وهو موسوعة في الطب(62). وفي عام 1544 رحل عن إيطاليا ليصبح طبيباً ثانياً بين أطباء شارل الخامس الذي سبق أن أهداه في حصافة كتابه "فابريكا" Fabrica. ومات أبوه في نفس العالم تاركاً له ثروة طيبة. فتزوج وبنى بيتاً جميلاً في بروكسل. وصدرت طبعة ثانية لكتابه "فابريكا" عام 1555، مزيدة ومنقحة. وقد بين الكتاب أن التنفس الصناعي يمكن أن يبقي على حياة الحيوان رغم شق صدره، وأن القلب الذي توقف نبضه يمكن أحياناً رد الحياة إليه باستعمال منفاخ. بعد هذا لم يضف فيساليوس جديداً إلى التشريح. فقد استغرق في العناية بمرضاه من أسرة الإمبراطور ومن دونهم، وفي ممارسة



الجراحة ودراستها. وأصبح فيساليوس طبيباً ثانياً لفيليب الثاني بعد أن اعتزل شارل الملك. وفي يوليو 1559 أوفده الملك ليساعد أمبرواز باريه في محاولة لإنقاذ حياة هنري الثاني الجريح، ولجأ فيساليوس إلى اختبارات إكلينيكية أظهرت استحالة شفائه. وفي تاريخ لاحق من هذه السنة رافق هو وأسرته فيليب إلى أسبانيا.
في غضون ذلك أضاف آخرون جديداً إلى التشريح. فلاحظ جيامباتستا كانو صمامات الأوردة (1547)، وشرح سرفيتوس دورة الدم في الرئتين (1553)، ووصل ريالدو كولومبو إلى هذا الكشف ذاته (1558)، وأثبته بإجراء تجربة على القلب الحي. ولكن سبعين سنة أخرى انقضت قبل أن يأتي هارفي بوصفه الخطير لسير الدم من القلب إلى الرئتين، فإلى القلب، فإلى الشرايين، فإلى الأوردة، ثم إلى القلب. وكان الطبيب العربي ابن النفيس قد سبق سرفيتوس عام 1285(63)، وربما انحدرت الرواية المتواترة بنظريته إلى أسبانيا في شباب سرفيتوس.
وبقيت لفيساليوس بضع مغامرات. من ذلك أن الأطباء الوطنيين في البلاط الأسباني كانوا يصرون على إهمال تشخيصه باعتبار هذا موقفاً يحتمه الشرف. فلما شكا ابن فيليب الوحيد، الدون كارلوس، من ارتجاج في المخ إثر سقطة (1562)، أشار فيساليوس بإجراء تربنة له. ولكن النصيحة رفضت، وأشرف الفتى على الهلاك. ووضعت على الجرح التمائم وآثار القديسين، وجلد الأتقياء أنفسهم توسلاً إلى السماء أن تشفيه بمعجزة، ولكن هذا كله لم يجد فتيلاً. وأخيراً أصر فيساليوس على فتح الجمجمة، ففتحت، وسحبت منها كمية كبيرة من الصديد. وما لبث الأمير أن تماثل للشفاء، وبعد إجراء العملية بثمانية أيام سار فيليب في موكب مهيب لتقديم الشكر لله(64).



وبعد عامين رحل فيساليوس عن أسبانيا لأسباب ما زالت محل خلاف. وقد روي أمبرواز باريه قصة مشرح أثار عليه غضب أسبانيا بأسرها لأنه فتح بطن امرأة كان الظن أنها ماتت من "اختناق الرحم"، قال باريه أن ضربة أخرى من مبضع الجراح ردت المرأة فجأة إلى الحياة، "الأمر الذي بعث في قلوب جميع أصدقائها من الإعجاب والرعب... ما جعلهم ينظرون إلى الطبيب- الذي كان من قبل واسع الشهرة طيب السمعة- نظرتهم إلى رجل مجرم بغيض"(65)، ولا عجب فالأقرباء لا يقدرون دائماً مثل هذا الشفاء غير المتوقع. وواصل الجراح الهيجونوتي روايته فقال "لذلك لم ير سبيلاً أمامه إلا مغادرة البلاد إن ابتغى لنفسه السلامة". وروى هيجونوتي آخر يدعى لوبير لانجيه قصة كهذه (حوالي 1579)، وذكر أن الطبيب هو فيساليوس، وزعم أن فيساليوس وقع تحت طائلة محكمة التفتيش لأنه شرح شخصاً حياً، وقد نجا من المحاكمة حين أخذ على نفسه عهداً بالحج إلى فلسطين تكفيراً عن خطيئته. والحادثة لم ترد في أي مصدر معاصر، والمؤرخون الكاثوليك يرفضونها لأنها في رأيهم قصة خرافية(66). ولعل السبب لا يعدو أن فيساليوس مل البقاء في أسبانيا.
وعاد إلى إيطاليا، وأبحر من البندقية (أبريل 1564)، ويبدو أنه بلغ أورشليم. وفي رحلة العودة تحطمت سفينته، ومات من التعرض للجو، نائياً عن أصدقائه، على جزيرة زنطة تجاه ساحل اليوناني الغربي (15 أكتوبر 1564)، وكان يومها في عامة الخمسين. وفي هذا العام ذاته مات ميكل أنجيلو، وولد شكسبير. لقد كان البهاء الذي سطعت شمسه قرناً في سماء إيطاليا ينتقل إلى الشمال.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق