إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1077 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> الفلسفة الفصل الرابع الفلسفة


1077

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> الفلسفة

الفصل الرابع


الفلسفة


يبدو من أول نظرة أن النهضة الإيطالية لم تثمر محصولا موفوراً من الفلسفة، ذلك أن محصولها هذا لا يمكن أن يضارع ما أثمرته الفلسفة المدرسية الفرنسية في أيام عزها من عهد أبلار إلى عهد أكوناس، دع عنك "مدرسة أثينة الفلسفية". وأعظم الأسماء التي اشتهرت بها في الفلسفة (إذا تجاوزنا الزمن الذي يحدد عادة لنهاية النهضة) هو جيور دانو برنو Giordano Bruno (1548-1600)؛ وعمل هذا الرجل خارج نطاق الفترة التي ندرسها في هذا الكتاب. ويبقى بعد ذلك اسم بمبونتزي Pomponazzi، ولكن منذا الذي يعظم الآن هذا الصارخ المتشكك الجريء المسكين؟
وقد احتضن الإنسانيون مبادئ الثورة الفلسفية حين اكتشفوا ونشروا بحذر عالم الفلسفة اليونانية ولكنهم كانوا في معظم الأحوال- إذا استثنينا فلا Valla- أكثر دهاء وحرصاً من أن يعرضوا معتقداتهم جهرة. وكان أساتذة الفلسفة في الجامعات تقف في سبيلهم تقاليد الفلسفة المدرسية؛ ولهذا فإنهم بعد أن قضوا سبعة أعوام أو ثمانية يضربون في تلك البيداء انتهوا إما إلى الخروج منها إلى ميادين أخرى من الدراسة وإما إلى دفع أجيال أخرى إليها، بعد أن مجدوا لهم ما صادفوه من العوائق التي حطمت إرادتهم ووصلت بعقولهم سالمة إلى غاية عقيمة لا حياة فيها. ومن يدري لعل الكثيرين منهم أحسوا بقسط من السلامة العقلية والاقتصادية والاقتصار على المسائل الخفية الغامضة يصوغونها بعناية وحذر في مصطلحات مجدية غير مفهومة المعنى؟ وكانت الفلسفة المدرسية لا تزال في معظم الكليات الفلسفية خاضعة للتقاليد

والرسميات، وقد أخذت أطرافها تتجمد استعدادا للموت والفناء؛ وأصبحت المسائل القديمة التي كانت مثار الجدل في العصور الوسطى يعاد النظر فيها بأساليب الجدل القديمة التي كانت متبعة في تلك العصور، ويبذل في هذا الجدل كثير من الجهد والعناء ثم تنشرها هيئة التدريس في الكليات مزهوة بها مفتخرة.
وكان ثمة عنصران من عناصر الحياة يعملان لإحياء الفلسفة: هما النزاع القائم بين الأفلاطونيين والأرسطوطاليين، ثم انقسام الأرسطوطاليين أنفسهم إلى متمسكين بتقاليدهم القديمة ورشديين . وأضحى هذا النزاع في بولونيا وبدوا مبارزة حقيقية ومسائل حياة أو موت بمعناهما الحرفي. وكانت كثرة الإنسانيين أفلاطونية بتأثير جمستس بليتو Gemistus Pletho، وبساريون Bessarion؛ وثيودورس جادسا Fheodorus Gaza، وغيرهم من اليونان وقد سكروا بخمر المحاورات، وكان من العسير عليهم أن يفهموا كيف يطبق أي إنسان المنطق الجاف، وما حواه كتاب الأرغانوق الهزيل، والطريقة "الوسطى الذهبية" الرصاصية التي ينادى بها أرسطو الحذر. ولكن هؤلاء الأفلاطونيين كانوا يصرون على أن يبقوا مسيحيين؛ وكأنما كان مارسليو فتشينو Marsilo Ficino ممثلا لهم ومندوبا عنهم حين كرس نصف حياته للتوفيق بين أسلوبي التفكير المختلفين. ولكي يحقق هذا الغرض شرع يدرس دراسة واسعة، وتوسع في هذه الدراسة حتى شملت زردشت وكنفوشيوس. ولما وصل في دراسته إلى أفلوطين، وترجم هو نفسه الانيازات، أحس أنه عشر في الأفلاطونية الحديثة الصوفية على الخيط الحريري الذي يستطاع به ربط أفلاطون بالمسيح. وحاول أن يصوغ هذا الارتباط في كتابه اللاهوت الأفلاطوني Theologia Platonica وهو خليط

مهوش من الدين القويم، والإيمان بالعلوم الخفية، والهلينية، ووصل فيه بعد تردد وإحجام إلى نتيجة من نوع مذهب الأحدية فقال إن الله هو روح العالم. وأصبح هذا هو فلسفة لورندسو والملتفين حوله، والمجامع العلمية الأفلاطونية في روما، ونابلي، وغيرهما من البلاد؛ ووصلت هذه الفلسفة من نابلي إلى جيوردانو برونو، ثم انتقلت من برونو إلى أسبنوزا، ومنه إلى هيجل، ولاتزال حية قائمة إلى يومنا هذا.
ولكنهم كانوا يجدون ما يقولونه دفاعا عن أرسطو وخاصة إذا أسيء فهمه وتفسيره. ترى هل كان أكوناس على حق حين فهم أنه يقول بالخلود السخصي، أو هل كان ابن رشد محقا حين فهم من كتاب النفس أنه لا يؤكد عدم الموت إلا لنفس بني الإنسان الكلية؟ وكان ابن رشد الرهيب ذلك الفيلسوف العربي المرعب، الذي ظل الفن الايطالي زمنا طويلا يصوره منكبا على وجهه تحت قدمي القديس تومس، كان ابن رشد هذا منافساً يدعو إلى غلبة الفلسفة الأرسطوطالية بلغ من قوته أن أضحت بدوا وبولونيا تعجان بإلحاده. وكانت بدوا هي التي أضاع فيها مرسيلوس، الذي تسمى باسمها، احترامه للكنيسة . وفي بدوا استقى فلبو ألجيري دانولا Algeri da Nola Filippo برونو المولود في نولا نفسها تلك الأخطاء المروعة التي لقى فيها ذلك المصير المحزن إذ ألقى به في برميل من القار وهو يغلي(40). ويبدو أن نقولتو فرنياس Nicoletto Vernias. كان، وهو أستاذ للفلسفة في بدوا (1471-1499)، يعلم فيها العقيدة القائلة إن النفس الكلية العالمية وحدها، لا النفس الفردية، هي الخالدة(41)، وعرض تلميذه أجستينو نيفو Agostino Nifo هذه الفكرة نفسها في رسالة له

تدعى De intllectu et daemonibus، (1492). وكان المتشككة يسعون في العادة إلى تهدئة ثائرة محكمة التفتيش بأن يفرقوا (كما كان ابن رشد يفرق) بين نوعين من الحقيقة- الدينية والفلسفية: فيقولون إن قضية من القضايا يمكن رفضها في الفلسفة إذا نظر إليها من ناحية العقل، ولكنها مع ذلك يمكن قبولها على أساس الإيمان إذا أخذنا بقول الكتاب المقدس أو الكنيسة. وعبر نيفو عن هذا المبدأ ببساطة كان فيها جريئا متهورا فقال: "يجب أن نتحدث كما يتحدث الكثيرون، ويجب أن نفكر كما يفكر القليلون(42). وبدل نيفو رأيه أو بدل أقواله لما تبدل لون شعره وتصالح مع مبادئ الدين القويم، وكان وهو أستاذ الفلسفة في بولونيا يجتذب الأعيان، وكرائم السيدات، وجماهير لا تحصى، محاضراته المصحوبة بالتهجم والسخرية، والمحلاة بالقصص والفكاهة. وأصبح من الناحية الاجتماعية أكثر معارضي بمبونتسى نجاحاً.
وكان بيترو بمبوتتسي، القنبلة المجهرية لفلسفة النهضة، ضئيل الجسم إلى حد جعل أصفياءه يسمونه بريتو Peretto - أي "بطرس الصغير". ولكنه كان كبير الرأس، عريض الجبهة، أقنى الأنف، صغير العينين، نفاذهما أسودهما، وكان رجلا يأخذ الحياة والفكر مأخذاً جدياً أليما. وقد ولد في مانتو (1462) ودرس الفلسفة والطب في بدوا، ونال الدرجتين فيهما وهو في سن الخامسة والعشرين، ولم يلبث أن أصبح أستاذاً في جامعة تلك المدينة نفسها وغمرته جميع تقاليد فلسفة بدوا المتشككة، وبلغت فيه غايتها، حتى قال في فانيني Vanini المعجب به: "لقد كان يحق إلى فيتاغورس أن يحكم بأن روح ابن رشد قد تقمصت جسم بمبونتسي(43). ويلوح أن الحكمة تكون على الدوام تجسيداً لحكيم قديم أو صدى لأقواله لأنها تبقى على الدوام دون أن يطرأ عليها تغيير بعد أن تمر بآلاف الأنواع المختلفة المتتابعة من الأغلاط.

ووصال بمبونتسي التدريس في بدوا من 1495 'لى 1509، ثم اجتاحت أعاصير الحرب المدينة وأغلقت قاعات جامعتها التاريخية. وفي عام 1512 نجده مستقرا في جامعة بولونيا حيث بقي إلى آخر أيام حياته، وتزوج ثلاث مرات، وظل على الدوام يحاضر عن أرسطو، ويشبه في تواضع جم علاقته بأستاذه بدودة تحاول ارتياد مجاهل فيل(44). وكان يرى أن من الأسلم له ألا يعرض آراءه كأنه هو صاحبها، بل أن يعرضها على أنها متضمنة في آراء أرسطو كما شرحه أسكندر الأفروديسي. وكانت طريقته تبدو أحيانا مسرفة في التواضع؛ يظهر فيه الخضوع الشديد للسلطة الميتة. غير أنه لما كانت الكنيسة تدعى أن عقائدها هي نفسها عقائد أرسطو، متبعة في ذلك رأي أكوناس، فلعل بمبونتسي كان يشعر بأن الجهر بأية عقيدة خارجة على سلطان الكنيسة عقيدة أرسطوطالية بحق ستؤدي إلى غضب رجال الدين، إن لم تؤد به هو نفسه إلى الحرق حياً. ذلك أن مجلس لاتران الخامس الذي عقد برياسة ليو العاشر (1513) أدان كل من يقول إن النفس واحدة لا تتجزأ في جميع الناس، وغن النفس الفردية يحق عليها الفناء ونشر بمبونتسي بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت أكبر كتبه المسمى في خلود النفس الذي حاول فيه أن يثبت أن هذا الرأي الذي رفضه المجلس هو رأى أرسطو بحذافيره، فأرسطو حسبما يرى بترو يقول إن العقل يعتمد على المائدة في كل خطوة من خطى تفكيره، وإن أكثر المعارف تجريداً تستقى في آخر الأمر من الحواس؛ وإن العقل لا يستطيع أن يؤثر في العالم إلا عن طريق الجسم؛ ولهذا فإن النفس المجردة عن الجسم، إذا بقيت بعد الإطار الفاني، لا تكون إلا طيفا لا حول له ولا عمل يقوم به. ويختم بمبونتسي حديثه بأن من واجبنا بوصفنا مسيحيين ومن أبناء الكنيسة المخلصين لها، أن نؤمن بخلود النفس الفردية؛ أما بوصفنا فلاسفة فليس هذا من واجبنا, ويبدو أنه لم يدر قط بخلد بمبونتسي أن دعواه لا تستقيم أمام دعوى

الكنيسة التي كانت تقول ببعث الجسم والروح جميعاً؛ ولعله لم يكن يحمل هذه العقيدة على محمل الجد، ولم يكن يظن أن قراءة أنفسهم سيحملونها على هذا المحمل. ومبلغ علمنا أن أحداً لم يُثر رأيه هذا ضده.
وأثار الكتاب عاصفة من الاحتجاج، وأقنع الرهبان الفرنسيس دوج البندقية بأن يأمر بإحراق كل ما يمكن العثور عليه من نسخة علناً؛ ونفذ هذا الأمر فعلا. ثم قدمت الاحتجاجات إلى المحكمة البابوية، ولكن بمبو وببيبا كانت لهما مكانة سامية في مجالس ليو، وأكدا له أن النتائج التي يعرضها الكتاب سليمة ليس فيها ما يعارض الدين الصحيح، والحق أنها كانت كذلك. ولم يستطع المعارضون أن يسخروا ليو لما كانوا يريدون، وقد كان يعرف حق المعرفة تلك الحيلة الصغيرة حيلة الحقيقتين التي يقول بها بمبونتسي بكتابة كلمة لطيفة يعلن بها خضوعه للكنيسة(45). وأجابه بترو إلى ما طلب وأصدر كتاب الاعتذار (1518) الذي يؤكد فيه بوصفه مسيحيا بان يؤمن بكل تعاليم الكنيسة. ثم أمر ليو حوالي ذلك الوقت أجستينو بأن يرد على كتاب بمبونتسي؛ وإذا كان أجستينو مولعاً بالجدل، فقد قام بهذه المهمة بحذق وسرور. ومن عجب أنه بينا كان رأس بمبونتسي معلقاً في ميزان محكمة التفتيش، إذا صح التعبير، كانت ثلاث جامعات تتنافس للانتفاع بخدماته؛ ولعل في هذا التنافس دليلا على أن العداء بين الجامعات ورجال الدين كان لا يزال قائماً لم تنقطع أسبابه. فلما أن سمع رجال الحكم في بولونيا أن بيزا تسعى لإغرائه بالمجيء إليها، وكانت وقتئذ خاضعة رسميا للبابا، ولكنها مع ذلك أصمت أذنها عن سماع نداء الرهبان الفرنسيس الحانقين، أطالت بقاء بمبونتسي فيها ثماني سنين أخرى ورفعت مرتبه إلى 1600 دوقة (20.3000 ؟ دولار) في العام(46).

وواصل بمبونتسي حملته التي يدعو فيها إلى التشكك في كتابين صغيرين لم ينشرهما في حياته. أرجع في أحدهما المسمى De incantione كثيراً من الظواهر الخارقة للطبيعة كما يزعم الناس إلى أسباب طبيعية. وكان سبب تأليفه أن طبيباً كتب إليه عن علاج شاف يقال إنه ثمرة رقى أو سحر، فأمره بيترو أن يشك في الأمر وكتب له يقول: "إن من السخف ومما يدعو إلى السخرية أن يحتقر الإنسان ما هو واضح وطبيعي لكي يلجأ إلى علة غير واضحة لا يؤكد صحتها أي احتمال موثوق به"(47). وهو بوصفه مسيحيا يؤمن بالملائكة والأرواح، ولكنه بوصفه فيلسوفا يرفضها، ويقول إن جميع العلل في عالم الله طبيعية. وهو يتأثر بتدريبه الطبي فيسخر بالاعتقاد الشائع في المصادر السحرية الخفية الشافية من الأمراض ويقول إنه لو كان في مقدور الأرواح أن تشفي أمراض الأجسام لكانت هذه الأرواح مادية أو كانت تستخدم وسائل مادية كي تستطيع أن تؤثر في جسم مادي، ثم يمضي فيصور في سخرية الأرواح السافية تهرول غادية رائحة ومعها ما لديها من جبس، ومرهم، وحبوب(48). على أنه يعتقد أن لبعض النباتات والحجارة قوة علاجية، ويصدق المعجزات الواردة في الكتاب المقدس، ولكنه يظن أنها كانت عمليات طبيعية، ويقول إن الكون تسيطر عليه قوانين ثابتة منسقة، وإن المعجزات ليست إلا مظاهر غير عادية لقوى طبيعية لا نعرف نحن إلا جزءاً من قدرتها ووسائلها، والناس يعزون إلى الأرواح أو إلى الله ما لا يستطيعون إدراكه بعقولهم(49). ويصدق بمبونتسي كثيرا مما ورد في التنجيم دون أن يرى في ذلك ما يتعارض مع هذه النظرة، نظرة العلل الطبيعية للأشياء؛ وهو لا يقول إن حياة الآدميين خاضعة لتأثير الأجرام السماوية فحسب، بل يضيف إلى ذلك أن جميع الأنظمة البشرية، ومنها الأديان نفسها، تنشأ، وتزدهر، وتضمحل بفعل المؤثرات السماوية، ويصدق هذا أيضا في رأيه على المسيحية، ويقول إن ثمة في تلك الأيام

دلائل على أن المسيحية آخذة في الزوال(50)؛ ثم يقول بعدئذ إنه بوصفه مسيحيا يرفض هذا كله ويراه سخفاً وهراء.
أما كتابه الأخير De Fato فيبدو أنه أكثر اتفاقا مع الحقائق العلمية لأنه دفاع عن حرية الإرادة؛ وهو يعترف بأنه هذه الحرية لا تتفق مع علم الله بكل شيء ومعرفته بكل شيء قبل وقوعه، ولكنه يصر على اعتقاده بحرية الإنسان في نشاطه وعلى أنه لابد له أن يفترض في الإنسان قسطا من حرية الاختيار إذا كان للإنسان شيء من التبعة الأخلاقية. وكان في رسالته عن الخلود قد عالج إمكان نجاح أي قانون أخلاّ إذا لم يستند إلى العقاب والثواب تفرضهما قوة غير بشرية. وآمن بفخر شبيه بافتخار الرواقيين أن الفضيلة نفسها جزاء كاف للفضيلة، وليس ذلك الجزاء جنة بعد الموت(51)، ولكنه يقر بأنه لا يمكن حمل معظم الناس على مراعاة السلوك الحسن إلا بالاعتماد على الآمال والمخاوف يتلقونها من قوة غير بشرية. وهذا فيما يقول، هو الذي دعا كبار المشرعين إلى أن يغرسوّا في نفوس الناس الإيمان بوجود حالة في المستقبل تحل محل الشرطة التي لا يخلو منها مكان، وأكثر منها اقتصادا، ويبرر، كما يبرر أفلاطون تلقين الناس الخرافات والأساطير إذا كان في مقدورها أن تساعد على كبح جماح ما فطر عليه الآدميون من خبث(52).
"ولهذا وعدوا الصالحين بالنعيم السرمدي في الدار الآخرة، وأنذروا الصالحين بالعقاب الأبدي الذي يرعبهم أشد الرعب. والكثرة الغالبة من الناس، إذا فعلوا الخير، إنما يفعلونه خوفاً من العقاب الأبدي لا أملا في النعيم السرمدي، لأنا أكثر علما بالعقاب من تلك النعم السرمدية. وإذ كان في وسع الناس جميعاً أياً كانت طبقتهم أن يفيدوا من هذه الطريقة الأخيرة، فإن المشرع، وهو يرى ميل الناس إلى الشر وينزع هو إلى الخير العام، قد نادى بأن النفس الخالدة، غير مبال في ندائه هذا بالحقيقة، وإنما يعنى

بالخير والصلاح، كي يستطيع بذلك أن يهدي الناس إلى الفضيلة(52أ).
وهو يرى أن الكثيرين من الناس يبلغون من السذاجة في العقل، والوحشية في الأخلاق درجة لابد معها من معاملتهم كما يعامل الأطفال أو المرضى، وليس من الحكمة أن يعلم هؤلاء العقائد الفلسفية. ويقول عن آرائه هو: " يجب ألا تنقل هذه الأشياء لعامة الناس لأنهم يعجزون عن تلقي هذه الأسرار، بل إن من واجبنا أن نحذر من التحدث عنها إلى رجال الدين الجهلاء"(53) وهو يقسم بني الإنسان إلى فلاسفة ورجال دين، ويعتقد اعتقاداً لا يصح لنا أن نلومه عليه وهو أن "الفلاسفة وحدهم هم آلهة الأرض، وأنهم يختلفون عن سائر الناس أيا كانت مراتبهم وأحوالهم، يقدر ما يختلف الناس الأحياء عن تلك الصور المرسومة على القماش"(54).
وكان في اللحظات التي هو فيها أكثر تواضعاً منه في غيرها يدرك ضيق مجال العقل البشري وما في الميتافيزيقيا من عبث شريف. وقد صور نفسه في سنيه الأخيرة رجلا منهوكاً هزيلا، حائرا، وشبه الفيلسوف بيروميثيوس الذي حكم عليه بأن يشد إلى صخرة وأن ينقر قلبه صقر لا ينقطع عن ذلك أبداً(55) لأنه أراد أن يسرق النار من السماء- أي أن يختطف المعرفة الإلهية. ويقول في هذا: "إن المفكر الذي ينقب عن الأسرار الإلهية الخفية ليشبه بروتيوس Proteus ... فمحكمة التفتيش تحاكمه بتهمة الإلحاد، والجماهير تسخر منه لأنه أبله"(56).
وأنهك الجدل الذي شغل كثيراً من وقته قواه وأضعف صحته، فكان ينتابه الداء في أثر الداء حتى اعتزم أخيراً أن يموت، فأختار إلى الانتحار أشق صورة من صوره: إذا آثر أن يموت جوعاً، فقاوم كل حجة يراد بها حمله على العدول عن قراره وكل تهديد وجه إليه، وتغلب على القوة نفسها وأبى أن يتناول شيئاً من الطعام أو الشراب، فلما مضت على هذا النظام الصارم سبعة أيام شعر بأنه كسب المعركة التي تقرر حقه في أن يموت،

وأن يستطيع وقتئذ أن يتكلم وهو آمن فقال: "إني أفارق الحياة مسروراً ولما سأله بعضهم: أنى تذهب؟ أجاب "إلى حيث يذهب جميع الخلائق الهالكين". ويبذل أصدقاؤه آخر جهودهم ليقنعوه بأن يتناول بعض الطعام، ولكنه أنى وفضل الموت (1525)(57). وأمر الكردنال جندساجا الذي كان تلميذاً له أن تنقل رفاته إلى مانتوا وأن توارى في ثراها، وأقام فيها تمثالا تخليدا لذكراه، وجرى في هذا على سنة التسامح التي تسود عصر النهضة.
ولقد عمد بمبونتسي إلى التشكك الذي ظل قرنين كاملين يحطم أسس العقائد المسيحية فصاغه في صورة فلسفية. واجتمعت عوامل كثيرة لتجعل الطبقات الوسطى والعليا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر "أكثر الشعوب الأوربية تشككاً"(58)، نذكر منها إخفاق الحروب الصليبية؛ انتشار الأفكار الإسلامية في العالم الغربي بتأثير الحروب الصليبية، والتجارة، والفلسفة العربية؛ وانتقال البابوية إلى أفنيون، وانقسامها السخيف على نفسها في عهد الانشقاق الكبير؛ وتكشف عالم وثني يوناني- روماني مليء بالحكماء والفن العظيم رغم خلوه من الكتاب المقدس ومن الكنيسة؛ وانتشار التعليم وتحرره المتزايد من السيطرة الكهنوتية؛ وفساد أخلاق رجال الدين ومنهم البابوات أنفسهم وانهماكهم في شؤون الدنيا مما يوحي بعدم إيمانهم بما يجهرون به من عقائد؛ واستخدامهم فكرة المطهر لجمع المال لأغراضهم الخاصة، ومعارضة طبقات التجار وأصحاب المال الناشئة لسيطرة رجال الكنيسة؛ وتحول الكنيسة من منظمة دينية إلى سلطة دنيوية سياسية، هذه العوامل كلها وكثير غيرها هي التي أدت إلى النتيجة السالفة الذكر.
ويتضح من شعر بولتيان وبلتشي Pulci وفلسفة فتشينو Ficino، أن لوندرسو والملتفين حوله لم يكونوا يؤمنون إيماناً حقاً بحياة في الدار الآخرة؛

كما أن عواطف مدينة فيرارا تتضح من استهزاء أريستو بالجحيم الذي كان يبدو لدانتي من قبل رهيبا بحق. ويكاد نصف الأدب في العصور الوسطى يكون معارضا للكهنوت؛ وكان كثيرون من رؤساء العصابات المغامرة يجهرون بكفرهم(59)، كما كان رجال الحاشية Cortigiani أقل تدينا من العاهرات Cortigiane، وكان التشكك في أدب وظرف سمة السيد المهذب، والصفة التي ينبغي له أن يتصف بها(60). وكان بترارك يأسف لأن كثيرين من رجال العلم يرون أن تفضيل الدين المسيحي على الفلسفة الوثنية دليل على الجهل(61)؛ وتبين أن معظم أفراد الطبقة العليا في البندقية في عام 1530 يهملون أداء الواجبات الدينية في عيد الفصح أي أنهم لا يذهبون للاعتراف وللعشاء الرباني ولو مرة واحدة في العام(62). ويقول لوثر أنه وجد قولاً شائعاً بين الطبقات المتعلمة في إيطاليا حين يذهبون للقداس: "هيا بنا نرتكب الخطأ الذي يرتكبه العامة"(63).
أما عن الجامعات فإن الحادثة الآتية العجيبة تكشف عن مزاج الأساتذة والطلبة: دُعى سيمونى بوردسيو Simone Porzio تلميذ بمبونتسي بعد وفاة أستاذه بقليل ليحاضر في بيزا، فأختار موضوعاً لمحاضراته كتاب المتيورولوجيا لأرسطو. ولكن المستمعين لم يعجبهم هذا الموضوع، وصاح بعضهم بعد أن نفذ صبرهم: "وماذا تقول في النفس؟ quid de anima". واضطر بوردسيو إلى أن يطرح كتغاب الميتوروجيا جانباً ويتناول كتاب النفس وسرعان ما كان المستمعون كلهم آذاناً صاغية(64). ولسنا نعرف هل جهر بوردسيو في تلك المحاضرة باعتقاده أن النفس البشرية لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن نفس أسد أو نبات؛ ولكننا نعرف أن هذا هو ما كان يدعو إليه في كتابه العقل البشري De mente humana (65)؛ ويبدو أنه لم يصب بأي أذى من جراء دعوته هذه. وروى يوجينيو طرالبا

Euginio Tarralba، الذي اتهمته محكمة التفتيش الأسبانية في عام 1528، أنه كان في شبابه يأخذ العلم في روما على ثلاثة من المعلمين يقولون كلهم إن النفس هالكة(66). ودهش إرمس إذ وجد في روما أن المبادئ الأساسية للدين المسيحي كانت موضوعات للجدل المتشكك بين الكرادلة أنفسهم؛ وأن واحداً من رجال الكنيسة أخذ يشرح له سخف الاعتقاد بحياة في الدار الآخرة؛ وكان غيره يسخرون من المسيح والرسل؛ وكان غيرهم، كما يؤكد إرزمس نفسه، يقولون إنهم سمعوا كبار الموظفين البابويين ينكرون القداس ويسبونه(67). أما الطبقات الدنيا فقد ظلت مستمسكة بأيمانها، كما سنرى بعد؛ وما من شك في أن الآلاف المؤلفة الذين أنصتوا إلى سفنرولا كانوا يؤمنون بما يسمعون؛ ولنا في المثل الذي ضربه فتوريا كولنا ما يدل على أن التقى قد يبقى مع العلم. لكن سهام الشك كانت قد نفذت في العقيدة الكبرى؛ وكانت روعة أسطورة العصور الوسطى قد لوثها ما تراكم عليها من ذهبها.





يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق