إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1086 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> الرجل في عصر النهضة الفصل الرابع الرجل في عصر النهضة



1086


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> الرجل في عصر النهضة

الفصل الرابع


الرجل في عصر النهضة


كان اجتماع التحرر الفكري والتحلل من القيود الخلقية هو الذي أوجد "رجل النهضة"؛ غير أنه لم تكن له من الخواص ما يجعله خليقاً بذلك اللقب. فقد كان في ذلك العصر كما كان في غيره من العصور أكثر من عشرة أنماط. وكل ما كان له من ميزة أنه كان ممتعاً طريفاً، ولعل سبب ذلك أنه كان من طراز شاذ غير مألوف. وكان فلاح النهضة هو الفلاح بعينه في جميع العهود إلى أن جعلت آلات الزراعة صناعة. وكان دهماء المدن الإيطالية في عام 1500 كما كانوا في روما في عهد القياصرة أو في أيام مسوليني، ذلك أن المهنة هي التي تطبع الرجل بطابعها، كذلك كان رجل الأعمال في عصر النهضة شبيهاً بأمثاله في الماضي والحاضر. أما القس في ذلك العصر فكان يختلف عن قس العصور الوسطى أو قس هذه الأيام؛ فقد كان أقل إيماناً منهما بالدين وأكثر استمتاعاً بالدنيا، وكان في وسعه أن يعشق ويحارب. ثم حدث في هذه الأنماط تغير فجائي يستلفت النظر، أدى إلى انحراف في النوع وفي طراز العصر، ونشأ عنه الرجل الذي ترتسم صورته في ذهننا 0حين نقول إن رجل النهضة طراز فذ في التاريخ، وإن كان ألقبيادس إذا رآه أحس بأنه طراز قديم ولد من جديد.
وكانت خصائص هذا الطراز تدور حول بؤرتين: الجرأة الفكرية والخلقية. كان حاد الذهن، يقظاً، متعدد الكفاءات، مستعداً لقبول كل مؤثر وكل فكرة، مرهف الحس بالجمال، حريصاً على نيل الشهرة. وكانت له روح ذات نزعة فردية جريئة عديمة المبالاة، تعمل على تنمية جميع المواهب الكامنة فيها، روح مزهوة فخورة تسخر من الذلة المسيحية،

وتحتقر الضعف والجبن، وتتحدى العرف، والتقاليد والأخلاق، والمحرمات، والبابوات، بل تتحدى الله نفسه في بعض الأحيان. وكان في وسع هذا الرجل أن يقود حزباً ثائراً في المدينة؛ أو جيشاً في الدولة؛ فإذا كان من رجال الكنيسة فقد كان يسعه أن يجمع مائة منصب تحت مسوحه، وأن يستخدم ثروته في الوصول إلى السلطان. وفي الفن لم يعد هذا الرجل صانعاً يعمل مغموراً مع غيره في مشروع جماعي كما كان يعمل نظيره في العصور الوسطى؛ لقد كان شخصاً "منفرداً منفصلا عن غيره" يطبع أعماله بطابعه، ويوقع باسمه على ما يرسمه من الصور، بل كان من حين إلى حين على ما يصنعه من تماثيل كما حفر ميكل أنجيلو اسمه على تمثال العذراء وهي تندب طفلها. ومهما تكن الأعمال التي يقوم بها رجل النهضة هذا فقد كان في حركة دائمة، ساخطاً، متأففاً من القيود، تواقاً لأن يكون "رجلاً عالمياً"- جريئاً في تفكيره، حاسماً في أفعاله، فصيحاً في أقواله، ماهراً في فنه، ملماً بالأدب والفلسفة، ليس غريباً على النساء في القصور ولا عن الجند في المعسكرات.
ولم يكن فساد خلقه إلا جزءاً من نزعته الانفرادية. وإذ كان هدفه هو أن ينجح في التعبير عن شخصيته، وكانت بيئته لا تفرض عليه أية معايير يتقيد بها فلا يجد قدوة يقتدى بها بين رجال الدين، ولا يجد ما يرهبه في العقيدة الربانية، فإنه يجيز لنفسه أن يسلك أية وسيلة تبلغه غايته، ويستمتع بكل لذة تصادفه في الطريق. لكنه رغم هذا كله كانت له فضائله. لقد كان رجلا واقعياً، قلما ينطق بتافه القول إلا لامرأة برمة. وكان مؤدباً إذا لم يكن يقتل، وحتى في هذه الحال كان يفضل أن يقتل في غير قسوة. وكان ذا نشاط، وقوة في الخلق، وذا إرادة موجهة موحَّدة؛ وكان يقبل المعنى الذي يفهمه الرومان الأقدمون من لفظ الفضيلة وهو "الرجولة"؛ ولكنه كان يضيف إلى هذا المعنى الحذق والذكاء. ولم يكن مسرفاً في القسوة من

غير داع، وكان يمتاز عن الرومان الأقدمين باستعداده لأن يكون تقياً صالحاً. وكان معجباً بنفسه، غير أن هذا الإعجاب لم يكن إلا وليد إحساسه بالجمال وحسن الشكل. وكان تقديره للجمال في المرأة والطبيعة، وفي الفن والجريمة. هو المصدر الأساسي للنهضة. وقد استبدل حاسة الجمال بالحاسة الخلقية؛ ولو أن هذا الطراز من الرجال قد تضاعف وغلب على غيره لحلت أرستقراطية في الذوق لا تبهظها تبعات محل أرستقراطية المولد أو للثروة.
لكننا نقول مرة أخرى إنه لم يكن غير نوع واحد من أنواع كثيرة من رجل النهضة. ألا ما أعظم الفرق بين بيكو ذي النزعة المثالية واعتقاده بقدرة بني الإنسان على أن يبلغوا بأخلاقهم درجة الكمال، وبين سفنرولا الصارم الذي لا تبصر عينه الجمل، والمنهمك في التقى والاستقامة، وبين رافائيل الظريف الرشيق الذي ينشر الجمال من حوله بسخاء، وميكل أنجيلو ذي الجنة، الذي طغى على عقله التفكير في يوم الحساب قبل أن يصوره، وبوليتيان صاحب النغم الحلو الذي ظن أن الرحمة موجودة حتى في الجحيم، وفنورينودا فلترى الأمين الذي نجح أيما نجاح في المجمع بين زينون والمسيح؛ وجوليانو ده ميديتشي الثاني الذي بلغ من رحمته في عدالته درجة رأى معها أخوه البابا أنه لا يصلح للقيام بأعباء الحكم! ما أعظم الفرق بين هؤلاء مع أنهم جميعاً من رجال النهضة. وإنا لندرك رغم ما نبذله من الجهد في اختصار البحث، وصياغة القواعد العامة، أنه لم يكن ثمة رجل يصح أن يطلق عليه اسم "رجل النهضة". لقد كان في ذلك العصر رجال لا يتفقون إلا في شيء واحد! وهو أن الحياة لم تبلغ من الشدة ما بلغته في تلك الأيام. لقد كانت العصور الوسطى تقول- أو تدعي القول- لا للحياة؛ أما النهضة فكانت تقول لها نعم بقلبها، وروحها، وبكل ما كان فيها من قوة.



يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق