إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1068 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> صحوة إيطاليا الفصل الخامس صحوة إيطاليا


1068

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> صحوة إيطاليا

الفصل الخامس


صحوة إيطاليا


كان من أسباب قوة الروح الوثنية في ذلك العصر وجود الفن القديم فيها ونجاته من الدمار؛ وكان بجيو، وبيندو، وبيوس الثاني قد نددوا بتدمير المباني الرومانية القديمة وقاوموا هذا التدمير، ولكنه ظل مع ذلك يجري في مجراه،وأكبر الظن أنه قد ازداد حين استطاعت روما بما تدفق فيها من المال أن تشيد عمائر جديدة أكبر من عمائرها القديمة وتستخدم فيها بقايا هذه العمائر في عمل الجير. واستخدم بولس الثاني جدار الكلوسيوم الحجري في بناء قصر سان ماركو؛ ودم سكستس الرابع معبد هرقول وحوّل أحد جسور نهر التيبر إلى قذائف للمدافع، وانتزعت المواد التي بنيت بها كنيسة سانتا ماريا مجيوري، وفسقيتان عامتان، وقصر للبابا في الكويرينال، انتزعت هذه كلها من معبد الشمس. بل إن الفنانين أنفسهم كانوا همجاً مخربين دون أن يشعروا، فهاهو ذا ميكل أنجيلو مثلاً يستخدم أحد العمد في معبد كاستروبلكس ليصنع منه قاعدة لتمثال ماركس أورليوس الفارس، وهاهو ذا رفائيل يأخذ جزءاً من عمود آخر في هاذ المعبد نفسه ليصنع منه تمثالاً ليونان (يونس)، واقتلعت المواد اللازمة لبناء معبد سستيني من تابوت هدريان، وأخذ الرخام الذي شيدت به كنيسة القديس بطرس كله تقريباً من المباني القديمة؛ وانتزعت إلى هذا الضريح الجديد نفسه أحجار القدمة ؛ والدرج، والقوصرة من هيكل أنطونيوس وفوستينا، وأقواس النصر التي أقيمت لفابيوس مكسيموس وأغسطس، وهيكل

رميولوس بن مكسنتيوس. وهدم البناءون الجدد أو جردوا في أربع سنين بالضبط (من 1546-1549) هياكل كاستروبلكس، ويوليوس قيصر، وأغسطس(55). وكانت حجة أولئك الهدامين أنه قد بقى في البلاد بعد هذا الهدم كفايتها من الآثار الوثنية، وأن الخربات القديمة المهملة تشغل فراغاً عظيم القيمة، وتحول دون إعادة بناء المدينة بنظام حسن، وأن المواد التي يستولون عليها كانت في معظم الأحوال تستخدم في تشييد كنائس مسيحية لا تقل عن هذه الآثار القديمة جمالاً،وهي بطبيعة الحال أحب منها إلى الله. وكانت الأتربة التي تراكمت فوق هذه الآثار على مدى الأيام دون أن تستبين العين فعلها قد دفنت في الوقت عينه السوق الكبرى وغيرها من الأماكن التاريخية تحت طبقات متتالية من الثرى، والأنقاض، والنبات، حتى أصبحت السوق تحت مستوى ما يحيط بها من أرض المدينة بثلاث وأربعين قدماً؛ وقد ترك موضعها حتى أصبح نعظمه أرضاً للرعي سميت "حقل البقر" Campo Vaccino. ألا إن الزمان هو أكثر عوامل التخريب والتدمير.
وكان تدفق الفنانين والكتّاب الإنسانيين على روما سبباً في إبطاء سرعة التدمير،وفي إيجاد حركات تهدف إلى المحافظة على الآثار القديمة. وأخذ البابوات يجمعون آثار النحت الوثنية وقطعاً من الأبنية القديمة يضعونها في متحف الفاتيكان والكبتول؛ كما أخذ بجيو، وآل ميديتشي، وبجنيوس ليتوس، ورجال المصارف، والكرادلة يجمعون كل ما يستطيعون الحصول عليه من الآثار القديمة ذات القيمة ليكوّنوا منها لأنفسهم مجموعات خاصة. ومن أجل هذا اتخذت كثير من تحف النحت القديمة طريقها إلى قصور الأفراد وحدائقهم؛ وبقيت فيها حتى القرن التاسع عشر؛ ووجدت من ثم أسماء مثل فاون بربيني، وعرش لدوفيزي Ludovisi وهرقول فرنيزي.

واهتزت روما كلها من نشوة الفرح حين كشف المنقّبون (1506) بالقرب من حمامات تيتوس عن مجموعة من التماثيل جديدة كثيرة التعقيد. وأرسل يوليوس الثاني جوليانو دا سنجا ليو لفحصها، وذهب أيضاً ميكل أنجيلو لهذا الغرض، ولم يكد جوليانو يبصر التمثال حتى صاح من فوره: "هذا هو اللاكؤن الذي ذكره بلني" واشتراه يوليوس ليضعه في قصر بلفدير، ووظف لمن عثر عليه ولابنه معاشاً سنوياً طول حياتهما قدره 600 دوقة (7500؟ دولار)؛ ذلك أن روائع النحت القديمة قد أضحت في ذلك الوقت عظيمة القيمة. وشجعت هذه المكفآت المنقبين عن التحف الفنية؛ وحدث بعد عام من ذلك الوقت أن عثر واحد منهم على مجموعة أخرى هي هرقول مع الطفل تلفوسي، ولم يمض إلاّ قليل من الوقت حتى عثر على أدريانا النائمة، وأضحى الحرص على كشف التحف الفنية القديمة لا يقل قوة عن التحمس للكشف عن المخطوطات القديمة. وكانت هاتان العاطفتان صفتين قويتين من صفات ليو. ففي أيام ولايته كشف عمّا يسمّونه الأفطبنوس وعن تمثالي النيل والتيبر، وقد وضع هذان التمثالان في متحف الفاتيكان. وكان ليو يبتاع بالمال كلمّا استطاع من الجواهر، والحلي المنقوشة، وغيرها من روائع الفن المتفرقة التي كانت في وقت ما ملكاً لآل ميديتشي، ويضعها كلها في قصر الفاتيكان. وأخذ ياقوبو مدسوكي Jacopo Mazochi وفرانتشيسكو ألبرتيتي بفضل مناصرته ينقلان مدى أربعة أعوام كل ما يعثران عليه من نقوش على الآثار الرومانية، وواصلا بذلك ما قام به قبلهما الراهب جيوكندو وغيره من الرهبان. ثم نشرا هذه النقوش باسم النقوش القديمة في المدن الرومانية (1521)، وكان نشرها حادثاً هاماً في علم الآثار الرومانية القديمة.
وفي عام 1515 عين ليو رفائيل مشرفاً على الآثار القديمة؛ ووضع

المصور الشاب بمعونة مدسوكي، وأندريا فلفيو، وفابيو كلفا، وكستجليوني. وغيرهم من الفنانين خطة أثرية واسعة؛ وفي عام 1518 وجه إلى ليو رسالة يستحلف فيها هذا الحبر الجليل أن يستعين بسلطان الكنيسة على حفظ جميع الآثار الرومانية القديمة. وقد تكون ألفاظ الرسالة هي ألفاظ كستجليوني، أما روحها القوية ففيها نغمة رفائيل:
"إنا حين نفكر في قداسة تلك الأرواح القديمة... وحين نبصر جثة هذه المدينة الجليلة، أم العالم وملكته، وقد تدنست هذا التدنيس الشائن... لا يسعنا إلاّ أن نتصور كم من الأحبار قد أجازوا تخريب المعابد، والتماثيل ، والعقود وغيرها من المباني القديمة. التي تنطق بمجد من شادوها!... ولست أتردد في القول إن روما الجديدة هذه بأجمعها التي نشاهدها أمامنا الآن، مهما بلغت من العظمة ومهما حوت من جمال وازدانت بالقصور،والكنائس، وغيرها من الصور الفخمة - لست أتردد في القول إن روما هذه قد أمسكها الجير الذي صنع من الرخام القديم"...
وتذكرنا هذه الرسالة بمقدار ما حدث من التدمير حتى في خلال السنوات العشر التي قضاها رفائيل في روما؛ وهي تلقي نظرة عامة على تاريخ العمارة، وتندد بالهمجية الفجة التي كان يتسم بها الطرزان الرومنسي والقوطي (واللذين يسميان فيها القوطي التيوتوني)، وتمجد الأنماط اليونانية - الرومانية، وتراها نماذج لكمال وحسن الذوق؛ وتقترح الرسالة أخيراً تكوين هيئة من الخبراء، وتقسيم روما إلى الأقسام الأربعة عشر التي حددها أغسطس في الزمن القديم، على أن يمسح كل قسم منها مسحاً دقيقاً وأن يسجل كل ما فيه من الآثار القديمة. غير أن موت رفائيل المبكر الذي أعقبه بعد قليل موت ليو قد أخر تنفيذ هذا المشروع الجليل زمناً طويلاً.
وظهر تأثير هذه المخلفات المكتشفة في كل فرع من فروع الفن

والتفكير، وتأثر بها يرونلسكو،وألبرتي، وبرامنتي؛ ووصل هذا الأثر إلى الدرجة العليا حتى لم يكن الفن عند بلاديو Palladio إلاّ صورة أخرى من الأشكال القديمة تكاد تكون خاضعة لها كل الخضوع. وكان جبرتي ودوناتليو قد حاولا من قبل أن يتخذا الأشكال القديمة نماذج لهما، فلّما جاء ميكل أنجلو وصل في تقليد الفن القديم إلى درجة الكمال في تمثال بروتس، ولكنه بقي فيهما عداه هو ميكل أنجلو نفسه صاحب النفس القوية غير الخاضعة للفن القديم. وحول الأدب علوم الدين المسيحية إلى أساطير وثنية واستبدل أو ليس بالجنة، أما في التصوير فقد ظهر تأثير الفن القديم في صورة موضوعات وثنية وأجسام عارية وثنية لم تخل منها الموضوعات المسيحية نفسها. وحسبنا دليلاً على هذا أن رفائيل نفسه محبوب البابوات قد رسم صوراً لسيكي Psyhe ، وفينوس وكيوبد على جدران القصور؛ وكانت الرسوم القديمة والزخارف العربية تعلو العمد وتمتد على الطنف والأفاريز في ألف بناء من أبنية روما.
وظهر انتصار الفن القديم بأجلى مظاهره في كنيسة القديس بطرس الجديدة؛ وقد عين ليو فيها برامنتي: رئيساً للأعمال. واحتفظ به في هذا المنصب أطول وقت مستطاع؛ ولكن المهندس المعماري الطاعن في السن أقعده داء الرثية، ولذلك عهد إلى الراهب جيوكندو أن يساعده في عمل الرسوم التخطيطية؛ بيد أن جيوكندو نفسه كان يكبر برامنتي الذي كان في السبعين من عمره، بعشر سنين. وفي شهر يناير من عام 1514 عين ليو جوليانو دانسجليو، وهو أيضاً في سن السبعين، للإشراف على العمل؛ ولمّا حضرت برامنتي الوفاة حضر البابا أن يعهد بالمشروع إلى رجل في مقتبل العمر، وذكر له اسم رفائيل بالذات. وأرتأى ليو أن يحب المشكلة حلاً وسطاً؛ فعين في شهر أغسطس من عام 1514 الشاب روفائيل

والشيخ الراهب جيوكندو مديرين مشتركين للمشروع؛ وقضى رفائيل بعض الوقت يعمل بهمة وحماسة في العمل الذي لم يكن يتفق مع مزاجه وهو عمل المهندس المعماري؛ وقال إنه لن يعيش بعد ذلك الوقت إلاّ في روما يغريه بهذا "حبه في بناء كنيسة القديس بطرس... أعظم بناء رآه الإنسان حتى ذلك الوقت"؛ ثم يقول بعد ذلك بتواضعه المعروف.
"ستبلغ تكاليف المشروع مليون دوقة ذهبية، وقد أمر البابا بتخصيص 60.000 للعمل، وهو لا يفكر في زيادتها؛ وقد ضم إليَّ راهباً تعوزه الخبرة تجاوز سن الثمانين، وهو يرى أن هذا الراهب لن يعيش طويلاً، ولهذا اعتزم قداسته أن يجعلني أفيد من علم هذا الصانع الممتاز حتى أبلغ أعظم درجة من الكفاية في فن المعمار، الذي يعلم الراهب من أسراره ما لا يعرفه سواه.... والبابا يستقبلنا ويستمع إلينا كل يوم، ويظل وقتاً طويلاً يحدثنا عن مشروع البناء.
وتوفي الراهب جيوكندو في أول شهر يوليو من عام 1515 وفي اليوم نفسه انسحب جوليان دلسنجلو من جماعة المصممين. وبذلك أصبح الرئيس الأعلى للعمل كله، فرآى أن يستبدل بتخطيط برامنتي لقاعدة الكنيسة تخطيطاً آخر على شكل صليب لاتيني غير متساوي الأذرع، ووضع تصميماً لسقف مقبب أثبت أنطونيو دلنسجلوا (ابن أخي جوليانو) أنه ثقيل لا تتحمله العمد التي يقوم عليها. وفي عام 1517 عين أنطونيو مهندساً معمارياً مشتركاً مع رفائيل، ولكن الخلاف نشأ بينهما في كل خطوة من خطوات العمل،وكثرت في الوقت عينه أعمال رفائيل في التصوير، ففقد اللذة في المشروع. وحدث أيضاً أن أعوز المال ليو، فحاول أن يجمع ما يستطيعه منه ببيع صكوك الغفران، وكانت نتيجة هذا أن اصطدم بدعاة الإصلاح الديني الألماني (1517). ولم يتقدم بناء كنيسة القديس بطرس إلاّ بعد أن عهد إلى ميكل أنجيلو بالعمل في عام 1546.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق