إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1113 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الخاتمة -> انحطاط عصر النهضة -> الأدب الفصل الثالث الأدب




1113


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الخاتمة -> انحطاط عصر النهضة -> الأدب

الفصل الثالث


الأدب


انتهى في ذلك الوقت عهد العلم ودراسته في إيطاليا: وأمسكت فرنسا بشعلة العلوم حين هاجر يوليوس قيصر اسكالجير من فيرونا إلى أجن Agen في عام 1526. وخليق بنا ألا ننسى أثر الحرب في تجارة الكتب، وفي وسعنا أن نتبين هذا الأثر من الإحصاء التالي: نشرت فلورنس في العقد الأخير من القرن الخامس عشر 179 كتابا، ونشرت ميلان 228، ونشرت روما 460، والبندقية 1491. أما في العقد الأول من القرن السادس عشر فقد نشرت فلورنس 47 كتابا، وميلان 99، وروما 41، والبندقية 536(26). وقضى في ذلك العهد على المجامع العلمية التي انشئت للدراسات القديمة- المجمع الأفلاطوني في فلورنس، والمجمع الروماني الذي أنشأه بمبيونيوس ليتوس، والمجمع الجديد في البندقية، ومجمع نابلي الذي أنشأه بنتانوس Pontanus. وأضحت دراسة الفلسفة الوثنية مغضوباً عليها إذا استثنينا دراسة فلسفة أرسطو بعد أن استحالت فلسفة كلامية (مدرسية)؛ وحلت اللغة الإيطالية محل اللاتينية بوصفها لغة الأدب. ونشأت في ذلك الوقت مجامع علمية جديدة، وأكثر ما تخصصت فيه النقد الأدبي واللغوي، وكانت مراكز لتبادل المستعمين إلى شعراء المدينة. ففي فلورنس وجد مجمع دلا كرسكا Della Crusca (1572) وأوميدي Umidi، وفي البندقية أنشئ مجمع بيليجريني Pellegrini، وفي بدوا وجد مجمع أيريتي Eretei، واتخذ كل مجمع لنفسه اسما أكثر من هذه سخفا. وكانت هذه المجامع تشجع الفراهة وتخنق العبقرية، فقد كان الشعراء يبذلون غاية جهدهم لإطاعة القواعد التي يضعها الذين يهتمون بانتقاء الألفاظ، ولهذا فر الإلهام إلى ملاجئ أرحب

وأكثر حرية. ولم يكن ميكل أنجيلو من المنتمين إلى أي مجمع أدبي، ومع أنه كان يفعل ما يفعله غيره فيطلق لخياله العنان في الإتيان بالرث البالي من الأفكار، وحشر لهيب حماسته في قوالب من الأدب فاترة شبيهة بقوالب بترارك الأدبية، فإن أغنياته الفجة الخشنة في شكلها القوية في شعورها وتفكيرها هي خير ما كتب من الأدب الإيطالي في ذلك العهد. وفر لويجي ألاماني Luigi Alamani من فلورنس إلى فرنسا، وأنشأ قصيدة في الزراعة- La Coltivazione - لا تنقص كثيراً عن قصائد فرجيل المعروفة بالزواعيات Georgics في جمعها بين الحرث والشعر. وكرّر برناردو تسّو في ذكره لمآسي حياته ما حل من محن بولده الشهيد توركواتو Torquato، وإن أغانيه الشعرية لمن أكثر الأغاني تكلفاً في ذلك العصر. وقد كتب ملحمة تدعى أماديجي Amadigi روى فيها بالشعر الثقيل الممل قصة الفروسية المسماة أماديس الغالي Amadis de Gaul. لكن الجمهور الإيطالي لم يجد فيها ما يجده في ملحمة أريستو من فكاهة عالية منعشة للنفس فتركها تموت موتاً هادئاً.
أما القصة القصيرة Novella فقد بقيت واسعة الانتشار محببة للشعب منذ وهبتها قصص ديكمرون صورتها التي كانت لها عند اليونان والرومان الأقدمين. وكانت تكتب في لغة سهلة، وتصف عادة أحداثاً مسرحية أو مناظر داخلية في الحياة الإيطالية. وكانت جميع طبقات الشعب ترحب بهذه القصص، وكثيراً ما كانت تقرأ بصوت عال للمستمعين المتلهفين على سماعها، وكان أكثرهم لهفة على الاستماع لها هم العامة الجهال، ولهذا كان المستمعون لها هم جميع الإيطاليين. ولا يسعنا في هذه الايام إلا أن نعجب من تسامح النساء في عصر النهضة اللائى كن يستمعن إلى هذه القصص

دون أن تعروهن بما نعرف حمرة الخجل. فقد كان الحب، وإغواء النساء، والاغتصاب، والمغامرات، والفكاهة، والعاطفة، ووصف المناظر الطبيعية- كانت هذه هي مادة القصص، وكانت كل طبقة من طبقات المجتمع تمدها بالشخصيات وأنماط الحياة.
وكادت كل مدينة تحتوي على كاتب ماهر في الصورة التي يختارها لقصصه. ففي سالرنو نشر توماسو ده جوارداتي Tomass de Guardati المعروف باسم ماسوتشيو Masuccio في عام 1476 خمسين قصة من هذا النوع سماهاNovellno ، يشيد فيها بكرم الأمراء، وتبذل النساء، ورذائل الرهبان، ونفاق جميع بني الإنسان. وهي أقل صقلا من قصص بوكاتشيو القصيرة، ولكنها كثيراً ما تفوقها إخلاصاً، وقوة، وفصاحة. وفي سينا اتخذت القصة القصيرة صيغة شهوانية، فامتلأت صفحاتها بقصص وثنية عن الحب المبتذل. وانجبت فلورنس أربعة من كتاب القصص الذائعي الصيت Novellieri، هم فرانكو ساكتي Franco Sacchetti صديق بوكاتشيو ومقلده، الذي فاقه بأن تكتب ثلاثمائة قصة قصيرة، كان انحطاطها وبذاءتها سبباً في أن يقرأها كل إنسان تقريباً. وخصص أنجولو فيرندسولو Angolo Firenzulo كثيراً من قصصه للتنديد بآثام رجال الدين، فوصف فيها ما يحدث في أحد الأديرة ذات السمعة السيئة؛ وفضح الأساليب التي يلجأ إليها من يتلقون الاعتراف فيغرون الصالحات من النساء بان يوصين بمالهن إلى الأديرة، وانخرط هو بعدئذ في سلك الرهبان من طائفة فلمبروز Vallombrosan. وبرع أنطون فرانتشيسكو جراتسيني Anton Francesco Grazzini، المعروف في إيطاليا باسم ال لاسكا Il Lasca أي الروش Roach، في كتابة القصص الفكاهية، ويشبه في هذا الماجن بيلوكا Pilucca ولكنه يستطيع أيضاً أن يضيف إلى فكاهاته الأمور

الجنسية وسفك الدماء. فقد روى مثلا قصة زوج فاجأ زوجته وهي تزني مع ولده، فقطع أيديهما وأقدامهما، وسمل أعينهما، وقطع لسانيهما وترك الدم ينزف منهما حتى ماتا على فراش الحب. وطرد أنطون فرانتشيسكو دوني Anton Francesco Doni وهو راهب وقس سرفيني من دير البشارة (1540) متهماً، فيما يبدو باللواط؛ وانضم في بياتشندسا إلى ناد من الفجار عبدة الشهوات، ثم قدم إلى البندقية وكان فيها عدو أريتينو الألد، وكتب في الطعن عليه كتيبا سمى بذلك الاسم المنذر بسوء عقباه، وهو "زلزال دوني الفورنسي، وتدمير الصنم الكبير عدو المسيح الوحشي في عصرنا"؛ وكان في هذه الأثناء يكتب قصصاً تشتهر بفكاهتها اللاذعة وأسلوبها القوي.
وكان أحسن كتاب القصص في ذلك الوقت هو ماتيو بانديلو Matteoo Bandello الذي طاف في حياته بنصف قارة وعاش نصف قرن (1480-1562). وكان مولده بالقرب من تورتونا Totona. ولهذا لم يلبث أن انضم إلى طائفة الرهبان الدمنيك الذين كان عمه زعيمهم. ونشأ في دير سانتا ماريا دلى جراسي بميلان، ويبدو أنه كان في ذلك الدير حين رسم ليوناردو صورة العشاء الأخير في مطعمه، وحين دفنت بيتريس دست في الكنيسة المجاورة له. وقضى في مانتوا ست سنين من حياته مربيا لأبناء الأسرة المالكة، وغازل فيها لكريدسيا جندساجا، وأبصر إزبلا وهي تقاوم بكل ما كان لديها من فنون أثر الشيخوخة. ولما عاد إلى ميلان عاون الفرنسيين معاونة جدية ضد القوات الألمانية- الأسبانية في إيطاليا؛ ولما حلت الكارثة بالفرنسيين في بافيا حرق بيته، ودمرت مكتبته تدميرا لا يكاد يبقى لها أثراً، وكان من بين ما فيها معجم لاتيني أوشك أن يتمه، وفر وقتئذ إلى فرنسا، والتحق بخدمة سيزاري فريجوسو Cesare Fregoso، زعيم طائفة الرهبان الدمنيك، وأخلص له، وعين أسقف آجن (1450)،

وقد جمع في ساعات فراغه 214 قصة كتبها في حياته السابقة، وصقلها الصقل الأدبي الأخير وغشى ما فيها من فحش قليل بالمغفرة التي نالها من الأساقفة، ثم طبعها في لوكا في ثلاثة مجلدات (1554)، اتبعها بمجلد رابع في ليون (1573).
وتدور حبكة القصص عند بانديلو في الأعم الأغلب، كما تدور عند غيره من كتاب القصة على الحب أو العنف، أو على أخلاق طوائف الإخوان والرهبان، والقسيسين. ففيها فتاة حلوة تثأر لنفسها من محب خائن فتمزقه إرباً بكماشات؛ وزوج يرغم زوجته الزانية على أن تخنق عاشقها بيديها؛ وفيها دير ترك للدعارة يوصف بفكاهة حلوة لا يمجها الذوق. واستمدت من قصص بانديلو مادة للمسرحيات المثيرة، من ذلك أن وبستر Webster استمد من واحدة منها حبكة مسرحية دوقة مالفي. ويروي بانديلو بشعور فياض وحذق عظيم قصة روميو منتيشيو Romeo Montecchio، وجيوليتا كابيليتي Giulietta Capeletti، وينقل في وضوح قوة حبهما. وها نحن أولاء نقتطف مثلا من خير ما كتبه في الحب:
ولم يجد روميو في نفسه من الشجاعة ما يستطيع به أن يسأل من هي الفتاة، فأخذ يمتع عينيه بمنظرها الجميل، ويتأمل بدقة حركاتها وسكناتها، وتجرع سم الحب الحلو الشهي، وأخذ يثني ثناء عجيباً على كل جزء من أجزاء جسمها، وكل حركة من حركاتها. وكان يجلس في ركن مر فيه من أمامه جميع من في الحفل حين اقترب موعد الرقص. وكانت جيوليتا (وهذا هو اسم الفتاة) ابنة رب الدار الذي أقام الحفل. وسرت هي أيضاً أيما سرور بمنظر روميو، وإن لم تكن تعرفه، ولكنها رأته مع ذلك أجمل الشبان وأكثرهم مرحاً في الخلق كلهم. وقفت لحظة قصيرة تختلس إليه النظرات الرقيقة من طرف عينيها، وأحست في قلبها بحلاوة أفاضت

عليها من البهجة ما لاحد له. وتمتمت وقتئذ أن يشترك في الرقص، كي تستطيع أن تراه وتستمع إلى حديثه خيراً من ذي قبل، فقد خيل إليها أن كلامه ستفيض منه البهجة، التي تتلقاها من عينيه وهي تنظر إليه؛ ولكنه كان وقتئذ يجلس وحيداً لا يبدو عليه أي ميل للرقص. وكل ما كان يفعله هو أن يغازل الفتاة الحسناء وكل ما كانت تفكر فيه هي أن تتطلع إليه. وهكذا أخذ كلاهما ينظر إلى الآخر نظرات تلتقي خلالها أعينهما وتمتزج أشعة نظراتهما بعضها ببعض، أدركا معها في خفة أن الحب قد سرى في روحيهما، وكلما التقت أعينهما، امتلأ الهواء بزفير حبهما، وخيل إليهما أن كل ما يرغبان فيه وقتئذ هو أن يكشف كلاهما للآخر عما دب في قلبه من لهيب(27).
وخاتمة القصة عند بنديلو أدق منها عند شكسبير. فروميو عنده لا يموت قبل أن تقوم جوليت من سباتها، وهي تستيقظ قبل أن يشعر روميو بأثر السم الذي شربه حين استولى عليه اليأس بعد أن رآها ميتة في الظاهر، ويبلغ من السرور من شفائها مبلغاً ينسى معه السم، ويستمتع العاشقان بلحظات من الحب العارم، وحين يفعل السم فعله القوي، ويموت روميو، تقتل جوليت نفسها بطعنة من سيفه .



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق