إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1125 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية -> البيئة المتغيرة الفصل الرّابع البيئة المتغيرة


1125

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية -> البيئة المتغيرة

الفصل الرّابع


البيئة المتغيرة


وبينما كانت الكنيسة يبدو عليها أنها آخذة في استعادة مجدها وسلطانها، كان يحدث في أوربا تغير اقتصادي وسياسي وعقلي يعمل بالتدريج على تقويض صرح المسيحية اللاتينية.
ذلك أن الدين يزدهر عادة في ظل النظام الزراعي على حين أن العلم يزدهر في ظل الاقتصاد الصناعي فكل حصاد معجزة من المعجزات في الأرض ونزوة من نزوات الجو، والفلاح الحقير الخاضع لسلطان الجو والذي ينهكه الكدح، يرى من حوله قوات خارقة للعادة في كل مكان، ويوجه الدعوات والصلوات إلى السماء ليسترضيها ويستميلها إليه، ويرتضي الخضوع لنظام ديني إقطاعي يتدرج ولاؤه فيه من السيد المالك إلى الملك إلى الله. أما الصانع في المدينة والتاجر وصاحب المصنع وذو المال فيعيشون في عالم من الأرقام يحسبون فيه العمليات والكميات والأسباب المادية والنتائج المرتقية العادية. وتهيئ الآلة ومنضدة العد والحساب عقولهم لأن يروا حكم (القانون الطبيعي) يبسط سلطانه على أرجاء آخذة في الاتساع. وكان نمو الصناعة والتجارة وتكدس الأموال أثناء القرن الخامس عشر وانتقال العمال من الر يف إلى المدن وقيام طبقة التجار واتساع دائرة الاقتصاد من البيئة الصنفية المحلية حتى أصبح اقتصادياً قومياً ثم دولياً-كل هذا كان نذير شؤم للدين الذي كان يوائم أشد المواءمة نظام الإقطاع وما يطرأ على الحقول من تقلبات تبعث في النفس الكآبة والقنوط. وأخذ رجال الأعمال يحطمون القيود التي يفرضها

سادة الإقطاع، وكان لا بد للكنيسة أن ترضى بشيء من الشعوذة اللاهوتية المكشوفة إلى ما تحتمه ضرورة الأيام من فرض فوائد على القروض إذا كان لا بد لرؤوس الأموال أن تستخدم في توسيع دائرة الصناعة والمشروعات المالية، وما وافى عام 1500 حتى أصبح الناس يتجاهلون أوامر الكنيسة القاضية بتحريم "الربا". ثم حل المحامون ورجال الأعمال شيئاً فشيئاً محل رجال الدين والأعمال في إدارة أعمال الحكومة، وأخذ القانون نفسه، بعد أن ظفر باسترداد تقاليده ومكانته اللتين كانتا له في عصر الإمبراطورية الرومانية، يسبق النظم الأخرى في الانتقال من الصبغة الدينية إلى الصبغة الدنيوية ويتعدى يوماً بعد يوم عل نظم الحياة الكنسية التي كانت تخضع من قبل للقوانين الدينية وزادت سلطة المحاكم الزمنية واضمحلت سلطة محاكم الابرشيات.
وأخذت الدولة الملكية الناشئة بعد أن بلغت طور الشباب وازداد ثراؤها بفضل ما تجمع لها من المال من التجارة والصناعة، أخذت تتحرر شيئاً فشيئاً من سيطرة الكنيسة وأخذ الملوك يعارضون في وجود المندوب البابوي أو القاصد الرسولي في بلادهم ل،ه لم يكن يعترب بسلطان غير سلطان البابا وبذلك جعل كنيسة كل أمة دولة داخل دولة. من أجل ذلك ضيقت القوانين التي صدرت في إنجلترا عام 1351 و1353 أشد التضييق سلطات رجال الدين في شؤون الاقتصاد والقضاء. وفي فرنسا احتفظ الملوك بعد إلغاء قرار بورج التنظيمي من الوجهة التظرية في عام 1516 بحقه في ترشيح كبار الأساقفة ورؤساء الأديرة وكبار رهبانها(17) وأصرت دولة البندقية على أن تعين هي من يشغلون المناصب الكنسية العالية في الأقاليم التابعة لها. وغلب فرديناند وإزابيلا البابوات على أمرهم فانتزعوا منهم حق تعيين من يشغلون كثيراً من المناصب الدينية الشاغرة في أسبانيا وفي الإمبراطورية الرومانية المقدسة حيث استمسك جريجوري السابع بحق البابوات في تعيين رجال رغم معارضة هنري الرابع، سلم سكستس
الرابع إلى الأباطرة بحقهم في تعيين ثلاثمائة ممن يشغلون المناصب الدينية وتعيين سبعة أساقفة وكثيراً ما كان الملوك يسيئون استخدام هذه السلطات.
فكانوا يعينون في مناصب الكنيسة من يميلون إليهم من رجال السياسة وكان هؤلاء يستحوذون على إيراد الأديرة وأملاك الكنيسة ولكنهم كانوا يتجاهلون ما عليهم من التبعات(18) وإن كثيراً من المفاسد الكنسية ليعزى أصلها إلى من كانوا يشغلون هذه المناصب الكنسية من غير رجال الدين.
وكانت البيئة العقلية في الكنيسة نفسها في هذه الأثناء آخذة في التغير تغيراً ينذرها بأشد الأخطار. نعم إنها كانت لا تزال تخرج علماء مجدين ذوي ضمائر حية، ولكن المدارس والجامعات التي أنشأتها هي من قبل كانت قد أخرجت أقلية من الرجال المتعلمين لم تكن آراؤهم مما يرضي على الدوام القديسين. فها هو ذا القديس برناردينو حوالي عام 1420:
وإن كثيراً من الناس إذا ما نظروا إلى ما يرتكبه الرهبان والإخوان والراهبات وغير هؤلاء من رجال الدين لتشمئز نفوسهم، بل إنهم كثيراً ما يتزعزع إيمانهم، فلا يؤمنون بشيء أعلى من أسقف منازلهم ولا يرون أن ما ورد في الكتب عن الدين صادق صحيح بل يعتقدون أنه من اختراع الآدميين وليس وحياً من عند الله..فهم يحتقرون القربان المقدس ولا يؤمنون بوجود الروح ولا يخشون عذاب النار ولا يرغبون في نعيم الجنة، بل إن أهم ما تتعلق به قلوبهم هو الأشياء الزائلة ويعملون على أن يكون هذا العالم الأرضي هو جنتهم(19).
وأكبر الظن أن طبقة رجال الأعمال كانت أقل الطبقات صلاحاً واستمساكاً بالدين، ذلك أن الدين يضمحل على الدوام كلما زاد الثراء. فجوور (1325-1408) يقول إن تجار إنجلترا قلما يعنون بالحياة الآخرة ويقولون أن من يستطيع الحصول على نعم هذه الحياة ثم يتركه تفلت من يده فهو إنسان أبله فما من أحد يعرف أين يذهب بعد الموت أو من أي طريق

نذهب(20)، يضاف إلى هذا إن إخفاق الحروب الصليبية قد خلف في النفوس دهشة أخذت تتناقص على مهل يقول أصحابها كيف سمح رب المسيحية بأن ينتصر الإسلام وكان استيلاء الأتراك على القسطنطينية مما قوى هذه الشكوك، وكانت كتابات نقولاس الكورائي 1432 ولورند سوفلا 1439 التي قالا فيها إن "هيبة قسطنطين" زيف وزور، مما حط من مكانة الكنيسة وأضعف ما تدعيه لنفسها من سلطان زمني. وفوق هذا كله فإن اكتشاف الكتب اليونانية والرومانية القديمة ونشرها كان سبباً في تقوية الشكوك لأنه كشف عن عالم من العلوم والفنون ازدهرت قبل مولد الكنيسة المسيحية وهي التي أنكرت في مجلس لا تيران الخامس 1512-1517 إن النجاة غير مستطاعة خارج حظيرتها(21) كذلك أزاح كشف أمريكا وارتياد بلاد الشرق ارتياداً آخذاً في الاتساع، أزاح هذا وذاك الستار عن مائة أمة كانت ترفض الإيمان بالمسيح أو تتجاهله وكانت لها أديان أخرى لا تقل عن المسيحية إيجابية أو تأثيراً من الناحية الخلقية وجاء الرحالة العائدون من بلاد "الكفرة" ببعض العقائد والطقوس التي أخذت تنازع العبادات والعقائد المسيحية فأخذت هذه العقائد المتنافسة تصطرع في الأسواق وفي الثغور.
ثم إن الفلسفة نفسها التي كانت في القرن السادس عشر خاضعة لسلطان الدين وخامة طيعة له همها كله أن تجد أسباباً يقبلها العقل لمبادئ الدين القويم، قد حررت نفسها في القرن الرابع عشر على أيدي وليام الأوكهامي ومرسليوس من أهل بدوا وأصبحت في القرن السادس عشر فلسفته زمنية جريئة تجهز بتشككها بقيادة بمبو منشي ومكيافلي وجوتشياردين. وقد أذاع مكيافلي قبل أن يكتب لوثر رسالته بأربع سنين نبوءة فزع منها القوم قال:
"لو أن الدين المسيحي قد احتفظ به كما صدر عن مؤسسه لكانت دول العالم المسيحي أكثر اتحاداً وأعظم سعادة مما هي الآن وليس أدل على ضعفه

من أقرب الناس إلى الكنيسة الرومانية التي هي صاحبة السلطة العليا في هذا الدين هم أقل الناس تديناً. وإن من ينعم النظر في المبادئ التي يقوم عليها هذا الدين ويرى ما بين هذه المبادئ وبين شعائرها الحاضرة وعباداتها من فرق كبير ليحكم من فوره بأن انهيارها أو يوم القصاص منها لآت عن قريب".



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق