إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1066 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> العلماء الفصل الثالث العلماء


1066

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> العلماء

الفصل الثالث


العلماء


في اليوم الخامس من نوفمبر عام 1513 أصدر ليو مرسوماً بضم معهدين من معاهد العلم افتقرا إلى المال: هما كلية القصر المقدس أي الفاتيكان، وكلية المدينة، وأصبح المعهدان من ذلك الوقت هما جامعة روما، وخصص لهما بناء لم يلبث أن عرف باسم سابيندسا Sapienza(36). وكان هذا المعهدان قد ازدهرا في أيام البابا اسكندر، ولكنهما اضمحلا في عهد يوليوس الذي استولى على أموالهما لينفقها في الحروب، والذي كان يفضل السيف على الكتاب. وأمد ليو الجامعة الجديدة بالمال بسخاء وظل يسخو عليها حتى تورط هو الآخر في سباق للتدمير. فقد جاء إليها بعدد جم من العلماء الممتازين المخلصين لعلمهم، فلم يمض إلاّ قليل من الوقت حتى كان في المعهد الجديد ثمانية وثمانون أستاذاً - منهم خمسة عشر في الطب وحده - يتقاضى الواحد منهم ما بين 50 فلورينا و 530 (من 825 إلى 6625؟ دولاراً) في العام. وكان ليو في تلك السنين الأولى من ولايته يبذل كل ما في وسعه ليجعل الكليتين المجتمعتين أعظم جامعات إيطاليا علماً وأكثرها ازدهاراً.
وكان من أفضاله أنه أنشأ في هذه الجامعة دراسة اللغات السامية. ذلك أنه خصص في جامعة روما كرسياً لتعليم اللغة العبرية، وعين تيسيو أمبروجيو Teseo Ambrogio لتدريس اللغتين السريانية؛ والكلدانية في جامعة بولونيا. ورحب ليو حين أهدى له كتاب في نحو اللغة العبرية ألفه أجاتشيو جويداتشريو Agacio Guidacerio؛ ولمّا علم أن سانتي بجنيني Sante Pagnini كان يترجم العهد القديم من الأصل العبري إلى اللغة اللاتينية،

طلب أن يرى أنموذجاً من الترجمة؛ فلمّا رآه أعجبه، وتعهد من فوره بأن يتكفل بنفقات هذا المشروع الشاق الكبير.
وكان ليو أيضاً هو الذي أعاد دراسة اللغة اليونانية بعد أن أخذت دراستها في الاضمحلال.وشرع في ذلك بأن دعا إلى روما العالم الشيخ جون لسكارس John Lascaris الذي كان يعلّم اللغة اليونانية في فلورنس، وفرنسا، والبندقية، ونظم بمساعدته مجمعاً علمياً في روما، منفصلاً عن الجامعة. وكتب بمبو على لسان ليو (في 7 أغسطس سنة 1513) خطاباً إلى ماركس موسوروس Marcus Musurus أكبر مساعدي مانوتيوس Manutius يطلب فيه إلى هذا العالم أن يحصل من بلاد اليونان على "عشرة، أو أكثر من عشرة حسبما يرى، من الشبان المتبحرين في العلم، المشهود لهم بالأخلاق الفاضلة لتؤلف منهم حلقة من الدراسات الحرة، ولكي يتلقى عليهم الإيطاليون العلم باللسان اليوناني وحسن الانتفاع به"(37). وبعد شهر من ذلك الوقت نشر مانوتيوس طبعة أفلاطون التي أتمها موسوروس من قبل، وأهدى الطابع العظيم هذا الكتاب إلى البابا. ورد عليه ليو بأن منح ألدوس دون غيره الحق في أن يعيد طبع كل ما أصدره ألدوس من الكتب اليونانية أو اللاتينية حتى ذلك الوقت، وما سيطبعه في خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة التي سيظل فيها وحده صاحب هذا الحق. وأعلن فوق هذا أن كل من يتعدى على هذا يحوم من حظيرة الدين، ويعرض نفسه للعقاب. وكان هذا الامتياز الفردي في طباعة المؤلفات هو الوسيلة التي تمنح بها النهضة طابعاً ما حق طبع الكتاب الذي أنفق المال على إعداده. غير أن ليو أضاف إلى هذا الامتياز وصيته بأن يكون ما يطبع من كتب ألدوس معتدل الثمن، وقد كان.
وأنشئت الكلية اليونانية في بيت آل كولتشي Colocci على الكويرنال Quirinal، وأقيمت هناك أيضاً مطبعة لطبع الكتب الدراسية والشروح

للطلاب. وأنشئ حوالي ذلك الوقت عينه في فلورنس "مجمع علمي ميديتشي" شبيه به للدراسات اليونانية؛ وجمع فارينو كامرتي Varlno Camerti - الذي اتخذ لنفسه اسماً لاتينياً هو فافورينوس Favorinus - بتشجيع ليو أحسن معجم يوناني - لاتيني نشر في عالم النهضة حتى ذلك الوقت.
وكادت غيرة البابا على الآداب القديمة تكون ديناً له وعقيدة. وشاهد ذلك أنه تلقى من البنادقة "عظماً من كتف ليفي" بنفس التقوى التي يتلقى بها أثراً من آثار كبار القديسين(38)، وانه أعلن بعد جلوسه على كرسي البابوية بقليل أنه سيكافئ بسخاء كل ما يحصل له على أي مخطوط في الأدب القديم لم ينشر بعد. ثم إنه فعل ما فعله أبوه فأرسل مبعوثيه وعماله إلى البلاد الأجنبية ليبحثوا عمّا عساه أن يكون فيها من المؤلفات القديمة، وعن كل الأشياء ذات القيمة وثنية كانت أو مسيحية، وأن يبتاعوها له، وكان في بعض الأحيان يوفد الوفود لهذا الغرض خاصة لا لغرض سواه، ويزودهم بالرسائل للملوك والأمراء يطلب إليهم فيها أن يعاونوا أولئك الرسل في البحث والتنقيب. ويبدو أن عماله كانوا في بعض الأحيان يسرقون هذه المخطوطات إذا لم يستطيعوا شراءها؛ ويلوح أن هذا هو ما فعلوه في الستة الكتب الأولى من حوليات تاسيتوس التي وجدوها في دير كورفي Corvey بوستفاليا Westphalia، لأن لدينا رسالة ممتعو موجهة إلى هيتمرس Heitmers عامل البابا كتبها ليو نفسه أو أمر بكتابتها بعد أن تم طبع هذه الحوليات ونشرها:
لقد بعثنا بنسخة من الكتب بعد أن روجت وطبعت مجلدة تجليداً جميلاً إلى رئيس الدير وإلى رهبانه، لكي يضعوها في مكتبتهم بدلاً من النسخة التي أخذت منها، وإذا كنا نريد فوق ذلك أن يعرفوا أن هذا الاختلاس قد عاد إليهم بالخير أكثر مما عاد عليهم بالأذى، فقد وهبنا كنيستهم غفراناً جماعياً(39).
وأعطى ليو فلبو بروالدو Filipo Beroaldo المخطوط المختلس، وأمره

أن يصلح النص وينشره، على أن يطبعه طبعة أنيقة ولكنها في صورة سهلة القراءة. وكان مما ورد في كتاب التكليف هذا:
لقد كان من عادتنا، حتى في السنين الأولى من حياتنا، أن نرى أ، لا شيء مما وهبه الخالق لخلقه أجل شأناً وأعظم نفعاً - لا نستثني من ذلك إلاّ العلم به وعبادته الدقة - من هذه الدراسات التي هي زينة الحياة الإنسانية ومرشدها إلى الخير؛ والتي يمكن فوق هذا تطبيقها على كل وضع خاص من أوضاع الحياة والانتفاع بها فيه؛ والتي هي سلوى الإنسان في الشدة، ومصدر بهجته وشرفه في الرخاء. والتي لولاها لحرم الإنسان كل ما هو جميل في الحياة وكل ما يزدان به المجتمع. ويبدو أن المحافظة على هذه الدراسات وتوسيع نطاقها يقف على أمرين: عدد العلماء، وتزويدهم بكفايتهم من النصوص الممتازة. فأما الأمر الأول فإنّــا نرجو ببركة الله، أن نظهر رغبتنا الأكيدة في أن نكافئ أولئك العلماء الممتازين ونكرمهم وحرصنا على هذه المكافأة وذلك التكريم أكثر مما أظهرناها من قبل، وإن كان ذلك الحرص وتلك الرغبة هما منذ زمن بعيد مصدر سرورنا الأكبر.... أما الحصول على الكتب، فإناّ نحمد الله أن أتاح لنا في ذلك أيضاً الفرصة التي نستطيع بها إسداء الخير لبني الإنسان(40).
وكان ليو يظن أن الكنيسة هي التي تعين ما يفيد بني الإنسان من كتب الأدب، وشاهد ذلك أنه جدد مرسوم الإسكندر الذي يفرض رقابة الكنيسة على الكتب.
وبددت بعض الكتب التي جمعها أسلاف ليو حين نهب قصر آل ميديتشي (1494). غير أن ديرسان ماركو كان قبلئذ قد ابتاع بعض هذه الكتب، وكان ليو وهو لا يزال كردنالاً قد ابتاع الكتب التي نجت من النهب بمبلغ 2652 (33.150؟ دولاراً) ونقلها إلى قصره في روما.ثم أعيدت

هذه المكتبة إلى فلورنس بعد موت ليو، وسنعرف مصيرها فيما يلي من الصفحات.
وكانت مكتبة الفاتيكان قد بلغت من الضخامة حداً تحتاج معه إلى طائفة من العلماء للعناية بها. ولمّا جلس ليو على كرسي البابوية كان كبير أمنائها توماسر إنغيرامي Tommaso Inghirami - وهو من أبناء الأشراف،وشاعر، ومحدث مشهود له بالذكاء وحسن الفكاهة والتألق في ندوات الفكهين البارعين. ثم كان إلى ذلك ممثلاً، أطلق عليه من قبيل السخرية اسم فيدرا Fedra لنجاحه في تمثيل دور فيدرا Phaedra في مسرحية هبوليتس Hippolytus لسنكا. ولمّا مات في حادثة من حوادث شوارع المدينة عام 1516 حل محله في أمانة المكتبة فلبو بروالدو الذي قسم قلبه وعواطفه بين تاسيتوس والحظية العالمية إمبيريا Imperia، وكتب شعراً لاتينياً بلغ من الجودة أن كانت له ست ترجمات إلى اللغة الفرنسية إحداها بقلم كليمان مارون Clement Maron. وكان جيرولامو أليندرو Girolamo Aleandro الذي أصبح أميناً في عام 1519، رجلاً حاد الطبع، غزير العلم، عظيم المواهب، يتكلم اللغات اللاتينية، واليونانية، ويتكلم العبرية بطلاقة جعلت لوثر يخطئ في أصله فيظنه يهودياً. وقد حاول في مجلس أجزبرج (1520) أن يصد تيار البروتستنتية، وكانت حماسته في ذلك أقوى من حكمته. وقد رفعه بولس الثالث إلى مقام الكردنالية (1535)، ولكن أليندر توفي بعد أربع سنين من ذلك الوقت لإسرافه في عنايته بصحته وفي تعاطي الأدوية(41). وقد غضب أشد الغضب لأنه أعفي من عمله حين بلغ الثانية والستين من العمر، وأساء إلى أصدقائه باعتراضه الشديد على تصرفات القدرة الإلهية(42).
وكثرت المكتبات الخاصة وقتئذ في روما، فقد كان للإسكندر نفسه مجموعة عظيمة من الكتب أوصى بها إلى البندقية، وكان عند الكردنال

جريماني محسود إرزمس ثمانية آلاف مجلد مكتوبة بلغات مختلفة، أوصى بها إلى كنيسة سان سلفادور بمدينة البندقية حيث دمرتها النار. وكان للكردنال سادوليتو مكتبة قيمة وضعها في سفينة ليرسلها إلى فرنسا، فغرقت في البحر. وكانت مكتبة بمبو غنية بما فيها من دواوين أشعار بروفنسال والمخطوطات الأصلية مثل مخطوطات كتب بترارك؛ وانتقلت هذه المجموعة إلى أربينو، ومنها انتقلت إلى الفاتيكان. وحذا العلمانيون الأغنياء أمثال أجستينو تشيجي Agostino Chigi حذو البابوات والكرادلة في جمع الكتب، واستخدام الفنانين ومد يد المعونة للشعراء ورجال العلم.
وكثر هؤلاء جميعاً في روما على عهد ليو على كثرة لم يكن لها مثيل من قبل ولا من بعد. وكان كثيرون من الكرادلة أنفسهم علماء؛ ومنهم من أصبحوا كرادلة لأنهم كانوا قبل ذلك علماء قضوا في خدمة الكنيسة زمناً طويلاً؛ ونذكر من هؤلاء أجيديو كانيزيو Egidio Canisio، وسادوليتو، وببينا. وقد اعتاد معظم الكرادلة في روما أن يناصروا الآداب والفنون بما يكافئون بها أصحابها على إهدائهم أعمالهم ومؤلفاتهم، ولم يكن يفوق بيوت الكرادلة رياريو، وجريماني، وببينا، والدوزي، وبتوتشي، وفارنيزي، وسدريني، وسانسفرينو، وجندسا، وكازينيو، وجويليوده ميديتشي لم يكن يفوق بيوت هؤلاء إلاّ بلاط البابوات بوصفه ملتقى أصحاب المواهب العقلية والفنية في المدينة. وقد كان لكستجليوني الوديع الطبع الدمث الخلق الذي كسب به صداقة رفائيل المحب الودود وميكل أنجيلو الصارم العنيد، كان لكستجليوني هذا ندوة متواضعة خاصة به.
وكان ليو بطبيعة الحال أكبر المناصرين على الإطلاق، فلم يكن أحد في مقدوره أن ينشئ نكتة شعرية لاتينية يخرج من عنده دون عطاء. وكان العلم في أيامه يؤهل صاحبه، كما كان يؤهله في أيام نقولاس الخامس

لمنصب من المناصب الرسمية الكثيرة في الكنيسة، وأضيف الشعر إلى العلم في أيام ليو. فأما أصحاب المواهب الصغرى فكانوا يصبحون كتبة، ومختزلين، وأمّا من هم أكبر من هؤلاء موهبة فكانوا يصبحون قساوسة في الكنائس الكبرى، وأساقفة، وكبار موثقين؛ وأما الممتازون منهم أمثال سادوليتو، وببينا، فقد صاروا كرادلة. وترددت أصداء خطب شيشرون وبلاغته في روما مرة أخرى، وكان أسلوب الرسائل يعلو ويهبط بانتظام كأنه الألحان الموسيقية، كما كان شعر فرجيل وهوراس ينساب من ألف رافد ورافد إلى نهر التيبر ملتقاه الطبيعي. وقد حدد بمبو نفسه مستوى أسلوب الكتابة، فقد كتب إلى إزبلا دست يقول: "أن يخطب الإنسان كما كان يخطب شيشرون خير له من أن يكون بابا(43)". وبز صديقه وزميله ياقوبو سادوليتو معظم الكتّاب الإنسانيين بأن جمع بين الأسلوب اللاتيني البليغ والخلق الذي لا تشوبه شائبة. وكان بين كرادلة ذلك العصر كثيرون من ذوي الاستقامة والخلاق الفاضلة؛ وكانت الكثرة الغلبة من كتّاب عصر ليو الإنسانيين أفضل أخلاقاً وأرق مزاجاً من أمثالهم في الجيل الذي قبله(44)، وإن كان بعضهم قد ظلوا وثنيين في كل شيء ما عدا عقيدتهم الرسمية، ولقد كان من القوانين غير المسطورة ألاّ ينطق سيد مهذب بكلمة نقد للكنيسة المتسامحة من الناحية الخلقية السخية في مناصرة العلم والأدب والفن مهما تكن عقائده أو شكوكه.
وقد اجتمعت هذه الصفات كلها في برناردو دوفيسي دا بينا Bernardo Dovizi da Bibbiena - فقد كان عالماً، وشاعراً، وكاتب مسرحيات، ودلوماسياً، وخبيراً في الفن، ومحدثاً، ووثنياً، وقساً، وكردنالاً؛ غير أن الصورة التي رسمها رفائيل له لم تظهر إلاّ جزءاً قليلاً منه - عينيه الخبيثتين، وأنفه الحاد؛ ذلك أنها غطت صلعته بقبعة حمراء،

كما غطت مرحه بوقار لم يكن من عادته. وكان خفيف القدم، والحديث، والروح، يفر من ظروف الدهر كلها بابتسامة. ولمّا استخدمه لورندسو الأكبر أميناً له ومربياً لأبنائه، اشترك مع هؤلاء الأبناء في الهجرة التي حدثت عام 1494؛ ولكنه دل على مهارته بذهابه إلى أربينو حيث فتن هذه الدائرة المتحضرة بنكاته الشعرية، وأنفق بعض فراغه في كتابه مسرحية بذيئة تدعى كالندرا Calandra وتمثيلها (حوالي عام 1505)، وهذه المسرحية هي أقدم المسرحيات الإيطالية النثرية. واستدعاه يوليوس الثاني إلى روما، وعمل برناردو لانتخاب ليو بابا بأقل قدر من الجلية والاحتكاك، فجازاه ليو على هذا بأن عينه من فوره كبير الموثقين الرسوليين، ثم عينه في اليوم الثاني صراف البيت البابوي، ولم تمض ستة أشهر حتى عينه كردنالاً. ولم تمنعه مناصبه السامية من أن يضع في خدمة ليو خبرته العظيمة بالفنون وتنظيم مواكبه في الحفلات. ومثلت مسرحيته في حضرة البابا واستمتع بها ولم يعترض عليها. ولمّا أرسل قاصداً رسولياً إلى فرنسا، شغف حباً بفرانسس الأول، وكان لابد من استدعائه لأه أرق حساسية من أن يصلح للمناصب الدبلوماسية، وزخرف له رفائيل حمامه بصورة تاريخ فينوس وكيوبدة وهي طائفة من الصور تروي انتصار الحب، وكلها تقريباً مرسومة على طراز صور مدينة بمبي القديم، وتقحم المسيحية في عالم لم يسمع قط بالمسيح؛ وكان الكردنال نفسه هو الذي اختار هذه الزخارف. وتظاهر ليو بأنه لم يلاحظ شذوذ ببينا الجنسي وظل وفياً له إلى آخر أيامه.
وكان ليو يحب التمثيل - يحب المسلاة بجميع أشكالها ودرجاتها من أبسط الهزليات الماجنة إلى أكثر الملاهي غموضاً كمسرحيات ببينا ومكيفلي. وقد افتتح في أول سنة من ولايته دار تمثيل على الكبتول، شهد فيها عام 1518

تمثيلاً لمسرحية أريستو Ariosto المسماة سبوزيتي Suppositi وضحك من كل قلبه من النكات الملتبسة المعاني التي كانت تتفرع من حبكتها - كالعبارات التي يلقيها شاب من الشبان ليغوي بها فتاة(45). ولم يكن هذا التمثيل المطرب تمثيلاً لمسالي فحسب، بل كان يشمل فوق ذلك وضع مناظر مسرحية فنية (وكان الذي رسمها في هذه المسرحية بالذات رفائيل نفسه)، ورقصاً فنياً، وموسيقى بين الفصول تتكون من أغان وفرقة من العازفين على العود والكمان، وأرغن صغير، والنافخين في القرون، والقرب، والفيف.
وقد كُتب في عهد ليو كتاب من أكبر الكتب التاريخية في عهد النهضة، كتبه باولو جيوفيو. وكان باولو هذا من أبناء كومو Como، وكان يمارس فيها وفي ميلان وروما صناعة الطب، ولكن الحماسة الأدبية التي انبعثت في البلاد عندما جلس ليو على كرسي البابوية أوحت إليه بأن يخصص ساعات فراغه لكتابة تاريخ العصر الذي يعيش فيه - من غزو شارل الثامن لإيطاليا حتى ولاية ليو - وأن يكتبه باللغة اللاتينية. وسمح له بأن يقرأ القسم الأول من هذا الكتاب على ليو، فلمّا سمعه قال بكرمه المعتاد إنه أفصح وأظرف ما كتب في التاريخ منذ عهد ليفي Livy، وأجازه عليه بأن خصص له معاشاً من فوره. ولمّا توفي ليو، استخدم جيوفيو ما أسماه "قلمه الذهبي" في كتابة ترجمة لحياة ليو شاد فيها بنصيره الراحل، كما استخدم "قلمه الحديدي" للشكوى من البابا أدريان السادس الذي لم يعبأ به. وواصل في هذه الأثناء الكدح في تاريخ عصره حتى وصل به آخر الأمر إلى عام 1547. ولمّا نهبت روما في عام 1527 أخفى المخطوط في إحدى الكنائس، ولكن أحد الجنود عثر عليه، وطلب إلى المؤلف أن يبتاع كتابه؛ ولكن كلمنت السابع أنقذ باولو من هذه المذلة إذ أقنع اللص بأن يقبل بدل المال يؤدي إليه فوراً، منصباً في أسبانيا؛ وعيّن

جيوفيو في الوقت نفسه أسقفاً لنوتشيرا Nocera. وأثنى الناس على كتاب التاريخ وعلى التراجم التي أضيفت إليه لأسلوبه السلس الواضح، ولكنهم عابوا عليه عدم العناية بتحري الحقائق، والتحيز الظاهر فيما يصدره من أحكام. وقد أقر جيوفيو في صراحة وعدم مبالاة بأنه يمدح أشخاص قصته إذا كانوا هم أو أقاربهم قد سخوا عليه، وأنه كان يندد بهم إذا كان هؤلاء قد ضنوا عليه بالعطاء.




يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق