1225
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر وأرازموس -> لوثر
الفصل التاسع عشر
لوثر وأرازموس
(1517 - 1536)
1- لوثر
بعد أن أجملنا الظروف الاقتصادية والسياسية والدينية والأخلاقية، والفكرية، التي شهدت مهد الإصلاح الديني، نرى لزاماً علينا أن نعد من عجائب التاريخ في ألمانيا أن يتمكن رجل واحد من أن يجمع، بلا قصد هذه التأثيرات في ثورة، غيرت في صورة قارة. ولسنا في حاجة إلى المبالغة في دور البطل هنا، ذلك لأن قوى التغيير كان يمكن أن تجد تجسيماً آخر لها، إذا استمر لوثر في خضوعه. ومع ذلك فإن منظر هذا الراهب الخشن، وهو واقف في شك وفزع، لا يستقر على قرار، ضد أقوى النظم حصانة، وأشد العادات قداسة في أوروبا، يجعل الدم يغلي في العروق، ويشير مرة أخرى إلى المسافة التي قطعها الإنسان وهو ينحدر من الطين أو القرد.
ترى كيف بدا ذلك الرجل، الذي كان صوت عصره المدوي، كما كان قمة من قمم التاريخ الألماني؟ لقد كان في عام 1526، كما صوره لوكاس كراناخ(1)، وهو في الثالثة والأربعين من عمره في مرحلة التحول من النحافة إلى البدانة، صارم القسمات وإن لم يخلُ من لمحة مرح قوية، وله شعر مجعد لا يزال حالك السواد، وأنف ضخم، وعينان سوداوان لامعتان - قال خصومه إن الشياطين تظهر فيهما للعيان. وكانت له سحنة صريحة
لا تخفي شيئاً جعلته يصلح للدبلوماسية. وثمة صورة شخصية رسمها له فيما بعد كراناخ أيضاً (1532) ظهر فيها لوثر في هيئة رجل منبسط الأسارير، له وجه مستدير عريض يجعل الناظر يحكم بأنه رجل يستمتع بالحياة. وتخلى عام 1524 عن مسوح الراهب، واتخذ لباس واحد من عامة الناس، فكان يرتدي ثوب المدرس حيناً، ويلبس سترة وسراويل عادية حيناً آخر، ولم يتعفف عن رتق هذه الثياب بنفسه. وقد شكت زوجته مرة من أن هذا الرجل العظيم اقتطع رقعة من سراويل ولده، ليصلح بها من شأن سراويله.
ولقد انزلق إلى الزواج بطريق السهو، واتفق في الرأي مع القدّيس بولس بأنه خير للمرء أن يتزوج ولا يحرق، وصرح بأن الجنس أمر فطري وضروري كالطعام(2)، واحتفظ بالفكرة السائدة في القرون الوسطى، والتي تذهب إلى أن الجماع أمر آثم، حتى في الزواج، ولكن "الله يستر الخطيئة"(3)، وندد بالعذرة باعتبارها انتهاكاً لسنة الله التي تقضي بالتناسل والتكاثر وإذا "لم يستطع واعظ بالإنجيل أن يعيش محتفظاً بعفته دون أن يتزوج، فلنسمح له باتخاذ زوجة، لأن الله خلقها بلسماً لذلك الجرح"(4). وكان يعد طريقة البشر في التناسل منافية للعقل بعض الشيء، على الأقل عند تأمل الماضي، ورأى أنه "لو استشارني الله في الأمر لأشرت عليه بأن يستمر في خلق جيل من البشر بتشكيلهم من الطين مباشرة كما خلق آدم"(5). وكان مفهومه عن المرأة تقليدياً وألمانياً، فالله قد خلقها للحمل والطهي والصلاة لا لأي شيء آخر، وهو القائل "إنتزع النساء من تدبير شئون المنزل، تجدهن لا يصلحن لشيء"(6). و "إذا أنهك الحمل النساء، ولقين حتفهن، فليس في هذا ضرر دعهن يلاقين حتفهن ما دمن يحملن، فقد خلقن لهذا"(7). ويجب على المرأة أن تمنح زوجها الحب، وأن تحافظ على شرفه، ولا تعصي له أمراً، وعليه أن يحكمها، ولكن برفق، ويجب عليها أن تلزم
مجالها وهو البيت، ولكنها تستطيع هناك أن تفعل بالأطفال ببنانها أكثر مما يستطيع الرجل أن يفعل بقبضتيه(8). وبين الرجل والزوجة يجب ألا يكون هناك ملكي وملكك وذلك لأن كل الممتلكات يجب أن تكون بينهما على المشاع(9).
وكان لوثر يكن كراهية الذكر العادية للمرأة المتعلمة، وقال عن زوجته "بودي أن تتلو النساء صلاة الرب قبل أن ينبسن بشفة"(10)، ولكنه ازدرى الكتاب الذين ألفوا مقالات في هجو النساء، وقال: "مهما يكن في النساء من عيوب فإننا يجب أن نردعهن في الخلوة برفق... لأن المرأة قارورة هشة"(11). وعلى الرغم من صراحته الفظة في أمور الجنس والزواج، فإنه لم يكن يخلو من الإحساس بالاعتبارات الجمالية، ويقول: "الشعر أجمل زينة للمرأة. وقد اعتادت العذارى قديماً أن يرسلن شعورهن، إلا إذا كن يرتدين ثياب الحداد، وأنا أحب أن ترسل النساء شعورهن حتى يسقط على ظهورهن، فهو منظر من أروع المناظر وألطفها"(12). (وكان هذا حرياً بأن يجعله أكثر ليناً مع البابا إسكندر السادس الذي عشق شعر جوليافارنيزي المرسل).
ويبدو أن لوثر لم يتزوج لإشباع حاجة من حاجات الجسد. وقال في نوبة من المرح، إنه قد تزوج لإرضاء والده، وعلى الرغم من أنف الشيطان والبابا، ولكنه استغرق وقتاً طويلاً لكي يستقر على رأي في هذا الموضوع ثم حسم الأمر له. وعندما تركت بعض الراهبات ديرهن بناء على توصية منه أخذ على عاتقه أن يجد لهم أزواجاً. ولم يبق في آخر الأمر منهن واحدة لم تتزوج، إلا كاترين فون بورا، وهي امرأة كريمة المحتد على خلق قويم، ولكنها لم تخلق لتثير عاطفة متعجلة، وكانت قد وضعت أنظارها على طالب شاب من فيتنبرج، ينحدر من سلالة نبيلة، وفشلت في أن توقعه في حبائلها، وعملت مربية لكي تكسب ما يسد رمقها. واقترح عليها
لوثر أن تتزوج من الدكتور جلاتس، فردت عليه بأنها لا تقبل هذا الدكتور، ولكن ليس لديها مانع من الزواج من هرامسدوف أو الدكتور لوثر. وكان لوثر في الثانية والأربعين من عمره وقتذاك، بينما كانت كاترين في السادسة والعشرين، ورأى أن التفاوت في السن يحرم عليه هذا الزواج، غير أن أباه حثه على أن يحافظ على اسم الأسرة. وهكذا تزوج الراهب السابق في 27 يونية سنة 1525 من الراهبة السابقة.
ومنحهما الأمير المختار الدير الأوغسطيني لكي يتخذا منه مقراً لهما ورفع مرتب لوثر إلى 300 جيلدر (7.500 دولار) في العام، ثم زيد هذا المرتب فيما بعد إلى 400، ثم إلى 500. واشترى لوثر مزرعة أدارتها كاتي، وأحبتها وأنجبت له ستة أطفال، وتعهدتهم بالرعاية في اخلاص، ولبت كل احتياجات مارتن المنزلية من معصرة للخمر بالبيت، وبركة للسمك، وحديقة للخضر، وربت له الدواجن والخنازير. وقد أطلق عليها اسم "سيدى كاتي" وأشار بهذا إلى أن في وسعها أن تضعه في موضعه إذا ما نسي خضوع الرجل بيولجياً للمرأة، ومع ذلك فقد كان عليها أن تتحمل الكثير من ثوراته العاصفة بين آن وآخر، وثقته التي تصل إلى حد عدم التبصر، وذلك لأنه كان لا يعبأ قط بالمال، وكان كريماً إلى حد التهور، ولم يتسلم من كتبه حقوق التأليف، على الرغم من أنها عادت بثروة طائلة على ناشريها، وتميط رسائله إلى كاترين أو عنها اللثام عن حبه المتزايد لها، وعن زواج موفق بصفة عامة. ولقد ردت بطريقته الخاصة ما قيل له في شبابه "إن أعظم نعمة يمنحها الله للإنسان زوجة تقية رقيقة، تخشى الله وتحب البيت"(13).
وكان أباً صالحاً يعرف بالفطرة كيف يمزج على أحسن وجه بين التأديب والحب. ويقول: "عاقب إذا لم يكن هناك بد من ذلك ولكن قدم قطعة الحلوى (بونبون) مع العصا"(14) وألف أغنيات لأطفاله، وغناها معهم، وهو يعزف على العود، وتعد خطاباته إلى أطفاله من درر الأدب الألماني.
وإذا كان قد استطاع بقوة شكيمته أن يواجه إمبراطوراً في الحرب، فإن شجاعته قد انهارت بموت ابنته الأثيرة ماجدالينا، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وقال: "إن الرب لم يهب أسقفاً نعمة كبرى في ألف عام كما وهبها لي ممثلة فيها"(15). وكان يتلو الصلوات ليلاً ونهاراً، طالباً لها من الله الشفاء وقال: "رباه إني أحبها كثيراً، ولكن إذا شاءت إرادتك تعالى أن تأخذها، فإني أتخلى عنها لكم عن طيب خاطر"(16). وقال لها: "إبنتي الصغيرة العزيزة لينا، إنكِ تحبين أن تظلي هنا مع أبيكِ. أتريدين أن تذهبي إلى ذلك الأب الآخر؟". فأجابت لينا: "نعم يا أبتاه كما يشاء الله". وعندما قضت نحبها بكاها طويلاً بكاء مريراً، وبينما كانت توسد في الثرى، خاطبها قائلاً كما لو كانت حية ترزق: "أنتِ تحبين وسوف تنهضين وتشرقين كالنجوم والشمس. إنه لأمر غريب أن يعرف الإنسان إنها ترقد في سلام، وإن كل شيء على ما يرام، ومع ذلك يشعر بالأسى والحزن"(17).
ولم يقنع بستة أطفال فآوى في بيته كثير الغرف بالدير أحد عشر يتيماً من أولاد أخيه وأخته، ورباهم، وكثيراً ما جلس معهم إلى المائدة، وتجاذب معهم أطراف الحديث في غير ملل، وحزنت كاترين لاحتكارهم إياه. وأبدى بعضهم ملاحظات جريئة على حديثه معهم حول المائدة. وليس من شك في أن حصيلة 6596 تدوين لأحاديثه تضارع أحاديث جونسن لبوزويل، وأحاديث نابليون المدونة، في الوزن والذكاء اللماح والحكمة.
ويجب علينا عند الحكم على لوثر أن نتذكر أنه لم يعد سلفاً أحاديث المائدة هذه، وقل بين الرجال من تعرض تماماً إلى استراق السمع من البشر، فهنا لا في المجادلات التي كانت في ميدان المعركة اللاهوتية، نجد لوثر في بيته على سجيته. وندرك، أولاً وقبل كل شيء أنه كان إنساناً لا مجرد
دواة، وأنه عاش حياته وكتب عنها. ولا يمكن شخص صحيح الجسم أن ينفس على تلذذه بأطايب الطعام وشراب الجعة، أو استمتاعه المثمر بكل المباهج، التي استطاعت كاترين بورا أن توفرها له. ولعله كان حرياً به أن يكون، بدافع الحرص، أكثر تحفظاً في هذه الأمور، ولكن التحفظ جاء مع المتطهرين، ولم يعرفه الإيطاليون في عصر النهضة، ولا الألمان في عهد الإصلاح الديني، بل إننا نجد أن أرازموس الرقيق يصدمنا بحديثه الفسيولوجي الصادق. كان لوثر يأكل بإفراط، ولكنه استطاع ردع نفسه بالصوم الطويل، وكان يفرط في الشراب ولكنه كان يبدي الأسف، ويعد الشرب رذيلة قومية، ومع ذلك فإن الجعة كانت ماء الحياة بالنسبة للألمان، كالنبيذ بالنسبة للإيطاليين والفرنسيين، وكان يمكن أن يكون الماء سماً زعافاً قي تلك الأيام الخوالي، ومع ذلك فإننا لم نسمع قط عن إفراطه في السكر حتى يفقد صوابه، وقال: "إذا كان الله يغفر لي إني صلبته بالقداسات عشرين عاماً مضت، فإنه يستطيع أن يتحملني لأني أتناول شراباً طيب المذاق، من آن لآخر، لكي أكرمه"(18).
وبدت أخطاؤه واضحة للعين والأذن، فقد كان الفخر يشيع وسط تعبيراته الدائمة عن التواضع. وكان عقيدياً ضد العقيدة، مفرطاً في الحماسة لا يبدي أية مجاملة لخصومه، ويتشبث بالخرافات، في الوقت الذي يسخر فيه من الخرافة، ويندد بالتعصب ويمارسه في الوقت نفسه - وهكذا لم يكن قدوة للصلابة أو مثلاً أعلى للفضيلة، ولكنه رجل جمع متناقضات الحياة، وإنسان مزقه بارود الحرب، وقد اعترف قائلاً "لم أكن أتوانى عن الانقضاض على خصومي بلسان حاد، ولكن ما فائدة الملح إذا لم يكن لاذع الطعم؟"(19) وتحدث عن المراسي البابوية، فوصفها بأنها قذارة وروث (20)، وقال عن البابا إنه: "بذرة الشيطان" أو الملازم، ووصفه بأنه خصم للمسيحية، أما الاساقفة فقد نعتهم بأنهم "ديدان" وهراطقة كفرة "وقردة جهلة" وتحدث عن الرسامة الكهنوتية فقال إنها بمثابة دمغ إنسان "بشارة
البهيم في سفر الرؤيا"، وقال عن الرهبان إنهم أسوأ من الجلادين أو السفاحين أو على أحسن الفروض "براغيث فوق فراء الرب القادر"(21) ولنا أن نتصور إلى أي حد كان المستمعون إليه يجدون متعة في هذا العبث. وقد قال: "إن الجزء الوحيد من جسم الإنسان الذي اضطر البابا إلى إعفائه من رقابته هو العجز!"(22) وكتب يصور رجال الدين الكاثوليك بقوله: "إن نهر الراين لا يكاد يتسع لكي يغرق فيه كل عصبة المغتصبين الرومانيين الملاعين... كرادلة ومطارنة وأساقفة ورهبان"(23) أو إذا نقص الماء "لعل الله يرضى بأن يرسل عليهم صليباً من النار والكبريت كالذي قضى على سودوم وعمورة"(24)، وهذا يذكر الإنسان بالتعليق الذي صدر من الإمبراطور جوليان: "ليس هناك حيوان مفترس أشد ضراوة من عالم لاهوت غاضب"(25). ولكن لوثر عجب مثل كلايف لاعتداله وقال: "يعتقد الكثيرون إني شديد الشراسة ضد البابوية، ولكني على النقيض من ذلك أشكو من أنني، للأسف لين العريكة إلى حد كبير. وكم أود أن أنفث صاعقة ضد البابا والبابوية، وأن تكون كل ريح صاعقة(36): ولسوف ألعن وأنتهر الأفاقين حتى أثوي في لحدي، ولن ينالوا مني كلمة مهذبة... لأني لا أستطيع أن أصلي دون أن أصب اللعنات في الوقت نفسه. وإذا كنت مدفوعاً إلى أن أهتف "تبارك اسمك" فإنني يجب أن أضيف أن "اسم البابوية ملعون رجيم مغضوب عليه". وإذا كان ثمة ما يدفعني إلى أن أهتف "لتأتي مملكتك" فإني مضطر إلى أن أضيف "البابوية ملعونة، رجيمة، هالكة لا محالة. والحق أني أتلو صلواتي سنوياً على هذا النحو كل يوم وسراً في قلبي دون توقف(27)، وإني لا أعمل أبداً على خير وجه إلا عندما أستلهم الغضب، ذلك أني أستطيع، عندما أكون غاضباً أن أكتب، وأن أصلي، وأن أعظ على خير وجه، لأن مزاجي بأسره يستثار، وإدراكي يزداد حدة"(28)، ومثل هذه العاطفة البلاغية كانت تتفق مع روح العصر. ويعترف الكاردينال جاسكيه العلامة قائلاً: "إن بعض الوعاظ وكتاب الرسالات من طائفة المحافظين كانوا
يضارعون لوثر في هذه الناحية"(29). وكان الطعن متوقعاً من المتصارعين في مجال الفكر، ويستطيبه المستمعون، وكان الشك يخامر الناس في أن الأخلاق المهذبة دليل على الجبن. وعندما وجهت زوجة لوثر اللوم إليه بقولها: "أنت فظ للغاية يا زوجي العزيز" - رد عليها مجيباً: "إن الغصن يمكن قطعه بسكين الخبز أما شجرة البلوط فتستلزم الفأس"(30) وإن جواباً ليناً يمكن أن يطفئ سورة الغضب، ولكنه لا يستطيع أن يقلب البابوية رأساً على عقب، وحري بأي إنسان هذب حاشيته الكلام الدمث، أن يتنكب معركة مميتة مثل هذه. وقد اقتضى الأمر جلداً صفيقاً - أغلض من جلد أرازموس - لنبذ الأوامر البابوية والحرمان من غفران الكنيسة وأوامر التحريم الإمبراطوريّة.
واقتضى الأمر أيضاً إرادة قوية، وهذه كانت صخرة القاع بالنسبة إلى لوثر، ومن هنا كانت ثقته بنفسه وعقيدته وشجاعته وتعصبه. ومع ذلك فإنه كان لا يخلو من بعض الفضائل الرقيقة، ففي أواسط عمره كان مثلاً أعلى في الروح الاجتماعية والمرح، ودعامة قوية لكل مَن هم في حاجة إلى العزاء أو العون. ولم يشمخ بأنفه أو يتأنق في ملبسه، ولم ينسَ قط أن أباه كان فلاحاً، واستهجن نشر مجموعة أعماله، وطلب من قرائه أن يدرسوا الكتاب المقدس بدلاً منها، واعترض على إطلاق اسم "لوثرية" على الكنائس التي كانت تتبع زعامته. وعندما كان يعظ كان يحدث سامعيه باللغة التي يفهمونها. وكان لدعابته مسحة ريفية غذ كانت خشنة مرحة متحللة من كل القيود، مثل عذابات "رابيليه"، وقال شاكياً: "إن أعدائي يفحصون عن كثب كل ما أفعل، فإذا ضرطت في فيتنبرج فإنهم يشمون ريح الضرطة في روما"(31). وقال: "ترتدي النساء النقاب بسبب الملائكة، أما أنا فارتدي السراويل بسبب البنات"(32). وليس من شك في أن الكثيرين منا قد أطلقوا مثل هذه الدعابات الساخرة، ولكنهم
لم يجدوا مثل هؤلاء الرواة القساة. والرجل الذي تفوه بمثل هذه الدعابات كان يحب الموسيقى وهي هذا الجانب من عبادة الأوثان؛ وهو نفسه الذي ألف لهم أناشيد رقيقة أو عاصفة، وأسلمها - وفي هذا تحامل لاهوتي كان راكداً لحظة من الزمن - إلى أناشيد متعددة الأصوات، استخدمت من قبل في الكنيسة الرومانية، وقال: "لن أتخلى عن موهبتي الموسيقية المتواضعة مقابل أي شيء مهما كان عظيماً... وأنا أرى أنه... ليس هناك فن بعد اللاهوت يمكن أن يضارع الموسيقى، لأنها وحدها بعد اللاهوت تمنحنا... راحة القلب ومسرة الفؤاد"(33).
وأدى به لاهوته إلى أخلاقيات تؤمن باللين، لأنه علمه أن الأعمال الصالحة لا تكسب صاحبها الخلاص إذا لم تقترن بالإيمان بافتداء المسيح للناس، كما أن الخطيئة لا يمكن أن تضيع الخلاص، إذا بقي مثل هذا الإيمان. وكان يرى أن خطيئة ترتكب بين آن وآخر، قد تشجعنا على اجتياز الصراط المستقيم. وعندما سئم رؤية جسد ميلانكتون وهو يذوي من اثر الوساوس الكئيبة حول زلات صغيرة تتعارض مع القداسة، قال له مداعباً في مرح أصيل: "أكثر من الخطايا، فالله لا يغفر إلا لرجل غارق في الخطايا إلى أذنيه"، ولكنه يسخر من المفتي المصاب بفقر الدم(34) ومع ذلك فإن من السخف أن نصدر حكماً على لوثر بالإدارة على اساس هذا المزاح العارض. وثمة أمر واضح في جلاء وهو أن لوثر لم يكن متطهراً وهو يقول: "إن مشيئة الله الحبيب هي أن نأكل ونشرب ونمرح"(35). ويقول: "إني أنشد المتعة وأتقبلها حيثما أجدها ونحن نعلم الآن، ولله الحمد، أننا نستطيع أن نكون سعداء وضمائرنا مرتاحة"(36). ونصح أتباعه بأن يحتفلوا ويرقصوا يوم الأحد. وأقر ألعاب التسلية ولعب الشطرنج، ووصف اللهو بورق اللعب، بأنه تحويل لا ضرر منه للعقول(37)، التي لم تنضج بعد، وقال كلمة حكيمة عن الرقص: "إن الرقصات أعدت لكي تعلم الدماثة بين
الصحبة، وتعقد الصداقة والتعارف بين الشبان والفتيات، وهنا يمكن ملاحظة صلاتهم، وترتيب لقاء شريف عابر بينهم، وأنا نفسي لا مانع عندي من حضوري معهم في بعض الأحايين، ولكن الشباب سيكون أقل إمعاناً في الرقص لو أنني فعلت"(38). وأراد بعض الوعاظ البروتستانت تحريم اللهو، ولكن لوثر كان أكثر تسامحاً وقال: "يجب على المسيحيين ألا يعرضوا عن اللهو، لأن فيه أحياناً فظاظة وفحشاً، فما أحراهم، من أجل هذه الأسباب نفسها، أن يتخلوا أيضاً عن الكتاب المقدس"(29).
فإذا نظرنا لكل هذه الاعتبارات، فإن مفهوم لوثر عن الحياة كان صحياً باعثاً على المرح، إلى درجة ملحوظة لإنسان كان يعتقد أن "كل النوازع الفطرية ليست بعيدة عن الرب أو ضده"(40)، "وأن كل تسعة أرواح من عشرة قدر عليها الله أن تخلد في الجحيم"(41). والحق أن الرجل كان خيراً من لاهوته إلى حد كبير.
وكان عقله قوياً وإن غامت عليه إلى حد بعيد روائح عفن شبابه، وصبغته الحرب باللون الأحمر، فحالت بينه وبين التفكير في فلسفة عقلانية. وكان يعتقد، مثل معاصريه، في الغيلان والساحرات والشياطين، وقدرة الضفادع(42) البرية الحية على الشفاء، والكوابيس الخبيثة، التي تبحث عن العذارى في حمّاماتهن أو في مخادعهن، وتفزعهن ويدفعن بهن إلى الأمومة(43). وسخر من التنجيم، واستخدم مع ذلك في حديثه اصطلاحاته أحياناً، وامتدح الرياضيات، من حيث أنها "تعتمد على الأدلة والبراهين الثابتة"(44)، "وأعجب بما توصل إليه الفلك في جرأة في مجال النجوم، ولكنه، شأنه في هذا شأن جميع معاصريه، رفض النظام الكوبرنيقي في الفلك، باعتباره مناقضاً للكتاب المقدس، وأصر على أن العقل يجب أن يلزم الحدود التي وضعتها له العقيدة الدينية.
وليس من شك في أنه كان محقاً في حكمه الذي يذهب إلى أن الشعور،
وليس الفكر، هو عصا الميزان بالنسبة للتاريخ، فالناس الذين يصوغون الأديان يحركون العالم، أما الفلاسفة فإنهم، جيلاً بعد جيل، يغلفون بعبارات جديدة الجهل الفائق للجزء ينصب نفسه حبراً على الكل. وعلى هذا فإن لوثر كان يصلي، بينما كان أرازموس يفكر تفكيراً منطقياً. وبينما كان أرازموس يتملق الأمراء، كان لوثر يخاطب الرب - وقتذاك في كبرياء امرئ، خاض بعزم، معارك في سبيل الرب، فأصبح له الحق في أن يسمع وقتذاك كطفل ضل في فضاء لا نهاية له، وكان واثقاً أن الرب يقف في جانبه، فواجه عقبات يصعب التغلب عليها وانتصر. وقال: "إني أحتمل حقد العالم بأسره، ومقت الإمبراطور والبابا وكل بطانتهم. حسن باسم الرب إلى الأمام!"(45) وكان لديه من الشجاعة ما يكفي لأن يتحدى أعداءه، فلم يكن يدور بخلده ما يدفعه للشك في صدقه. كان يعتقد أن عليه أن يفعل ما ينبغي عليه أن يفعل.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق