1076
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> الطب
الفصل الثالث
الطب
وكان الطب أكثر العلوم ازدهاراً لأن الناس يضحون بكل شيء ماعدا الحرص على صحة الأجسام؛ وكان الأطباء ينالون من الثروة الإيطالية الجديدة قسطا موفورا مشجعا؛ فقد كانت بدوا مثلا تؤدى لواحد منهم ألفي دوقة في العام ليكون مستشارا طبيا لها، وتركته في الوقت نفسه حرا يتقاضى ما يشاء من الأجور في عمله الخاص. وكان بترارك الذي يعيش من مرتباته يندد أشد التنديد بأجور الأطباء العالية وبأثوابهم القرمزية وقلانسهم المصنوعة من فرو السنجاب(16). وخواتمهم البراقة ومهاميزهم الذهبية. وقد حذر بجد وحرارة البابا المريض كلمنت السادس من الوثوق بالأطباء فقال:
"أعرف أن الأطباء يحاصرون فراش مرضك، وطبيعي أن يملأ هذا قلبي خوفاً عليك. ذلك أن آراءهم متضاربة على الدوام؛ وأن من لا يجد منهم جديدا ينطق به يجلله عار التخلف عن غيره من الأطباء. وهم ينجرون بحياتنا لكي تذيع شهرتهم بما يستحدثون من جديد كما يقول بلني Plini. وحسب الواحد منهم أن يقول إنه طبيب لكي يؤمن الناس بكل كلمة يقولها، وليس هذا شأن الحرف الأخرى، مع أن كذبة الطبيب يكمن فيها من الأخطار ما لا يكمن في كذبة غيره. وهم يتعلمون مهنتهم على حسابنا، وحتى موتنا يهيأ لهم أسباب الخبرة، فالطبيب وحده من حقه أن يقتل الناس دون أن يخشى عقابا؛ ألا أيها الآب يا أرحم الراحمين! انظر إلى عصبتهم نظرتك إلى جيش من الأعداء، وأذكر القبرية المحذرة التي نقشها رجل بائس على شاهد قبره: "لقد مت من كثرة الأطباء!"(17).
ولقد كان الأطباء في جميع البلاد والعهود المتحضرة ينافسون النساء فيما يمتزن به من أنهن أكثر من يشتهى بنو الإنسان أكثر من بهجون.
وكان الأساس الذي قام عليه تقدم الطب هو بعث التشريح. ذلك أن خدم الكنائس كانوا يتعاونون مع الأطباء كما كانوا يتعاونون مع الفنانين، فيقدمون جثث الموتى لتشرح في المستشفيات التي يشرف عليها أولئك الأطباء. فكان مندينو ده لوتسى Mondino de' Luzzi مثلا يشرح جثث الموتى في بولونيا وكتب كتابا في "التشريح Anatomia (1316) بقى مرجعا من أهم المراجع مدى ثلاثة قرون. على أنه كان يصعب على الأطباء مع ذلك أن يحصلوا على الجثث، وحدث في عام 1319 أن سرق بعض الطلاب في بولونيا جثة في إحدى المقابر وجاءوا بها إلى أستاذ في الجامعة شرحها أمامهم ليدرسوا أجزاءها، فسبق الطلاب للمحاكمة، ولكنهم برئوا، وأخذ ولاة الأمور المدنيون من ذلك الوقت يغضون الطرف عن استخدام جثث المشنوقين التي لا يطالب بها أحد في "التشريحات"(18). ويعزى إلى بيرينجاريودا كبرى Berengario de Capri، (1470-1550) أستاذ التشريح في جامعة بولونيا أنه شرح مائة جثة(19). وكان التشريح يحدث في جامعة بيزا منذ عام 1341 إن لم يكن قبله، وسرعان ما سمح به في جميع مدارس الطب بإيطاليا ومنها مدرسة الطب البابوية القائمة في روما، وأجاز سكستس السادس (1471-1484) هذا التشريح رسميا(20).
واستعاد التشريح في عهد النهضة على مهل تراثه المنسي في عهد اليونان والرومان الأقدمين؛ وحرره رجال أمثال أنطونيو بنيفيني Antonio Beniveni، وألسندرو أكيلنى Alessandro Achillnni ، وألسندرو بينيدتي Alessandro Beneditti وماركانطونيو دلانورى Marcantonio della Torre، حرره هؤلاء من سيطرة العرب، وعادوا به إلى جالينوس وأبقراط، وشكوا حتى في هذين العميدين المقدسين، وأضافوا إلى المعارف
العلمية في الجسم البشري كل عصب، وعظم، وعضلة فيه. ووجه بينيفيني بحوثه في التشريح لمعرفة الأسباب الداخلية للأمراض، وكانت رسالته في الأسباب الخفية والعجيبة الأمراض وعلاجها (De abditis nonullis ac Mirandts Morborum et Canatiornm Causis 1507). أساس التشريح المرضى (الباثولوجي) وجعل فحص الجسم بعد الموت عاملا اساسيا في نمو الطب الحديث. وزاد فن الطباعة الجديد في هذه الأثناء سرعة تقدم الطب لأنه يسر انتشار الكتب الطبية وتبادلها بين الدول المختلفة.
وفي وسعنا أن نقدر بعض التقدير انتكاس العلوم الطبية في العالم المسيحي اللاتيني خلال العصور الوسطى إذا لاحظنا أن أعظم المشرحين والأطباء في ذلك العصر لم يكادوا يبلغون من العلم قبل عام 1500 ما بلغه أبقراط، وجالينوسن وسورانوس Soranus في الفترة المحصورة بين 450 ق.م و 200 بعد الميلاد. وكان العلاج في خلال العصور الوسطى لا يزال قائما على نظرية الأخلاط لأبقراط. وكانت الحجامة هي العلاج الشافي من كل العلل. وكانت أول محاولة معروفة لنقل الدم هي التي قام بها طبيب يهودي لعلاج البابا إنوسنت الثامن (1492)؛ وأخفقت هذه المحاولة كما قلنا من قبل. وكان الراقون لا يزالون يدعون لعلاج العجز الجنسي وفقدان الذاكرة بالرقى الدينية أو تقبيل المخلفات؛ ولعل سبب التجائهم إلى هذه الأساليب أن هذا العلاج الإيحائي كان يساعد على الشفاء في بعض الحالات. وكان الصيادلة يبيعون حبوبا وعقاقير عجيبة ويكثرون أموالهم بأن يضموا إلى سلعهم الكتب والورق، والأدهان، والحلوى، والتوابل، والحلى(21). وألف ميشيل سفنرولا والد الراهب الثائر رسالة الطب التجريبي (حوالي عام 1440) ورسائل أخرى أقصر منها، بحث في إحداها كثرة إصابة الفنانين العظام بالأمراض العقلية؛ وتحدث في رسالة أخرى عن مشهوري الرجال الذين طال عمرهم نتيجة تعاطيهم المشروبات الكحولية كل يوم.
وكان الأطباء الدجالون لا يزالون كثيري العدد، ولكن القانون أصبح وقتئذ يعنى بتنظيم مهنة الطب أكثر من ذي قبل؛ فكانت العقوبات توقع على الذين يمارسون الطب دون أن يحصلوا فيه على درجة علمية؛ وكان حصولهم عليها يتطلب دراسة منهج فيه يدوم أربع سنوات (1500)؛ ولم يكن يسمح لأي طبيب بأن يشخص مرضا خطيرا إلا إذا ضم إليه زميلا له. وكانت شرائع البندقية تحتم على الأطباء والجراحين أن يجتمعوا كل شهر ليتبادلوا المذكرات الطبية، وأن يحتفظوا بجدة معلوماتهم بالاستماع إلى منهج في التشريح مرة كل عام على الأقل. وكان يفرض على طالب الطب وقت تخرجه أن يقسم بألا يطيل على مريض زمن مرضه، وأن يشرف على تحضير الدواء الذي يصفه له، وألا يشارك الصيدلي في الثمن الذي يتقاضاه نظير إعداد الدواء. وحدد هذا القانون نفسه (قانون البندقية الصادر في عام 1368) أجر الصيدلي نظير تحضير الدواء بعشرة صلديات(22). والصلدى عملة لا يستطاع الآن تقدير قيمتها. وقد وصلت إلى علمنا عدة حالات جعل فيها شفاء المريض شرطاً لتقاضي الطبيب أجره وذلك بناء على تعاقد خاص بينهما(23).
وأخذت الجراحة ينتشر صيتها انتشاراً سريعاً كلما اقترب سجل عملياتهم وآلاتها مما كان عليه من التنوع والانفاق في عهد المصريين الأقدمين. من ذلك ان برناردو دا رابلو Bernardo da Rapallo ابتكر الجراحة العجائبية لاستخراج الحصوة (1451)؛ واشتهر مريانو سانتو Mariano Santo بكثرة نجاحه في استخراج حصاة المثانة بالشق الجانبي (حوالي 1530) وابتكر جيوفني دا فيجو جراح يوليوس الثاني وسائل لربط الشرايين والأوردة خيرا من الوسائل التي كانت معروفة من قبل؛ وعادت الجراحة التعويضية التي كانت معروفة للأقدمين إلى الظهور في صقلية حوالي عام 1450؛ وكانت الأنوف، والشفاه، والآذان المشدوهة تصلح بترقيعها
بالجلد المأخوذ من أجزاء أخرى من الجسم، وقد بلغ من إتقانها أن الناظر إليها لا يكاد يتبين خطوط الالتحام(24).
وأخذت أساليب الصحة العامة تتحسن تحسنا مطردا. من ذلك أن أندريا دندولو حين كان دوج البندقية (1343-1354) أنشأ أول لجنة بلدية معروفة للصحة العامة(25)، وحذت حذو البندقية في ذلك غيرها من المدن الإيطالية. وكانت هذه اللجان الخاصة بالصحة العامة تختبر جميع الأطعمة والعقاقير التي تعرض للبيع على الجماهير، وتأمر بعزل من يصابون ببعض الأمراض المعدية. ولما فشا الموت الأسود في أوربا منعت البندقية في عام 1374 جميع السفن التي تحمل أشخاصا يرتاب في أنهم مصابون بالمرض أو بضائع مشتبها في أنها مصابة به من الدخول في موانيها. وفي راجوسا Ragusa كان القادمون يحجزون في أماكن خاصة ثلاثين يوما قبل أن يسمح لهم بالدخول إلى المدينة. وكانت البضائع المشتبه فيها تعامل هذه المعاملة نفسها. وأطالت مرسيليا مدة الحجر الصحي (1383) (الكرنتينة la quarantine) فجعلته أربعين يوماً، وحذت البندقية حذوها في عام 1403(26).
وأخذت المستشفيات يتضاعف عددها بهمة رجال الدين وغير رجال الدين وغيرتهم، فأنشأت سينا في عام 1305 مستشفى اشتهر بسعته وبما كان يؤديه من خدمات، وأسس فرانتشيسكو اسفوردسا المستشفى الكبير Ospedalc Maggiore في ميلان (1456)، وحولت البندقية في عام 1423 جزيرة سانتا ماريا دي نادساريت Santa Maria di Nazaret إلى محجر صحي لإيواء المصابين بالجذام؛ وكان في فلورنس في القرن الخامس عشر ثلاثة وخمسون مستشفى(28)؛ وكانت هذه المؤسسات كلها تستمد معونة سخية من الهبات الخاصة والعامة؛ وكانت بعض المستشفيات مضرب المثل في روعة البناء
وفخامته، ومنها المستشفى الكبير في ميلان؛ ومنها ما كان يزين جدرانه بالتحف الفنية المُلهِمة. واستخدم مستشفى كبا Ospedafe del Coppa في بستويا جيوفني دلا رُبيا ليشكل لجدرانه نقوشا من الصلصال المحروق تصف في وضوح نماذج من مناظر المستشفيات، وامتازت واجهة مستشفى البرءاء Ospedali degli Innocenti في فلورنس الذي خططه برونيلسكو بالمدليات الرائعة المصنوعة من الصلصال المحروق التي وضعها في البندريلات القائمة على عقود بابها أندريا دلاربيا. ولشد ما تأثر لوثر بما وجده في إيطاليا من معاهد طبية وخيرية في عام 1511، وهو الذي روع بما كان فيها من فساد خلقي. وقد وصف لنا في حديث المائدة مستشفياتها بقوله:
"المستشفيات في إيطاليا جميلة البناء مزودة أعجب التزويد بأحسن أنواع الطعام والشراب، ويعتنى فيها أحسن عناية بخدمة المرضى، وجدرانها مغطاة بالصور والنقوش. وإذا جاءها مريض نزعت عنه ملابسه بحضور كاتب يثبتها عنده بعناية وتحفظ في أمان. ثم يلبس المريض قميصاً أبيض اللون، ويخصص له سرير مريح عليه غطاء نظيف من التيل. ويحضر إليه على الفور طبيبان ويأتيه الخدم بالطعام والشراب في آنية نظيفة... ويزور المستشفى بالتناوب كثير من السيدات ويعتنين بالمرضى وهن محجبات الوجوه، حتى لا يعرف أحد كنههن؛ وتبقى كل واحدة منهن في المستشفى بضعة أيام، تعود بعدها إلى منزلها، وتحل غيرها محلها... وتضارع هذه المستشفيات في الجودة ملاجئ اللقطاء في فلورنس، حيث يعنى أكبر عناية بإطعام الأطفال وتعليمهم، وحيث يزودون بحلل متشابهة من الثياب ويلقون أعظم العناية بجميع أنواعها(29).
وكثيراً ما يكون من نحسس طالع الطب أن أمراضا جديدة تقابل تقدمه العظيم في العلاج- وتكاد تعقبه على الدوام. ومصداقا لهذا نقول إن الجدري والحصبة اللذين لا نكاد نسمع عنهما في أوربا قبل القرن السادس عشر أصبحا
وقتئذ في مقدمة الأوبئة الأوربية. وقاست أوربا في عام 1510 أول وباء أنفلونزا سجله التاريخ في ربوعها. واجتاح إيطاليا في عامي 1505 و 1528 وباء من أوبئة التيفوس- وهو مرض لم يرد له ذكر قبل عام 1477. ولكن ظهور الزهري فجأة وانتشاره السريع في إيطاليا وفرنسا في أواخر القرن الخامس عشر كانا أكثر الظواهر رهبة وأشدها اختباراً لعلم الطب في عصر النهضة. ولسنا نعرف هل كان الزهري موجودا في أوربا قبل عام 1493 أو هل جاء إليها من أمريكا حين عاد منها كولمبس في ذلك العام، فتلك مسألة لا تزال مثار الجدل بين العلماء وليس هذا موضع البت فيها.
وتؤيد بعض الحقائق النظرية القائلة إنه مرض أصيل في أوربا؛ من هذه أن مومسا أقرت في محكمة بديجون أنها أقنعت أحد طلابها بعدم الاقتراب من لأنها مصابة بالمرض الكبير le gros mal، ثم لا نرى بعدئذ وصفا لهذا المرض في ذلك السجل(30). وفي الخامس والعشرين من شهر مارس سنة 1494 أمر منادى المدينة في باريس أن بأمر كل المصابين بـ البثرة الكبيرة(31).أن يخرجوا من المدينة. ولسنا نعرف ماذا كانت هذه "البثرة الكبيرة"، فلربما كانت هي الزهري نفسه. وفي أواخر عام 1494 غزا إيطاليا جيش فرنسي، واحتل نابلي في 21 فبراير من عام 1495، وسرعان ما فشا فيها بعدئذ وباء أطلق عليه الإيطاليون اسم الداء الفرنسي il morlo galolico يزعمون أن الفرنسيين قد جاءوا به إلى إيطاليا. وأصيب بهذا المرض كثيرون من الجنود الفرنسيين، ولما عاد هؤلاء إلى فرنسا في شهر أكتوبر من عام 1495 نشروا الوباء بين الأهلين؛ ولهذا سمى في فرنسا مرض نابلي Le mal de Naples لأن الأهلين افترضوا أن الجنود الفرنسيين قد أصيبوا به فيها. وفي السابع من عشر أغسطس عام 1495 أي قبل عودة الجيش الفرنسي من إيطاليا بشهرين أصدر الإمبراطور مكسميليان مرسوما ورد فيه ذكر المرض الفرنسي Malum Francicum؛ وغير خافٍ أن هذا "المرض
الفرنسي" لا يمكن أن يعزى إلى الجيش الفرنسي الذي لم يكن قد عاد بعد من إيطاليا. وأخذ لفظ "المرض الفرنسي morbus gallicus" منذ عام 1500 يطلق على مرض الزهري في جميع أنحاء أوربا(32). ويحسن بنا أن نختتم هذه الفقرة بقولنا إن هذه كلها إشارات ولست أدلة قاطعة على أن الزهري كان موجودا في أوربا قبل عام 1493.
أما القول بأن أصل المرض أمريكي فقائم على تقرير كتبه طبيب أسباني يدعى راي دياز ده إزلا Rug Diaz da Izla بين عامي 1504 و 1506 (ولكنه لم ينشر إلا في عام 1539). وهو يقول إن قبطان سفينة أمير البحر أصيب في أثناء عودة كولمبس إلى أوربا بحمى شديدة مصحوبة بطفح جلدي مروع؛ ويضيف إلى ذلك قوله إنه هو نفسه عالج وهو في برشلونة بحارة مصابين بهذا المرض الجديد الذي لم يكن، على حد قوله، معروفا فيها من قبل. وقد قال إنه هو بعينه المرض الذي كانت تطلق عليه أوربا اسم "المرض الفرنسي" ويؤكد أن العدوى قد جاءت إليهم من أمريكا(33)، ومعروف أن كولمبس حين عاد من رحلته الأولى إلى جزائر الهند الغربية وصل إلى بالوس Palos في أسبانيا في الخامس عشر من شهر مارس سنة 1493. وقد لاحظ بنتور Pintor طبيب البابا اسكندر السادس في ذلك الشهر نفسه ظهور المرض الفرنسي لأول مرة في روما(34). ومرت سنتان كاملتان تقريبا بين عودة كولمبس واحتلال الفرنسيين نابلي- وهي مدة تكفي لانتشار الداء من أسبانيا إلى إيطاليا-؛ غير أننا لسنا واثقين من أن الوباء الذي اجتاح نابلي في عام 1495 هو الزهري عينه(35)، والعظام التي يمكن أن يفسر ما فيها من تغيرات على أنه من فعل الزهري جد نادرة في المخلفات الأوربية قبل عهد كولمبس، لكن عظاماً كثيرة من هذا النوع قد وجدت في أمريكا من مخلفات العهود السابقة لرحلة كولمبس (36).
ومهما يكن مصدر المرض الجديد، فإنه انتشر بسرعة مروعة، ويلوح أن سيزارى بورجيا قد أصيب به في فرنسا، كما أصيب به أيضاً كثير من الكرادلة ويوليوس الثاني نفسه؛ على أننا يجب أن ندخل في حسابنا إمكان انتقال العدوى به عن طريق الاختلاط البريء بأشياء أو أشخاص تحمل أو يحملون جرثومة المرض النشيطة. وكان الطفح الجلدي يعالج في أوربا من زمن بعيد بالمرهم الزئبقي؛ أما في الوقت الذي نتحدث عنه فقد أصبحت مركبات الزئبق شائعة شيوع البنسلين في هذه الأيام. وكان الجراحون والدجالون يسمون بالكيميائيين لأنهم حولوا الزئبق إلى ذهب، واتخذت إجراءات للوقاية من الداء. من ذلك أن قانوناً صدر عام 1496 يحرم على الحلاقين قبول المصابين بالزهري أو استخدام الآلات التي استعملوها أو استعملت لهم. وتقرر فحص العاهرات مرارا أكثر من ذي قبل، وحاولت بعض المدن تجنب هذه المشكلة بطرد المومسات منها؛ فنفتهن فيرارا وبولونيا في عان 1496 بحجة أنهم مصابات "بنوع من الطفح السري يسميه بعضهم بجذام القديس أيوب"(38). ودعت الكنيسة إلى العفة لأنها هي طريق الوقاية الذي يحتاجه الناس وعمل بهذه النصيحة كثيرون من رجال الدين.
وكان أول من أطلق لفظ Syphilis (الزهري) على هذا الداء هو جرولامو فراكستورو Girolamo Fracastoro أحد الأشخاص ذوي المواهب المتعددة ولكنه مع ذلك من جلة العلماء في عصر النهضة. وقد بدأ
حياته بداية طيبة: فقد ولد في فيرونا (1483) من أسرة شريفة أنجبت قبله عددا من الأطباء المشهورين. ودرس في بدوا كل شيء تقريبا؛ وكان من زملائه في الدرس كوبرنيق وكان بمبونتسي Pomponazzi وأكليني Achilini يعلمانه الفلسفة والتشريح، ولما بلغ الرابعة والعشرين من العمر كان هو أستاذ للمنطق ثم ما لبث أن أعتزل هذا العمل ليخصص نفسه للبحث العلمي بوجه عام والبحث الطبي بوجه خاص تخففه رغبة قوية في دراسة الآداب القديمة. وأثمر جمعه بين العلوم والآداب على هذا النحو شخصية مصقولة مهذبة. كما أثمر قصيدة رائعة مكتوبة باللغة اللاتينية على نمط قصيدة الفلاحة Georgics لفرجيل سماها الزهري، النجاة من الداء الفرنسي Syphilis, sive le morlo gallico (1521). وكان الإيطاليون من أيام لكريتيوس قد برعوا في كتابة القصائد التعليمية، ولكن من الذي كان يظن أن المطوقات المتناوبة يمكن أن يتحدث عنها بشعر سلس؟ أما لفظ سِفِلس فكان يطلق في الأساطير القديمة على راع اعتزم إلا يعبد الله الذي لا يستطيع رؤيته، بل يعبد الملك، وهو وحده سيد قطعانه الذي يمكنه أن يراه؛ ولذلك غضب منه أبلو فملأ الهواء بأبخرة كريهة أصيب منها سفلس بمرض مصحوب بطفح وخراجات في جميع أجزاء جسمه؛ تلك في جوهرها هي قصة أيوب. واقترح فراكستورو أن يبحث عن أول ظهور "مرض شديد الوطأة، نادر لم ير قط في القرون الماضية اجتاح أوربا كلها ومدن آسية وليبيا المزدهرة وغزا إيطاليا في تلك الحرب المشئومة التي كانت سببا في اشتقاق اسمه من بلاد غالة (فرنسا) ليتبين مبدأ ظهوره، وانتشاره الوبائي، وأسبابه، وعلاجه. وهو يرتاب في أن المرض قد وفد من أمريكا، لأن ظهوره كاد يكون في وقت واحد في كثير من بلاد أوربا البعيدة
بعضها عن بعض. ويقول إن العدوى؛ "لم تكن تظهر في الحال، بل كانت تبقى كامنة فترة من الزمن قد تطول أحيانا إلى شهر... بل إلى أربعة أشهر. وكانت قرح صغيرة تبدأ في الظهور في معظم الحالات على الأعضاء التناسلية... ثم تظهر على الجلد بعدئذ بثرات عليها غشاء... ثم تأكل هذه البثرات المتقرحة الجلد... وتصل عدواها إلى العظام نفسها... وتتآكل في بعض الحالات الشفتان، أو الأنف ، أو العينان، وفي حالات أخرى تتآكل جميع الأعضاء التناسلية"(39).
ثم تمضي القصيدة فتبحث في علاج هذا الداء بالزئبق أو بالجواياك (صمغ خشب الأنبياء)- وهو "خشب مقدس" يستعمله هنود أمريكا. وتحدث فرانكستورا في كتاب آخر منثور يسمى العدوى عن بعض الأمراض المعدية- كالزهري، والتيفوس، والتدرن- وطرق انتشارها. واستدعاه بولس الثالث في عام 1545 ليكون كبير الأطباء لمجلس ترنت. وأقامت فيرونا نصبا عظيما تخليدا لذكراه، ونقس جيوفني دال كافينو Giovanni dal Cavino صورته على مدلاة تعد من أجمل التحف الفنية التي من نوعها.
وكانت العادة المتبعة قبل عام 1500 أن يطلق على جميع الأمراض المعدية على اختلاف أنواعها ذلك الاسم العام الشامل وهو "الطاعون". ثم كان من الأعمال الدالة على تقدم الطب أنه قد ميز في وضوح وشخص طبيعة هذا الوباء الخاص؛ وأعد العدة لمقاومة انتشار مرض خطير كالزهري. ولم يكن الاعتماد على أبقراط وجالينوس كافيا في هذه الأزمة الطاحنة؛ كما أنه لم يكن في مقدور مهنة الطب أن تواجه هذه التجربة الغير متوقعة إلا لأنها قد أدركت ضرورة الدراسة المفصلة الدائمة التجدد لأعراض هذا الداء، وأسبابه، وطرق علاجه بتجارب تجرى في ميدان دائم الاتساع متصلة بعضها ببعض على الدوام.
وإلى هذه المؤهلات العالية، وغلى الإخلاص في العمل، والنجاح فيه،
يرجع فضل اعتراف الناس بأن الطبقة الممتازة من الأطباء تمثل في إيطاليا أرستقراطية عصامية لم ترث المجد عن الآباء والأجداد. ولما أن فصل أولئك الأطباء مهمتهم عن الكنيسة فصلا تاماً، أصبح الناس يجلونهم أكثر مما يجلون رجال الدين؛ فلم يكن كثيرون منهم مستشاري الأمراء، والأحبار، والملوك في الطب فحسب، بل كانوا إلى ذلك مستشاريهم السياسيين، وكثيرًا ما كانون رفاقهم المحببين. وكان كثيرون منهم من الكتاب الإنسانيين، ملمين بالآداب القديمة؛ يجمعون المخطوطات والروائع الفنية؛ وكثيرًا ما كانوا أصدقاء كبار الفنانين وثيقي الاتصال بهم. وآخر ما نقوله عنهم أن كثيرين منهم قد حققوا المثل الأبقراطي الأعلى وهو الجمع بين الفلسفة والطب ، فكانوا يتنقلون في يسر من موضوع إلى موضوع في دراساتهم وفي تعليمهم، ولبثوا في الهيئة المهنية الفلسفية المتآخية حافزاً لإخضاع أفلاطون، وأرسطو، وأكوناس- كما أخضعوا أبقراط، وجالينوس، وابن سينا- للفحص المتجدد، الجريء الذي يهدف إلى معرفة الحقيقة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق