إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1122 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية -> فضل المسيحية الكتاب الأول من ويكلف إلى لوثر 1300- 1517 الباب الأول الكنيسة الكاثوليكية الرومانية 1300-1517 الفصل الأوَّل فضل المسيحية




1122


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية -> فضل المسيحية

الكتاب الأول


من ويكلف إلى لوثر


1300- 1517


الباب الأول


الكنيسة الكاثوليكية الرومانية


1300-1517


الفصل الأوَّل


فضل المسيحية


الدين آخر ما تبدأ الأذهان بفهمه. ولربما كنا في أيام شبابنا قد برمنا في تعالٍ وكبرياء بما فيه من أمور محببة وإن لم تقبلها العقول، وفي السنين التي نكون فيها أقل ثقة بما نتلقاه من تعاليمها يأخذنا العجب من بقاء هذا الدين مزهراً في عصر ينصرف الناس فيه إلى العلم وإلى شؤون الدنيا ويدهشنا بعثه من جديد بعد أن تلقى الضربات القاتلة على أيدي أبيقور أو لوكر بشيوس أو لوشيان أو ماكيافلي أو هيوم أو فولتير. ترى ما هو السر الذي من وراء هذه المرونة التي تبعث فيه الحياة من آن إلى آن؟
إن أعقل الناس ليتطلب أن تمتد حياته مائة مرة لكي يستطيع الإجابة عن هذا السؤال إجابة شافية. ولربما كان أول ما يفعل هو أن يدرك بأن ثمة ظواهر لا يحصيها عداً حتى في الأيام التي يبلغ فيها العلم ذروة مجده يخيل إليه أنها تعز على الفهم ولا يستطيع تعليلها بالعلل الطبيعية أو يقدسها أو يعرف نتائجها المحتومة. فأسرار العقل مثلاً لا تزال تخفى على قوانين علم النفس وفي علم الطبيعة نجد أن نظام الكون المدهش لعجيب الذي يجعل العلم ميسراً مستطاعاً قد يعمل هو نفسه على توكيد الإيمان الديني القائل بوجود عقل كوني مدبر لهذا العالم. وإن معارفنا لأشبه بسراب بقيعة كلما اقتربنا منه زاد

بعداً عنا. وقل من الناس من إذا سُئل عن أمر قال لا أدري، فإذا واجهته ظاهرة له لا يعرف من قبل حقيقة أمرها عزاها إلى أسباب طبيعية أو خارقة للطبيعة وتصرف بما يتفق مع تعليله هذا أو ذاك، ولست تجد إلا قلة ضئيلة من العقول تستطيع أن تتريث في حكمها إذا وقفت أمام الشواهد المتناقضة، أما الكثرة الغالبة من بني الإنسان فتحس بأن لا بد لها أن تعزو ما ترى من الموجودات أو الحادثات إلى كائنات علوية لا تتقيد بالقوانين الطبيعية، ولقد كانت الأديان (الأولى) هي عبادة خوارق الطبيعة من الكائنات-باسترضائها، والتوسل إليها، أو تمجيدها. وما أكثر من يضجرون من الحياة ويألمون منها، فيطلبون العون من الكائنات الخارقة للطبيعة إذا لم يجدوا هذا العون في القوى الطبيعية، فتراهم يعتنقون وهم شاكرون مغتبطون أدياناً تبعث في حياتهم الكرامة والأمل، وتضفي على العالم نظاماً ومعنى لا وجود لهما بغير هذه الأديان، وإن من الصعب على نفوسهم أن تغض الطرف صابرة عما في الطبيعة من قسوة ووحشية تصيب الناس خبط عشواء، وما يحدث في تاريخ العالم من منازعات ومن إراقة للدماء، وما يصيبهم هم أنفسهم من محن وبلايا وحرمان إذا لم يؤمنوا بأن هذه كلها جزء من خطة إلهية مرسومة يعز عليهم فهمها وإدراك سرها. إن العالم إذا لم يكن له سبب أو مصير يعرف حقاً أشبه بسجن للعقول، فنحن نتوق إلى الاعتقاد بأن للمسرحية الكبرى منشئاً عادلاً وغاية سامية.
هذا إلى أننا نحرص على البقاء، ويصعب علينا أن نعتقد أن الطبيعة قد كدت وأجهدت نفسها حتى أوجدت الإنسان، والعقل، والحب والإخلاص لا لشيء إلا لتلقي بها ظهرياً متى نضجت وكما نماؤها. والعلم يهب الإنسان في كل يوم مزيداً من القدرة، ولكنه ينقص من شأنه على مر الأيام، فهو يرقى بآلاته وأدواته ولكنه لا يعنى بأهدافه وأغراضه، ولا يكشف له عن الأصول والقيم والأهداف النهائية، ولا يضفي على الحياة

والتاريخ معنى أو قيمة لا يقضي عليها الموت أو الزمن المهلك المبيد لكل شيء. ومن أجل هذا أجل هذا يؤثر الناس العقيدة غير القائمة على العقل والبحث الصحيح على الإحجام والتوكل العقلي، ذلك أنهم يملون التفكير المحير، والحكم غير القاطع، فيرحبون بقيادة دين ذي سلطان على نفوسهم، وبأن يتطهروا من الخطايا بالاعتراف بذنوبهم، وبالإيمان بدين ثابت قديم. وهم حين يستحون من الإخفاق، ويثكلون من يحبون، وتظلم نفوسهم لما اقترفوا من ذنوب، ويرهبون الموت يحسون بأنهم إذا لقوا العون من الله تطهروا من الذنب والجريمة، وفارقهم الرعب، واطمأنوا وامتلأت قلوبهم بالأمل، وسموا إلى أسمى المنازل وكان مآلهم الخلود.
والدين في أثناء هذا يهب المجتمع والدولة هبات مستورة تسري في جميع أجزائهما، فطقوسه يهدئ النفس وتوثق الرابطة بين الأجيال، فالكنيسة الابرشية تصبح بمثابة بيت عام تؤلف من الأفراد جماعة، وترفع الكتدرائية ر أسها تعلن في فخر وازدهاء أنها من عمل البلدة موحدة، وتزدان الحياة بالفنون المقدسة وتصب الموسيقى الدينية نغماتها المهدئة في نفس الفرد والجماعة. ويعرض الدين رضاءه وتأييده السماوي للقانون الأخلاقي الذي تنفر منه فطرتنا ولكنه مع ذلك لا غنى عنه للحضارة. ويعرض على عقول البشر ربا سمعياً وبصرياً ويهددهم بالعقاب السرمدي ويعدهم بالنعيم الدائم ويصدر إليهم أوامر ليست من سلطة بشرية مزعزعة بل صادرة عن قوة إلهية لا سبيل إلى عصيانها وإذا كانت غرائزنا قد تكونت خلال ألف قرن من الزمان وكان الأمن فيها مزعزعاً مضطرباً يطارد فيها الإنسان الحيوان ويطارده، فإنها قد جعلتنا صائدين أشداء وديننا العنف وطبيعتنا تعدد الأزواج بدل أن تجعلنا مواطنين مسالمين. وإذا كان ذلك العنف القديم الذي استلزمته حياتنا الأولى يزيد على ما تحتاجه حياتنا الاجتماعية فإن غرائزنا يجب أن تُفرض عليها مئات من القيود كل يوم على علم منا أو غير علم

حتى يمكن قيام المجتمع والحضارة. ولهذا استعانت الأسر والدول قبل التاريخ بأجيال طوال بقوة الدين لكي تخفف من غرائز الإنسان الهمجية ووجد الآباء في الدين عوناً لهم على كبح جماح أبنائهم المعاندين وإبعادهم عن الشطط وتعويدهم ضبط النفس، واستعان المربون بالدين فكان لهم وسيلة ذات أثر عظيم في تهذيب الشباب وتعويده النظام والرقة واتخذته الحكومات من أقدم الأزمنة عوناً لها على إقامة صرح النظام الاجتماعي وتخليصه من الأنانية المقطعة لأوصال المجتمع مما طبع عليه الناس من فوضى. ولو أن الدين لم يوجد لابتدعه كبار المشترعين أمثال حمورابي وموسى وليقورج ونزما بمبليوس. لكنهم لم يكونوا في حاجة إلى ابتداعه لأنه ينشأ من تلقاء نفسه ويتجدد للوفاء بحاجات الناس وآمالهم.
وقد ظل الدين المسيحي خلال ألف عام من عهد قسطنطين إلى عهد دانتي يهب الأفراد والدول ما ينطوي عليه من مزايا ويقدمها لهم هبة خالصة، وكان هو نفسه في هذه الأعوام ينمو ويتكون، فجعل من صورة المسيح الفضائل مجسمة يغري بها الهمجية على اصطناع الحضارة وأوجد عقيدة جعلت حياة كل إنسان جزءاً من مسرحية عالمية سامية وأن تكون متواضعة، وأنشأت علاقة قوية ذات خطة بين الإنسان وبين الإله خالقه الذي تحدث إليه في كتبه المنزلية ووضع فيها قانوناً أخلاقياً وجعل الكنيسة مستقراً لتعاليمه وممثلة لسلطانه على هذه الأرض. وأخذت هذه المسرحية الفخمة تنموا عاماً بعد عام، وأخذ القديسون والشهداء يضحون بحياتهم في سبيل عقيدتهم ويضربون بذلك الأمثال لمن يأتي بعدهم من المؤمنين ويورثونهم فضائلهم، وأنشأ الفانون مئات الصور ومئات الآلاف من التحف الفنية يفسرون بها هذه المسرحية ويظهرونها بوضوح لعقول الناس حتى الساذجة منها غير المتعلمة فأضحت مريم العذراء أم المسيح "أينع زهرة في الشعر كله". وكانت هي نموذج الرقة النسوية التي تنسج النساء على منوالها وحنان

الأمومة توجه إليها أرق الترانيم وأعظمها خشوعاً وإخلاصاً، وهي التي أوحت بالصروح الفخمة والتماثيل الرائعة والصور الجميلة والشعر العذب والموسيقى الحلوة وهي التي بعثت المراكب ذات الروعة التي تقوم كل يوم حول ملايين من مذابح الكنائس ومن أجلها يقوم القداس بطقوسه الغامضة الرهيبة التي تسموا بالنفس وترفعها إلى السموات العلى. والاعتراف والتوبة يطهران نفس المذنب التائب الخاشع والصلاة تطمئنه وتقويه والعشاء الرباني تقربه من المسيح قرباناً يبعث في نفسه الرهبة والقداس الأخير يطهره ويعده لدخول الجنة وقلما أخرج دين في رسالته للإنسانية مثل هذه الروعة الفنية.
ولقد كانت الكنيسة من أجمل صورها حين حلت بعقائدها المواسية وطقوسها الساحرة ومبادئ أتباعها الخلقية النبيلة وشجاعة اساقفتها وغيرتهم واستقامتهم، وعدالة محاكم اسقفياتها وطهارتها، حين حلت بهذه كلها في المكان الذي تخلت عنه، حكومة الإمبراطورية فكانت هي الحارس الأكبر للعالم المسيحي للنظام والسلم في العصور المظلمة (حوالي 524-1079م). وأوربا مدينة ببعث الحضارة في الغرب بعد أن أغار البرابرة على إيطاليا وغالة وبريطانيا وأسبانيا إلى الكنيسة أكثر مما هي مدينة بها إلى أية هيئة أخرى مهما كان من شأنها. فقد كان رهبانها هم الذين أصلحوا الأرض البور وكانت الأديرة هي التي تقدم الطعام للفقراء والتعليم للصبيان والمأوى للمسافرين، وكانت مستشفياتها هي التي تعنى بالمرضى والمعوزين. وكانت أديرة النساء هي التي تلجأ إليها الأرامل ومن لا أزواج لهن فتوجه فيهن عواطف الأمومة إلى أغراض اجتماعية سامية ولقد ظلت الراهبات عدة قرون يتعهدن وحدهن بتربية البنات. وإذا كانت الثقافة القديمة لم يطغ عليها ويمح معالمها تيار الجهل والأمية، فما ذلك إلا لأن الرهبان قد نسخوا آلاف المخطوطات واحتفظوا بها وحافظوا على حياة اللغتين

اليونانية واللاتينية اللتين كتبت بهما وإن كانوا قد تركوا كثيراً من المخطوطات الوثنية تبيد على مر الزمان فقد كانت دور الكتب الكنسية في سانت جول، وفولدا ومونتي كسينو وغيرها هي التي وجد فيها الكتاب الإنسانيون في عصر النهضة الآثار القديمة الثمينة للحضارة الرائعة التي لم تسمع قط باسم المسيح. ولقد ظلت الكنيسة ألف عام من أيام امبروز إلى ولزي تدرب في غرب أوربا المعلمين والعلماء والقضاة ورجال السياسة ووزراء الدولة، وكانت الكنيسة في العصور الوسطى هي عماد الدولة وسندها. ولما انقضى عهد العصور المظلمة-ولنفترض أن ذلك كان عند مولد ابلار-كانت الكنيسة هي التي أنشأت الجامعات وشيدت الكتدرائيات القوطية فأوجدت بذلك بيوتاً لعقول الناس وتواهم، وبفضل حمايتها ورعايتها جدد الفلاسفة المدرسون ما حاولوه قديماً من تفسير غوامض الحياة البشرية ومآل العقل الإنساني. ولقد ظل الفن الأوربي كله تقريباً طوال تسعة قرون يتلقى الإلهام والمال من الكنيسة، وحتى عندما تلون الفن باللون الوثني ظل بأبواب النهضة يناصرونه ويولونه الرعاية فكانت الموسيقى في أسمى صورها ابنة الكنيسة.
وأكثر من هذا كله أن الكنيسة في عنفوان مجدها هي التي أمدت دول أوربا بالقانون الأخلاقي العام الذي كان متبعاً فيها كلها كما أمدتها بنظام حكمها. وكما أن اللغة اللاتينية التي تعلمها الكنيسة في الكنائس كانت هي الأداة التي وجدت أساليب التعليم والأدب والعلم والفلسفة في الأمم المختلفة، وكما أن طقوس المذهب الكاثوليكي-أي العالمي-وعقيدته هي التي وهبت أوربا الوحدة الدينية قبل أن تنقسم إلى قوميات مستقلة ذات سيادة، فإن الكنيسة الرومانية التي تعزو نشأتها وزعامتها الروحية إلى الله سبحانه وتعالى قد طلبت أن تكون هي محكمة دولية تحاسب جميع الحكام والدول من الناحية الأخلاقية. وقد صاغ البابا جريجوري السابع مبدأ الجمهورية المسيحية الأوربية هذا الصياغة القانونية واعترف به الإمبراطور هنري الرابع حين

خضع لجريجوري في كانوسا (سنة 1077)، وبعد قرن من ذلك الوقت أذل إمبراطور أعظم منه قوة هو فردريك بربروسيا نفسه أمام بابا أضعف من جريجوري هو إسكندر الثالث بعد عناد طويل ومقاومة لم تجده نفعاً، وفي عام 1098 رفع البابا إنوسنت الثالث سلطان البابوية ومقامها إلى درجة بدا معها أن المثل الأعلى الذي كان يطمح فيه جريجوري وهو أن تكون الكنيسة صاحبة السلطان الأعلى على الدول من الناحية الخلقية-بدا أن هذا المثل قد تحقق إلى حين.
لكن هذا الحلم اللذيذ قد تحطم على صخرة الطبيعة البشرية. ذلك أن المشرفين على السلطة القضائية البابوية قد أثبتوا أنهم من طينة البشر وأنهم متحيزون جشعون بل نهمون يبتزون الأموال، وأن الملوك والشعوب كانوا أيضاً بشراً مثلهم يرفضون الخضوع لسلطة أمتهم. وبعثت الثورة فرنسا المضطردة النماء في قلوب بنيها الكبرياء والحرص على السيادة القومية، فقام فليب الرابع يتحدى سلطان البابا بوني فاس الثامن على أملاك الكنيسة وكلل هذا التحدي بالنجاح، وزج مندوبو الملك بالبابا الكبير السن في السجن في اتبان حيث قضى ثلاثة أيام لم يلبث بعدها أن وافته المنية (1303). وهنا وفي تلك الساعة بدأ الإصلاح الديني من إحدى نواحيه الأساسية-وهي خروج الحكام المدنيين على سلطان البابوات.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق