إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1075 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> العلوم الفصل الثاني العلوم


1075

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> العلوم

الفصل الثاني


العلوم


لم يكن سبب تأخر العلوم هو مقاومة الكنيسة. بل كان ما يتمسك به الناس من خرافات وأوهام. ولم تكن الرقابة على النشر عقبة كأداء في سبيل العلم إلى أن قامت حركة الإصلاح المعارضة عقب مجلس ترنت (1545 وما بعدها)، فقد جاء سكستس الرابع إلى روما (1463) بأشهر منجم عاش في القرن الخامس عشر وهو جوهان ملر رجيو "مونس" Johan Muller ."Regiomontnus" وكان كوبرنيق في عهد البابا ألكسندر يدرس العلوم الرياضية والفلك في جامعة روما، ولم يكن كوبرنيق هذا قد وصل بعد إلى نظريته التي هزت كيان العالم والتي تقول بدوران الأرض في فلكها حول الشمس، ولكن نقولاس الكوزائي Nicholas of Cusa كان قد أشار إليها قبل ذلك الوقت، وكلاهما من رجال الدين. وكانت محكمة التفتيش ضعيفة ضعفا نسبيا في إيطاليا طوال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وكان من أسباب هذا الضعف بعد البابوات عنها في أفنيون، وما قام بينهم من نزاع أثناء عهد الانشقاق، وما وصل إليهم من عدوى الاستنارة في عهد النهضة. وحدث في عام 1440 أن حاكمت محكمة التفتيش في ميلان أماديو ده لاندى Amadeo de' Landi صاحب النزعة المادية، وبرأته مما عزى إليه، وحمى نصير جبريلي ده سالو Gabriele de Salo هذا الطبيب الملحد من محكمة التفتيش مع أنه "اعتاد أن يقول إن المسيح ليس هو الله بل هو ابن يوسف"(67). وكان التفكير في إيطاليا أكثر حرية والتعليم فيها أكثر تقدما مما كانا في أي بلد آخر خلال القرن الخامس عشر وفي أوائل القرن السادس عشر. وكانت مدارسها التي تعلم

الفلك، والقانون، والطب، والآداب ملتقى الطلاب من أكثر عشرة أقطار، ولما أن أتم تومس ليماكر Thomas Lamacrel الطبيب والعالم الإنجليزي دراسته الجامعية في إيطاليا وقفل راجعا إلى إنجلترا في جبال الألب الإيطالية مذبحاً، ودشنه وهو يلقي آخر نظرة على إيطاليا باسم هذه البلاد الأم الحنون للعلم منشئة الدراسات وجامعة العالم المسيحي التي يواصل فيها العلماء دراساتهم بعد تخرجهم.
وإذا لم يكن العلم قد تقدم خلال القرنين السابقين على أيام فيساليوس Vesalius، (1514-1564) إلا تقدما يسيرا في هذا الجو المشبع بالخرافات من أسفل، وبالتحرر العقلي من أعلى، فقد كان أكبر السبب في هذا أن المناصرة والتكريم كانا موجهين إلى الفن، والمنح مخصصة للادب، وللشعر، ولم تكن قد قامت بعد دعوة واضحة للأساليب والأفكار العلمية في حياة إيطاليا الاقتصادية والعقلية. وكان يسع رجلا مثل ليوناردو أن يكون ذا نظرة كونية شاملة، ويمس أكثر من عشرة علوم بعقلية الطُّلعَة المتشوف، ولكن البلاد كانت خالية من المعامل العلمية الكبرى، وكان تشريح الأجسام لا يزال في بدايته، ولم يكن ثمة مجهر يستعان به على دراسة علم الاحياء أو الطب، أو مرقب يكبر الكواكب ويأنى بالقمر على حافة الأرض. وكان حب الجمال السائد في العصور الوسطى قد نضج حتى عاد فنا فخما جليلا، ولكن لم يكن في تلك العصور حب للحقيقة ينمو حتى يصير علما، وكان كشف الآداب القديمة قد بعث في الناس نزعة أبيقورية متشككة تمجد القديم وتتخذه مثلا أعلى بدل أن تجعلهم يخلصون إخلاص الرواقيين للبحوث العلمية التي تهدف إلى تشكيل المستقبل. ذلك أن النهضة قد وهبت روحها للفن، ولم تترك للادب منها إلا القليل، وتركت أقل من هذا القليل للفلسفة، وأقل من هذا وذاك العلوم. ولهذا كان ينقصها من هذه الناحية ذلك النشاط العقل الأشكال والذي أمتاز به العصر الذهبي اليوناني من أيام بركليز

وإسكلس إلى زينون الرواقي وارستاخوس الفلكي. ولم يكن في مقدور العلوم أن تتقدم حتى تمهد الفلسفة لها الطريق.
من أجل هذا كان من الطبيعي أن يجد القارئ، الذي يعرف عشرة من أسماء الفنانين، مشقة في تذكر اسم عالم إيطالي واحد في عصر النهضة عدا اسم ليوناردو, وهو لا يذكر اسم أمرجو فسيوتشي نفسه إلا إذا ذُكِّر به، وأما جليليو فهو من رجال القرن السابع عشر (1564-1642). والحق إنا لانجد أسماء خالدة في ذلك العصر إلا في الجغرافية والطب. ففي أولهما اشتهر أودريك البردنوني Oderic of Pordenone الذي سافر إلى الهند والصين للتبشير بالدين (حوالي عام 1321) وعاد عن طريق التبت وبلاد الفرس، وكتب وصفا لما شاهد، وأضاف معلومات كثيرة قيمة لما كتبه ماركوبولو قبل جيل من ذلك الوقت. ولاحظ باولو تسكانيلي Paolo Toscanelli الفلكي، والطبيب، والجغرافي مذنب هالي في عام 1456. ويقال إنه أمد كولمبس بالمعلومات وبالتشجيع في مغامرته لاجتياز المحيط الأطلنطي(16و). وقام أمرجو فسبوتشي الفلورنسي بأربع رحلات بحرية إلى العالم الجديد (1497 وما بعدها)، وقال إنه أول من كشف أرض القارة وأعد لها خرائط، نشرها مارتن وولد سيملر Martin Waldseemuller واقترح أن تسمى القارة "أمريكا"، وأعجب الإيطاليون بالفكرة وأذاعوها في كتاباتهم(16خ).
وكانت علوم الأحياء آخر ما نشأ من العلوم، لأن نظرية خلق الإنسان خلقاً خاصاً منفصلا عن سائر الكائنات- وهي التي كان يؤمن بها الناس كافة تقريبا- قد جعلت من غير الضروري ومن الخطر أن يبحث الناس في أصله الطبيعي. وكانت هذه العلوم تقتصر في الأغلب الأعم على البحوث والدراسات العلمية في علم النبات الطبي، وفلاحة البساتين، وتربية الأزهار، والزراعة. من ذلك أن بيترو ده كريستشندسي Pietro de Crescenzil

نشر وهو في سن السبعين (1306) كتيبا في الجغرافية خليقاً بالإعجاب وإن كان قد تجاهل كتابات مسلمي أسبانيا في ذلك الميدان، وهي خير من كتابته. وأنشأ لورندسو ده ميديتشى في كاريجى Careggi حديقة شبه عمومية من النباتات النادرة الوجود، وأما أولى الحدائق العمومية المخصصة لعلم النبات فهي التي أنشأها لوكا غيني Luca Ghini في بيزا عام 1544. وكان للحكام ذوي النزعة الحديثة كلهم تقريبا حدائق للحيوان، كما كان الكردينال أبوليتو ده ميديتشى Ipolito de Medici يحتفظ بمعرض من الآدميين- هم طائفة من الهمج ينتمون إلى عشرين قومية مختلفة كلهم من ذوي الأجسام القوية الممتازة.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق