1124
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية -> البابوية المنتصرة
الفصل الثالث
البابوية المنتصرة
1417-1513
نظم مارتن الإدارة البابوية تنظيماً يمكنها من أداء عملها خير أداء، ولكنه لم يجد سبيلاً للحصول على حاجتها من المال إلا بإتباع أساليب الحكومات الدنيوية القائمة في ذلك العهد وببيع المناصب والخدمات. وإذا كان في وسع الكنيسة أن تبقى مائة عام من غير إصلاح، وإن كان يصعب عليها أن تبقى أسبوعاً واحداً من غير مال، فقد استقر رأيه على أنها أشد حاجة إلى المال منها إلى الإصلاح. وكانت نتيجة هذا ان بعث مندوب ألماني في روما
في عام 1430 أي قبل موت مارتن بعام واجحد، إلى أميره رسالة تكاد تضرب على نغمة الإصلاح الديني وتندر به قال:
إن الشره يسود دوائر الحكومة في روما، وهي تبتدع في كل يوم أساليب جديدة..لابتزاز المال من ألمانيا...وهذا هو منشأ ما نراه من الضجيج والأحقاد الكثيرة..ومن أجل هذا ستثار أسئلة كثيرة عن احوال البابوية، والافسينبذ الناس آخر الأمر طاعتها لكي ينجوا من هذا الابتزاز المرهق الذي يعمد إليه الإيطاليون، وأنا أرى أن هذا المسلك الأخير هو الذي سترتضيه معظم البلدان.
وخلف مارتن على كرسي البابوية راهب فرارنشسكاني صالح تقي غير أهل لتصريف الأمور فوجد أمامه المشاكل التي تجمعت حول الكرسي الرسولي. لقد كان على البابوية أن تحكم ولايات دنيوية وأن تحكم الكنيسة الدينية، وكان على البابوات أن يكونوا رجال سياسة ملمين بشؤون الدنيا ولم يكونوا قديسين فحسب. ولسنا ننكر أن يوجينوس الرابع كان يستطيع أن يكن قديساً لو أن متاعبه لم تملأ قلبه حقداً. فقد حدث في السنة الأولى من ولايته أن عاد مجلس بازل فأكد من جديد سيادة المجلس العامة على البابوات واستحوذ على ما كان من وظائف تمارسها من عهد طويل فنقلها إليه واحد بعد واحدة. من ذلك أنه أخذ يصدر صكوك الغفران ويعين من يشغلون المناصب العامة ويطلب أن ترسل بواكير المرتبات الدينية إلى المجلس لا إلى البابا. فما كان من يوجينوس إلا أن أمر المجلس بالانفضاض، فرد عليه المجلس بأن خلعه وعين أماديوس الثامن دوق سافوي بابا معارضاً باسم فلكس الخامس (1439). وهكذا تجدد الانقسام البابوي.
وأراد شارل السابع ملك فرنسا أن يتم ما خيل إليه أنه هزيمة للبابوية فدعا إلى الانعقاد جمعية مؤلفة من الأساقفة الفرنسيين والنبلاء والمحامين
أعلنت أت للمجالس العامة السلطة العليا وأصدرت قرار بورج التنظيمي (1438) الذي ينص على أن الوظائف الدينية ستشغل من ذلك الوقت بمن يختاره لها رجال الدين المحليون، على أنه يجوز للملك أن "يوصي" في ذلك بما يراه، وأن يحرم رفع الاستئناف إلى المحكمة البابوية إلا إذا استنفذت جميع الطرق القضائية في فرنسا نفسها، ولا ترسل بعدئذ بواكير مرتبات الوظائف الدينية إلى البابا. وكان معنى هذا في الواقع أن القرار التنظيمي قد أنشأ كنيسة فرنسية مستقلة وجعل ملك فرنسا رئيس هذه الكنيسة. وبعد عام من ذلك الوقت اتخذت جمعية منيز قرارات تهدف إلى إقامة كنيسة قومية في ألمانيا شبيهة بالكنيسة الفرنسية. وكانت بوهيميا قد انفصلت من قبل عن البابوية ولاح أن الكنيسة الرومانية توشك أن تنهار.
وأنقذ الأتراك يوجينيوس من هذا الموقف الحرج. ذلك أنه لما قرب العثمانيون من القسطنطينية قررت الحكومة البيزنطية أن عاصمة الدولة خليقة بقداس روماني، وأن عودة المذهبين اليوناني واللاتيني إلى الاتحاد ضرورة لا بد منها للحصول على المعونة العسكرية أو المالية من أوربا الغربية. ولهذا جاء الأساقفة والنبلاء اليونان في مواكب فخمة إلى فيرارا ثم انتقلوا إلى فلورنس ليلتقوا برجال الكنيسة الرومانية الذين استدعاهم البابا لهذا الغرض (1438). وقضى الطرفان في الأخذ والرد عاماً كاملاً وصلا بعده إلى اتفاق اعترفت فيه بسلطة الرئيس الديني في روما على جميع العالم المسيحي، ولما حل اليوم السادس من شهر يوليو عام 1439 ركع جميع أعضاء المؤتمر وعلى رأسهم إمبراطور الروم نفسه أمام يوجينيوس الذي خيل إلى العالم منذ وقت قريب أته الرجل الذي نبذته المسيحية واحتقرته أشد احتقار، على أن هذا الاتفاق لم يطل عهده لأن رجال الدين اليونان وغير رجال الدين في تلك البلاد نكثوا عهدهم، لكنه مع هذا أعاد للبابوية مكانتها وساعد على القضاء على الانقسام البابوي الجديد وعلى مجلس بازل.
وتلا ذلك قيام طائفة من البابوات الأقوياء خاف بعضهم بعض أغنتهم ورفعت من مقامهم النهظة الإيطالية، فرفعوا البابوية إلى درجة من الفخامة لم تشهد مثلها من قبل حتى في أيام أنوسنت الثالث ذلك البابا الفخور. ونال نقلاس الخامس إعجاب الكتاب اللإنسانيين بأن وجه إيراد الكنيسة إلى مناصرة العلم والفن، وبدأ كلكستس الثالث تلك العادة الظريفة عادة منح الوظائف الدينية للأقارب، وهي التي كانت مصدراً خصباً للفساد في الكنسية. وكافح بيوس الثاني، الذي كان مؤلفاً نابهاً وبابا عظيماً، لإصلاح الإدارة البابوية والأديرة، وألف لجنة من كبار رجال الدين المشهود لهم بالاستقامة والتقوى لدراسة معيب الكنيسة واعترف لهذه اللجنة في صراحة بأن:
أمرين هما أقرب الأمور إلى قلبهِ، حرب الترك وإصلاح البلاط الروماني، وأن إصلاح الأمور الكنسية كلها، وهو ما اعتزم المضي فيه، ليتوقف كله على إصلاح أحوال البلاط البابوي الذي أريد أن يكون مثلاً يحتذى به. وفي عزمي أن ابدأ بإصلاح أخلاق رجال الدين في هذا البلد وأن أقضي على كل ما فيهِ من بيع الوظائف الدينية وغير ذلك من المساوئ(1).
وأصدرت اللجنة توصيات تحمد عليها وصاغ بيوس هذه التوصيات في مرسوم بابوي. لكن روما لم يكن فيها إلا القليل ممن يريدون الإصلاح لأن نصف من كان فيها من الموظفين والكبراء كان يستفيد من هذا العيب أو ذاك، ولهذا أحبط الحقد وأحبطت المقاومة السلبية أعمال بيوس بينما كانت الحرب الصليبية العقيمة التي شنها على الأتراك ثمة تشغل باله وتستنفذ قواه وماله. وقد وجه قبيل آخر ولايته نداء أخيراً إلى الكرادلة قال فيه:
يقول الناس أننا نسعى في حياتنا وراء اللذة ونكدس الثروة، ونتصف بالكبرياء والغطرسة، ونمتطي صهوة البغال الثمينة والجياد المطهمة..، ونربي الكلاب للصيد، وننفق المال الكثير على الكلاب والطفيليين، ولا ننفق
شيئاً منه للدفاع عن الدين. وإن فيما يقولون لبعض الحق، ذلك أن كثيرين من الكرادلة وغيرهم من الموظفين في بلاطنا يعيشون هذه العيشة أو نحوها. وإذا أردتم الحق فإن ما في بلاطنا من ترف وتباه ليزيد على الحد الواجب. ومن أجل هذا ترى الناس يبغضوننا ويحقدون علينا فيمنعهم ذلك من الاستماع إلينا وإن قلنا ما هو عدل يرتضيه العقل. فماذا ترون أن نفعل في هذه الأمور التي تجللنا بالعار؟.. إن علينا أن نبحث عن الوسائل التي اتبعها أسلافنا فنالوا للكنيسة السلطة-والاحترام وعلينا بعدئذ أن نحتفظ بهذه السلطة بتلك الوسائل نفسها. وما من شك في أن الذي رفع من شأن الكنيسة الرومانية وجعل لها السيادة على العالم أجمع إنما هو الاعتداد، والعفة، والطهارة، والغيرة على الدين.. واحتقار الدنيا، والرغبة في الاستشهاد(15).
وأخذت رذائل البلاط البابوي تزداد كلما قرب القرن الخامس عشر من نهايتهِ على الرغم من الجهود التي بذلها بابوات من أمثال نقولاس الخامس وبيوس الثاني وما بذله الصالحون من رجال الدين أمثال الكردنالين جوليانوسيزاريتي ونقلاس الكوزائي(16) فكان بولس الثاني يلبس تاجاً بابوياً تزيد قيمته على قيمة قصر عظيم، وجعل سكتس الرابع ابن أخيه من أصحاب الملايين، وأقحم نفسه في ميدان السياسة، وبارك المدفع الذي يحارب به وقائعه، وحصل على المال اللازم لحروبه ببيع المناصب الدينية إلى من يؤدي فيها أكبر الأثمان، واحتفل أنوسنت الثامن بزواج أبنائه في قصر الفاتيكان. وكان أسكندر السادس يرى أن بقاء رجال الدين بلا زواج خطأ يجب الإقلاع عنه كما كان يراه لوثر وكلفن، وكان له خمسة أبناء أو أكثر قبل أن يلتزم العفة وهو بابا، ولم يرَ رجال عصره فيما كان يتصف به من مرح وعدم استعفاف ما يؤخذ عليه كما قد يظن الناس، ذلك بأن الناس لم يكونوا يرون فيما يلجأ إليه رجال الدين سراً من علاقات غرامية أمراً غير مألوف، وكان كل ما تلأخذه أوربا على إسكندر السادس هو سياسته الخارجية التي
لا يرعى فيها إلاً ولا ذمة وما تأخذه على سيزاري بورجيا هو قسوته في حروبه وأنه استرد للبابوية ولايتها وزاد الكرسي الرسولي قوة وأمده بالكثير من المال الذي يحتاجه. وقد اتبع آل بورجيا في هذه الخطط السياسية والمعارك الحربية جميع الخطط الحربية وأساليب الغدر وسفك الدماء التي صاغها ميكافيلي بعد قليل من ذلك الوقت في كتاب الأمير (1513) وقال أنها لا غنى عنها لتأسيس دولة قوية أو لتوحيد إيطاليا. وفاق البابا يوليوس الثاني سيزاري بورجيا فيما شنه من الحروب على البندقية النهمة الجشعة وعلى الفرنسيين الغزاة، وكان يفر كلما استطاع من سجن الفاتيكان، ويقود جيشه بنفسهِ ويحب الحياة الصعبة والحديث الخشن في المعسكرات الحربية. وهال أوربا أن ترى البابوية لا تكتفي بأن تصبح سلطة زمنية فحسب، بل أن تصبح فوق ذلك قوة عسكرية، غير أنها مع ذلك لم يسعها إلا أن تعجب بعض الإعجاب بقوة ذلك المحارب الذي أخطأت المقادير فجعلته بابا، وترامت الأنباء وراء جبال الألب عما كان يقدمه يوليوس من معونة للفن ومناصرة للممتازين من الفنانين أمثال رفائيل وميكل انجلو وكان يوليوس هو اليذ بدأ بناء كنيسة القديس بطرس الجديدة، وأول من منح صكوك الغفران للذين أسهموا في نفقات بنائها. وفي أيام ولايته قدم لوثر إلى رومة وأبصر بعينهِ المظالم. ذلك الاسم الذي أطلقه لورنزو ده ميدتيشي على عاصمة العالم المسيحي. لم يعد في أوربا حاكم يرى أن البابوية حكومة أخلاقية فوق الحكومات كلها تؤلف من الأمم كلها دولة مسيحية واحدة، وذلك لأن البابوية بعد أن صارت دولة دنيوية قد اصطبغت بالصبغة القومية. وتقطعت أوصال أوربا، كما تتطلب ذلك العقيدة الجديدة إلى أقسام صغيرة قومية لا تعترف بقانون أخلاقي منزل أو دولي وتردت في الحروب بين مختلف أقسام المسيحية ودامت خمسة قرون.
وإذا أردنا أن نصدر حكماً عادلاً على بابوات النهضة هؤلاء فإن علينا
أن ننظر إليهم في ضوء الظروف المحيطة بهم في أيامهم، لقد كان في وسع شمالي أوربا أن تحس بأخطائهم لأنها كانت تمدهم بالمال ولكن الذين عرفوا ما كانت تفيض به إيطاليا بين عهدي نقولاس الخامس (1447- 1455)- ولو العاشر (1513) (1521) هم وحدهم الذين كانوا ينظرون إليها بعين التسامح ذلك أن أكثرهم قد ارتضوا عقيدة النهضة القائلة إن العالم وإن كان مسرحاً للدموع والمغويات الشيطانية يمكن أن يكون أيضاً منظراً ذا جمال وحياة قوية عارمة وسعادة سريعة الزوال عابرة وإن كان بعضهم صالحين أتقياء. ولم يكونوا يرون عيباً في أن يستمتعوا بنعيم الحياة والبابوية مجتمعين.
ولم تكن تنقصهم الفضائل. فقد بذلوا جهدهم كي يخلصوا رومة من القبح والأقذار التي تردت إليها أثناء غياب البابوات في أفينون. لقد جففوا المستنقعات (لا بأيديهم هم بل بأيدي غيرهم وهم مستريحون) ورصفوا الشوارع، وأعادوا بناء الجسور ومهدوا الطرق، وأصلحوا موارد مياه الشرب وأشأوا مكتبة الفاتيكان ومتحف الكابينول، ووسعوا المستشفيات، ووزعوا الصدقات وبنوا الكنائس أو رمموها، وجملوا المدينة بالقصور والحدائق، وأعادوا تنظيم جامعة رومة، وأعانوا الكتاب الإنسانيين على إحياء الآداب والفلسفة والفنون الوثنية القديمة وهيأوا الأعمال للمصورين والمثالين والمهندسين المعماريين الذين خلفوا ورائهم من الأعمال ما هم تراث خالد ثمين لجميع بني الإنسان. وإذا كانوا قد بددوا الملايين، فإنهم قد أنفقوا ملايين مثلها في أعمال البناء والتعمير. ولسنا ننكر أنهم انفقوا في بناء كنيسة القديس بطرس الجديدة أكثر مما كانت تطيقه موارد البلاد ولكن ما أنفقوه عليها ليس أكثر نسبياً مما أنفقه ملوك فرنسا فيما بعد على قصور فونتيه بلو وفرساي واللوار، ولعلهم كانوا يظنون وقتئذ أنهم لا يفعلون
أكثر من تحويل فئات الأموال السريعة الزوال إلى مجد خالد للشعوب ولربهم. وكان معظم أولئك البابوات في حياتهم الخاصة يعيشون عيشة البساطة ومنهم مثل (الإسكندر السادس) من كان يعيش زاهداً متقشفاً ولا يظهر بمظهر الترف والفخامة إلا لأن ذلك يتطلبه ذوق الشعب وعاداته وبذلك رفعوا البابوية إلى ذروة الجلالة والسلطان بعد أن أضحت معدمة معرضة للسخرية والازدراء.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق