1161
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> أوروبا الوسطى -> ألمانيا تتحدى الكنيس
3- ألمانيا تتحدى الكنيسة
كانت ألمانيا أيضاً اتحاداً، ولكن الأجزاء التي تألفت منها، لم تكن تحكم بواسطة مجالس ديمقراطية، وإنما بواسطة أمراء مدنيين أو دينيين، يعترفون بولاء محدود، فقط لرأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وحكم بعض هذه الولايات مثل بفاريا ووتنبرج وثورنجيا وهي وناسو وميس وسكومونيا وبرندنبرج وكارنثيا والنمسا والبلتنيان-دوقات أو كونتات، أو مرغيرفات أو غيرهم من السادة المدنيين، بينما خضعت ولايات أخرى-مثل مجديبرج ومينز وهال وبامبرج وكلونيا وبريمن وستراسبورج وسالزبورج وتربيه وبازل وهلديشين-من الناحية السياسية بدرجات متفاوتة، لأساقفة أو رؤساء أساقفة، وما وافت سنة 1460، حتى كانت حوالي مائة مدينة قد حصلت على مواثيق تحررها بالفعل من حكامها المدنيين أو الدينيين. ويوجد في كل إمارة مندوبين عن الطوائف الثلاث-النبلاء ورجال الدين والعامة-يجتمعون بين حين وآخر في مجلس إقليمي، يحدد عن طريق المال سلطة الأمير. وأرسلت الإمارات والمدن الحرة ممثلين لها إلى الريخستاج أو المجلس الإمبراطوري. وكان يدعى مجلس خاص هو كرفير ستنتاج
أو مجلس المنتخبين، لاختيار الملك، وجرى العرف أن يتألف من ملك بوهيميا ودوق ساكسونين ومارجريت Margrave براندنبرج وكونت بلاتين ورؤساء أساقفة منيز وترير وكولونيا. وكان اختيارهم يسفر عن تنصيب ملك، ويصبح رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، عندما يتوجه البابا، ومن ثم فلقبه قبل التتويج هو "ملك الرومان" والأصل أن يتخذ عاصمة في نورمبرج، وكثيراً ما يتخذها في مكان آخر، حتى في براغ. وارتكز سلطانه على العرف والسمعة، اكثر من اعتماده، على الممتلكات أو القوة، وليست له من الأرض سوى أملاكه الخاصة باعتباره أميراً إقطاعياً مثل كثيرين غيره، وكان يعول على ريخستاج أو الكوفير ستنتاج للحصول على الأموال لإدارة حكومته أو شن الحرب، ولقد فرض هذا التعويل على رجال قادرين من أمثال شارل الرابع أو سيجسمند، سقواً مهيناً في الشؤون الخارجية. وقضى الباباوات الأقوياء في القرن الثالث عشر على أسرة هوهنستوفن، فأنهك ذلك الإمبراطور الرومانية المقدسة التي أنشأها (800) البابا ليو الثالث وشارلمان. أما في عام 1400 فقد كانت ارتباطاً واهياً من ألمانيا والنمسا وبوهيميا وهولنده وسويسرا.
وبعث الصراع بين الإمبراطورية والبابوية، عندما أختار يوم واحد من عام 1314، فريقان متنازعان من المنتخبين لويس أمير بافاريا وفردريك صاحب النمسا، ملكين متنافسين واعترف البابا يوحنا الثاني والعشرون، من مقره البابوي في الأفنيون بالاثنين كملكين، ولم يجعل أحدهما إمبراطوراً، واحتج بأنه ما دام البابا، لا يملك إلا أن يتوج الملك إمبراطوراً، فيجب أن يسمح له، أن يحكم على صحة الانتخاب، قال الحبر الطموح أكثر من ذلك، بأن إدارة شؤون الإمبراطورية يجب أن تسند إلى البابوية بين وفاة إمبراطور وتتويج آخر. وآثر لويس وفردريك الاحتكام إلى الحرب. وانتصر لويس على غريمه وأسره في موهلدورف (1322) ومن ثم ادعى
لنفسه السلطة الإمبراطورية الكاملة . فأمره يوحنا أن يجرد نفسه من جميع الألقاب والسلطات، وأن يمثل أمام المحكمة البابوية لتلقى الحكم بعصيان الكنيسة. فأبى لويس وأصدر البابا قراراً بحرمانه (1324) وطلب إلى جمع المسيحيين في الإمبراطورية أن يخرجوا عن طاعته، وحكم بحرمان كل إقليم يعترف به ملكاً عليه. فتجاهلت معظم ألمانيا هذه المراسيم، لأن الألمان كانوا كالإنجليز، يعدون باباوات أفينيون، خدامها وخلفاء لفرنسا. ولقد بدأ الناس يرون أنفسهم، إبان ضعف العقيدة والبابوية المضطرد، وطنيين أولاً ومسيحيي بعد ذلك. واضمحلت الكاثوليكية، التي تتجاوز القومية، ونشأت القومية وهي بروتستنتية.
وحصل لويس في هذا المأزق على المعونة والتأييد من حلفاء متباينين. ووسمت نشرة البابا يوحنا "Pope John's Bull Cam Inter Nonnulla" (1323) بالهرطقة، القول بأن المسيح والرسل أبوا تملك العقار، وأنه وجه محكمة التفتيش، لتستدعي أمام جلستها "الفرنسسكان الروحانيين" الذين أكدوا هذا الرأي. ورد كثير من الإخوان الرهبان، الاتهام الهرطقة على البابا، وعبروا عن فزعهم المقدس من ثروة الكنيسة، ووصف بعضهم الحبر العجوز بأنه خارج على المسيحية، وقاد ميكل سيزينا، رئيس الروحانيين، أقلية كبيرة منهم، إلى التحالف الصريح مع لويس بافاريا (1324) فتشجع لويس بتأييدهم، وأصدر في مدينة ساشزينها وزن منشوراً ضد "يوحنا الثاني والعشرين"، الذي يدعي أنه البابا، واتهمه بأنه سفاح نصير للظلم، صمم على أن يقوض أركان الإمبراطورية، وطالب بأن يعقد مجلس عام، يحاكم البابا بتهمة الهرطقة.
ومما شجع الملك أكثر من ذلك، ظهور أستاذين من جامعة باريس، في بلاطه بنورمبرج وهما مرسينيوز من بادوا وجون من جاندان-وليس من شك في أن كتابهما "دفاع عن السلام" قد هاجم بابوية أفنيون، في عبارات
أدخلت السرور على الملك: "ما الذي تجده هناك غير حشد من تجار الرتب الدينية من كل صقع؟ وماذا غير صحب المتلاعبين بالقضايا،...وامتهان الرجال الشرفاء؟ أما أنصافهم الأبرياء فيسقط في الحضيض، إلا إذا اشترى بالمال، وردد المؤلفان أقوال الوعاظ الألبجنيين والولدنيزيين في القرن الثالث عشر، وسبقا لوثر بمائتي سنة، وكانت حجتهما أن تعتمد المسيحية، كلية على الكتاب المقدس. ويجب أن يدعى مجلس عام للكنيسة لا بواسطة البابا ولكن بواسطة الإمبراطور، وينبغي أن يحصل على موافقة الأخير في انتخاب أي حبر، والبابا مثله في ذلك مثل أي شخص آخر، عليه أن يخضع للإمبراطور.
وابتهج لويس بذلك، وصم ليذهبن إلى إيطاليا، وليوتجن إمبراطوراً، بواسطة أهل روما. وخرج في أوائل عام 1327 على رأس جيش صغير، وبعض الفرنسيسكان والفيلسوفين، اللذين استخدمهما في تأليف تصريحاته العامة. وأصدر البابا أبريل نشرات جديدة، تقضي بالحرمان على جون ومارسيليوز، وأمر لويس أن يترك إيطاليا. ولكن الفيكونت الحاكم رحب به في ميلان، وتسلم التاج الحديدي، باعتباره الملك الاسمي للمبارديا. وفي السابع من يناير عام 1328، دخل روما، وسط تهليل، جمهور ينكر إقامة البابا في أفنيون. واستقر في قصر الفاتيكان، واستدعى مجلساً للاجتماع في الكابيتول. وظهر أمام الجمع الحاش مرشحاً لتقلد التاج الإمبراطوري وأبدى الجمع موافقته الصاخبة، وفي التاسع عشر من يناير وضع على رأسه التاج المنشود، وكان الذي وضعه هو الأمور سكباراكولونا- عدو البابوية العنيد، الذي حارب قبل ذلك بقرن تقريباً بونيفاس الثامن وتوعده بالموت، والذي رمز ثانية في لحظة، إلى تحدي الدولة الناشئة، للكنيسة الآخذة في الضعف.
ولم يدر في خلد البابا يوحنا قط، وقد بلغ الثامنة والسبعين- أن يهزم-
فأعلن حرباً صليبية ليجرد لويس من كل سلطة، وأمر الرومان، أن يطردوه من مدينتهم؛ حتى لا يقعوا تحت طائلة قرار الحرمان، وأن يعودوا إلى طاعة البابوية. فأجاب لويس بعبارات تذكر بسلفه هنري الرابع المحروم من غفران الكنيسة، فعقد اجتماعاً شعبياً آخر، وأصدر أمام الجمع مرسوماً إمبراطورياً، يتهم البابا بالهرطقة والطغيان، ويجرده من منصبه الكهنوتي، وحكم عليه بعقوبة، تقررها السلطة الزمنية. وتألفت لجنة، من رجال الدين ومن العلمانيين، بتوجيه لويس، فعينت بيتر الكورفاري منافساً على كرسي البابوية. وعكس لويس تقاليد ليو الثالث وشارلمان، فوضع التاج البابوي المثلث على رأس بيتر، ونادى به بابا نيقولاس الخامس (12 مايو 1328). ودهش العالم المسيحي، وانقسم إلى معسكرين؛ على نفس الأسس تقريباً التي قسمت أوربا بعد الإصلاح الديني.
وقلبت الأحداث المحلية الصغيرة الموقف رأساً على عقب. فقد عين لويس مارسيوز من بادوا مديراً روحانياً للعاصمة، فأمر هذا الرجل، القساوسة القليلين الذين بقوا في روما، أن يحتفلوا بالقداس كالمعتاد، على الرغم من قرار الحرمان، ثم عذب بعض الذين رفضوا، وعَرّض راهباً أوغسطينياً لجب الأسود على الكابيتول؛ فأحس كثير من الرومان بأن هذه الأعمال تحمل الفلسفة فوق طاقتها. ولم يتعلم الإيطاليون قط، حب التيتون، فلما اغتصب بعض الجنود الألمان، الطعام من الأسواق، دون أن يدفعوا له ثمناً، شبت الفتن. واحتاج لويس إلى المال لينفق على جنده وحاشيته، ففرض جزية مقدارها عشرة آلاف فلرون على المدنيين، ومبالغ مماثلة على رجال الدين واليهود. وبلغت المعارضة حداً من الخطورة جعل لويس يرى أن الوقت قد حان، ليعود إلى ألمانيا. فبدأ في الرابع من أغسطس عام 1328، انسحابه عبر إيطاليا. وفي اليوم التالي احتلت الكتائب البابوية روما، وخربت قصور الذين أيدوا لويس من الرومان، وصودرت
أملاكهم لحساب الكنيسة. ولم يبدِ الناس مقاومة، بل عادوا إلى عباداتهم وجرائمهم.
واطمأنت نفس لويس في بيزا بلقاء نصير جديد، هو أشهر فيلسوف في القرن الرابع عشر. فقد فر وليم الأوكهامي من سجن بابوي في أنيون، وعرض على الإمبراطور خدماته قائلاً (عن رواية غير محققة) "دافع عني بسيفك وسأدافع عنك بقلمي". فأصدر كتابات قوية، ولكنه لم يستطع أن ينقذ الموقف. فقد أقصى لويس، جميع العناصر الحاكمة في إيطاليا، وكان أنصاره من الجيبلين، يأملون أن يحكموا شبه الجزيرة لمصلحتهم باسمه، فأحزنهم أن يجدوه يزعم لنفسه السلطات والمصالح جميعها، يضاف إلى ذلك أنه جعلهم يفرضون ضرائب باهظة لخزانته. وكانت قواته ضئيلة لا تناسب مزاعمه، فانصرف عنه كثير من الجيبلين حتى للفيكونت، وعقدوا مع البابا صلحاً بالشروط التي قدروا عليها. وترك منافس البابا، لموارده فاستسلم لضباط البابا الذين قبضوا عليه، وسيق أمام يوحنا الثاني والعشرين، وحبل المشنقة حول عنقه، فألقى بنفسه على قدمي البابا مستغفراً (1328). فعفى عنه يوحنا، وعانقه كضال يعود إلى الكنيسة، وحبسه مدى الحياة.
وعاد لويس إلى ألمانيا، وأرسل الوفود مراراً إلى أفنيون، تعلن سحبه لقراراته السابقة واعتذاراته، من أجل عفو البابا واعترافه. فرفض يوحنا، واستمر في الحرب إلى أن مات (1334). واستعاد لويس بعض نفوذه، عندما بدأت إنجلترا حرب المائة عام، ورغبت في محالفته، واعترف إدوارد الثالث بلويس إمبراطوراً، محيا لويس بدوره، إدوارد، باعتباره ملكاً لفرنسا. فاغتنم مجلس من الأمراء والمطارنة الألمان (في 16 يوليو سنة 1338) فرصة محالفته دولتين كبيرتين ضد البابوية، وقرر، أن اختار ملك ألماني بواسطة الناخبين الألمان، لا تبطله سلطة أخرى، وأعلن مجمع في فرنكفورت الموافقة على المين (3 أغسطس 1338) أن قرارات البابا ضد لويس
ملغاة وباطلة. وحكم بأن لقب الإمبراطور وسلطته، متحفاً من الناخبين الإمبراطوريين، ولا يحتاجان إلى إقرار من البابا. وتجاهلت ألمانيا وإنجلترا احتجاجات البابا بندكت الثاني عشر، وبذلك سارا خطورة نحو الإصلاح الديني.
وثمل لويس بالنجاح، فقرر أن يطبق إلى أقصى حد نظريات مارسليوز، وأن يمارس السلطة الدينية والدنيوية معاً، فصرف من عينهم البابا عن صدقات الكنيسة، وعين رجاله في مكانهم، ووضع يده على الأموال التي جمعها جباة البابا من أجل حرب الصليبية، ونسخ زواج مارجريت أميرة كارينثيا-وهي وارثة معظم التيرول-وزفها إلى ابنه، على الرغم مما بينه وبينها من قرابة تجعل الزواج منها من ناحية الشريعة الكنسية باطلاً فأقسم الزوج المرفوض وهو أخوه الأكبر شارل كما أقسم أبوهما جون ملك بوهيميا أن ينتقما منه، ورأى كليمنت السادس، الذي أصبح بابا عام 1342، في هذا رفصة، ليخلص من العدو العنيد للسدة البابوية. واستطاعت الدبلوماسية البارعة أ، تكتسب ناخباً بعد آخر، إلى الرأي الذي يقول، إن السلام والأمن، لا يعودان إلى الإمبراطورية، إلا بخلع لويس وتنصيب شارل ملك بوهيميا إمبراطوراُ، وتعهد شارل بطاعة أوامر البابا، في مقابل تأييده. وفي يوليو عام 1346 اجتمع مجلس ناخبين في رنز، وقرر بالإجماع، أن يكون شارل ملكاً على ألمانيا. وأخفق لويس في أن يجد، أذناً صاغية في افنيون لإلحاحه بالخضوع للبابا، فأعد العدة للحرب حتى الموت دون عرشه، وكان أثناء ذلك مشغوفاً بالصيد وقد بلغ الستين من عمره، وسقط عن جواده وقتل (1347).
وأحس شارل الخامس الحكم، ملكاً وإمبراطوراً. وكرهه الألمان لأنه جعل براغ عاصمة الإمبراطورية، ولكنه أصلح الإدارة في ألمانيا، كما فعل في موطنه، وأمن التجارة والمواصلات، وأنقص الضرائب، واحتفظ بعملة
مستقرة، وأمد الإمبراطورية كلها بجيل من الناس ينعم بسلام نسبي. وفي عام 1356، نال شهرة فيها قدر من المغالطة في التاريخ، بإصدار سلسلة من القوانين عرفت "بالنشرة البابوية الذهبية"-وإن كانت قليلاً من كثير من الوثائق تحمل الخاتم الإمبراطوري الذهبي. لعله اقتنع بأن غيابه الطويل عن ألمانيا يتطلب مثل هذا الإجراء، فقد منح الناخبين السبعة سلطات تكاد تمحو سلطة الإمبراطور. وكان على الناخبين أ، يجتمعوا سنوياً ليصدروا التشريعات الخاصة بالمملكة، والملك أو الإمبراطور، مجرد رئيس لهم ويدهم المنفذة. وكانوا في ولاياتهم يملكون السلطة القضائية الكاملة، وملكية المناجم والمعادن الكامنة في الأرض، والحق في ضرب السكة الخاصة بهم، وزيادة الدخل إلى جانب الحق المقيد في إعلان الحرب وإبرام معاهدات السلام. وكانت هذه النشرة بمثابة إقرار ثانوي للحقائق الواقعة، فحاول شارل أن نشئ بواسطتهم اتحاداً تعاونياً من الإمارات. ومع ذلك فقد شغل الناخبون بشئونهم الإقليمية، وأهملوا مسئولياتهم باعتبارهم يؤلفون مجلساً إمبراطورياً، حتى أن ألمانيا ظلت إمبراطورية بالاسم فقط. وقد هيأ الاستقلال المحلي للناخبين على هذا النحو لناخب سكسونيا أن يحمي لوثر، وما أعقب ذلك من انتشار المذهب البروتستانتي.
وحافظ شارل في شيخوخته على ولاية العهد الإمبراطوري لابنه بواسطة الرشوة بالجملة (1378) وتحلى ونسسلوس الرابع ببعض الفضائل، ولكنه كان يدمن الشراب ويحب موطنه الأصلي، فكرة الناخبون منه ذلك وخلعوه (1404). مؤثرين عليه روبرت الثالث الذي يخلف أثراً يذكر في التاريخ. واختير سيجموند أمير لكسمبورج ملكاً على المجر (1387) وهو في التاسعة عشرة من عمره، وانتخب عام 1411 ملكاً على الرومان وسرعان ما حصل على لقب الإمبراطور. وكان رجلاً ذا ملكات منوعة، جذاباً،
جميلاً مغروراً وكريماً محبوباً وقاسياً في بعض الأحيان وثقف لغات متعددة وكلف بالأدب لا يفضل عليه سوى النساء والسلطان. وربما مهدت نياته الطيبة له موضعاً صغيراً في جهنم، ولكن شجاعته كانت تخونه في الأزمات. ولقد حول مخلصاً أن يصلح مساوئ الحكومة الألمانية ويقضي على أسباب ضعفها، وأصدر بعض القوانين الصالحة، ونفذ قليل منها، بيد أن الناخبين أحبطوا مساعيه، باستقلالهم الذاتي ومحافظتهم على ما ألفوه وعدم رغبتهم في الإسهام بنصيبهم في نفقات صد هجمات الترك المتقدمين. وأوقف في أعماله الأخيرة ماله ونشاطه على محاربة الهوسيين في بوهيميا. ولما توفي (1437) بكت أوربا فيه، رجلاً كان يمثل التقدم الأوربي فترة من الزمن وإن أخفق في لك شيء إلا الكرامة.
ولقد أوصى شارل الناخبين في بوهيميا والمجر وألمانيا أن يختاروا زوج ابنته، ألبرت أمير هبسبورج. ونعم ألبرت الثاني بالتيجان الثلاثة، ولكنه مات بالدوسنطاريا قبل أن تتفتح قدراته، وفي حملة ضد الأتراك (1440). ولم يخلف ابناً، ولكن الناخبين، اختاروا للتاجين الملكي والإمبراطوري، شخصاً آخر من آل هبسبورج هو فريدريك أمير ستيريا، ومنذ ذاك وقع اختيارهم مراراً على أمير من آل هبسبورج، حتى أصبح السلطان الإمبراطوري في واقع أمره، ملكاً وراثياً، في هذه الأسرة الموهوبة الطموح. وجعل فريدريك الثالث، النمسا، دوقية كبرى، واتخذ آل هبسبورج فينا عاصمة لهم، وأصبح المفروض أن يكون ولي العهد، هو الدوق الأكبر للنمسا، ودخلت الصفة الوراثية في الأخلاق النمساوية والفيناوية كمقوم نسائي رشيق يمتزج بخشونة الشمال المذكرة في نفس التيوتونية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق