إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1126 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية -> ما يؤخذ على الكنيسة الفصل الخامِس ما يؤخذ على الكنيسة


1126

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية -> ما يؤخذ على الكنيسة

الفصل الخامِس


ما يؤخذ على الكنيسة


هل لنا أن نعيد هنا ذكرى التهم التي يوجهها الكاثوليك المخلصون إلى الكنيسة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر؟ إن أول هذه التهم وأشدها هي أنها كانت تحب المال وأنه كان لها منه أكثر مما يليق بها إذا أرادت أنفسها الخير وقد وجه مجلس نورنبرج في عام 1522 مائة تهمة منها أنها تمتلك نصف ثروة ألمانيا(23) وقد قدر مؤرخ كاثوليكي نصيب الكنيسة بثلث أموال ألمانيا وخمس أموال فرنسا(24) ولكن مدعياً عمومياً في برلمان فرنسا قدر ثروة الكنيسة في عام 1502 بثلاثة أرباع أموال فرنسا كلها(25) على أننا ليس لدينا من الإحصائيات ما نرجع إليه في هذه التقديرات أما في إيطاليا فإن ثلث شبه الجزيرة بطبيعة الحال كان ملكاً للكنيسة ونعني به الولايات البابوية، هذا فضلاً عما كان لها من الأملاك القيمة في غير تلك الولايات .
وكان لتجمع الثروة في يد الكنيسة ستة أسباب. أولها أن معظم من كانوا يوصون بأموالهم عند وفاتهم كانوا يتركون لها بعض المال وقاية لهم من نار جهنم، وإذا كانت الكنيسة هي التي تشرف على عمل الوصايا وإثباتها فإن

رجالها كانوا في وضع يمكنهم من تشجيع أمثال هذه الوصايا. وثانيها أن أملاك الكنيسة كانت أكثر أماناً من كل ما عداها من انتهاب اللصوص والجنود والحكومات، ولهذا فإن بعض الناس كانوا ينزلون عن أراضيهم للكنيسة ليأمنوا عليها من ذلك النهب ثم يمتلكونها هم منها بوصفهم عمالاً للكنيسة عليها أن يؤول ما لهم من حقوق إلى الكنيسة بعد موتهم.ومنهم من كان يوصي ببعض أمواله أة بها كلها للكنيسة مشترطين أن تمدهم بما يلزمهم في حالتي المرض والشيخوخة فكانت الكنيسة بذلك تضمن لهم أماناً من الفقر في حالة العجز عن الكسب. وثالث هذه الأسباب أن الذين اشتركوا في الحروب الصليبية قد باعوا إلى الهيئات الدينية أرضهم أو رهنوها لها أو نزولا لها عنها كي يحصلوا على ما يلزمهم من المال في مغامراتهم. ورابع هذه الأسباب أن مئات الآلاف من الأفندية قد آلت إلى الكنيسة لأن طوائف الرهبان هي التي أصلحتها. وخامسها أن ما تمتلكه الكنيسة من الأرض لا يمكن أن ينتقل إلى غيرها-فلا يمكن أن يبيعه أو ينزل عنه أحد من رجالها إلا بوسائل غاية في التعقيد تجعل هذا في حكم المستحيل. وآخر هذه الأسباب أن أملاك الكنيسة كانت في العادة معفاة من الضرائب التي تفرضها الدولة على سائر الأملاك وإن كان بعض الملوك يرغمون رجال الدين على أداء بعض الإتاوات أو يجدون ذرائع قانونية لمصادرة أجزاء من ثروة الكنيسة غير مبالين بما يصبه عليهم رجال الدين من اللعنات، ولو أن أملاك الكنيسة أو الإيراد الناتج منها أو التبرعات التي لا حصر لها والتي كانت ترد إليها من المؤمنين برسالتها قد بقيت داخل حدود البلاد التي ينتمي إليها المتبرعون أو التي توجد فيها هذه الأملاك لكان تذمر الحكام في أوربا الشمالية أقل شدة مما شاهدناه، أما وإن هذه الثروة لم تبق داخل تلك الحدود فإن منظر الذهب الذي كان ينساب بآلاف الطرق من أوربا الشمالية إلى رومة كان مما يثير حنق هؤلاء الحكام.

أما الكنيسة فقد كانت تحسب أنها العامل الأكبر في المحافظة على الأخلاق، والنظام الاجتماعي، والتربية والأدب، والعلم، والفن، وكانت الدولة تعتمد عليها في القيام بهذه المهام، وكان القيام بها يتطلب نظاماً واسعاً كثير النفقة، وكان لا بد لها في الحصول على هذا المال من أن تفرض الضرائب وتجبي الرسوم، ذلك أن الكنيسة هي الأخرى لا يمكن أن تحكم بالصلوات والأدعية. وكان كثير من الأساقفة حكاماً مدنيين وكنسيين في أقاليمهم، وكانت السلطات غير الدينية هي التني تعين معظم أولئك الأساقفة تختارهم من بين أعيان البلاد الذين اعتادوا معيشة الترف والتحرر من قيود الأخلاق، فكانوا يفرضون الضرائب وينفقون مواردها كما يفعل الأمراء وكانوا أحياناً يجللون بالعار ذكرى القديسين بارتداء الدروع وقيادة الجند في الحروب. وقلما كان الكرادلة يختارون لتدينهم وتقواهم بل كانوا يختارون عادة لثروتهم أو لصلاتهم السياسية أو لكفايتهم الإدارية، ولم يكونوا يرون أنفسهم رهباناً مقيدين بأيمان أقسموها وإنما كانوا يرون أنفسهم شيوخاً ورجال سياسة في دولة غنية قوية، ولم يكونوا في كثير من الأحيان قساوسة، ولم يكونوا يسمحون لقلانسهم الحمراء أن تحول بينهم وبين الاستمتاع بمباهج الحياة(26) وقصارى القول أن الكنيسة قد أنستها حاجات السلطة وما يلزمها من المال ما كان عليه الرسل الأولون من زهد وفقر.
وإذا كان خدم الكنيسة رجال دنيا لا رجال دين فإنهم لم يكونوا في كثير من الأحيان يقلون جشعاً عن موظفي الحكومات في أيامهم. فقد كان الفساد قانون ذلك العصر وطبيعة أهله، وكانت المحاكم المدنية تشترى بالمال ولسنا نجد في انتخاب البابوات كلهم ما يضارع في الرشوة ما حدث في انتخاب شارل الخامس إمبراطوراً. وإذا ما استثنينا هذا الانتخاب وحده فإن أضخم الرشاوى في أوربا هي التي كانت تقدم إلى محاكم رومة(27). لقد كانت رسوم معقولة محددة تفرض نظير الخدمات التي تقوم بها المحكمة

البابوية العليا، ولكن جشع موظفيها رفع هذه الرسوم إلى أكثر من قيمتها القانونية عشرين ضعفاً(28)، وكان من المستطاع التحلل من الأوامر الدينية كلها تقريباً وقلما كانت هناك خطيئة لا يمكن غفرانها إذا كان الثمن الذي يؤدي لذلك مغرياً. وليس أدل على ذلك من أن اينياس سلفيوس كتب قبل أن يجلس على كرسي البابوية يقول أن كل شيء في رومة يباع بالمال وأن لا شيء فيها يمكن الحصول عليه بغير المال(29) وأشد من هذا ما قاله سفنرولا بعد جيل من ذلك الوقت بشيء من المبالغة التي تصحب الغضب على الدوام، وهو وصف كنيسة رومة بأنها عاهر تبيع نفسها بالمال (30) ومثل هذا ما قاله ارزمس يعد جيل آخر وهو "إن العار الذي يجلل المحكمة البابوية العليا قد وصل إلى ذروته(31)". ثم ثم أنظر إلى ما كتبه بستور، إن لفساد المتأصل قد استحوذ على جميع موظفي الإدارة البابوية كلهم تقريباً...فالهبات التي لا يحصى عددها واغتصاب الأموال بمختلف الأساليب قد فاق كل ما يتصوره العقل يضاف إلى هذا أن الموظفين أنفسهم كانوا يزورون العقود ويتبادلونها. فلا عجب والحالة هذه إذا علت الشكوى من جميع أجزاء العلم المسيحي مما كان يرتكبه الموظفين البابويون من رشوة وفساد واغتصاب للأموال(32).
ولم يكن مألوفاً أن ذوو الكفايات المعدمون في مناصب الكنسية في القرن الخامس عشر، فقد كان كل منصب تقريباً يتطلب رشوة الموظفين الأعلين فيها رشاوى تختلف بين الصغيرة لنبل منصب القساوسة، والرشاوي الضخمة التي يؤديها كثير من الكرادلة لكي يرقوا إلى هذا المنصب لما يتطلب التملق الخفي الأعلياء. وكان من الأساليب المحببة للبابوات لجميع المال بيعهم مناصب الكنيسة، وكان هذا في عرف البابوات هو تعيين أشخاص يرجى أن يسهموا بالكثير من المال فيما تحتاجه الكنيسة من نفقات بمنحهم ألقاب شرف فخرية قد تصل إلى لقب الكردنال نفسه. من ذلك

إن اسكندر السادس أنشأ ثمانين منصباً جديداً وقبض 760 دوقة (19000 دولار) من كل شخص عين في منصب من هذه المناصب. وأنشأ يوليوس الثاني "مجمعاً" أو مكتباً مؤلفاً من 101 أمين أدوا له مجتمعين 24000 دوقة ثمناً لهذه المناصب، ورشح ليو العاشر 60 من الحجاب و141 من الأتباع في القصر البابوي واستحوذ منهم على 202000(33) دوقة وكان معطى هذا المال وآخذه يرون أن الأموال التي تبتاع بها هذه المناصب ليست إلا أقساطاً ثانوية في عقود تأمين، أما لوثر فلم يكن يرى فيها إلا أنها بيع من أدناه البيوع للمناصب الكنسية.
وكان صاحب المنصب في آلاف من الأحوال يعيش بعيداً عن مقر منصبه-الابرشية أو الدير أو الأسقفية-التي كان إيرادها ثمناً لكدحه أو وسيلة لترفه وكان يحدث في بعض الأحيان أن يكون شخص واحد هو القائم بالعمل في كثير من هذه المناصب. من ذلك مثلاً أن الكردنال روريجو بورجيا النشيط (الذي صار فيما بعد اسكندر السادس) قد وهب عدة مناصب مختلفة كانت تدر عليه 70000 دوقة (1.750.000 دولار) في العام وأن عدوه الألد الكردنال دلاروفيري (الذي صار فيما بعد يوليوس الثاني) قد كان في وقت واحد كبير أساقفة افنيون واسقفاً لبولونيا ولوزان وكوتانس، وقفيير، ومندي واستيا ونيليتوري ورئيساً لديري نونان تولا وجبروتا فراتا(34). كان في وسع الكنيسة بالجمع بين هذه المناصب أن تؤدي مرتبات كبار موظفيها التنفيذيين وأن تنفخ بالهبات السخية في كثير من الأحيان الشعراء والعلماء وطلاب العلم. وها هو ذا بترارك الناقد الشديد لبابوات افنيون كان يعيش من مرتبات المناصب الهينة المجزية التي منحه إياها أولئك البابوات، وها هو ذا ارازمس الذي سخر من مئات السخافات الكنسية وهجاها الهجو اللاذع كان يقبض معاشاً منتظماً من الكنيسة، وكوبر بيكاس الذي أصاب كنيسة العصور الوسطى بأعظم الأضرار قد ظل سنين

طوالاً يعيش من أموال الكنيسة التي لم تكن تتطلب منه إلا القليل من الأعمال التي تحول بينه وبين أعماله العلمية(35).
ولم يكن هذا التعدد في المناصب أخطر التهم التي وجهت للكنيسة بل كان أخطر منه ما اتهم به رجال الدين من فساد في الأخلاق. وها هو ذا واحد منهم هو أسقف تورشيلو (1458) يقول: أن أخلاق رجال الدين فاسدة يشمئز منها العلمانيون(36). وأصبح المنتمون إلى طوائف الرهبان الأربع التي أسست في القرن الثالث عشر-وهي طوائف الفرانشيسكان والدمنيك ورهبان الكرمل، والاوغسطينيين أصبح المنتمون إلى هذه الطوائف كلها ما عدا الأخيرة منها مستهترين في أخلاقهم شديدي الاستخفاف بما يتطلبه مركزهم من تقى وحسن نظام. وقد تبين أن قواعد الأديرة التي وضعها منشئوها الأولون المتحمسون أشد مما تطيقه الطبيعة البشرية التي أخذت تتحرر شيئاً فشيئاً من مخاوف ما وراء الطبيعة. وإذ كان آلاف الرهبان والإخوان قد استغنوا عن العمل اليدوي بفضل ما تجمع لهم من المال الكثير، فقد أهمل هؤلاء الخدمات الدينية وخرجوا من صوامعهم يجسون خلال الديار، ويتعاطون الخمور في الحانات ويتخذون لهم عشيقات. وها هو ذا راهب من الدمنيك يدعى جون بروميارد من رهبان القرن الرابع عشر يقوله عن إخوانه الرهبان:
إن أولئك الذين من واجبهم أن يكونوا آباء للفقراء...يشتهون ألذ الطعام، ويستمتعون بنوم الضحى...ويمنون على الناس بحضورهم صلاة الصباح أو القداس...وتراهم منهمكين في الطعام والشراب إذا لم نقل في الدنس والأقذار، حتى لقد أصبحت مجامع رجال الدين مواخير للفجار ومجتمعات من مهرجين(37).
وكرر أرازمس تلك التهمة نفسها بعد مائة عام من ذلك الوقت فقال: "إن كثيراً من أديرة الرجال والنساء قلما تختلف عن المواخير العامة(39)".

ولسنا ننكر أن بترارك قد رسم صورة طيبة لما كان يسود دير الكرثوذيين الذي كان أخوه يعيش فيه من حسن نظام وتقى وأن كثيراً من الأديرة في هولندا وغربي ألمانيا قد احتفظت بروح الدرس والصلاح التي تألفت على أساسها "طائفة إخوان الحياة العامة" وصدر منها كتاب التشبه بالمسيح، ولكن نيوهانز تريتميوس، ينس وايرسينهايم (حوالي 1490) قد ندد برهبان هذا الجزء من ألمانيا المحيط بنهر الراين تنديداً عنيفاً أشد العنف فقال:
إن هؤلاء الرجال لا يبالون بالأيمان الدينية التي أقسموها..فإنهم لم يعدوا قط بأن يبروا بها...فهم يقضون النهار كله في الحديث القذر ويقضون وقتهم كله في اللعب والتهام الطعام..وإذا كانوا يمتلكون ثروة خاصة طائلة..فإن كل واحد منهم يعيش في مسكن خاص به..وليس فيهم من يهاب الله قط أو يحبه. ولا يفكرون قط في الحياة الآخرة ويؤثرون شهواتهم البدنية على مطالب الروح..ويحتقرون ما أقسموا عليه من التزام الفقر ويجهلون يمين العفة وينقضون يمين الطاعة.. وإن رائحة أقذارهم لتحيط بهم من كل الجوانب(41).
ولما أرسل جاي جوينو من قبل البابا لإصلاح أديرة البندكتيين في فرنسا كتب بعد عودته تقريراً يبعث الغم والاكتئاب في النفوس (1503) قال فيه إن كثيراً من الرهبان يلعبون الميسر ويكثرون من السباب، وترددون على الحانات، ويتسلحون بالسيوف، ويجمعون الأموال "ويحبون حياة السكيرين"، وهم أكثر تعلقاً بالدنيا من رجال الدنيا أنفسهم..ولو أنني أردت أن أقص كل ما وقعت عليه عيناي لملأت بذلك صحفاً طوالاً(42). وقد كانت نتيجة الفوضى المضطرة النماء في الأديرة أن أهمل الكثير أعمال الصدقات والخدمة في المستشفيات والقيام بشؤون التعليم وهي الأعمال العظيمة الخليقة بالإعجاب التي اغستحقوا من أجلها ثقة الناس وتأييدهم(43). ويقول البابا ليو العشر (1516) "لقد وصل اضطراب الأمور في أديرة

فرنسا وحياة الاستهتار التي يحياها الرهبان إلى حد لم يبق لهم معه أي احترام عند الملوك أو الأمراء أو المتينين من الناس(44). وقد أجمل مؤرخ كاثوليكي وصف هذه المفاسد كلها كما رآها في عام 1490، ولعله كان مبالغاً بعض الشيء في قسوته فقال:
اقرأ ما يفيض به ذلك العهد من أدلة وشواهد-طرائف تاريخية وتعنيف ينطق به رجال الأخلاق، وهجاء يكتبه العلماء والشعراء، ومراسيم بابوية ومجامع دينية مقدسة-ماذا تجد في هذه كلها؟ إنك لتجد فيها نفس الحقائق ونفس الشكاوى..التحرر من حياة الأديرة ومن النظام والأخلاق الكريمة وما أكثر ما تجد في الأديرة من لصوص وفسقة، وإذا شئت أن تدرك ما في هذه الأديرة من فوضى فعليك أن تقرأ ما كشفت عنه البحوث القضائية من تفاصيل الحالة الداخلية للكثرة الغالبة من الأديرة الكبيرة...ولقد بلغت المساوئ المنتشرة في أديرة الكرثوذيين درجة أصبحت معها هذه الأديرة مضرب المثل في سوء السمعة في كل مكان تقريباً..أما أديرة الراهبات فقد اختفت فيها حياة الرهبنة عن آخرها...فاستحالت دور العبادة بسبب هذه المساوئ كلها بؤراً للفساد وسوء النظام(45).
أما رجال الدين غير المنتمين إلى طوائف الرهبان، فكانوا خيراً من الرهبان الإخوان، إذا تساهلنا في عادة التسري التي كانت شائعة بينهم، وكانت أكبر آثام قسيس الابرشية هي جهلة(46) ولكنه لم يكن يتقاضى إلا القليل الذي لا غناء فيه من الأجر وكان يرهق بالعمل ومن أجل هذا لم يكن يجد من الوقت أو المال ما يعينه على الدرس، وتدل التقوى الشائعة بين عامة الشعب على أنه كثيراً ما كان محبوباً مبجلاً. وكثيراً ما كان هؤلاء القساوسة يحنثون بقسمهم على أن يلتزموا العفة والطهارة. ففي نورفولك بإنجلترا مثلاً نظرت المحاكم في ثلاث وسبعين تهمة خاصة بعدم العفة في عام 1499، وكان منها خمس عشر تهمة موجهة إلى رجال الدين،

وفي ريبون كانت أربع وعشرون تهمة من 126 موجهة إلى رجال الدين، وفي لامبث كانت تسع تهم من ثمان وخمسين موجهة إلى رجال الدين، ومعنى هذا أن ثلاثاً وعشرون في المائة من مجموع هذه التهم موجهة إليهم مع أن رجال الدين كلهم كانوا في أغلب الظن أقل من اثنين في المائة من مجموع السكان(47). ومن رجال الدين من كانت لهم صلات جنسية بالتائبات من النساء(48). وكان للآلاف من القساوسة خطايا، وفي ألمانيا كان لهم كلهم تقريباً(49) وفي رومة كان هذا هو الأمر المتبع المألوف، وتقدر بعض التقادير عدد العاهرات فيها بسبعة آلاف من بين السكان الذين لم يكونوا يزيدون على مائة ألف(50). وها هو ذا مؤرخ كاثوليكي يقول:
لا غرابة وتلك حال أعلى طبقات رجال الدين أن تنتشر الرذيلة وينتشر الشذوذ باختلاف أنواعه بين طوائف الرهبان المنتظمة وبين القساوسة من غير الرهبان وأن يزداد هذا الانتشار يوماً بعد يوم. قصارى القول أن الفضيلة قد فقدت معناها على وجه الأرض..ولكن من الخطأ أن نظن أن فساد رجال الدين كان أسوأ في رومة منها في غيرها من المدن، ذلك أن لدينا أدلة تثبتها الوثائق على فساد أخلاق القساوسة في كل بلد تقريباً من بلدان شبه الجزيرة الإيطالية..فلا عجب، كما يقول كاتب معاصر والحزن يملأ قلبه إذا كان نفوذ رجال الدين قد أخذ ينقص تدريجياً وإذا كان الناس لا يكادون يظهرون أي احترام مهما قل لرجال الدين في كثير من الأقطار ذلك أن الفساد قد انتشر بينهم إلى حد أصبحنا نسمع معه اقتراحات يبديها البعض بالسماح للقساوسة بالزواج(15).
ويجدر بنا أن نقول إنصافاً لهؤلاء القساوسة غير المتعففين أن التسري الشائع بينهم لم يكن يعد دعارة بل إنه يكاد يكون تمرداً عاماً على قانون العزوبة التي فرضها البابا جريجوري السابع (1074) على رجال الدين وأرغمهم عليها إرغاماً. ولقد أخذ كهنة الكنيسة الرومانية يطالبون بأن

يُسمح للقساوسة بالزواج شأنهم في ذلك شأن أمثالهم من كهنة الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والروسية فقد ظلت هذه الكنيسة تسمح لقساوستها بالزواج بعد الانشقاق الذي حدث في عام 1054، إذ كان قانون الكنيسة الكاثوليكية لم يسمح لهم بهذا فقد لجأوا إلى عادة التسري. وها هو ذا هاردون أسقف انجيز يقول في تقرير له (1428) إن رجال الدين في ابرشيته لم يكونوا يرون في اتخاذ الحظايا إثماً. وأنهم لم يحاولوا قط أن يخفوا ذلك عن أعين الناس(52). وكان في بومراننا 1500 حالة من هذا النوع يعترف الأهلون بأنها لا غبار عليها، بل كانوا يشجعونها، لأنهم يرونها وقاية لبناتهم وزوجاتهم، وكان المألوف المتواضع عليه الاحتفالات العامة أن يعطى مكان الشرف للقساوسة وحظاياهم(53)، وحدث في شلزويج أن طرد أسقف من كرسيه لأنه حاول أن يحرم هذه العادة(54) (1499). ولما عقد مجلس كنتستانس اقتراح الكردنال زيلا أن تعود الكنيسة فتسمح لرجال الدين بالزواج إذا لم يكون مستطاعاً منعهم من اتخاذ الحظايا، وقال الإمبراطور سجسمند في رسالة له إلى مجلس بازل (1431) إن زواج رجال الدين سيصلح من أخلاق الناس بوجه عام(55)، ونقل المؤرخ بلاتينا أمين مكتبة الفاتيكان عن اينياس سافيوس قوله أن هناك أسباباً قوية في صالح بقاء رجال الدين عزاباً، ولكن هنا أسباباً أقوى منها في صالح زواجهم(56)، وجملة القول أن السجل الأخلاقي لرجال الدين قبل الإصلاح الديني يبدو خيراً مما هو إذا نظرنا إلى عادة اتخاذ الحظايا على أنها تمرد يغتفر لهم، على سنة مرهقة لا تطيقها الطبيعة البشرية، ولم تكن عند الحواريين الأولين، ولا تجري عليها الكنيسة الشرقية.
أما الشكوى التي أشعلت نار الإصلاح الديني في آخر الأمر فقد كانت هي بيع صكوك الغفران. وتفصيلها أن من حق رجال الدين، السلطات التي خولها المسيح فيما بعد يبدو لبطرس (إنجيل متي 16، 19) والتي انحدرت

من بطرس إلى رجال الدين بمقتضى هذه السلطات أن يغفروا للتائب المعترف بذنوب خطاياه وما يترتب عليها من عقاب في نار جهنم، ولكنهم لا يعفون أولئك المذنبين من التكفير عن خطاياهم أثناء حياتهم على ظهر الأرض. على أن الذين يستطيعون أن يثقوا بأنهم يموتون بعد أن يكفروا التكفير الواجب عن ذنوبهم كلها ليسوا إلا قلة صغيرة من الناس مهما اعترفوا بذنوبهم وطهرهم هذا الاعتراف، إن الذين يستطيعون أن يثقوا بذلك هم قلة صغيرة من الناس، أما الباقون فلابد أن يكفروا عما بقي من ذنوبهم بأن يقدموا عدداً من السمين في المطهر، الذي أوجده الإله الرحيم ليكون جحيماً مؤقتاً لهؤلاء المذنبين. لكن ثمة طائفة كبيرة من الأولياء الصالحين قد كسبوا بفضل خشوعهم وتقواهم واستشهادهم في سبيل الدين من الفضائل ما نرى في أكبر الظن زيادته على ما كفروا به عن ذنوبهم. وقد خلف المسيح وراءه بموته قدراً لا يحصى من الفضائل، وهذه الفضائل كما تقول الكنيسة، يمكن أن تعد بمثابة كنز يستمد منه البابا ما يشاء ليمحو جزءاً من الآثام التي ارتكبها الناس في الدنيا. ولم يكفروا عنها كل التكفير. وكانت الكفارة التي تضعها الكنيسة تتخذ في العادة صورة تكرار بعض الأدعية أو إخراج الصدقات أو الحج إلى بعض الأضرحة المقدسة، أو الاشتراك في حرب صليبية ضد الأتراك أو غيرهم من "الكفرة". أو التبرع بالمال أو العمل لبعض المشروعات الاجتماعية كتجفيف مستنقع، أو إنشاء طريق، أو بناء قنطرة، أو مستشفى، أو كنيسة. وكان استبدال غرامة مالية (فدية) بالعقاب البدني سنة مألوفة من عهد بعيد في المحاكم المدنية، ومن ثم فإن تطبيق هذه الفكرة على صكوك الغفران لم يغضب الناس في بادئ الأمر. وكان التائب المعترف، إذا أدى هذه الفدية أي إذا خرج عن بعض المال-لنفقات الكنيسة تسلم صك غفران جزئي أو كلي، ولم يكن هذا الصك يجيز له أن يرتكب ذنوباً جديدة، بل يمكنه من أن ينجو يوماً،

أو شهراً، أو عاماً من عذاب المطهر، أو أن يعفى من جميع المدة التي كان لا بد له أن يقضيها في عذاب المطهر عقاباً له على ذنوبه لولا هذا الصك، ولم يكن الصك ليفي من جريمة الإثم، أما هذه الجريمة فقد كانت تعفى حين يغفر القس ذنب التائب النادم أثناء الاعتراف قبل الموت. فصك الغفران، والحالة هذه، معناه أن تعفو الكنيسة بعض العقوبات الدنيوية (أي غير الأبدية) التي يتعرض لها صاحب الخطايا التي غفر أثمها أثناء عملية الكفارة.
وسرعان ما تبدل شأن هذه النظرية البارعة المعقدة بفضل شذاجة الناس أو شراهة الغافرين الذين عهد إليهم توزيع صكوك الغفران أو ادعوا لأنفسهم حق توزيعها. وإذ كان يُسمح لهؤلاء الموزعين أن يحتفظوا لأنفسهم بجزء مما تدره من المال، فقد أغفل بعضهم الإصرار على توبة من يبتاعون الصكوك، أو اعترافهم بذنوبهم، أو صلواتهم، وتركوا لهم جريتهم الكاملة في أن يفسروا الصكوك بأنها تعفيهم من التوبة، ومن الاعتراف، ومن الغفران على يد القساوسة، وبأنهم يستطيعون الاعتماد كل الاعتماد تقريباً على ما يقدمون من المال. وقد وصل الأمر حداً جعل تومس جسكوني مدير جامعة اكسفورد يجأر بالشكوى ويقول:
يقول المذنبون في هذه الأيام: "لست أبالي كم أرتكب من الذنوب أما الله لأن من السهل علي أن أتخلص من كل ذنوبي ومما يترتب عليها من العقاب بالمغفرة وصكوك الغفران بمنحي إياها الباب الذي ابتاعها منه مستورة نظير أربع بنسات أو ست كاني أكسبها في لعبة تنس مع من في مقدرته أن يمنح هذا الغفران". ذلك أن بائعي هذه الصكوك يطوفون بالبلاد ويفرقون خطابات بالمغفرة نظير بنسين تارة ونظير جرعة من الخمر أو الجعة تارة أخرى...بل إنهم يعطونها نظير استئجار عاهر أو نظير الحب الدنس(75) ولقد ندد البابوات-بونيفاس التاسع في عام 1392،

ومارتن الخامس في عام 1420 وسكستس الرابع في عام 1478-أكثر من مرة بهذه المساوئ وهذا الخطأ في التفكير ولكن حاجتهم إلى المال كانت أشد من أن يستطيعوا معها السيطرة المجدية على هذه العادات السيئة. وكثيراً ما أصدروا القرارات لأسباب عدة يتحير الفكر فيها مع إيمان رجال العلم بهذه النظرية واتهموا الكنيسة بأنها تستغل سذاجة الناس وآمالهم استغلالاً يجللها بالعار(58) وكانت اللغة الرسمية في بعض هذه الحالات كالصكوك التي عرضها يوليوس الثاني في عام 1510 أوليو العاشر في عام (1513) تحمل من المعاني ما يمكن تفسيره تفسيراً مالياً خالصاً(59). وقد وصف أحد الرهبان الفرنسيس من ذوي المراتب العليا وهو غاضب أشد الغضب كيف كانت الصناديق توضع في كنائس ألمانيا كلها لتتلقى الأموال من الذين لم تمكنهم ظروفهم من الذهاب إلى رومة ليشهدوا الاحتفال الذي أقيم فيها عام 1450 فاستطاعوا الآن أن تغفر لهم جميع ذنوبهم بالمال يلقونه في الصناديق ثم حذر الألمان قبل أن يحذرهم لوثر بنصف قرن فقال لهم إن صكوك الغفران وغيرها من الوسائل تستنزف موارهم وتنقلها إلى رومة(60) وحتى رجال الدين أنفسهم كانوا يشكون من أن صكوك الغفران كانت تقتنص الأموال إلى خزائن البابوات وكان خليقاً بهذه الأموال أن تستخدم في الأغراض الكنسية المحلية (61) ويلخص مؤرخ كاثوليكي هذا الموضوع كله بصراحة خليقة بالإعجاب فيقول:
إن النساوئ ذات الصلة بصكوك الغفران تنشأ كلها تقريباً من سبب واحد وهو أن المؤمنين بعد أن يشهدوا مراسيم التكفير وهي الشرط المقرر المعترف به لنيل المغفرة، ويطلب إليهم أن يقدموا من المال ما يتناسب مع ثرائهم وبذلك أصبح المال الذي يؤدى للأعمال الخيرية وهو الذي يجب أن يكون من الأعمال التي لا يلزم بها إنسان، أصبح هذا المال في بعض الحالات هو الشرط الأساسي لغفران الذنوب.. وكثيراً ما أصبح

المال لا العمل الصالح هو الغاية المقصودة من الغفران ولسنا ننكر أن العبارات التي صيغت فيها قرارات البابوية يخيل إلى الإنسان معها أنها لا تحيد مطلقاً عن عقائد الكنيسة وإن الاعتراف والندم والأعمال الصالحة المنصوص عليها في هذه العقائد هي الشرط الأساسي لنيل المغفرة، إلا أن الجانب المالي كان يبدو واضحاً في جميع الأحوال وكان للهبات المالية المقام الأول في هذا الأمر كله مما يسربل الكنيسة بالعار ويجعلها مضغة في الأفواه. اتخذت صكوك الغفران شيئاً فشيئاً صورة الصفقات المالية، وأدى هذا إلى كثير من النزاع بين السلطات الزمنية التي كانت تتطلب على الدوام حظها من هذه الموارد(62).
ولا يقل عن بيع صكوك الغفران دلالة على حب الكنيسة للمال قبولها أو طلبها المال أو الهبات أو الوصايا نظير تلاوة الأدعية والصلوات التي يقولون إنها تقصر المدة التي تقتضيها روح الميت في المطهر لتعاقب عن ذنوبها وكان الصالحون الأتقياء من الناس يخصصون من أموالهم جزءاً كبيراً لهذا الغرض لتنجو به روح قريب لهم أو ميت فارق الحياة الدنيا أو ليقصروا المدة هم أنفسهم في المطهر بعد موتهم أو يلغوها إلغاءً تاماً. ولهذا أخذ الفقراء يشكون من أن عجزهم عن أداء الأموال نظير الأدعية والصلوات أو لابتياع صكوك الغفران بجعل الأغنياء على الأرض لا الوادعين هم الذين يرثون ملكوت السموات، ولقد كان كوليس حصيفاً حين امتدح المال لأن "من يمتلك المال يستطيع نقل الأرواح إلى الجنة" كما قال(63).
وازدادت الشكاوى من الكنيسة فبلغت ألفاً أو تزيد فقد غضب غير رجال الدين من إعفاء الكهنوت من الخضوع لقوانين الدولة ومن معاملة المحاكم الكنيسة للمذنبين من رجال الدين باللين الذي يعرض الدولة لأشد الأخطار. وها هو ذا مجلس نورنبرج يعلن في عام 1522 أن المدعي من غير رجال الدين لا يمكن أن ينال العدالة إذا كان المدعي عليه من رجال

الكنيسة وكان التقاضي أمام محكمة كنسية وقال منذراً إنه إذا لم يخضع رجال الدين للمحاكم الزمنية فسيثور الناس على الكنيسة في ألمانيا ثورة عاصفة(64)، وجدير بنا أن نقول إن هذه الثورة كانت قد قامت بالفعل قبل ذلك الوقت. وكان من الشكاوى الأخرى ابتعاد الدين عن الأخلاق الكريمة وتوكيد العقيدة والإيمان بدلاً من توكيد المسلك الطيب، (وإن كان المصلحون من هذه الناحية أشد إثماً من الكنيسة نفسها) وجعل الدين مقصوراً على المراسم والطقوس، والتعطل العديم النفع والعقم المظنون بين الرهبان، واستغلال سذاجة الشعب بعرض المخلفات الزائفة والمعجزات الكاذبة وسوء استخدام الحرمان الديني واللعنة الدينية والرقابة التي يفرضها الكهنة على المطبوعات والتجاء محكمة التفتيش إلى أشد ضروب القسوة والتجسس على الناس وسوء استخدام الأموال التي جمعت لإعداد الحملات الصليبية على الأتراك وتوجيهها إلى أغراض أخرى، ومطالبة الكهنة المنحطين إلى هذا الدرك الأسفل بأن يكون لهم وحدهم حق القيام بجميع المراسم الدينية وتقديم القرابين ما عدا عملية التعميد.
وقد تجمعت كل هذه العوامل السالفة الذكر فكانت سبباً في ابتعاد أوربا عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في بداية القرن السادس. ويقول باستور في ذلك "إن احتقار غير رجال الدين وكراهيتهم للكهنة الفاسدين كان من أقوى العوامل في مروق الكثيرين من الدين(65)" وشكا أحد أساقفة لندن في عام 1515 من أن الناس يميلون إلى الإلحاد ميلاً بلغ من سوء العاقبة والانحطاط حداً جعلهم..ينددون بكل رجل من رجال الدين وإن لم يكن يقل طهراً وبراءة عن هابيل"(66) وها هو ذا ارازمس نفسه يقول إن لقب قس أو كاهن أو راهب أصبح يعد من أشد الإهانات(76) وفي مدينة فيينا أصبح منصب القس في العشرين سنة السابقة على الإصلاح لا يجد من يشغله مع أنه كان قبل ذلك الوقت خير ما يرغب فيه الأهلون(68).

ولهذا كله رفع الناس عقيرتهم في جميع أنحاء العالم المسيحي اللاتيني مطالبين بإصلاح "الكنيسة إصلاحاً يشمل رأسها وأعضاءها جميعاً". وكان الإيطاليون المتحمسون الثائرون أمثال البريشيائي ويواقم الفلوري، وسفنرولا الفلورنسي قد هاجموا مساوئ الكنيسة دون أن يخرجوا على المذهب الكاثوليكي ولكن اثنين منهم مع ذلك قد حرقوا وهم على قيد الحياة، غير أن الكاثوليك الصالحين ظلوا يأملون أن يتم الإصلاح على يد أبناء الكنيسة المخلصين الموالين لها وكان الكتاب الإنسانيون أمثال أرازمس، وكوليت، ومور، وبوديه يخشون ما يحدثه الهجوم العلني على الكنيسة من اضطراب أمورها واختلال نظامها، فقد كفاها ضعفاً أن ظلت الكنيسة اليونانية بعيدة عن الكنيسة الرومانية مصممة على هذا البعد كل التصميم، وكان كل تمزق في "ثوب المسيح الذي لادرز فيه يهدد كيان العالم المسيحي نفسه بالفناء وكم من مرة حاولت الكنسية مخلصة في معظم الأحوال أن تطهر صفوفها ومحاكمها وأن تسلك في شؤونها المالية مسلكاً يتفق مع الخلق الطيب ويسمو على أخلاق غير رجال الدين في تلك الأيام. ولطالما حاولت الأديرة أن تعود إلى قواعد نسكها القديم ولكن طبيعة الإنسان كانت تنقص كل ما يوضع من الدساتير وحاولت المجالس إصلاح الكنيسة ولكن البابوات عارضوها فأخفقت في أغراضها، وحاول البابوات أنفسهم أن يقوموا بذلك الإصلاح ولكن الكرادلة ورجال الإدارة البابوية هزموا أولئك البابوات ولقد شكا ليو العاشر نفسه في عام 1516 والحسرة تملأ قلبه من إخفاق هذه المحاولات ولسنا ننكر أن بعض المستنيرين من رجال الكنيسة أمثال نقولاس الكوزائي قد حققوا بعض الإصلاحات المحلية، ولكن هذه الإصلاحات نفسها كانت قصيرة الأجل. وأثار التنديد بمعايب الكنيسة والتشنيع عليها من أعدائها ومحبيها على السواء، ثائرة المدارس واضطربت له المنابر وفاضت به كتب

الأدب، وأخذ يزداد يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ويستقر في ذاكرة الناس ويستثير غضبهم حنى قضى على ما كان للكنيسة في قلوب الناس من احترام وما كان باقياً من تقاليد واكتسحت أوربا ثورة دينية عارمة كانت أوسع مدى وأعمل أثراً من جميع الانقلابات السياسية التي حدثت في أيامنا الحاضرة.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق