1160
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> أوروبا الوسطى -> إقرار النظام
2- إقرار النظام
النظام أبو الحضارة والحرية، والفوضى هي القابلة التي تولد الدكتاتورية، من ثم فإن التاريخ يمتدح حيناً بعد حين الملوك. وكانت وظيفتهم في القرون الوسطى أن يحرروا الفرد من السيطرة المحلية وأن يركزوا في يد واحدة، سلطة التشريع والقضاء والعقاب وإصدار السكة وإعلان الحرب. وتباكى البارون الإقطاعي على فقدان الاستقلال المحلي. بيد أن المواطن
البسيط رأى خير أن يكون هناك سيد واحد وعملة واحدة وقانون واحد، وقلما أمل الناس في تلك الأيام التي فشت فيها الأمة، أن الملوك أنفسهم قد يختفون من الوجود، ولا يخلفون وراءهم سلطاناً غير القوانين والأخطاء التي اقترفها الناس بحرية.
ولقد حكم اسكنديناوه بعض الملوك الأفذاذ في القرن الرابع عشر فوحد ماجنوس الثاني ملك السويد، قوانين مملكته المتعارضة في مجموعة قوانين منسجمة قومية (1347). ونم أريك الرابع البارونات ودعم السلة المرزية، وأضعفها كريستوفر الثاني وأعادها ولدمار الرابع، وجعل بلاده، إحدى الدول الرئيسية في السياسة الأوربية. ولكن أعظم شخصية في الدول الحاكمة الاسكنديناوية في ذلك العصر، هي شخصية، مارجريت ابنة فالديمار، ولقد زوجت وهي في العاشرة (1363) من هاكون السادس ملك النرويج، وهو ابن ماجنوس الثاني ملك السويد، وبدا أنه قد كتب عليها، بفضل الزواج والم، أن توحد العرشين اللذين تربط بينهما القرابة، ولما قضى أبوها (1375) أسرعت إلى كوبنهاجن ومعها ابنها أولاف وعمره خمس سنوات، وأقنعت الناخبين في البارونات ورجال الدين أن يقبلوا ابنها ملكاً على أن تكون هي نائبة الملك. وبموت زوجها (1380) ورث أولاف تاج النرويج، ولما كان لا يزال في العاشرة من عمره فقد أصبحت مرجريت هناك أيضاً نائبة الملك، وكانت إذ ذاك في السابعة والعشري من عمرها. وأذهلت حكمتها وحياتها وشجاعتها معاصريها، الذين ألفوا عدم الكفاءة. أو العنف في الحكام من الرجال، وأيد السادة الإقطاعيون في الدنمرك والنرويج مفاخرين، هذه الملكة الرشيدة الخيرة، وهم الذين تسلطوا على ملوك كثيرين قبل ذلك. حتى إذا بلغ أولاف سن الرشد (1385) غنمت له دبلماسيتها، حق الجلوس على عرش السويد. ولكنه مات بعد ذلك بسنتين، فظهر أن خطها التي وضعتها في فراسة وبعد نظر، لتوحيد
اسكنديناوة قد حبطت بموته. ولكن المجلس الملكي في الدنمارك، لم يجد وريثاً ذكراً يضارع "مارجريت" في القدرة على إقرار الأمن والسلام، فتجاوز القوانين الاسكنديناوية، التي تعارض حكم المرأة، وانتخبها نائبة ملك (1387). وتقدمت إلى أسلو، فاختيرت نائبة ملك النرويج مدى الحياة (1388)، وبعد ذلك بعام، أقصى النبلاء السويديون ملكاً لم يرضوا عنه، ونصبوها ملة عليهم. وأقنعت العروش الثلاثة كلها بأن تبايع أريك أكبر أبناء أخيها، ولياً لعهودها. واستدعت عام 1397 مجالس الدول الثلاث إلى كالمر في السويد، وهناك أعلن أن السويد والنرويج والدنمرك قد اتحدت إلى الأبد، تحت سلطة حاكم واحد، على أن تحتفظ كل واحدة منها بعاداتها وقوانينها. وتوج أريك ملكاً، بيد أنه كان لا يزال في الخامسة عشرة، فاستمرت مارجريت نائبة ملك إلى أن ماتت (1412)، ولم تحظَ حاكم أوربي في ذلك العصر بمملكة متسعة كهذه، أو بحكم موفق كحكمها.
ولم يرث ابن أخيها حكمتها، فجعل أريك الاتحاد، يصبح في الحقيقة إمبراطورية دنمركية، بمجلس في كوبنهاجن يحكم الدول الثلاث. واضمحلت النرويج في هذه الإمبراطورية، وفقدت زعامتها الأدبية التي احتفظت بها من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر. وفي عام 1434 تزعم انجلبركت انجلبركسن ثورة السويد على سيادة الدنمرك، وجمع في أربوجا (1435) مجلساً قومياً من النبلاء والأساقفة وملاك الأراضي وممثلي المقاطعات، وأصبح هذا المجلس المتوسع في تكوينه، وقد استمر خمسمائة سنة، ريخستاج السويد الحالي. وانتخب انجليبروكس وكارك كنتسن نائبي ملك. واغتيل بطل الثورة بعد ذلك بعام، وحك كنتسن السويد نائب ملك، ثم ملكاً، إلى أن مات (1470).
وبدأ في الوقت نفسه كريستيان الأول (1448-1481) أسرة
ألدنبرج الحاكمة، التي حكمت الدنمرك إلى عام 1863 والنرويج إلى عام 1814. ودخلت أيسلندة في حكم الدنمرك إبان نيابة مرجريت عن الملك (1381). وقد ولى مجد تاريخ الجزيرة وأدبها، ولكنها استمرت تقدم إلى أوربا التي تمزقها الفوضى، درساً لم يلتفت إليه عن كفاءة الحكومة ونظامها.
وكانت أقوى ديمقراطية في العالم وقتذاك مستقرة في سويسرا. ونجد أن البطولة في تاريخ هذه البلاد المنيعة كانت مجسمة في الولايات، وفي عام 1291 بدأت الولايات التي تكتنفها الغابات، ويتحدث أهلوها الألمانية وهي أورى وشوتز وانترفالدن، تؤلف اتحاداً من أجل الدفاع المشترك. وأحرز الفلاحون السويسريون انتصاراً تاريخباً على جيش آل هبسبرج في مورجارتن (1315)، فاحتفظ الاتحاد باستقلال حقيقي بينما اعترف بالسيادة الاسمية للإمبراطورية الرومانية المقدسة. وأضيفت إلى الاتحاد ولايات جديدة: لوسون (1332) وزيورخ (1351) وجلاروس وزج (1352) وبرن (1353)، وأصبح اسم ولاية شوتز يطلق على الجميع عام (1352). وشجعت الحدود الجغرافية على الاستقلال الذاتي وقبل الاتحاد اللغات الفرنسية أو الألمانية أو الإيطالية وطرائق كل منها تبعاً لانحدار أوديتها ومجارى أنهارها، فاحتفظت كل ولاية بإصدار قوانينها بواسطة مجالس ينتخبها المواطنون. وتراوح تمثيل الحرية بين ولاية وأخرى ومن عصر إلى عصر، ولكن جميع الولايات خضعت لسياسة خارجية موحدة وحل منازعاتها بواسطة مجلس اتحادي. ومع أن الولايات يحارب بعضها بعضاً، فإن دستور الاتحاد أصبح وظل مثالاً موحياً بالاتحاد-اتحاد أقاليم تستمتع بالحكم الذاتي تحت أجهزة وقوانين اختيرت بحرية.
وتطلب دفاع الاتحاد عن حريته تدريباً عسكرياً لجميع الذكور وخدمة عسكرية عند الطلب، يتقدم بها جميع الرجال بي العاشرة والستين وأصبح
المشاة السويسريون، المسلحون بالحراب والمدربون على النظام الدقيق، أكبر جيش مخوف باهظ التكاليف في أوربا. ورأت الولايات أن تقصد في دخلها، فأجرت فرق جيشها للدول الأجنبية، وجعلت "البسالة السويسرية حيناً من الزمن سلعة تجارية. ولبث الأمراء النمسويون، يدعون لأنفسهم حقوقاً إقطاعية في سويسرا، وحاولوا الحصول عليها أحياناً، فقضى على هذا الادعاء سمباتش (1386) وتافلس (1388)، بمعارك تستحق الذكر في تاريخ الديمقراطية. وأكدت معاهدة كنستانس عام 1446 مرة أخرى، حرية سويسرا الفعلية وولاءها الاسمي الإمبراطورية الفعلية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق