إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1063 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> يوليوس الثاني -> ميكل أنجيلو -> ميكل أنجيلو ويوليوس 2- ميكل أنجيلو ويوليوس الثاني 1505 - 1513



1063


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> يوليوس الثاني -> ميكل أنجيلو -> ميكل أنجيلو ويوليوس

2- ميكل أنجيلو ويوليوس الثاني


1505 - 1513


وما من شك في أنه قد أدرك لأول وهلة أنه سيكون من أشقى الناس مع يوليوس، فقد كانا متماثلين إلى حد كبير. فكلاهما متقلب المزاج ذو أهواء؛ والبابا متغطرس حاد الطبع، والفنان مكتئب فخور. وكلاهما جبار في روحه وهدفه، لا يقر لغيره بالتفوق عليه، ولا يقبل التراضي أو النزول عن بعض مطالبه، يتنقل من هدف عظيم إلى آخر مثله، ويطبع شخصيته على زمنه، ويجد ويكدح بنشاط جنوني إلى حد خيل إلى الناس بعد وفاتهما أن إيطاليا قد خارت قواها فلم تبق لها جهود.

وسار يوليوس على السنة التي جرى عليها الكرادلة منذ زمن بعيد، فأراد أن ينشئ لعظامه تابوتاً يشهد حجمه وفخامته بما كان له من عظمة ويخلدها للأجيال الطويلة من بعده. وكان ينظر بعين الحسد إلى القبر الجميل الذي فرغ أندريا سان سوفينو Andrea Sansovino في كنيسة سان ماريا دل بوبولو. وعرض ميكل أنجيلو أن يكون هذا القبر أثراً ضخماً طوله سبع وعشرون قدماً وعرضه ثمان عشرة، يزينه أربعون تمثالاً: يرمز بعضها إلى الولايات البابوية التي استردت، ويمثل بعضها فنون التصوير، والهندسة المعمارية، والنحت، والشعر، والفلسفة، واللاهوت - أسرها كلها البابا القوي الذي لا تقف قوة ما أمام سلطانه؛ وترمز تماثيل أخرى إلى أسلافه الكبار كموسى مثلاً؛ ومنها يمثلان ملكين، أحدهما يبكي لانتقال يوليوس من الأرض، والآخر يبتسم لدخوله الجنة؛ وفي أعلى هذا النصب الضخم ينشأ تابوت جميل تحفظ فيه رفات البابا المتوفى. واقترح أن تنقش على أوجه هذا النصب نقوش من البرنز تروي جلائل أعمال البابا في الحرب، والحكم والفن. وكان في النية إقامة هذا كله عند منبر كنيسة القديس بطرس، وكان هذا المشروع يتطلب كثيراً من أطنان الرخام، وآلاف الدوقات، ويحتاج نحته إلى عدد كبير من السنين تقتطع من حياة المثال. ووافق يوليوس على المشروع، وأعطى أنجيلو ألفي دوقة ليبتاع بها لرخام المطلوب، وأرسله إلى كراراً وأمره أن يختار منها أحسن عروق الرخام. وأبصر ميكل وهو فيها تلاً مطلاً على البحر، وفكر في أ، ينحت هذا التمثال نفسه في صورة إنسان ضخم، إذا أضيء من أعلاه كان منارة يهتدي بها الملاحون من بعيد؛ غير أن قبر يوليوس أعاده مرة أخرى إلى روما. ولمّا وصلها ما اشتراه من الرخام، ووضع في كومة كبيرة بالقرب من مسكنه بجوار كنيسة القديس بطرس، عجب الناس

من ضخامة حجمه وكثرة ما أبتيع من المال، وابتهج لذلك قلب يوليوس.
لكن المسرحية استحالت إلى مأساة. ذلك أن برامنتي كان يحتاج إلى المال ليشيد به كنيسة القديس بطرس الجديدة، فكان ينظر شزراً إلى هذا المشروع الضخم؛ هذا إلى أنه كان يخشى أن يحل ميكل أنجيلو محله فيصبح فنان البابا المقرب إليه؛ ولهذا استعان بنفوذه على تحويل أموال البابا وحماسه إلى غير طريق الضريح المقترح. وكان يوليوس نفسه يعد العدة لشن الحرب على بروجيا وبولونيا (1506)؛ ورأى أن الحرب تتطلب الكثير من المال، وأن الضريح يمكن أن يؤجل حتى تسود السلم. ولم يكن أنجيلو في هذه الأثناء قد أعطى مرتبه، وكان قد أنفق في شراء الرخام كل ما أعطاه يوليوس من المال مقدماً، وأنفق من ماله الخاص ما يحتاجه لتأثيث البيت الذي أعده البابا. ولهذا ذهب إلى قصر الفاتيكان في يوم سبت النور من عام 1506 يطلب المال؛ فقيل له إن عليه أن يعود في يوم الاثنين التالي؛ فلمّا عاد قيل له أن يجيء في يوم الثلاثاء. وأجيب هذا الجواب نفسه في أيام الثلاثاء، والأربعاء، والخميس. ولمّا جاء يوم الجمعة طرد وقيل له في غلظة إن البابا لا يحب أن يراه. فعاد إلى منزله وكتب إلى يوليوس الرسالة التالية:
أيها الأب المبارك: لقد طردت اليوم من القصر بناءً على أوامرك؛ ومن أجل هذا أبلغك أنك إذا احتجت إليّ بعد هذه الساعة فعليك أن تطلبني في غير روما(33).
وأمر ميكل أن يبتاع ما اشتراه من أثاث لبيته، وركب الجواد إلى فلورنس، فلمّا بلغ بجيبنسي Poggibonsi لحقه بعض الرسل، ومعهم رسالة من البابا يأمره فيها أن يعود من فوره إلى روما. وإذا كان لنا أن نصدق روايته هو (ولقد كان رجلاً غاية في الصدق والأمانة) فإنه رد على البابا بقوله إنه لن يعود إلاّ إذا وافق البابا على أن يوفي بالشروط التي تفاهما عليها لبناء الضريح، ثم واصل السير إلى فلورنس.

وهناك عاد إلى العمل في الرسم التمهيدي لمعركة بيزا. ولم يختر لموضوعه حرباً حقيقية بالذات، ولكنه اختار لها اللحظة التي دعا فيها فجاءة الجند الذين كانوا يسبحون في نهر الآرنو إلى القتال. ذلك بأن ميكل لم يكن يهتم بالمعارك، بل كان يرغب في أن يدرس ويصور أجسام الرجال العارية في كل وضع من الأوضاع؛ وقد أتاح له هذا الموضوع فرصته المرتقبة؛ فقد أظهر رجالاً يخرجون من النهر، وآخرين يجرون لأخذ أسلحتهم، وغيرهم يحاولون أن يلبسوا جوارب في سوقهم المبتلة، وبعضهم يقفزون أو يركبون الخيل، وبعضهم يعدلون دروعهم، وآخرين يجرون إلى المعركة عراياً كما ولدتهم أمهاتهم: ولم يكن في هذه الصورة منظر طبيعي خلفي، لأن ميكل أنجيلو لم يكن يعنى قط بالمناظر الطبيعية، أو بشيء ما في الطبيعة عدا الأجسام البشرية. ولمّا أتم الصورة التمهيدية وضعها إلى جانب صورة ليوناردو في بهو البابا في كنيسة سانتا ماريا نوفلا؛ وظلت الصورتان المتنافستان فيها مدرسة يتلقى منها دروساً في التصوير مائة من الفنانين أمثال أندريا دل سارتو، وألنسو بيرجويتي Alonso Berrugueet، ورفائيل، وياقوبو سان سنوفينو Iacopo San Sanovino، وبيرينو دل فاجا Perino del Vaga، ومائة غيرهم. ونقل تشيليني Cellini صورة ميكل أنجيلو حوالي عام 1513، ووصفها وصف الشاب المتحمس بقوله إنها:" بلغت من الروعة درجة ليس في كل ما بقى من آيات الفن القديم أو الحديث ما يرقى إلى الذروة التي سمت إليها. ولم يصل ميكل أنجيلو القدسي أيام تقواه فيما بعد إلى نصف الذروة من القوة التي وصّل إليها هذه الصورة، وإن كان قد أتم معبد سستيني العظيم"(34).
تلك مبالغة لا نقول بها نحن. إن الصورة نفسا لم ترسم الرسم النهائي، والرسم التمهيدي قد فقد،ولم يبق من النسخ التي نقلت عنه إلاّ قطع صغيرة. وبينما كان ميكل أنجيلو يعمل في الرسم التمهيدي بعث البابا يوليوس بالرسالة

تلو الرسالة إلى مجلس السيادة في فلورنس، يأمره فيها بأن يعيده إلى روما. وكان سدريني يحب الفنان ويخشى عليه إذا عاد إلى رومة، فأخذ يحاور ويداور؛ حتى إذا جاءته الرسالة الثالثة من البابا، رجا أنجيلو أن يلبي الأمر، وقال إن عناده يعرّض السلام بين فلورنس والبابا للخطر. وطلب أنجيلو أن يعطي ضماناً بسلامته يمضيه كردنال فلتيرا Voltera. وحدث في أثناء هذا الأخذ والرد أن استولى يوليوس على بولونيا (نوفمبر سنة 1506)؛ فلمّا تم له ذلك أرسل إلى فلورنس أمراً باتاً صريحاً يطلب فيه قدوم ميكل أنجيلو إلى بولونيا للقيام بعمل هام. وعبر ميكل مرة أخرى ثلوج الأبنين مسلحاً برسالة من سدريني إلى يوليوس يرجو فيها البابا "أن يظهر له حبه، وأن يعامله بالحسنى". غير أن يوليوس قابله وهو عابس مقطب الوجه، وأخرج من الحجرة أسقفاً جرؤ على أن يؤنب الفنان على عدم امتثاله أمر البابا، وعفا عن أنجيلو بألفاظ خشنة غليظة، وعهد إليه بمهمة تتفق مع ما جبل عليه البابا من الصفات فقال: "أريد منك أن تجعل تمثالي ضخماً وأن تصبه من البرونز، وأنا أريد أن أقيمه على واجهة سان بترونيو"(35). وسر ميكل أن يعود إلى فن النحت، وإن لم يكن واثقاً من قدرته على أن ينجح في صب تمثال لشخص جالس يبلغ ارتفاعه أربع عشرة قدماً. وخص يوليوس هذا العمل بأربعة آلاف دوقة، ولكن ميكل أبلغه فيما بعد أنه أنفق المبلغ جميعه عدا أربعة دوقات في شراء المواد اللازمة للعمل، وبذلك لم ينل جزاء له على كدحه سنتين كاملتين في بولونيا سوى هذا الجزاء الضئيل. وكان العمل شاقاً موئساً لا يقل في ذلك عن الجهد الذي وصفه تشيليني والذي تطلبه صب تمثال رسيوس وإقامته في شرفة لكنيسة؛ فقد كتب هذا المثال إلى أخيه بونروتو Buonarroto يقول: "إني أكد ليلاً ونهاراً؛ وإذا اضطررت إلى أن أبدأ العمل كله من جديد، فلست أظن أن حياتي تطول حتى أتمه"(56). وأقيم التمثال في مكانه فوق المدخل الرئيسي للكنيسة في شهر فبراير من عام 1508؛ وعاد ميكل إلى فلورنس في شهر مارس،

وأكبر الظن أنه كان يتمنى ألاّ يرى يوليوس مرة أخرى، وبعد ثلاث سنين من ذلك الوقت صهر التمثال كما سبق القول لتصنع منه مدافع.
ولم يكد يفرغ من العمل حتى استدعاه البابا فرجع إلى روما، وساءه أن يعرف أن يوليوس لا يرغب في نحت الضريح العظيم، بل يطلب إليه أن ينقش معبد سكستس الرابع. وتردد ميكل في أن يواجه مشكلتي المنظور والتناسب والتصغير في نقش سقف يعلو فوق الأرض ثماني أقدام وستين قدماً؛ فاحتج مرة أخرى بأنه مثال لا مصور؛ وأوصى باستخدام رفائيل في هذا العمل لأنه أجدر به منه. ولكن البابا لم يأبه لصيته. وأخذ يوليوس يأمره ويتملّقه، ويتعهد بأن يؤجره ثلاثة آلاف دوقة (37.500؟ دولار). وكان ميكل يخشى البابا ويحتاج إلى المال؛ فقبل المهمة الشاقة التي لا توافق هواه، وهو كاره يردد قوله: "ليست هذه صناعتي". وبعث إلى فلورنس يطل بخمسة مساعدين مدربين على الرسم؛ وأنزل المحالات السمجة التي نصبها برامنتي، وأقام محالاته مكانها، وبدأ العمل، فأخذ يقيس ويرسم السقف الذي تبلغ مساحته عشرة آلاف قدم مربعة، ووضع الخطة العامة، ورسم الصور التمهيدية لكل جزء من أجزائه، بما في ذلك البندريلات، والحلي البارزة والهلالية.وقدر عد الأشكال كلها بثلاثمائة وثلاثة وأربعين شكلاً؛ وقام بدراسة أولية كثيرة بعضها دراسات للأحياء. ولمًا أتم إعداد الرسم التمهيدي الأخير حمل فوق المحالات ووضع في السقف؛ متجهاً بوجهه إلى الخارج ملتصقاً بالسطح الذي طلي حديثاً بالجص، كل جزء منه في المكان المقابل له. ثم حفرت خطوط في الجص من فوق الرسوم، ورفعت بعدئذ الصور التمهيدية، وبدأ يلون الرسم.
وظل أنجيلو يعمل في سقف سستيني أكثر من أربع سنين - من مايو عام 1508 إلى أكتوبر 1512. ولم يكن العمل يدوم بلا انقطاع، فقد كانت تتخلله فترات تطول وتقصر يقف فيها مثال ذلك الفترة التي ذهب

فيها إلى بولونيا ليلح على يوليوس في طلب المال. ولم يكن يعمل وحده، فقد كان له معاونون يطحنون الألوان، ويعدون الجص، ولعل منهم من كان يرسم أو يلون بعض الأشكال الصغيرة، وإن بعض المظلمات لتدل على أنها من صنع أيد أقل من يديه حذقاً. ولكن الفنانين الخمسة الذين استدعاهم إلى روما سرعان ما فصلوا من العمل؛ ذلك أن طراز أنجيلو في التفكير، والتخطيط، والتلوين، كان يختلف عن طرازهم وعن تقاليد فلورنس اختلافاً رأى معه أنهم يعطلونه أكثر مما يعينونه. هذا إلى أنه لم يكن يعرف كيف يقوم بالعمل مع غيره من الأعوان، وكان من أسباب سلواه، وهو فوق المحالات أنه بمفرده، يستطيع أن يفكر وهو هادئ وإن يكن وهو متألم، ويستطيع أن يحقق بشخصه قول ليوناردو: "إن كنت وحدك كان لك السلطان الكامل على نفسك". وزاد يوليوس الصعاب الفنية بصعاب خلقها بنفسه، وذلك بتعجله إتمام العمل العظيم وإظهاره للناس. وفي وسع القارئ أن يتصور البابا الشيخ، يصعد الإطار الواهن الذي نصب ليؤدي إلى مكان الفنان، ثم يبدي له إعجابه ويسأله في كل مرة: "متى ينتهي العمل؟" فيكون الجواب درساً في الشرف والاستقامة: "سينتهي حين أفعل كل ما أعتقد أن الفن يتطلبه ويراضيه"(37) فيرد عليه يوليوس مغضباً: "أتريد أن أقذف بك من فوق هذه المحالة؟"(38). وخضع أنجيلو فيما بعد لإلحاح البابا واستعجاله فأنزل المحالات قبل أن يصقل العمل الصقل الأخير. وفكر يوليوس وقتئذ في أن من الواجب أن يضاف قليل من الذهب إلى هذا المكان أو ذاك، ولكن الفنان المتعب أقنعه بأن الزخارف الذهبية لا تليق بصور الأنبياء أو الرسل.ولمّا نزل ميكل عن المحالة آخر مرة، كان منهوك القوى هزيل الجسم، شيخاً قبل الأوان. وتقول إحدى القصص إن عينيه لم تكونا تقويان على مواجهة ضوء الشمس لطول ما اعتادتا من الضوء الضعيف في المعبد(39)، كما تقول قصة أخرى إن القراءة وهو ناظر
إلى أعلى وقتئذ أيسر له من أن يقرأ وهو يمسك الصفحة تحت عينيه(40).
وكانت الخطة الأولى التي أرادها يوليوس لنقش السقف لا تزيد على تصوير طائفة من الرسل، ولكن ميكل أنجيلو حمله على أن يقبل بدلها خطة أوسع وأكثر نبلاً. ونتيجة لهذا قسم ميكل القبة المحدبة إلى ما يزيد على مائة لوحة بأن صور فيها عمداً تتخللها حليات، وزاد من خداع الأبعاد الثلاثة بإضافة صور لشبان أقوياء يرمقون الأطناف أو يجلسون على تيجان العمد. وصور أنجيلو على اللوحات الكبرى الممتدة على طول قمة السقف حوادث من سفر التكوين: عملية الخلق الأولى تفصل بين الضوء والظلمة؛ والشمس، والقمر، والكواكب تنشأ وتتكون بأمر الخالق الأعظم الذي صور على هيئة إنسان مهيب جليل، صارم الوجه، قوي الجسم، ذي لحية وأثواب تهفهف في الهواء. وفي لوحة أخرى تمتد اليد اليمنى لله العلي الأعلى، وهو هنا أجمل شكلاً وملامح مما هو في الصورة السابقة، ليخلق آدم، ويمسك بيده اليسرى ملاكاً جميل الصورة. وتعد هذه اللوحة أروع ما صوره ميكل أنجيلو. وفي صورة ثالثة يُخرِج الله، وهو الآن رب أكبر في السن تبدو عليه سمات الأبوة، حواء من ضلع آدم؛ ويأكل آدم وحواء فاكهة الشجرة المحرمة، ويطردان من الجنة. ويُعِد نوح وأبناؤه قرباناً يقربان لله ويعلو الطوفان؛ ويحتفل نوح بعيد من الأعياد يُشرب فيه كثير من الخمر. وكل ما في هذه اللوحات مأخوذ من كتاب العهد القديم، وكله من القصص العبري، ذلك أن ميكل أنجيلو من أتباع الأنبياء الذين ينذرون بآخرة العالم، وليس من المبشرين الذين ينشرون إنجيل الحب.
وصور أنجيلو في البندريلات التي فوق كل عقد اثنين من العقود صوراً رائعة لدانيال، وإشعيا، وزكريا، ويوئيل،وحزقيال، وإرميا، ويونان. أما البندريلات الأخرى فقد صور فيها المتنبآت الوثنيات

اللاتي يعتقد الناس أنهن بشرن بالمسيح: سيبيل اللوبية الرشيقة، تمسك في يدها كتاباً مفتوحاً يتحدث عن المستقبل؛ وسيبيل القومائية المكتئبة، الشقية، القوية، والمتنبئة الفارسية، العالمة، ومتنبئة دلفي،ومتنبئة أرثريا؛ تلك هي الرسوم الملونة التي تضارع تماثيل فيدياس؛ فالحق أن الإنسان ليظن أن هذه كلها تماثيل لا صوراً ملونة؛ وأن ميكل أنجيلو قد جند للعمل في فن غريب عليه، فأحاله إلى الفن الذي يوائمه. واحتفظ الفنان في المثلث الكبير الذي في نهاية السقف، وفي مثلثين آخرين في النهاية الأخرى بموضوعات العهد القديم، بالحية الفظة في البيداء، وبانتصار داود على جالوت، وبشنق هامان، وبقتل يهوديت لهلوفرينس. ثم صوّر أنجيلو في آخر الأمر مناظر يوضح فيها نسب مريم والمسيح، وكأنه فعل هذا بعد أن أعاد مرة ثانية إلى التفكير يريد أن يذعن لأمر غير راغب فيه.
وليس فذ هذه الصور كلها صورة تضارع في فكرتها، أو رسمها، أو تلوينها،أو طريقتها الفنية صورة مدرسة أثينة لرفائيل؛ ولكنها إذا نظر إليها في مجموعها كانت أعظم عمل قام به أي فنان في تاريخ التصوير كله. ذلك أن الأثر الكلي الناشئ من تكرار التفكير وشدة العناية يفوق كثيراً الأثر الذي ينطبع في الذهن إذا ما نظر الإنسان إلى الحجرات. ففي صورة رفائيل نحس بالكمال الفني الذي وفق صاحبه فيه كل التوفيق، ونرى اجتماع التفكير الديني والمسيح في وداعة ورقة، أما في صورة أنجيلو فلسنا ندرك فقط الدقة العظيمة في مراعاة الأصول الفنية التطبيقية - في المنظور، وطول الأشكال وقصرها، واختلاف المواقف والأوضاع اختلافاً يضارع سواه؛ بل ندرك فوق هذا قوة العبقرية وأثرها في نفوسنا، العبقرية التي تكاد تبلغ من القدرة على الخلق ما تبلغه صورة الله جل شأنه، التي تهب عليها الريح وهي ترفع آدم عن ظهر الأرض.
وهنا أيضاً أطلق ميكل أنجيلو العنان لعاطفته المسيطرة عليه، فجعل

موضوع فنه وهدفه الذي يبتغيه هو الجسم الآدمي، وإن كان المكان الذي يعمل فيه هو مصلى البابوات. ولقد كان، كما كان اليونان الأقدمون، أقل عناية بالوجه وما ينطق به، منه بالجسم كله مجتمعاً. وإنّا لنجد سقف سستيني نحو خمسين من الذكور العارين وعدداً قليلاً من النساء العاريات؛ وليس فيه مناظر طبيعية، ولا نباتاً إلاّ في صورة خلق النبات، ولا نرى فيه نقوشاً من الطراز العربي؛ وفيه يصبح الجسم الآدمي، كما هو في مظلمات سنيوريلي في أرفيتو، الوسيلة الوحيدة للزخرف كما هو الوسيلة الوحيدة لتمثيل المعاني والأفكار المجردة. وكان سنيوريلي المصور الوحيد، كما كان ياقوبو دلاكويرتشيا Jacopo della Querica المثال الوحيد، الذي عني ميكل أنجيلو بالأخذ عنه والتعلم منه. وشاهد ذلك أن كل بقعة صغيرة في السقف خلت من تصميم الصورة العامة قد شغلت بصورة إنسان عار، لا يعنى فيها بالجمال بقدر ما يعنى بالقوة والجسم الرياضي. وليس في هذه الصور ما يوحي بالغريزة الجنسية، بل الذي فيها هو الكشف الدائم عن الجسم بوصفه أعلى ما يتجسم فيه النشاط، والحيوية، والحياة نفسها. ولقد احتج بعض ذوي النفوس الضعيفة الحائرة على كثرة ما في بيت الله من الأجسام العارية، ولكننا لا نجد في السجلات ما يدل على أن يوليوس اعترض عليها؛ ذلك أن البابا كان واسع الأفق في تفكيره بقدر ما كان واسعاً في عداواته؛ وكان يدرك عظمة الفن حين تقع عليها عينيه. ولعله كان يفهم أنه لم يخلد اسمه بالحروب التي انتصر فيها، بل خلده بأن أطلق العنان للنزعة القدسية، القوية، العجيبة، التي كانت تضطرب في نفس أنجيلو فاستطاعت أن تلهو في قبة مصلى البابا.
ومات يوليوس بعد أربعة أشهر من إتمام نقوش سقف سستيني؛ وكان ميكل أنجيلو وقتئذ يقترب من ذكرى مولده الثامن والثلاثين؛ وكان قد حمل لواء المثالين الإيطاليين جميعهم بتمثالي داود وبيتا؛ أما بهذا

السقف فقد ضارع في التصوير رفائيل أو بزه؛ وكأنه لم يبق أمامه عالم آخر يفتحه؛ وما من شك في أن أحداً من الناس، حتى هو نفسه، قلّما كان يظن أنه سيعيش من الزمان أكثر من خمسين سنة أخرى، وأن أشهر صوره، وأكثر تماثيله نضوجاً، لم تخرج إلى الوجود بعد. وقد حزن لوفاة البابا العظيم، ولم يكن يدري هل يولع ليو بغريزته بالفن النبيل كما كان يولع به يوليوس؛ ولهذا آوى إلى مسكنه يترقب ما له في ذمة المستقبل.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن














ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق