إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1085 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> الأخلاق الجنسية الفصل الثالث الأخلاق الجنسية


1085

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> الأخلاق الجنسية

الفصل الثالث


الأخلاق الجنسية


ولننتقل بعدئذ إلى أخلاق غير رجال الدين، ونبدأ بالعلاقة بين الرجال والنساء، ونذكر من بادئ الأمر أن الإنسان بفطرته ينزع إلى تعدد الأزواج، وأن لا شيء يستطيع أن يقنعه بالزوجة الواحدة إلا أقسى العقوبات، ودرجة كافية من الفقر والعمل الشاق، ومراقبة زوجته له مراقبة دائمة. ولسنا واثقين من أن الزنا كان في العصور الوسطى أقل انتشاراً مما كان في عصر النهضة؛ وكما أن الزنا في العصور الوسطى كانت تخفف من مساوئه روح الفروسية وما فيها من شهامة، كذلك كان يخفف من هذه المساوئ بين الطبقات المثقفة التقدير المثالي لرقة المرأة المتعلمة ومفاتنها الروحية. وساعدت زيادة التكافؤ بين الجنسين في التعليم والمركز الاجتماعي على خلق رفقة عقلية جديدة بين الرجال والنساء؛ فكانت الحياة في مانتوا، وميلان، وأربينو، وفيرارا، ونابلي تزدان وتزداد حمية بظهور النساء الفاتنات المثقفات.
وكانت فتيات الأسر العريقة يحتجبن إلى حد ما عن الرجال من غير أسرهم. وكن يلقنَّ على الدوام دروساً في مزايا الاستعفاف قبل الزواج؛ وكان هذا التلقين يلقى أحياناً من النجاح درجة نسمع معها أن فتاة أغرقت نفسها بعد أن أعتدي على عفافها، وإن كان هذا بلا شك فعلاً شاذاً بدليل أن أسقفا اقترح أن يقام لهذه الفتاة تمثال(21)، وفي المقابر الرومانية امرأة عريقة النسب خنقت نفسها لتنقذ شرفها، وحمل جسمها في موكب نصر مخترقاً شوارع روما وعلى رأسها إكليل من الغار(22). بيد أنه كانت هناك بلا شك مغامرات كثيرة من فتيان وفتيات قبل الزواج؛ ولولا هذا
لما استطعنا أن نفسر وجود ذلك العدد الجم من الأبناء غير الشرعيين في كل بلد من بلاد إيطاليا في عصر النهضة. لقد كان من ليس له أبناء غير شرعيين من الرجال والنساء يعد شخصاً ممتازاً يحق له أن يفخر على غيره، ولكن وجود أولئك الأبناء لم يكن يجلل أبويهم عاراً كبيراً؛ وكان الرجل إذا تزوج يستطيع في العادة أن يقنع زوجته بأن تقبل انضمام أبنائه غير الشرعيين إلى أسرته لكي يربوا مع أبنائها منه، ولم تكن حال الابن غير الشرعي عقبة كأداء في سبيله؛ ويكاد المجتمع لا يلقى بالاً مطلقاً إلى هذه الوصمة الاجتماعية. وكان في وسع النغل أن يعد ابناً شرعياً بهبة ينقحها لرجال الكنيسة. كما كان في وسعه أن يرث أملاك أبويه، وأن يرث العرش نفسه إذا لم يكن له أخ شرعي يليق بهذه الوراثة، أو لم يكن له أخ شرعي على الإطلاق. مثال ذلك أن فيرانتي الأول خلف ألفنسو الأول على عرش نابلي، وأن ليونلو دست خلف نقولو الثالث على عرش فيرارا. ولما أن قدم بيوس الثالث إلى فيرارا في عام 1495 استقبله سبعة من الأمراء كلهم أبناء غير شرعيين(23). وكان التنافس بين الأبناء الشرعيين وغير الشرعيين مصدر كثير من حوادث العنف في عصر النهضة؛ كما كانت نصف الروايات تدور حول إغواء النساء، وكانت النساء يقرأن في العادة هذه القصص أو يستمعنها، وكل ما يظهرنه من دلائل الحياء أن يطرقن بأبصارهن لحظات قصاراً. وقد وصف ربرت أسقف أكوينو في أواخر القرن الخامس عشر أخلاق الشبان في أسقفيته بأنها فاسدة، وقال إن أولئك الشبان لا يستحون من هذا الفساد. ويروى أنهم كانوا يقولون له أن الفسق ليس من الخطايا، وإن العفة من الأوامر التي عفا عليها الزمان، وإن عادة احتفاظ البنات بعذرتهن آخذة في الزوال(24). وحتى مضاجعة المحارم كان لها من يحبذونها ويتباهون بها.
أما اللواط فقد كاد يصبح من مستلزمات بعث الحضارة اليونانية.

وكان الكتاب الإنسانيون يكتبون عنه بما يشبه الاعتزاز العلمي، ويقول أريستو إنهم كلهم كانوا منغمسين فيه. وكان بولتيان، وفليو، واستروتسي وسنودو Sanudo صاحب اليوميات يتهمون بهذه العادة اتهاماً له ما يبرره(25). كذلك اتهم بها ميكل أنجيلو، ويوليوس الثاني، وكلمنت السابع، وإن لم يبلغ هذا الاتهام من القوة والإقناع مبلغه في الحال السالفة الذكر. وقد وجد القديس برنردينو هذه العادة منتشرة في نابلي انتشاراً لم يسعه معه إلا أن ينذر هذه المدينة بأنها سيصيبها ما أصاب سدوم وعمورة(26). ويقول أرتينو إن هذا الشذوذ الجنسي كان شائعاً واسع الانتشار في روما(27)؛ وإنه هو كان يطلب إلى دوق مانتوا أن يبعث إليه بين كل خليلة وأخرى فتى وسيما(28)، وتلقى مجلس العشرة في مدينة البندقية في عام 1455 مذكرة رسمية تصف "انتشار رذيلة اللواط انتشاراً واسع النطاق في هذه المدينة"، وأراد المجلس "أن يتقي غضب اللّه" فعين رجلين في كل حي من أحياء البندقية مهمتهما القضاء على هذه العادة(29). وعرف المجلس أن بعض الرجال قد اعتادوا لبس أثواب النساء، وأن بعض النساء قد أخذن يرتدين ملابس الرجال، وقد سمى هذا العمل "ضرباً من اللواط"(30). وأدين رجل من الأشراف وآخر من رجال الدين في عام 1492 بممارسة اللواط، فأعدما في الميدان العام وأحرق رأساهما أمام الجماهير(31). ولقد كانت هذه حالات شاذة بطبيعة الحال لا يليق بنا أن نتخذها أساساً لحكم عام؛ ولكن لنا أن نفترض أن اللواط كان منتشراً انتشاراً أكثر من العادة في إيطاليا أثناء عصر النهضة وأنه ظل منتشراُ فيها حتى قامت حركة الإصلاح المعارضة.
وفي وسعنا أن نقول هذا القول نفسه عن الدعارة. فإذا أخذنا بقول إنفسورا- الذي كان يميل إلى المبالغة فيما يورده من الإحصاءات عن روما في عهد البابوات- قلنا إنه كان في روما 6.800 من العاهرات مسجلات في عام 1490، بخلاف العاهرات اللاتي يمارسن هذه الحرفة خفية، وذلك

بين سكان البلد البالغين 90.000 نسمة(32) ويقدر التعداد الذي أجري في البندقية عام 1509 عدد العاهرات بـ 11.654 عاهراً من بين سكانها البالغ عددهم نحو 300.000(33). وقد نشر طابع مغامر "سجلاً بأشهر المحاظى وأشرفهن في البندقية احتوى اسمائهن، وعناوينهن، وأجورهن". وكن في الطرق يترددن على الحانات، وفي المدن ينزلن عادة في ضيافة الفتيات اليافعين، والفنانين المتلهفين. ويصف لنا متشيليني ليلة قضاها مع حظية له كأنها حادث عادي غير ذي بال، كما يصف عشاء الجماعة من الفنانين من بينهم جوليو رومانو وهو نفسه، وقد طلب إلى كل واحد من الحاضرين أن يأتي بامرأة غير متمنعة، وفي مأدبة أخرى أرقى من هذه درجة أقامها لورندسو استروتسي لمصرفي في عام 1519 لأربعة عشر شخصاً من بينهم أربعة كرادلة وثلاث نساء من الخليعات(35).
ولما ازداد الثراء وازدادت الرغبة في التنعم بدأ الأثرياء المنعمون يطلبون المحاظي اللائي يتمتعن بقسط من التعليم والمفاتن الاجتماعية، وكما أن طائفة الخليلات قد نشأت في أثينة أيام سفكليز للوفاء بهذا المطلب، كذلك نشأت في روما في أواخر القرن الخامس عشر وفي البندقية في القرن السادس عشر طبقة من الخليلات المهذبات ينافسن أظرف السيدات في ثيابهن، وآدابهن، وثقافتهن، بل وفي تقاهن وترددهن على الكنائس في أيام الآحاد. بينما كانت العاهرات العموميات يمارسن حرفتهن في المواخير، كانت الخليلات الرومانيات السالفات الذكر يقمن في بيوتهن، وينفقن بسخاء كبير على المآدب، ويقرأن الكتب، ويقرضن الشعر، ويغنين، ويعزفن على الآلات الموسيقية، ويشتركن في الأحاديث مع الطبقة المثقفة المتعلمة؛ ومنهن من كن يجمعن الصور والتماثيل، والطبعات النادرة من الكتب وآخر ما صدر منها؛ ومنهن من كن يعقدن الندوات الأدبية. وأردن أن يحتفظن بمقامهن لدى الكتاب الإنسانيين فتسمت الكثيرات منهن بأسماء لاتينية- كاميليا، يولكسينا، وينثسيليا Penthesilea، وفوستينا Faustina، وإمبيريا

Imperia، وتوليا Tullia. وكتب أحد الظرفاء الأفاكين، في أيام البابا اسكندر السادس مجموعة من النكت الشعرية بدأها بطائفة منها في مدح العذراء والقديسين ثم اتبعها بلا حياء بطائفة أخرى في الثناء على العشيقات في أيامه(36). ولما ماتت إحدى أولئك العشيقات حزن عليها نصف سكان روما، وكان ميكل أنجيلو من الكثيرين الذين أنشئوا الأغاني تخليداً لذكراها(37).
وأشهر هاته الخليلات المهذبات إمبيريا ده كنياتس Imperia de Cugnatis. وقد أثرت هذه السيدة مما كان يغدقه عليها نصريها وحاميها أجستينو تشيجي Agostino Chigi، فزينت بيتها بالأثاث المترف الوثير والتحف النادرة، وجمعت حولها طائفة كبيرة من العلماء، والفنانين، والشعراء، ورجال الدين، وحتى سادوليتو Sadoleto النقي نفسه كان يتغنى بمديحها(38). وأكبر الظن أن أمبيريا هذه هي التي اتخذها رافائيل نموذجاً لسابفو في صورة البرناسوس Barnassus. وماتت في ريعان شبابها ونضرة جمالها ولم تتجاوز السادسة والعشرين من عمرها (1511)؛ وكزمت بعد موتها بأن دفنت في كنيسة سان جريجوريو San Gregorio، وأقيم لها قبر من الرخام محفور أجمل حفر ومصقول أحسن صقل؛ ورثاها مائة شاعر بأفخم المراثي(39). (وجدير بالذكر أن ابنتها آثرت الانتحار على التفريط في عرضها(40). ولا تقل عنها هرة توليا الأرغونية Tullia d' Aragona ابنة كردينا أرغونة غير الشرعية. وكان أهل زمانها يعجبون بشعرها الذهبي وعينيها البراقتين، وسخائها، وعدم اهتمامها بالمال، ورشاقة قوامها، وسحر حديثها، واستقبلت في نابلي، وروما، وفلورنس، وفيرارا استقبال الأمراء الزائرين. وقد وصف سفير مانتوا في فيرارا دخولها المدينة في رسالة غير دبلوماسية بعث بها إلى إزبلادست عام 1537 قال فيها:
أرى من واجبي أن أسجل مقدم سيدة ظريفة تبلغ من تواضعها في سلوكها وافتتان الناس بأدبها لا يسعنا معه إلا أن نصفها بأنها ربانية. وهي تغني

ارتجالا جميع النغمات والألحان... وليس في فيرارا كلها سيدة واحدة، ولا فكتوريا كولونيا Victoria Colonna دوقة بسكارا Pescara يمكن أن تقارن بتوليا(41).
وقد رسم مورتو ده بريشيا Moretto de Brescia صورة ساخرة لها تبدو فيها بريئة براءة الراهبة الحديثة العهد بالرهبنة. وقد أخطأت إذ عاشت بعد أن زالت مفاتنها، وماتت في كوخ حقير قريب من نهر التبر؛ وبيع كل ما تمتلكه بالمزاد فلم يزد ثمنه على اثني عشر كروناً (150؟ دولاراً) ولكنها احتفظت رغم فقرها بعودها ومعزفها إلى آخر أيام حياتها. وتركت وراءها أيضاً كتاباً ألفته في خلود الحب الكامل(42).
وما من شك في أن هذا العنوان يدل على الطراز الذي كان يتحدث به المتحدثون ويكتب به للكتاب عن الحب العذري في عهد النهضة. فإذا لم تسمح امرأة لنفسها أن تزني في تلك الأيام، فقد كان يسمح لها على الأقل بأن تثير في الرجل نوعاً من الغرام الشعري، فتهدى اليها القصائد والمجاملات الأدبية والمؤلفات. ونشأت في تلك الأيام هيام شعراء الفروسية الغزليين، والحياة الجديدة لدانتي، وأحاديث أفلاطون عن الحب الروحي في عدد قليل من الجماعات عاطفة رقيقة من الهيام بالمرأة- كانت عادة زوج رحل غير المستهام بها. على أن الكثيرة الغالبة من الناس لم يكونوا يعنون قط بهذه الفكرة ويفضلون على هذا الحب العذري الحب الشهواني الصريح؛ فكانوا يكتبون الأغاني ولكن همهم الوحيد كان هو الاتصال الجنسي، وقلما كان هذا الحب ينتهي بالزواج إلا في حالات جد نادرة لا تتجاوز واحداً في المائة وذلك على الرغم مما يكتبه الكتاب في رواياتهم الغرامية.
ذلك أن الزواج في تلك الأيام كان مسألة مال، وكان جمع المال مستطاعاً دون حاجة إلى نزعات الشهوة الجسمية، وكانت خطبة الزواج تنظم في مجالس الأسر، ويقبل معظم الشبان والفتيات دون احتجاج ذي أثر من

يختار زوجاً له أو لها. وكان من المستطاع خطبة البنت وهي في الثالثة من عمرها، وإن كان الزواج يؤجل في العادة حتى تتم الثانية عشرة. وكانت البنت في العصور الوسطى، إذا بقيت حتى الخامسة عشرة دون زواج، تجلل أسرتها العار. ثم أجلت تلك السن التي تجلب العار على الأسرة حتى السابعة عشرة في القرن السادس عشر، وذلك لكي يترك للفتاة من الوقت ما تستطيع معه الحصول على قسط من التعليم العالي(43). أما الرجال الذين يستمتعون بجميع ميزات الاختلاط الجنسي دون زواج ولا يجدون أية صعوبة في هذا الاختلاط، فلم يكن يستطاع إغراؤهم بالزواج إلا إذا جاءت الزوجة معها ببائنة قيمة. ومن أجل هذا وجدت في أيام سفنرولا Savonarola كثيرات من البنات الصالحات لأن يكن زوجات واللائي عجزن عن أن يجدن أزواجاً لحاجتهن إلى البائنات. ولهذا أيضاً أنشأت فلورنس نوعاً من التأمين الذي يقضى بأن تقوم الدولة بأداء البائنات لمن هن في حاجة إليها وأطلق على هذا النظام اسم: مال العذارى Motne delle faucille وكانت البنات يحصلن منه على بائناتهن إذا أدين قسطاً سنوياً قليلا(44). وفي سينا بلغ عدد الشبان العزاب من الكثرة ما اضطر المشرعين إلى فرض عقوبات قانونية عليهم؛ وفي لوقا صدر في عام 1454 مرسوم يقضي بحرمان كل العزاب ما بين سن العشرين والخمسين من الوظائف العامة. وكتبت السندرا إسترتسى Alessandra Strozzi في ذلك الوقت (1455) تقول: "إن تلك الأيام غير ملائمة للزواج(45). ورسم رافائيل نحو خمسين صورة للعذارى ولكنه لم يرسم قط صورة زوجة، وكان هذا هو الشيء الوحيد الذي اتفق معه ميكل أنجيلو فيه، وكانت حفلات الزفاف نفسها تستنفذ مبالغ طائلة من المال؛ وها هو ذا ليوناردو بروني Leonardo Bruni يشكو من أن زواجه قد ذهب بميراثه(46). وكان الملوك والملكات، والأمراء والأميرات، ينفقون ما يعادل مليون دولار على حفلة زفاف بينما كان القحط يقضي على حياة أبناء الشعب(47). وأعد ألفنسو العظيم Alfonso the Magnificent صاحب

نابلي مأدبة عشاء لثلاثين ألفاً على ساحل الخليج. وكان أجمل من هذا وأفخم الحفل الذي أقامه أربينو لاستقبال الدوق جويلدو حين جاء من مانتوا بعروسه إلزبتا جندساجا: فقد اصطفت على سفح أحد التلال نساء المدينة في أبهى الحلل، واصطف أمامهن أطفالهن يحملون أغصان الزيتون؛ ومن ورائهم منشدون على ظهور الجياد في أشكال بديعة يرددون أغاني وضعت لهذه المناسبة خاصة، وقدمت سيدة جميلة تمثل إحدى الإلهات إلى الدوقة الجديدة ولاء أهل المدينة وعظيم حبهم(48).
وكانت المرأة بعد الزواج تحتفظ عادة باسمها الخاص، فها هي ذي زوجة لورنسدو ظلت تسمى السيدة كلارتشي أرسيني Clarice Orsine، على أنه كان يحدث أحياناً أن تضيف الزوجة إلى اسمها اسم زوجها- مثل مارسا سلفياني ده ميديتشي Maria Salviati de Medici وكان ينتظر حسب نظرية الحب في العصور الوسطى أن ينشأ الحب بين الرجل وزوجته أثناء اشتراكهما خلال الزواج في الأفراح والأتراح، والرخاء والشدة، ويلوح أن هذا هو الذي كان يحدث في معظم الحالات. ولسنا نعرف حباً نشأ بين فتى وفتاة أعمق أو أصدق من الحب الذي نشأ بين فيكتوريا كولنا والمركيز بيسكارا Pescara وقد خطبت له وهي في الرابعة، كما لا نعرف إخلاصاً أعظم من إخلاص إلزبتا جندساجا التي صحبت زوجها المقعد في جميع ما أصابه من محن ونفي، وظلت وفية لذكراه حتى توفيت.
ومع هذا فإن الزنا كان واسع الانتشار(49). وإذ كانت معظم الزيجات التي تعقد بين أفراد الطبقات العليا زيجات دبلوماسية تبتغي بها المصالح الاقتصادية أو السياسية، فقد كان كثيرون من الأزواج يرون أن من حقهم أن تكون للواحد منهم عشيقة؛ وكانت الزوجة في العادة تغمض عينيها عن هذه الإساءة أو تطبق شفتيها فلا تنطق بشيء مما تشعر به من أسى نتيجة لهذا التصرف. وكان رجال الطبقات الوسطى يدعون أن الزنا من

الملاهي المشروعة. ويلوح أن مكيفلي وأصدقاءه لم يكونوا يتحرجون عن تبادل الرسائل المفصحة عن خياناتهم لزوجاتهم. وإذا ما ثأرت الزوجة لنفسها من زوجها فاقتدت به كان الزوج من الأحيان يتجاهل فعلها هذا ويحمل قرنيه راضياً(50). لكن تدفق الأسبان على إيطاليا عن طريق نابلي وبتشجيع الإسكندر السادس وشارل الخامس جاء إلى الحياة الإيطالية بالغيرة على العرض والشرف، فكان الزوج في القرن السادس عشر يرى من واجبه أن يعاقب زوجته بالموت إذا زنت في الوقت الذي يحتفظ فيه هو بميزاته الفرية الكاملة غير منقوصة. وكان في وسع الزوج أن يهجر زوجته وأن ينعم مع ذلك بالحياة؛ أما الزوجة إذا هجرها زوجها فلم يكن أمامها إلا أن تطالب برد بائنتها، ثم تعود إلى بيت أهلها، وتعيش عزبة لأنها لم يكن يسمح لها بأن تتزوج مرة أخرى. وكان في وسعها أن تدخل الدير، ولكنه كان ينتظر منها في هذه الحال أن تهبه جزءاً من بائنتها(51). ويمكن القول بوجه عام إن الزنا كان يتخذ سلوى يستعاض بها عن الطلاق.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق