إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1067 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> الشعراء الفصل الرابع الشعراء



1067


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> الشعراء

الفصل الرابع


الشعراء


لقد كان البابا أعظم مفاخر ذلك العصر، وكان كل إنسان في روما - من البابا نفسه إلى مهرّجيه - يقرض الشعر، كما كان يقرضه كل إنسان في اليابان في عهد الساموراي Samurai، من الفلاح إلى الإمبراطور، وكان كل إنسان قريباً يصر على أن يقرأ آخر أبيات قالها إلى البابا السمح. وكان البابا يحب المهارة في الارتجال، وكان هو نفسه بارعاً في هذا؛ وكان الشعراء يتبعونه أينما ذهب بقوا فيهم وقصائدهم الطوال، وكان هو في العادة يجيزهم عليها بطريقة ما، وإن كان في بعض الأحيان يكتفي بأن يرد عليها بارتجال بعض النكت الشعرية اللاتينية. وقد أهدى له ألف كتاب، أجاز أنجيلو كويتشي على واحداً منها بأربعمائة دوقة (5.000؟ دولار)؛ لكنه حين أهدى إليه جيوفني أو جوريلي Giovanni Augurelli رسالة بالشعر عنوانها كريسوبيا Chrysopoeia - أي فن صنع الذهب باستخدام الكيمياء - أرسل إلى المؤلف كيسا خلوا من النقود. ولم يكن يجد متسعاً من الوقت يقرأ فيه جميع الكتب التي قبل أن تهدى إليه؛ وكان من هذه الكتب المهداة التي لم يقرأها طبعة من ديوان روتليوس ناماتيانوس Ruititius Namatianus - وهو شاعر روماني عاش في القرن الخامس الميلادي - كان يدعو إلى مقاومة المسيحية لأنها في رأيه سم مضعف للأعصاب، ويطالب بالعودة إلى عبادة الآلهة الوثنية القوية المتصفة بصفات الرجولة(47). أما أريستو - الذي ربما بدا لليو أنه يجد ما يكفيه من العناية في فيرارا - فلم يكافئه إلاّ بمرسوم بابوي يحرّم سرقة شعره. وبَرِم أريستو من هذا وابتأس لأنه كان يرجو أن ينال مكافأة تتناسب مع طول ملحمته.

ولما خسر ليو أريستو قنع من فوره بشعراء أقل منه لألاء وأقصر نَفَساً؛ وكثيراً ما كان سخاؤه يضله فيؤدي به إلى مكافأة ذوي المواهب السطحية نفس المكافأة التي يمنحها العباقرة. من ذلك أن جيدو بستومو سلفستري Guido Postumo Sitvestri، أحد أشراف بيزارو، كان قد قاتل بعنف، وكتب بعنف، ضد الإسكندر ويوليوس لاستيلائهما على بيزارو وبولونيا. فلمّا ارتقى ليو عرش البابوية بعث إليه بقصيدة ظريفة يمتدحه فيها ويوازن بين سعادة إيطاليا في عهد البابا الجديد، وما كانت عليه من البؤس والاضطراب في العهود السابقة. وقدّر له البابا عمله وأجازه عليه بأن رد له ما صودر من ضياعه، واتخذ رفيقاً له في صيده. لكن جيدو مات بعد قليل من ذلك الوقت، ويقول بعض معاصريه إنه مات من كثرة ما كان يتناوله من الطعام على مائدة ليو(48). وأسرع أنطونيو تيبلديو Antonio Tebaldeo، الذي كان قد نال بعض الشهرة في قول العشر في نابلي، إلى روما عقب انتخاب ليو، ونال منه (كما تقول إحدى الروايات غير الموثوق بها) خمسمائة دوقة جزاء له على نكتة شعرية مشهية(49)، وسواء كانت هذه الرواية صادقة أو كاذبة فإن البابا عيّنه مشرفاً على جسر سورجا Sorga وجمع المكوس ممّن يعبروه حتى "يستطيع تيبلديو بهذا أن يعيش عيشة راضية"(50). ولكن يبدو أن المال الذي قد يعين على إنماء مواهب العلماء، قلّما يشحذ عبقرية الشعراء. فأخذ تيبلديو يكتب قصائد المدح، وأصبح يعتمد بعد موت ليو على صدقات بمبو، ولم يعاد يبارح فراش النوم وغن كان لا يشكو من شيء إلاّ من فقد شهيته لشرب الخمر" كما يقول صديق له. وطال حياته وهو مستريح مستلق على ظهره، وتوفي في الرابعة والسبعين من عمره. ونبغ فرانتشيسكو ماريا ملدسا Franseco Maria Molza من أهل مودينا بعض النبوغ في الشعر قبل إرتقاء ليو، ولكنه سمع بحب البابا للشعر

وسخاته للشعراء، ترك أهله، وزوجته، وأبناءه، وهاجر إلى روما، حيث أنساه إياهم افتتانه بسيدة رومانية. وقال في روما قصيدة رعوية قصيرة بليغة اسمها حورية تبيرينا La ninfa Tiberina يمتدح بها فوستينا منتشيني faustina Mancini، وهجم عليه أحد المجرمين وأصابه بجرح بليغ. وغادر الرجل روما بعد وفاة ليو، وانضم إلى بولونيا إلى حاشية الكردنال إبوليتو ده ميديتشي، الذي كان في بلاطه، على حد قولهم، ثلاثمائة شاعر، وموسيقى وفكِه. وكانت قصائد ملدسو الإيطالية أظرف ما قيل من الشعر في ذلك الوقت لا تستثنى من ذلك قصائد أريستو نفسها. وكانت أغانيه تضارع أغاني بترارك في أسلوبها، وتفوقها في حرارتها، وذلك لأن ملدسو كان يتقلب على نيران الحب واحدة بعد واحدة، وكان على الدوام يحترق بها. ومات بداء الزهري في عام 1544.
وكان حكم ليو يزدان باثنين من كبار صغار الشعراء أحدهما ماركنطونيو فلامينو Marcantonio Flamino الذي يظهر ذلك العهد في أضواء سارة - يظهر عطف البابا الدائم على رجال الأدب، ويكشف عمّا كان يحبو به فلامينو ونافاجيرو Navagero وفرانكستورو Francastoro وكستجليوني من صداقة لا يحسد أحدهم عليها غيره؛ وإن كانوا الأربعة شعراء؛ كما يكشف عن الحياة النظيفة التي كان يحياها أولئك الرجال في عصر كانت فيها الإباحية الجنسية مماّ تتغاضى عنه كثرة الناس. وقد ولد فلامينو في سرافاليSerravalle من أعمال فينيتو Veneto، ووالده هو جيان أنطونيو فلامينو Gianatonia Flamino وهو أيضاً شاعر. ودرب الوالد ابنه على قرض الشعر وشجعه عليه، مخالفاً في ذلك ألفاً من السوابق، وبعثه وهو في السادسة عشرة من عمره ليهدي إلى ليو قصيدة قالها الشاب يدعو فيها إلى حرب صليبية على الأتراك. ولم يكن ليو ممن يرتاحون إلى الحروب الصليبية، ولكنه أظهر ارتياحه لشعر الشاب، وكفل له مواصلة التعلم في روما. وتولاّه كستجليوني

بعنايته، وجاء به إلى أربينو (1515)؛ ثم بعث الوالد بابنه فيما بعد ليدرس الفلسفة في بولونيا. ثم استقر الشاعر أخيراً في فتيربو Viterbo في رعاية الكردنال الإنجليزي رجنلدبول Reginald Pole. وامتاز عن غيره بأن رفض منصبين عاليين، منصب أمين ليو مشتركاً في ذلك مع سودوليتو، ومنصب أمين لمجلس ترنت، وكان يحصل على تأييد وهبات جمة من كثير من الكرادلة رغم ارتيابهم في أنه يعطف على حركة الإصلاح البروتستانتي. وكان طوال تجواله كله يتوق للحياة الهادئة والهواء النظيف اللذين يجدهما في بيت أبيه الريفي بالقرب من إمولا. وكانت قصائده كلها تقريباً باللغة اللاتينية كما كانت كلها تقريباً قصائد قصارا في صور أغان،وأناشيد رعاة، ومراث، وترانيم، ورسائل للأصدقاء من طراز رسائل هوراس، ولكنه يعود فيها مرة بعد مرة إلى حبه لمرابضه الريفية القديمة:
سأبصرك الآن مرة أخرى، وسيبتهج ناظري لرؤية الأشجار التي غرستها يد أبي، وسيفيض قلبي فرحاً حين أتذوق قليلاً من النوم الهادئ في غرفتي الصغيرة. وكان يشكو من أنه سجين في ضوضاء روما وصخبها، ويحسد صديقاً له صوّره بأنه يختفي في ملجأ قروي يقرأ "كتب سقراط" و "لا يفكر مطلقاً في التكريم التافه الذي يمنحه إياه الجمهور الحقير"(52) وكان يحلم بالتجوال في الوديان الخضراء مع فلاحي فرجيل ورعاة ثيوفريطس ويتخذهم له رفاقاً.وأشد أشعاره تأثيراً هي الأبيات التي كتبها إلى أبيه وهو على فراش الموت:
"لقد عشت يا أبتاه عيشة طيبة سعيدة، لم تكن فيها بالفقير ولا بالغني، حصلت فيها على كفايتك من العلم ومن الفصاحة، وكنت على الدوام قوي الجسم، سليم العقل؛ بشوشاً تقياً لا يجاريك في تقواك أحد. حتى إذا أتممت الثمانين من عمرك انتقلت إلى شواطئ الآلهة المباركة. ارحل إليها يا أبتاه، وخذ بعد قليل ابنك معك إلى مقعدك الأعلى في السماء".

وكان ماركو جيرولامو فيدا Marco Girolamo Vida أطوع لأغراض ليو من غيره من الشعراء. وقد ولد ماركو هذا في كريمونا، وأتقن اللغة اللاتينية، وبرع فيها براعة أمكنته من أن يكتب بها كتابة ظريفة القصائد التعليمية في ن الشعر نفسه، أو في تربية دود القز، أو في لعبة الشطرنج. وقد سر ليو من هذا سروراً حمله على أن يرسل في طلب فيدا، ويثقله بالهبات، ويرجوه أن يتوج آداب ذلك العصر بملحمة لاتينية في حياة المسيح. وهكذا بدأ فيدا ملحمة الكرستيادة Christiad التي مات ليو السعيد قبل أن يراها. وحذا كلمنت الشابع حذو ليو في رعاية فيدا، وحباه بمنصب أسقف ليعيش منه، ولكن كلمنت أيضاً مات قبل أن تنشر الملحمة (1535). وكان فيدا راهباً قبل أن يبدأها، وأسقفاً حين فرغ منها، ولكنه لم يستطع أن يحاجز نفسه عن الإشارات المتصلة بالأساطير اليونانية والرومانية القديمة التي كانت تملأ الجو نفسه في أيام ليو، وإن بدت مضطربة سخيفة في نظر الذين أخذوا ينسون أساطير اليونان والرومان ويجعلون المسيحية نفسها أساطير أدبية. فنحن نرى فيدا في هذه الملحمة يقول عن الإله الأب إنه "أبو الآلهة مسخر السحاب"، وإنه "حاكم أوليس"؛ ولا ينفك يصف يسوع بأنه هيروس ويأتي بالفرغونات؛ وربات الانتقام، والقنطورات، والأفاعي الكثيرة الرءوس لتطالب بموت المسيح. لقد كان هذا الموضوع النبيل خليقاً ببحر من الشعر أكثر مواءمة له بدل أن يقلد الشاعر الإنياذة. وليست أجمل الأبيات في شعر فيدا هي التي يخاطب بها المسيح في الكرستيادة، بل هي التي يخاطب بها فرجيل في فن الشعر وهي أبيات تعز على الترجمة ولكننا سنحاول نقلها فيما يأتي:
أي مجد إيطاليا! يا أسطع الأضواء بين الشعراء! وإنّ لنعبدك بما نقدمه لك من الأكاليل والبخور والأضرحة؛ وإليك ننشد على الدوام ما أنت خليق به من التسابيح القدسية، ونستعيد ذكراك بالترانيم: مرحباً بك يا أعظم الشعراء قداسة! إن ثناءنا عليك لا يزيد قط من مجدك، وليس هذا المجد في حاجة إلى أصواتنا. ألا فأقبل وانظر إلى أبنائك، وصب روحك الدافئة في قلوبنا الطاهرة، أقبل يا أبتاه، وامزج نفسك بأرواحنا.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن












ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق