إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1062 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> يوليوس الثاني -> ميكل أنجيلو -> الشاب الفصل الرابع ميكل أنجيلو 1- الشاب 1475 - 1505



1062


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> يوليوس الثاني -> ميكل أنجيلو -> الشاب

الفصل الرابع


ميكل أنجيلو


1- الشاب


1475 - 1505


تركنا إلى آخر هذا الباب الحديث عن أحب المصورين والمثالين إلى يوليوس، أي عن الرجل الذي يضارعه في مزاجه ورهبته، وفي قوة روحه وعمقها، أعظم الرجال في السجلات البشرية وأكثرهم حزناً.
كان والد ميكل أنجيلو هو لدوفيكو دي بوناروتي سيموني Lodovico di Lionardo Buonerroti Simoni محافظ بلدة كبريسي Caprese الصغيرة القائمة على الطريق الذي يصل فلورنس باردسو، وكان لدوفيكو يقول إنه يمت بصلة القرابة البعيدة إلى كونتات كانوسا Canossa وقد تفضل واحد منهم فاعترف بهذه الصلة؛ وكان ابنه ميكل أو ميخائيل أو ميكائيل يفخر على الدوام بأن في عروقه لتراً أو لترين من دم النبلاء، غير أن البحث الذي لا يرحم قد اثبت أنه مخطئ في هذا(22)".
وكان مولده في كبريسي في السادس من شهر مارس عام 1475، وقد سمي باسم أحد الملائكة الكبار كما سمي رفائيل باسم واحد منهم. وكان ميكل أنجيلو رابع أخوة أربعة؛ وربى بالقرب من محجر للرخام عند ستنيانو Settignano فتنفس بذلك تراب النحت منذ مولده. وقد قال فيما بعد إنه رض الأزاميل والمطارق مع لبن مرضعته(23). ثم انتقلت الأسرة إلى فلورنس حين بلغت سنه ستة أشهر، وفي هذه البلدة تلقى من التعليم ما مكنه فيما بعد من أن يكتب شعراً إيطالياً جيداً. ولم يتعلم اللغة اللاتينية، ولم يخضع كل الخضوع لسحر العهود القديمة كما خضع له كثير

من الفنانين في ذلك العصر؛ بل كان ذا نزعة عبرية لا رومانية أو يونانية قديمة؛ وكان في رومة بروتستنتياً أكثر ممّا كان كاثوليكياً.
وكان يفضل الرسم على الكتابة - التي هي - في رأيه إفساد للتصوير. وأسف والده لهذه النزعة، ولكنه خضع لها آخر الأمر، ووضع ميكائيل وهو في سن الثالثة عشرة ليتتلمذ على دمنيكو غيرلندايو Dominico Ghirlandio، أشهر المصورين في فلورنس وقتئذ. وكان العقد يلزم الشاب بأن يقيم مع دمنيكو ثلاث سنين" ليتعلم فن التصوير"؛ على أن يتقاضى أجراً قدره ستة فلورينات في السنة الأولى، وثمانية في الثانية،وعشرة في الثالثة، بالإضافة إلى الطعام والمسكن فيما نظن. وكان الشاب يكمل ما يناله من التعليم على يدي لندايو بأن يظل على الدوام مفتوح العينين أثناء تجواله في فلورنس فيرى في كل شيء تحفة فنية. وفي ذلك يقول صديقه كنديفي Condivi: "فكان لذلك يتردد على سوق السمك، يدرس فيها أشكال زعانفه وظلال ألوانه، وألوان عيونه، وكل ما يتصل به؛ وقد أبرز كل هذه التفاصيل بأعظم ما يكون من الجد والمهارة في صوره"(24).
ولم يكد يتم العام مع غرلندايو حتى اجتمعت عليه الفطرة والمصادفة فحولته إلى النحت؛ وكان له، كما كان لكثيرين غيره من طلاب الفن، أن يدخل بكامل حريته الحدائق التي وشع فيها آل ميديتشي مجموعات التماثيل والعمارة القديمة. وما من شك في أنه قد نسخ صوراً من بعض الألواح الرخامية باهتمام خاص وحذق خاص؛ وشاهد ذلك أنه لمّا أراد لورندسو أن ينشئ في فلورنس مدرسة للنحت، طلب إلى غرلندايو أن يبعث إليه ببعض الطلاب الذين تلوح عليهم مخايل النجابة في هذه الناحية؛ فبعث إليه دمنيكو بفرانتشيسكو جانتشي Franceso Ganacci وميكل أنجيلو بوناروتي. وتردد والد الغلام في السماح له بالانتقال من

فن إلى فن، وكان يخشى أن ينتهي الأمر بولده إلى أن يكلف بقطع الحجارة؛ والحق أن ميكائيل قد استخدم بعض الوقت في القيام بهذا العمل، فكان يقطع الحجارة للمكتبة اللورنتية. ولكن الغلام ما لبث أن أخذ ينحت التماثيل. والعالم كله يعرف قصة تمثال فاون الرخامي. وكيف نحت ميكائيل قطعة من الرخام عثر عليها مصادفة في صورة فاون عجوز، وكيف لاحظ لورندسو وهو مار بهذا التمثال أن هذا الشيخ الطاعن في السن يندر أن تكون أسنانه كاملة كما تظهر في التمثال، فما كان من ميكائيل إلاّ أن أصلح هذا الخطأ بضربة واحدة خلع بها سنّاً من فكه الأعلى. وسر لورندسو من إنتاج الغلام وحسن استعداده، فأخذه إلى بيته وعامله فيه معاملة الآباء للأبناء. وظل الفنان الشاب عامين كاملين (1490-1492) يقيم في قصر آل ميديتشي، يطعم دائماً على مائدة واحدة مع لورندسو، وبولتيان،وبيكو، وفنتشينو، وبلشي Pulci، ويستمع إلى أكثر الأحاديث استنارة في السياسة، والأدب، والفلسفة، والفن. وخصه لورندسو بحجرة طيبة، ووظف له خمس دوقات (62.50؟ دولار أمريكي) كل شهر لمصروفه الخاص. وكان كل ما يخرجه ميكائيل من التحف الفنية يبقى ملكاً خاصاً به يتصرف فيه كما يشاء.
ولولا بيترو ترجيانو Pienro Torrigiano لكانت هذه السنون التي قضاها ميكائيل في قصر آل ميديتشي سني نشأة سعيدة في حياة الشاب. وتفصيل ذلك أن بيترو ساءه في يوم من الأيام استهزاء ميكائيل "فما كان مني" (كما قال هو نفسه لسلني) "إلاّ أن قبضت يدي ولكمته لكمة على أنفه أحسست معها أن عظمه وغضروفه قد تحطما تحت عظام أصابعي كأنهما بقسماط هش، وسيحمل اثر ضربتي هذه معه إلى قبره"(25). وهكذا كان؛ فقد كان أنف ميكل أنجيلو يبدو طوال الأعوام الأربعة والسبعين
التالية مكسور العرنين ولم يكن هذا الحادث ليرقق من طبعه.
وفي هذه السنين نفسها كان سفنرولا يذيع تعاليمه المتزمتة النارية التي يدعو فيها إلى الإصلاح. وكثيراً ما كان ميكائيل يذهب ليستمع إليه، ولم ينس قط تلك المواعظ أو الرجفة الباردة التي كانت تسري في دمه الغض حين تنفذ في سكون الكتدرائية الغاصة بالمستمعين صيحة رئيس الدير الغاضبة معلنة ما سوف يحل بإيطاليا الفاسدة من دمار. وبقى شيء من روح سفنرولا بعد موته في نفس ميكل أنجيلو: بقى منها الرعب مما يراه حوله من فساد خلقي، وكراهيته الشديدة للاستبداد، وشعوره الحزين من سوء المصير. واجتمعت هذه الذكريات والمخاوف فكانت من العوامل التي شكلت أخلاقه، ووجهت مَنحته وفرشاته؛ فكان وهو مستلق على ظهره في نقش معبد يذكر سفنرولا؛ وكان وهو يرسم صورة يوم الحساب يستعيده حياً في خياله، ويقف بإرعاد الراهب وإبراقه خلال القرون.
وتوفي لورندسو في عام 1492 وعاد ميكل بعد موته إلى بيت أبيه وواصل عمله في النحت والتصوير، وأضاف وقتئذ تجربة عجيبة إلى ما تلقاه من تعليم. ذلك أن رئيس مستشفى سانتو أسبريتو (الروح القدس) Santo Spirito سمح له أن يشرح الأجسام البشرية في حجرة خاصة. وبلغت الأجسام التي شرّحها من الكثرة حداً غثيت من معدته، فظلت بعض الوقت لا تستبقي فيها طعاماً أو شراباً. ولكنه تعلم التشريح ولاحت له فرصة سخيفة يظهر فيها علمه هذا حين طلب إليه بيرو ده ميديشي أن يصنع من الثلج تمثال رجل في بهو القصر؛ فأجابه ميكل إلى ما طلب، وأقنعه بيرو بأن يعود إلى الحياة في قصر آل ميديتشي (يناير سنة 1494).
وحدث في عام 1494 أن هرب ميكل أنجيلو في إحدى نوبات اضطرابه الكثيرة إلى بولونيا مخترقاً ثلوج جبال الأبنين. وتقول إحدى القصص إن صديقاً له رأى فيما يرى النائم تحذيراً له من سقوط بيترو؛ ولكن

لعل فطنته هي التي نبهته مقدماً إلى هذا المصير؛ ومهما يكن من شيء فإن فلورنس قد لا تكون في هذه الحال مكاناً أميناً لشخص له ما لميكل أنجيلو من الحظوة عند الميديتشيين. وأخذ وهو في بولونيا يعنى عناية كبيرة بدراسة النقوش التي صورها ياقوبو دلا كوبرتشيا على واجهة سان بترونيو؛ ثم طلب إليه أن يتم قبر القديس دمنيك، فنحت له ملكاً رائعاً رشيقاً؛ وانذره في ذلك الوقت مثالو بولونيا المجتمعون في منظمة لهم بأنه، وهو الشخص الأجنبي المتطفل، إذا ظل ينتزع العمل من أيديهم، فإنهم سيتخلصون منه بإحدى الأساليب الكثيرة التي ابتكرها عصر النهضة. وكان سفنرولا في ذلك الوقت قد أصبح صاحب السيادة في فلورنس، وامتلأ جو المدينة بالفضيلة وبالحديث عن الفضيلة. وعاد إليها ميكل في عام 1495.
ووجد فيها نصيراً له في شخص لورندسو دي بيرفرانتشيسكو Lorenzo di Pierfranceso الذي ينتمي إلى فرع آخر من أسرة ميديتشي. وقد نحت له تمثال كيوبد النائم الذي كان له تاريخ عجيب. فقد اقترح عليه لورندسو أن يعالج سطح التمثال حتى يبدو كأنه تمثال قديم؛ ووافق ميكل على هذا الاقتراح؛ ثم بعث لورندسو بالتمثال إلى روما حيث بيع لأحد التجار بثلاثين دوقة، وباعه هذا التاجر إلى رفائلو رياريو Raffaello Riario كردنال ده سان جيورجيو بمائتي دوقة. وبيع بعدئذ إلى سيزاري بورجيا، وباعه سيزاري إلى جويدو بلدو صاحب أربيني؛ واسترده سيزاري حين استولى على تلك المدينة، وأرسله إلى إزبلا دست، ووصفته إزبلا هذه بأنه " لا نظير له بين جميع أعمال الأيام الحديثة"(26). ولسنا نعرف شيئاً من تاريخه بعدئذ.
وقد صعب على ميكل، رغم كفاياته المتعددة، أن يكسب قوته بأعماله الفنية في مدينة يكاد عدد الفنانين فيها يبلغ عدد سكانها. ودعاه أحد عمال رياريو إلى روما، وأكد له أن الكردنال سيعهد إليه بعمل، وأن

رومة مليئة بأنصار الفن أصحاب الثراء. وهكذا انتقل ميكل أنجيلو في عام 1496 إلى العاصمة وهو مفعم القلب بالأمل، وخص بمكان في بيت الكردنال.وتبين أنرياريو غير كريم؛ غير أن ياقوبو جالو Iacopo Gallo، أحد رجال المصارف عهد إلى ميخائيل أن ينحت تمثالاً لباخوس وآخر لكيوبد. يوجد أولهما الآن في متحف برجيلو Bargello بفلورنس والآخر بمتحف فكتوريا وألبرت بلندن. وتمثال باخوس صورة غير ممتعة لإله الخمر الشاب وهو في حالة سكر شديد؛ ورأس التمثال صغير لا يتناسب مع جسمه، كما يليق بالسكير، ولكن الجسم متقن التصوير أملس ناعم نعومة خنثوية. وكيوبد شاب جاثم أكثر شبهاً بالشاب الرياضي منه بإله الحب، ولعل ميكل أنجيلو لم يسمه بهذا الاسم الذي لا يتفق مع صورته؛ وإذا نظرنا إليه من حيث هو تحفة من تحف النحت حكمنا من فورنا بأنه تحفة ممتازة. فقد ميز فيه الفنان من البداية أو فيما يكاد يكون من البداية، عمله بأن أظهر صاحب التمثال في لحظة من لحظات العمل وفي موقف من مواقفه. ذلك أنه لم يكن كاليونان يفضل في الفن مواقف الراحة وعدم العمل، لا نستثني من ذلك إلاّ تمثال بييتا Pieta؛ ومثل هذا يقال - مع الاستثناء ذاته - عن حب اليونان للتعميم أي تصوير أنماط عامة؛ أما ميكل أنجيلو فكان يؤثر تصوير الفرد خيالياً في فكرته، واقعياً دقائقه؛ ولم يقلد الأشكال القديمة، إلاّ في ملابسها؛ أما بقية أعماله فكانت خاصة به، فهي لم تكن مولداً جديداً للصورة القديمة، بل كانت خلقاً فذاً وإبداعاً على غير مثال يحتذيه.
وأعظم ما أخرجه الفنان أثناء مقامه الأول في روما هو تمثال بييتا وهو الآن أحد الآيات الفنية التي تفتخر بها كنيسة القديس بطرس. وقد وقع العقد الذي أنشئ بمقتضاه هذا التمثال الكردنال جان ده فليير Jean de Villier سفير فرنسا في البلاط البابوي (1498). وكان الأجر

المتفق عليه هو 45 دوقة (8525؟دولاراً)؛ والزمن الذي يتم فيه سنة واحدة، وأضاف المصرفي صديق ميكائيل ضمانه الكريم:
أتعهد، أنا ياقوبو جالو، بشرفي إلى السيد المبجل، أن المدعو ميكل أنجيلو سيتم العمل المذكور في خلال عام واحد، وأنه سيكون أجمل عمل في الرخام تستطيع أن تتباهى به روما في هذه الأيام؛ وأن أستاذاً أياً كان في أيامنا هذه لن يستطيع أن يصنع خيراً منه... وأتعهد كذلك بشرفي إلى المدعو ميكل أنجيلو أن الكردنال المبجل سيؤدي الأجر حسب المواد المدونة المبينة في هذا العقد(27).
وإناّ لنجد بعض العيوب في هذه المجموعة الرائعة من صورة الأم العذراء التي تمسك بابنها الميت في حجرها: فالثياب فيها تبدو كثيرة مسرفة في الكثرة، ورأس العذراء صغير لا يتناسب مع جسمها، وهي تمد يدها اليمنى في حركة لا تناسبها، ووجهها وجه امرأة في مقتبل العمر لا يشك أحد في أنها أصغر من ابنها. ويقول كنديفي Condivi إن ميكل أنجيلو رد على هذه الشكوى الأخيرة بقوله:
ألا تعلمون أن النساء الطاهرات يحتفظن بنظارتهن أكثر ما يحتفظ بها غير الطاهرات منهن؟ وأكثر ما يكون هذا في حالة عذراء لم تتسرب إلى قلبها في يوم من الأيام شهوة يمكن أن يتأثر بها الجسم! بل إنّي لأذهب إلى أبعد من هذا فأجازف بالاعتقاد بأن نضرة الشباب الطاهرة، التي احتفظت بها لأسباب طبيعية، ربما فاضت عليها لتقنع العالم بأن الأم عذراء طاهرة إلى غير أجل محدود(28).
ذلك خيال يبعث في النفس السرور خليق بأن نغفر لصاحبه ما فيه من بعد عن المعقول، ولا يلبث معه الإنسان أن يألف الوجه الظريف، الذي لا تمزقه الآلام، والهادئ في حزن صاحبته وألمها، كما يألف صورة الأم المستسلمة لإرادة الله، والتي يعزيها عن آلامه أن تحتفظ

في تلك اللحظات الأخيرة بالجسم العزيز الذي طهر من جراحه، وتحرر من عوامل حقده، يرقد فيحجر المرأة التي حملت به ولم يفارقه جماله حتى في ساعة موته. وإنّا لنجد في هذه المجموعة الساذجة كل ما تتضمنه الحياة من لباب، ومآس، وفداء! نجد فيها سلسلة التوالد التي تخلد بها المرأة حياة الجنس البشري، ونجد فيها الموت الذي لا مفر منه والذي هو العقاب المحتوم لكل مولد؛ والحب الذي يسمو بالفناء بما يخلعه عليه من رحمة وحنان ويتحدى كل موت بمولد جديد. ولقد كان فرانسس الأول محقاً حين قال إن هذه الصورة هي أجمل ما أبدعه ميكل أنجيلو على الإطلاق(29)؛ ذلك أنها لم يخرج أحسن منها فنان آخر في تاريخ النحت كله، ولربما جاز لنا أن نستثني من هذا التعميم الفنان اليوناني غير المعروف الذي نحت تمثال دمتر المحفوظ في المتحف البريطاني.
ولم يكن نجاح بييتا سبباً في شهرة ميكل أنجيلو فحسب - وهي شهرة خليقة بأن يستمتع بها كل إنسان، بل إن هذا النجاح قد در عليه المال الكثير الذي كان أله على استعداد لأن يستمتعوا معه به. ذلك أن أباه فقد بسبب سقوط آل ميديتشي المنصب الصغير الذي حباه به لورندسو الأكبر؛ وكان الأخ الأكبر لميكائيل قد دخل أحد الأديرة؛ وأمّا الأخوان الصغيران فكانا فتيين مسرفين، وبذلك اصبح ميكائيل عماد تلك الأسرة، وكان يشكو من هذه الحال التي فرضتها عليه الظروف ولكنه كان كريماً سخياً مع أسرته.
وأكبر الظن أن اضطراب أحوال أسرته المالية هو الذي دعاه إلى فلورنس، فعاد إليها في عام 1501 حيث عهد إليه في شهر أغسطس من ذلك العام نفسه بعمل فذ. ذلك أن مجلس الأعمال (الأبراري Operai) في كتدرائية المدينة كان يمتلك كتلة كبيرة من رخام كراراً ارتفاعها ثلاث عشرة قدماً ونصف قدم، ولكنها ظلت مطروحة على الأرض لا ينتفع بها

مائة عام كاملة لعدم انتظام شكلها. وسأل المجلس ميكل أنجيلو هل يستطاع نحت تمثال منها، فوافق على أن يحاول ذلك، ووقع معه مجلس الكنيسة ونقابة الصوف عقد القيام بالعمل وقد جاء فيه:
إن الأستاذ الجليل ميكل أنجيلو ... قد اختير لكي يصور، ولينجز ويتم إلى حد الكمال تمثالاً لرجل وهو التمثال المسمى الضخم Il gigante والذي يبلغ ارتفاعه تسع أذرع... على أن يتم العمل في خلال عامين يبدءان من شهر سبتمبر، وأن يتقاضى مرتباً قدره ستة فلورينات في الشهر، وأن يمده المجلس بما يحتاجه لإنجاز هذا العمل من العمال، والخشب وما إلى ذلك؛ وحين يتم صنع التمثال يقدر مستشارو النقابة ومجلس العمال... هل يستحق مكافأة أكثر، على أن يترك هذا لذمتهم(30).
وظل المثال يكدح في هذه المادة القاسية عامين ونصف عام، حتى انتزع منها بجده وبطولته تمثال داود، وانتفع بكل إصبع من ارتفاعها، ثم دعا مجلس العمل في 25 يناير سنة 1504 مجلساً من كبار رجال الفن في فلورنس ليقرروا أين يوضع التمثال الضخم كما كانوا يسمون تمثال داود . وكان المجتمعون هم كوزيموروزيلي Cosimo Roselli، وساندروبتيتشلي، وليوناردو دافنشي، وجليانو وأنطونيو داسينجلو، وفلبينولبي، ودافد غرلندايو، وبروجينو، وجيوفني بفيرو Giovanni Piffero (والدتشليني)، وبيودي كوزيمو. ولم يتفق هؤلاء على المكان، فتركوا ذلك آخر الأمر لميكل أنجيلو، فطلب أن يقام التمثال على رصيف قصر فيتشيو ؛ ووافق مجلس السيادة على هذا الطلب؛ ولكن عملية نقل التمثال الضخم من المصنع القريب من الكنيسة إلى القصر تطلبت أن يعمل في ذلك أربعين رجلاً أربعة أيام؛ وكان لابد من تعلية أحد المداخل بهدم جدار فوقه كي يمر فيه التمثال، وتطلب رفعه في مكانه واحداً وعشرين يوماً أخرى. وظل

قائماً في فراغ مدخل القصر المكشوف معرضاً للجو، وعبث الأطفال وللثورة عليه؛ وتقول للثورة لأنه كان بمعنى ما إعلاناً صريحاً للتقدمية المتطرفة، ورمزاً للجمهورية الفخورة التي عادت إلى الوجود ، وتهديداً صارماً للمغتصبين. ولمّا عاد آل ميديتشي إلى السلطة في عام 1513 لم يمسوه بسوء؛ ولكن لما قامت الثورة التي انتزعت السلطة منهم مرة أخرى (1527) سقط عليه مقعد ألقى من إحدى نوافذ القصر فحطم ذراع التمثال اليمني. وجمع فرانتشيسكو سيلفياتي Francesco Salviati وجيورجيو فاساري، وكانا وقتئذ غلامين في السادسة عشرة من العمر، القطع المحطمة واحتفظا بها، وضم عضو آخر من أسرة ميديتشي جاء فيما بعد، وهو الدوق كوزيمو، هذه الأجزاء وثبتها في مكانها. وفي عام 1873 نقل داود بعد جهد جهيد، إلى مجمع الفنون الجميلة Accaademea della Bell Arti بعد أن أثر فيه الجو فشوه معالمه، ولا يزال فيها يحتل مكان الشرف، وهو أحب التماثيل إلى الشعب في فلورنس.
لقد كان هذا العمل من أعمال البطولة،وهو بهذا الوصف لا يمكن أن نوفيه حقه من الثناء، تغلب فيه الفنان بحذق كبير على الصعاب الآلية وإذا ما حكم عليه الإنسان من ناحية الحماسة استطاع أن يجد فيه بعض العيوب! فاليد اليمنى أكبر مما ينبغي أن تكون، والعنق مفرط في الطول، والساق اليسرى أطول في جزئها الذي تحت الركبة مما يليق، والإلية اليسرى ليست متضخمة بالقدر الذي يجب أن تتضخم به أية إلية سليمة. وكان بيروسدريني رئيس الجمهورية يرى أن الأنف مفرط في الضخامة، ويروي فاساري قصة - لعلها مختلفة - تقول إن ميكل أنجيلو صعد سلماً وهو يمسك في يده بعض التراب، وتظاهر بأنه سينحت قطعة من أنف التمثال، وأن يتركه سليماً كما كان، ثم أسقط تراب الرخام من يده أمام رئيس الجمهورية، وأن الرئيس أعلن بعدئذ أن التمثال قد صلح. والأثر

العام الذي يحدثه التمثال فيمن ينظر إليه يقطع لسان كل ناقد! فالهيكل الرائع، الذي لم يضخمه ميكل أنجيلو كما ضخم التماثيل التي نحتها لأبطاله المتأخرين، وبنية الجسم المصقول، والمعارف القوية الرقيقة رغم هذه القوة، والخياشيم المتوترة من الاهتياج، والتجهم المنبعث من الغضب، ومظهر العزيمة المشوبة بشيء من الحياء حين يواجه الشاب جالوت الرهيب ويستعد لملء مقلاعه والقذف به - كل هذه أشياء تجعل داود أشهر تمثال في العالم كله إذا استثنينا من ذلك تمثالاً واحداً لا غير . ويرى فاساري أنه "يفوق كل ما عداه من التماثيل قديمها وحديثها لاتينية كانت أو يونانية"(31).
وأدت لجنة الكنيسة إلى ميكل أنجيلو أربعمائة فلورين أجراً لتمثال داود وإذا أدخلنا في اعتبارنا انخفاض النقد فيما بين عامي 1400 و 1500 جاز لنا أن نقدر هذا المبلغ بما يقرب من 5000 دولار حسب قيمة النقد في عام 1952. ويبدو أن هذا أجر قليل لعمل دام ثلاثين شهراً، ونحن نظن أنه قام في خلال تلك المدة بمهام أخرى. والحق أن المجلس ونقابة الحرف قد استخدماه أثناء عمله في نحت تمثال داود في نحت تماثيل أخرى، يبلغ ارتفاع الواجد منها ست أقدام ونصف قدم، للرسل الاثني عشر كي توضع في الكتدرائية. وقد أمهل اثنتي عشرة سنة للقيام بهذا العمل، واتفق على أن يُؤدّى له فلورينان كل شهر، وأن يبني له بيت يقيم فيه من غير أجر. ولم يبق من هذه التماثيل الأخيرة إلاّ تمثال الرسول متي الذي لا يظهر إلاّ نصفه من الكتلة الحجرية كأنه تمثال من عمل Rodin. وإذا نظرنا إليه في مجمع فلورنسي العلمي أدركنا أحسن من ذي قبل ما كان يعنيه ميكل أنجيلو حين عرَّف النحت بأنه الفن "الذي يعمل بقوة الانتزاع"،

وما قاله مرة أخرى في إحدى قصائده: "إن مجرد إزالة السطح من الحجر الصلب الخشن يكفي لأن يخلق منه صورة تزيد وضوحاً كلما واصل الإنسان النحت(32)" وكثيراً ما كان يقول عن نفسه إنه يبحث عن الصورة المخبوءة في الحجر، فيزيل سطحه كأنه يسعى للعثور على عامل منجم دفن تحت أنقاض الصخور الهاوية.
ونحت حوالي عام 1505 لتاجر فلمنكي تمثال العذراء الجالسة في كنيسة نتردام في بروج. وقد أثنى على هذا التمثال ثناءً جمّاً، ولكنه من أضعف ما أخرجته يد الفنان - فالثياب بسيطة تخلع على صاحبها الوقار، ورأس الطفل لا يتناسب مطلقاً مع جسمه، ووجه العذراء عابس حزين، كأنها تحس أن كل ما وقع خطأ في خطأ. وأعجب من هذا شكل العذراء في الصورة الملونة التي رسمت (1505) لأنجيلو دوني Angelo Doni. والحق أن ميكل أنجيلو لم يكن يعنى كثيراً بالجمال، بل كان يهتم بالأجسام، ويفضل منها أجسام الذكور، وكان يمثلها في بعض الأحيان بكل ما في أشكالها الظاهرة من عيوب، وفي أحيان أخرى لكي تنقل إلى الناس عظة أو فكرة، ولكنه قلّما كان يهدف إلى التقاط الجمال وحبسه في الحجر الخالد. وهو في هذه الصورة الأخيرة يسيء إلى الذوق السليم بوضعه صفاً من الشبان العارين على سور خلف العذراء. ولسنا نقصد بهذا إنه كان يتحول إلى النزعة الوثنية، فهو يبدو مسيحياً مخلصاً بل قل متزمتاً، غير أن افتتانه بالجسم الآدمي في هذه الصورة قد تغلب على تقواه كما تغلب عليها في صورة يوم الحساب. كذلك كان شديد الاهتمام بتشريح الأجسام في أوضاعها المختلفة، وفيما يحدث للأعضاء، والأطراف، والهيكل، والعضلات حين يغير الجسم وضعه. فهنا مثلاً تتكئ العذراء إلى الخلف، لتتلقى، فيما يبدو الطفل يسلمه لها القديس يوسف من وراء كتفها. والتمثال منحوت نحتاً ممتازاً ولكن الصورة لا حياة فيها، وتكاد تكون تصويراً خالياً من اللون؛ وكثيراً

ما قال ميكل أنجيلو إن التصوير لم يكن هو العمل الذي يبرع فيه.
لهذا نعتقد أنه لم يغتبط قط حين دعاه سدريني (1504) ليرسم له نقشاً جدارياً في ردهة المجلس الكبير بقصر فيتشيو، بينا كان بغيضه ليوناردو دافنشي ينقش جداراً مقابلاً له. وكان ميكل أنجيلو يبغض ليوناردو لأسباب كثيرة - لآدابه الأرستقراطية، وثيابه الغالية التي يتباهى بها، واتباعه من الشبان الحسان؛ ولعله كان يبغضه كذلك لأنه كان حتى ذلك الوقت أكثر منه نجاحاً وأوسع شهرة في التصوير. ولم يكن أنجيلو واثقاً من أنه وهو المثال يستطيع أن ينافس ليوناردو في التصوير، ولكنه قرر أ، يجرب حظه وكان ذلك منه دليلاً على الشجاعة. وكانت الصورة التخطيطية الأولية عبارة عن لوحة من الورق على قماش من التيل مساحتها 288 قدماً مربعة. ولم يكد يتقدم بضع خطوات في هذه الصورة التخطيطية حين تلقى دعوة من روما: ذلك أن يوليوس كان في حاجة إلى أحسن المثالين في إيطاليا كلها. واستشاط مجلس السيادة غضباً، ولكنه سمح لميكل أنجيلو بأن يلبي الدعوة. ولعله هو لم يأسف لترك القلم والفرشاة، والعودة إلى العمل المجهد الذي كان يحبه.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن




















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق