1114
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الخاتمة -> انحطاط عصر النهضة -> صحوة السحر في فلورنس
الفصل الرابع
صحوة السحر في فلورنس
1534-1574
إن حكم الدولة في أثناء اضمحلالها أسهل من حكمها في إبان شبابها، ذلك أن نقص الحيوية يكاد يجعل أهلها يرحبون بالخضوع. ومصداقاً لذلك نرى فلورنس بعد أن أخضعها آل مديتشي مرة أخرى لسلطانهم (1530) تخضع منهوكة القوى لسيطرة كلمنت السابع؛ نعم إنها ابتهجت حين قُتِل ألسندرو ده ميديتشي بيد لورندسينو Loreuzino أحد أقاربه البعيدين (1537)؛ ولكنها لم تنتهز هذه الفرصة لإعادة الجمهورية، بل قبلت حاكماً آخر من آل ده ميديتشي راجية أن يظهر مثل ما أظهره أول رجال الأسرة من حكمة وحسن سياسة. وبجلوس هذا الحاكم انتهى من الوجهة القانونية فرع الحكام المنحدرين مباشرة من كوزيمو أبي الوطن، لأن الحاكم الجديد من أبناء أخ لكوزيمو هذا أكبر منه يسمى أيضاً لورندسو (1393-1440). وكان جوتشيارديني هو الذي رفع هذا الحاكم الجديد إلى العرش وهو في الثامنة عشرة من عمره راجياً أن يكون هو القوة المحركة من خلفه. غير أنه نسي أن الميديتشي الشاب هو ابن جيوفني دل باندي نيري وحفيد كترينا اسفوردسا، وإن دماء جيلين من ذوي البأس الشديد تجري في عروقه وأمسك كوزيمو بيديه أزمة الأمور وظل قابضاً عليها بقوة سبعة وعشرين عاماً.
وكان في خلقه كما كان في حكمه يجمع بين الشر والخير. فكان صارماً قاسياً إلى الحد الذي تمليه عليه السياسة غير العاطفية؛ فلم يكن يشغل نفسه كما كان غيره من آل ميديتشي الأولين يشغلون أنفسهم بالمحافظة على مظاهر
الحكم الجمهوري وأشكاله؛ وقد وضع نظاماً للتجسس تغلغل في داخل كل أسرة، واتخذ من قساوسة الأبرشيات أنفسهم عيوناً له(29)؛ وأرغم الناس على الجهر بعقائد دينية واحدة. وتعاون مع محكمة التفتيش؛ وكان شرها في طلب الثروة والسلطان، استغل احتكار الدولة للحبوب، وفرض على رعاياه أفدح الضرائب، وقضى على حكومة سينا شبه الجمهورية، لكي يجعل هذه المدينة جزءاً من أملاكه كما كانت أرتسو وبيزا جزءاً منها، وأقنع البابا بيوس الخامس بأن يمنحه لقب كبير أدواق تسكانيا (1569).
وعوض البلاد بعض التعويض عن استبداده وانفراده بالحكم بأن نظم لها إدارة حكومية حازمة صالحة، وجعل لها جيشاً وشرطة تعتمد عليهما، ونظاماً قضائياً قديراً لا يتطرق إليه الفساد، وكان بسيطاً في معيشته، يتجنب الاحتفالات والمظاهر الكثيرة النفقة، وراعى في إدارته المالية الاقتصاد بل الشح، وترك لابنه من بعده خزانة عامرة بالأموال.وكان النظام والأمن السائدان في الشوارع والطرق العامة سبباً في انتعاش التجارة والصناعة بعد أن اصابتهما الضربات القاصمة من جراء الثورات المتتابعة. وأدخل كوزيمو صناعات جديدة، كصناعتي المرجان والزجاج، واستقدم اليهود من البرتغال وبسط عليهم حمايته لينشط بذلك نمو البلاد الصناعي، ووسع رقعة ليغورنو (Leghorn) وجعل منها ثغراً نشيطاً دائم الحركة. وجفف مستنقعات مارما Maremma ليطهر هذا الإقليم ومدينة سينا المجاورة له من الملاريا. واستمتعت سينا، كما استمتعت فلورنس، أثناء حكمه الاستبدادي الصالح بالرخاء أكثر من ذي قبل. واستعان بجزء من الأموال التي جمعها على مناصرة الأدب والفن في غير إسراف، وكان يميز في ذلك بين الغث والثمين، ورفع الأكاديميا دجلي أوميدي Accademia degli Umdi إلى مكانة رسمية فجعلها مجمع فلورنس العلمي، وعهد إليها أن تضع القواعد التي تجب مراعاتها في اللغة التسكانية الفصيحة، واتخذ فاساري وتشليني صديقين له،
وبذل جهداً كبيراً ليقنع أنجيلو بالعودة إلى فلورنس، وأنشأ مجمعاً للتخطيط Arte del Designo كان هو رئيس شرف له، وأقام في بيزا (1544) مدرسة لعلم النبات لا يفوقها في قدم عهدها وفي مكانتها إلا مدرسة بدوا، وما من شك في أن في وسع كوزيمو أن يقول إنه لم يكن يستطيع فعل هذا الخير كله لو لم يبدأ بقليل من الشر ولم يقبض على الحكم بيد من حديد.
ولم يبلغ هذا الدوق صاحب اليد الحديدية الرابعة والخمسين من عمره حتى كان عبء السلطة والمآسي العائلية قد أنهكه وهد قواه، فأما المآسي العائلية فنذكر منها أن زوجته واثنين من أبنائه ماتوا في خلال بضعة أشهر في عام 1562؛ وكان سبب موتهم حمى الملاريا التي أصيبوا بها أثناء اشتغاله بتجفيف مناقع مارما. ثم ماتت ابنة له بعد عام من ذلك الوقت، وفي عام 1564 عهد بحكم البلاد الفعلي إلى ابنه فرانتشيسكو، وحاول أن يواسي نفسه بالحب والغرام، ولكنه وجد في التنقل بين العشيقات من الملل أكثر مما وجد منه في الزواج. ومات في عام 1574 في الخامسة والخمسين من عمره، وقد جمع من الصفات أحسن ما كان لأسلافه وشر ما كان لهم.
ولسنا ننكر أن فلورنس لم تنتج في ذلك الوقت رجالا من طراز ليوناردو أو ميكل أنجيلو، ولم يكن فيها في ذلك العهد فنانون يضارعون تيشيان الرجل المتحضر العالمي الصيت أو تنيتورتو الثائر أو فيرونيز الفرح الطروب؛ ولكنها مع ذلك قد حدثت فيها في عهد كوزيمو الثاني نهضة بلغت من القوة الحد الذي يمكن أن يتوقعه الإنسان من جيل نشأ بين الثورات المخففة، والهزائم العسكرية. لكن تشيليني رغم هذا يحكم على الفنانين الذين استخدمهم كوزيمو بأنهم "عصبة لا يوجد لها الآن مثيل في العالم كله"(30). وذلك تعبير جرى عليه الفلورنسيون في بخس فن البندقية. وكان بينيفنوتو يرى أن الدوق نصير للفن تذوقه له أكبر من سخائه عليه؛ ولكن لعل هذا الحاكم القدير كان يرى أن التعمير الاقتصادي والتنظيم السياسي أكثر أهمية
من الزخرفة الفنية في بلاطه. ويصف فاساري كوزيمو بأنه "يحب جميع الفنانين ويقربهم، بل أنه في واقع الأمر يحب ويقرب جميع العباقرة". وكان كوزيمو هو الذي قدم المال اللازم لأعمال الحفر في كيوزي Chuisi وأرتسو وغيرهما والتي كشفت عن حضارة تسكانية رائعة، وأظهرت التماثيل التسكانية الذائعة الصيت تماثيل الخيميرا ، والخطيب، ومنيرفا. وقد ابتاع كل ما استطاع أن يعثر عليه من الكنوز الفنية التي نهبت من قصر آل ميديتشي في عامي 1494، 1527؛ وأضاف مجموعاته الخاصة إلى ما ابتاعه، ووضع كل ما جمعه في القصر الحصين الذي بدأ لوكا بتي بتشييده قبل ذلك الوقت بمائة عام. وقد كلف كوزيمو المهندس بارتولميو أماناتي بتوسيع هذا الصرح الرهيب واتخذه مسكنه الرسمي (1553).
وكان أماناتي وفساري في فلورنس زعيمي فن العمارة في ذلك العصر. وكان أماناتي هو الذي وضع لكوزيمو تصميم حدائق بوبولي Boboli خلف قصر بتي، وأقام فوق نهر الآرنو جسر سانتاترينيتا (الثالوث المقدس) الجميل (1567-1570)- الذي دمر أثناء الحرب العالمية الثانية، وكان إلى ذلك مصوراً ومثالا جليل القدر؛ فاز في مسابقة للنحت على تشيليني وجيوفني دابولونيا تمثال يونو الذي يزدان به بهو بارجلو، وقد اعتذر في شيخوخته عن كثرة ما نحت من الأشكال الوثنية. ذلك أن النهضة الوثنية كانت قد وصت الآن إلى آخر الشوط، وأخذت المسيحية تستعيد سيطرتها على عقول الإيطاليين.
واتخذ كوزيمو باتشي باندينيلي Bacci Bandinelli مثاله الأثير لديه، وأغضب بذلك تشيليني أشد الغضب، وكان من ضروب التسلية التي يستمتع بها كوزيمو أن يستمع إلى تشيليني وهو ينتهر باندينيلي. وكان باتشيو معجباً
بنفسه، وقد أعلن عن عزمه على أن يتفوق على ميكل أنجيلو، وبلغ من قسوته في نقد غيره من الفنانين أن واحداً من أشدهم ظرفاً حاول أن يقتله. وكان كل إنسان تقريباً يبغضه، ولكن كثرة ما عهد إليه من الأعمال في فلورنس وروما توحي بأن مواهبه كانت خيراً من أخلاقه. ولما أن أراد ليو العاشر أن يحصل على صورة أخرى من مجموعة اللوقون التي في قصر بلفدير يهديها إلى فرانسس الأول، طلب الكردنال يبيثا إلى بنديليني أن يقوم بهذه المهمة، فما كان من باتشيو إلا أن وعد بأن يعمل صورة تفوق الأصل، ورُوّع الناسُ جميعاً أنه كاد ينجز ما وعد. وسر كلمنت السابع من نتيجة عمله سروراً حمله على أن يرسل بعض الأصول القديمة الأصلية إلى فرانسس ويحتفظ هو بالنسخة التي نقلها عنها باتشيو ليضعها في قصر آل ميديتشي بفلورنس، ومن هذا القصر انتقلت إلى معرض أفيتسي، ونحت باندينيلي لكلمنت وألسندرو ده ميديتشي مجموعة ضخمة هي مجموعة هرقول وكاكوس التي وضعت فوق مدخل قصر فتشيو إلى جوار تمثال داود لميكل أنجيلو. ولم يحز هذا التمثال رضاء تشيليني، وقال لبندليني في حضرة كوزيمو! "لو أن هرقول في مجموعتك قد قُص شعره لما كان له من الجمجمة ما يتسع لمخه... وإن كتفيه الثقيلتين لتذكران الإنسان بالسلتين الموضوعتين على رذعة حمار، وصدره وعضلاته ليست منقولة عن الطبيعة بل هي منقولة عن كيس من الشمام التالف(31). أما كلمنت نفسه فكان يرى أن تمثال هرقول من أروع الآيات الفنية، وأجاز عليه المثال بقدر كبير من المال فضا عن الأجر الذي وعده؛ ورد باتشيو على هذه التحية بأن أطلق اسم كلمنت على ابن غير شرعي رزقه بعد موت البابا بزمن قليل. وكان آخر ما قام به من الأعمال قبر أعده هو لنفسه ولأبيه. وما كاد يتم حتى شغله (1560). وأكبر الظن أنه كان ينال اليوم أكثر مما ناله من انتشار الصيت لو أنه لم يتعرض للتشنيع من فنانين يستطيعان أن يكتبا وأن يصورا معاً هما
فاساري وتشيليني، فقد شنعا عليه تشنيعاً لم يمحه مر القرون.
وكان جيوفني ده بولونيا منافساً لبندنيلي، ولكنه كان أظرف منه والطف خلقا، وقد ولد في دويه Doui ولكنه انتقل وهو شاب إلى روما (1561)، معتزما أن يكون مثالا، وبعد أن قضى فيها عاما في الدراسة قدم نموذجاً لعمله من الصلصال إلى ميكل أنجيلو وكان وقتئذ شيخا طاعنا في السن؛ فأمسك به المثال الشيخ وضغط عليه بأصابعه: بإبهامي يديه وسبابتيهما في مواضع متفرقة منه، ولم تمض إلا بضع لحظات حتى سواه أحسن مما كان، ولم ينس جيوفني قط هذه الزيارة، وظل طوال الأعوام الأربعة والثمانين الباقية من حياته يعمل لكي يبلغ ما بلغه الفنان العظيم. ثم غادر روما عائداً إلى فلاندرز، ولكن شريفاً من أهل فلورنس أشار عليه بأن يدرس التحف الفنية المجموعة في فلورنس، واستبقاه في قصره لهذا الغرض ثلاث سنين، وكان في المدينة أو فيما حولها كثيرون من الفنانين الإيطاليين النابهين، ولذلك لم يستطيع الفنان الفلمنكي أن يستلفت الأنظار لعمله إلا بعد خمس سنين حين ابتاع فرانتشيسكو ابن الدوق كوزيمو صورة له تمثل فينوس. ثم اشترك في مباراة لتصميم فسقية لقصر السيادة Piazza delln Signoria؛ ورأى كوزيمو أنه أصغر سنا من أن يقوم بهذه المهمة، ولكن كثيرين حكموا بأن النموذج الذي صنعه هو كان خير النماذج كلها؛ وأكبر الظن أنه هو الذي دعى بسببه إلى أن يقيم فسقية أكبر منها في بولونيا، واستدعى جيوفني بعدئذ مرة أخرى إلى فلورنس ليكون المثال الرسمي لآل ميديتشي، وتوالت عليه المهام من ذلك الحين فلم ينقطع عن العمل في يوم من الأيام؛ ولما عاد مرة ثانية إلى روما، قدمه فاساري إلى البابا على أنه "أمير المثالين في فلورنس"(32). وهنا وضع نموذجاً لمجموعة من التماثيل توجد الآن في شرفة لاندسي Loggia dei Lanzi، وسميت فيما بعد اغتصاب السابينيين وتتكون من بطل قوي مفتول العضلات يمسك
بيده امرأة بارعة الجمال ضغطت يده وهو يرفعها على جسمها اللين، ويعد ظهرها أجمل ما صور من البرنز في عصر النهضة كله.
وكان المثالون متفوقين على المصورين في الحشد المتألق الذي يحف بكوزيمو وفي تقدير كوزيمو نفسه. ولقد حاول ريدلفو جرلندايو Ridolfo Chirlandaio أن يحتفظ بالمستوى الرفيع الممتاز الذي بلغه والده، ولكنه عجز عن الاحتفاظ به؛ وفي وسعنا أن نقدره بالنظر إلى صورته التي رسمها للكريدسيا سماريا Lucrezia Summaria والموجودة الآن في واشنجتن. وكان فرانتشيسكو أوبرتيتي Francesco Ubertini، الملقب سخرية البكيكا il Bachiacca، يحب أن يرسم المناظر التاريخية وأن يدخل فيها كثيراً من الدقائق وفي حجم صغير، وتجمعت في ياقوبو كاروتشي Jacopo Carrucci، المسمى بنتورمو نسبة إلى مسقط رأسه، كل الميزات وبدأ حياته بداية طيبة، وأخذ الفن على أيدي ليوناردو، وبيرو دي كوزيمو، وأندريا دل سارتو، ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره (1513) هز مشاعر عالم الفن بصورة ضاعت الآن استثارت إعجاب ميكل أنجيلو، ووصفها فاساري بأنها "أجمل مظلم شوهد حتى ذلك الوقت(33)"، ولكن بنتورمو Pontormo لم يلبث أن عشق نقوش دورر Durer، فتخلى عما في الطراز الإيطالي من نعومة في الخطوط وتآلف في الـتأليف، مما أثار عليه ثائرة الإيطاليين، وفضل عليهما الأساليب الجرمانية الفجة الثقيلة، وصور رجالاً ونساء في أوضاع من الاضطراب الجسمي أو العقلي، وصور بنتورمو في مظلمات في تشيرتوزا بهذا الطراز التيوتوني مناظر مستمدة من آلام المسيح. ولم يرض فاساري عن هذا التقليد وقال فيه: "ألم يعلم بنتورمو أن الفلمنكيين والألمان يأتون ليأخذوا عنا الطراز الإيطالي الذي بذل ما بذل من الجهد للتخلي عنه كأنه طراز غث لا قيمة له؟". ولكن فاساري رغم غضبه هذا يقر بروعة هذه المظلمات، وزاد
بنتورمو فنه تعقيدا على تعقيده حين أصيب بداء الخوف، فلم يكن يسمح بأن يذكر الموت في مجلسه، وأخذ يتجنب الحفلات والزحام، خشية أن يحشر فيها فيقضي عليه؛ وكان يرتاب في جميع الناس عدا تلميذه المحبوب برندسينو Bronzino، وإن كان هو نفسه شفيقا دمث الأخلاق، وأخذ ينشد الوحدة ويزداد حباً لها على مر الأيام، واعتاد أن ينام في حجرة في طابق علوي لا يمكن الوصول إليها إلا بسلم يرفعه من ورائه بعد أن يصعد إليها. وظل يعمل وحيدا أحد عشر عاما في آخر مهمة كلف بها- وهي رسم مظلمات في معبد سان لورندسو؛ فكان يأتي إلى المعبد ولا يسمح لأحد غيره بدخوله؛ ومات (1556) قبل أن يتم العمل فيه؛ ولما أن أزيح الستار عن الصور تبين أنها غير محكمة النسب، وأن الوجوه ثائرة أو محزونة، وخير لنا أن نذكره بعمل من الأعمال التي قام بها وهو ناضج سليم العقل، وهو صورة جميلة لإجولينو مارتيلي Ugolino Martelli توجد الآن في واشنجتن- ويرتدي صاحبها قبعة لينة مراشة، وله عينان ساهمتان مفكرتان، وأثواب براقة، ويدان نقيتان.
وارتفع شأن أنيولو دي كوزيمو دي ماريانو Agnolo di Cosimo di Mariano، الملقب برندسينو Bronzino بعد أن رسم طائفة من الصور معظمها يمثل آل ميديتشي، ويحتوي قصر هذه الأسرة على عدد كبير منها تبدأ من كوزيمو الأكبر أبي الوطن وتنتهي بالدوق كوزيمو، وإذا جاز لنا أن نحكم عليها من وجه ليو العاشر المنتفخ قلنا إنها في كثير من الأحيان صور صادقة، وخيرها كلها صورة جيوفني دلي باندي نيري (المحفوظة في أفيدسي)- وكأنها صورة لنابليون نفسه قبل أن يكون بونابرت- ويظهر فيها وسيم الخلق، متكبراً، ينفث النار.
وأكبر الظن أن أحب الفنانين للدوق كوزيمو هو الرجل الذي يدين له هذا السفر- كما يدين له كل كتاب عن النهضة الإيطالية- بنصف
حياته؛ ونعنى به جيورجيو فاساري، وقد نبغ قبله من بين أبناء الأسرة التي ينتمي إليها في أرتسو عدد من الفنانين؛ وكان يمت بصلة بعيدة إلى لوكا سينورلي Luca Signorelli، ولقد حدثنا هو أن المصور الشيخ حين رأى رسوم جيورجيو وهو لا يزال بعد غلاما شجعه على أن يدرس الرسم. وحدثت في لحظة من لحظات النبل والشهامة التي لا يحصى عددها، والتي لا يصح أن نغفل عنها حين نحكم على أخلاق النهضة، نقول إنه حدث في لحظة من تلك اللحظات أن أخذ الكردنال بسيريني Passerini. وكان قد عين وصيا على إبوليتو وألسندرو ده ميديتشي، جيورجيو إلى فلورنس، حيث اشترك الشاب البالغ من العمر اثنتي عشرة سنة مع الفنيين وريثي الثراء والسلطان، وأصبح من تلاميذ أندريا دل سارتو وميكل أنجيلو، وظل إلى آخر أيام حياته يجل بونارتي ويعبده عبادة رغم أنفه المحطم.
وعاد جيورجيو إلى أرتسو بعد أن طرد الميديتشيون من فلورنس عام 1527. ومات والده بالطاعون ولما يتجاوز هو الثامنة عشرة من العمر، فألفي نفسه العائل الأكبر لأخواته الثلاث ولأخويه الصغيرين. ووجد مرة أخرى من يرحمه وينقذه من ورطه. ذلك أن زميله القديم في التلمذة إبوليتو ده ميديتشي دعاه إلى روما، حيث أكب فاساري على دراسة الفن القديم وفن النهضة؛ فلما كان عام 1530 دعاه ألسندرو صاحب فلورنس، بعد أن عادت الاسرة إلى حكمها مرة أخرى، إلى الإقامة في قصر آل ميديتشي ونقشه، وفيه رسم صورا لهذه الأسرة من بينها صورة للورندسو الأفخم، نراه فيها قانطا مكتئباً، وأخرى لكترينا الشابة المرحة- واقفة في نزوة من نزوات الخيال، كأنها كانت تدرك في ذلك الوقت أنها ستكون ملكة فرنسا. ولما اغتيل ألسندرو قضى فاساري بعض الوقت يجول حائرا بلا نصير. ويقسو النقاد على صوره، ولكن
الذي لاشك فيه أنه نال بسببها بعض الشهرة، لأنا نجد جيوليو رومانو يأويه في داره في مانتوا كما نجد أريتينو البدين في البندقية يصاحبه ويحميه. وكان أينما ذهب يدرس فن البيئة التي يقيم فيها، ويتحدث إلى الفنانين أو إلى أبنائهم وأحفادهم، ويجمع الرسوم ويدون المذكرات، ولما عاد إلى روما رسم لبندو التوفيتي Bindo Altoviti صورة الخلع من الصليب، وهي الصورة التي يقول عنها إنه "كان من حسن حظها أنها لم تغضب أعظم مثال، ومصور، ومهندس عاش في أيامنا".
وكان ميكل أنجيلو نفسه هو الذي عرفه بالكردنال ألسندرول فرنيزي الثاني، وهذا الحبر المثقف هو الذي أشار على فاساري في عام 1546 بأن يؤلف لهداية الخلف كتاباً في سيرة الفنانين الذي رفعوا اسم إيطاليا في القرنين السالفين، وبينا كان فاساري يعمل بجد في التصوير وهندسة العمارة في روما، وريميني، ورافنا، وأرتسو، وفلورنس، كان يقتطع جزءاً من وقته لذلك العمل المجهد الذي لا ينال من ورائه جزاء يذكر وهو كتابه السير "مدفوعاً إلى ذلك بحب فنانينا هؤلاء". وفي عام 1550 نشر الطبعة الأولى من حياة كبار المصورين والمهندسين الايطاليين الممتازين ومعه إهداء بليغ للدوق كوزيمو.
وكان فيما بين عامي 1555 و 1572 أكبر الفنانين عند كوزيمو. فأعاد تنظيم قصر فيتشيو من الداخل، ونقش كثيراً من جدرانه بصور تنزع إلى الضخامة أكثر مما تنزع إلى الفخامة؛ وشاد مبنى الإدارة الرحب المعروف باسم الأفيتسي لوجود المكاتب الحكومية به، والذي أصبح الآن من أكبر المعارض الفنية في العالم. وكان هو المشرف على إتمام بناء المكتبة اللورنثية، والذي شاد الدهليز المغطى الذي استطاع كوزيمو بفضله أن يمر سراً من قصر فيتشيو ومن الأفيتسي إلى جسر فيتشيو ثم إلى مسكن الأدواق الجديد في قصر بتي. وفي عام 1567 قضى عدة أشهر في الترحال والبحث،
ثم أخرج بعد عام من ذلك الوقت طبعة جديدة من السير أكبر كثيراً من الطبعة الأولى. ومات في فلورنس في عام 1574 ودفن مع أسلافه في أرتسو.
وبعد فإن فاساري لم يكن فناناً عظيماً، ولكنه كان رجلا عظيماً، وباحثاً مجداً، وناقداً كريماً ذكياً (إذا استثنينا بعض لمزات قليلة وجهها لبندينيلي)، وقد ألف لنا كتاباً من أمتع ما كتب في جميع العصور استمدت منه آلاف مؤلفة من الكتب، وكتبه باللغة التسكانية السهلة الأصلية التي تكاد تكون عامية، وتبلغ أحياناً من الوضوح ما تبلغه لغة القصص. والكتاب غني بالأخطاء التي تدل على عدم الدقة، وبالمتناقضات في الأزمنة التاريخية، ولكنه أغنى من ذلك بالمعلومات الفاتنة الساحرة، وبالشروح الحكيمة الصادقة، وقد فعل للفنانين الإيطاليين في عهد النهضة ما فعله أفلوطرخس لأبطال اليونان والرومان العسكريين والمدنيين، وسيظل قرونا طوالا في المستقبل من أكبر الذخائر في عالم الأدب.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق