1037
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> إيمليا وأقاليم التخو -> بولونيا
الفصل الثاني
بولونيا
إذا مررنا بريجيو ومودينا بسرعة لا تليق بهذين البلدين فليس ذلك لأنهما لم تنجبا أحداً من أبطال السيف أو الفرشاة أو القلم. ففي ريجيو قام راهب أوغسطيني هو أمبروجيو كاليبينو Ambrogio Calepino بعمل معجم في اللغتين اللاتينية والإيطالية، أخذ يزداد كلما أعيد طبعه حتى أصبح معجماً في إحدى عشرة لغة (1590). وكان لبلدة كابري الصغيرة Little Capri كتدرائية خططها لها بلدساري بيروتسي Baldasseri Peruzzi (1514)؛ وكان في مودينا مثال؛ هو جيدو متسوني Guido Mazzoni، أدهش مواطنيه بما تنطق به صورة له في الطين المحروق تمثل موت المسيح من واقعية دقيقة، وكانت مواقف المرنمين التي أقيمت في القرن الخامس عشر في الكتدرائية المنشأة بتلك المدينة في القرن الحادي عشر تضارع في الجمال واجهة هذه الكنيسة وبرج جرسها. ولعل بيليجرينو دا مودينا Pellegrino da Modena الذي عمل مع روفائيل في روما ثم عاد إلى مسقط رأسه كان يصبح مصوراً ذائع الصيت لو لم يقتله بعض المجرمين الذين كانوا يريدون قتل والده. وما من شك في أن أعمال العنف التي كانت سائدة في عصر النهضة قد قضت حيث اتسع نطاقها على عدد كبير ممن لو عاشوا لأصبحوا من كبار العباقرة.
وتقع بولونيا عند ملتقى عام للطرق التجارية في إيطاليا؛ ومن أجل هذا ظل رخاؤها في ازدياد، وإن كانت زعامتها العقلية قد أخذت تنتقل إلى فلورنس بعد أن أخذت النزعة الإنسانية تقضي على الفلسفة المدرسية؛
فلم تكن جامعتها وقتئذ إلا واحدة من جامعات كثيرة في إيطاليا، ولم تعد تعلم الشرائع لأحبار الكنيسة أو الأباطرة، ولكن مدرستها الطبية كانت لا تزال ذات الشأن الأعظم بين أمثالها من المدارس. وكان البابوات يدعون أن بولونيا إحدى الولايات البابوية، وكان الكردنال ألبرنودسي Albornozy قد أيد هذه الدعوى تأييداً عارضاً (1360)؛ ولكن انشقاق الكنيسة بين البابوات المتنافسين عليها (1378-1417)، أضعف سلطان البابوية في المدينة حتى جعله سلطاناً اسمياً؛ وارتفعت فيها أسرة غنية، أسرة بينتيفجليو Bentivoglio فصارت صاحبة السلطة السياسية، واحتفظت فيها طوال القرن الخامس عشر بدكتاتورية هينة، راعت أشكال الحكم الجمهوري، واعترفت بسيادة البابوات رسمياً ولكنها تجاهلتها عملياً. وحكم جيوفني بينتيفجليو بولونيا، بوصفه زعيماً (كابو Capo) لمجلس الشيوخ، سبعة وثلاثين عاماً (1469-1506) بحكمة وعدالة أكسبتاه إعجاب الأمراء وحب الشعب. وعنى في أثناء هذا الحكم برصف الشوارع، وإصلاح الطرق، وحفر القنوات؛ وساعد الفقراء بالعطايا، وقام بطائفة من الأشغال العامة ليخفف من حدة التعطل؛ وناصر الفنون مناصرة قوية. وكان هو الذين استدعى لورندسو كستا إلى بولونيا، وكان هو وأبناؤه هم الذين صور لهم فرانتشيا؛ والذي رحب في بلاطه بفيليفو، وجوارينو، وأورسبا Aurispa وغيرهم من الكتاب الإنسانيين. قد لجأ في أواخر حكمه إلى طائفة من الإجراءات الصارمة للاحتفاظ بسلطانه؛ ذلك بأن مؤامرة دبرت لخلعه فأحفظته ونفثت سموم الغل في قلبه، وأفقدته هذه الإجراءات حب شعبه. وحدث في عام 1506 أن زحف البابا يوليوس الثاني بجيش بابوي على بولونيا، وطلي إليه أن ينزل عن الملك؛ فأجابه إلى طلبه بهدوء وسلام، وسمح له أن يغادر المدينة سالماً، ومات في ميلان بعد عامين من ذلك الوقت. ووافق يوليوس
على أن يحكم بولونيا من ذلك الحين مجلس شيوخها، على أن يكون للرسول البابوي حق رفض كل تشريع تعارضه الكنيسة. وتبين للأهلين أن حكم البابوات أحسن نظاماً وأوسع حرية من حكم آل بينتيفجليو؛ ذلك أن البابوات لم يقاوموا الحكم الذاتي المحلي، كما أن الجامعة استمتعت بحرية علمية واسعة النطاق؛ وبقيت بولونيا ولاية بابوية اسمياً وعملياً حتى أيام نابليون (1796).
وكانت بولونيا في عصر النهضة تفخر بعمارتها المدنية، فقد أقامت فيها نقابة التجار غرفة تجارية جميلة الشكل (1382 وما بعدها)، وأعاد المحامون (1384) بناء قصر رجال القانون. كذلك شاد الأشراف قصوراً جميلة مثل قصر البيفلكوا Bevilacqua الذي عقد فيه مجلس ترنت Trent جلساته في عام 1547، وقصر بلافتشيني Pallavicini الذي وصفه كاتب معاصر بأنه "خليق بالملوك"(3). وأنشئت لقصر البودستا Podesta (الحاكم) الضخم، وهو مقر الحكومة، واجهة جديدة (1492)، وصمم برامنتي درجاً حلزونية فخمة لقصر القومونية (البلدية). وكان لكثير من الواجهات عقود في مستوى الشارع، فكان في وسع الإنسان أن يسير عدة أميال في قلب المدينة دون أن يتعرض للشمس أو للمطر إلا حين يعبر الشارع من جانب إلى جانب.
وبينا كان المتشككون في الجامعة يجادلون في خلود الروح كان الشعب وحكامه يشيدون الكنائس الجديدة أو يزينون القديم منها أو يرممونه، ويأتون بالقرابين إلى الأضرحة التي تأتي بالمعجزات أملاً في الخير على أيدي أصحابها. وأضاف الرهبان الفرنسيس لكنيستهم الجميلة في سان فرانتشيسكو برجاً للجرس يعد من أجمل الأبراج في إيطاليا؛ وزين الرهبان الدمنيك كنيستهم في سان دمنيكو بمواضع للمرنمين بذل الراهب دميانو البرجامي في حفرها وتطعيمها جهداً عظيماً، واستخدموا ميكل أنجيلو في حفر
أربع صور ليزين بها الصندوق الذي كانوا يحتفظون فيه بعظام مؤسس طريقتهم.
وكانت كتدرائية القديس بترونيو مفخرة فن بولونيا العظيمة ومأساته المفجعة في وقت واحد. وتفصيل ذلك أن بترونيوس Petronius هذا كان أسقف المدينة في القرن الخامس الميلادي، وكان رجال الدين الذين يرأسهم يحبونه أعظم الحب. وادعى كثيرون من عباده في عام 1307 أنهم شفوا من عماهم، وصممهم، وما إلى ذلك من الأدواء، حين غسلوا الأجزاء المريضة من أجسامهم بالماء المأخوذ من بئر تحت ضريحه، وسرعان ما اضطرت المدينة إلى إعداد أماكن تتسع لمئات الحجاج الذين أقبلوا على المكان طلباً للشفاء. وقرر المجلس في عام 1388 أن تقام كنيسة للقديس بترونيوس، وأن تكون من السعة بحيث تزري بالفلورنسيين وكنائسهم، فيكون طولها سبعمائة قدم وعرضها أربعمائة وستين قدماً، وتعلو قبتها فوق الأرض خمسمائة قدم. وتبين أن المال يقصر عن تحقيق هذه الكبرياء؛ فلم يتم من هذه الكنيسة إلا نيفها (Nava) والأجنحة المحيطة به إلى ارتفاع الليوان، ولم ينشأ من الواجهة إلا جزؤها الأسفل. ولكن هذا الجزء الأسفل آية فنية تشهد بما كان لفن النهضة من أمان نبيلة وذوق راق. وحفرت على ستر الأبواب وطيلاتها نقوش (1425-1438) تضارع في موضوعها وتفوق في قوتها الأبواب التي أقامها جيبيرتي Gheberti لموضع التعميد في في كتدرائية فلورنس ولا تقل عنها إلا في جمال الصقل ودقته، وحفرت في القوصرة حفراً بارزاً مستديراً صورة العذراء والطفل خليقة بأن تقارن بصورة بيتا Pàieta لميكل أنجيلو، وإن كان قد حفر إلى جانبها صورتين منفرتين لبترونيوس وأمبروز. ولقد كانت هذه الأعمال التي قام بها ياقوبو دلا كويرتشيا Jacopo della Quercia من فناني
سينا ملهمة لميكل أنجيلو، ولو أن ميكل قد أخذ بأكثر مما أخذ به من النقاء الروماني القديم الذي ينطبع به تصميم دلا كويرتشيا لأنجى نفسه مما أتسم أسلوبه في النحت من مغالاة في إبراز العضلات.
وكان فن النحت ينافس في بولونيا فن العمارة. من ذلك أن بروبيردسيا ده رسي Properzia de 'Rossi نحتت نقشاً قليل البروز لواجهة كنيسة القديس بترونيوس نال من الثناء ما حدا بالبابا كلمنت السابع حيث قدم إلى بولونيا أن يطلب مقابلتها، ولكنها كانت قد توفيت في ذلك الأسبوع نفسه؛ ونال ألفنسو لمباردي شهرته في التاريخ خلسة من وراء تيشيان. ذلك أنه عرف أن تيشيان سيرسم صورة لشارل الخامس في أثناء مؤتمر بولونيا (1530) فما كان منه إلا أن أقنع المصور بأن يقبله خادماً عنده؛ وبينا كان تيشيان يرسم صورة الإمبراطور الجالس أمامه، أخذ ألفنسو وهو مختبئ بعض الاختباء وراءه يصوغ نموذجاً من الجص للإمبراطور. وأبصره شارل وطلب أن يرى عمله؛ فلما رآه أحبه، وطلب إلى ألفنسو أن ينقله على الرخام. ولما أن دفع شارل إلى تيشيان ألف كرون أمره أن يدفع نصفها إلى ألفنسو. وجاء لمباردي بالصورة الرخامية بعد تمامها إلى شارل في جنوى ونال منه ثلاثمائة كرون أخرى. ولما ذاعت شهرة ألفنسو على هذا النحو استدعاه الكردنال ياقوبو ده ميديتشي إلى روما وكلفه بنحت قبرين لليو العاشر وكلمنت السابع، ولكن الكردنال توفى في عام 1535، وخسر ألفنسو نصيره ومهمته، فتبعه إلى الدار الآخرة في خلال عام واحد.
وكان أكثر التصوير في بولونيا في القرن الرابع عشر زخرفة للمخطوطات، ولما انتقل من هذا إلى الرسوم الجدارية اتخذ الطراز الروماني الجامد. ويبدو أن فنانين من فيرارا هما اللذان أنجيا مصوري بولونيا من طراز بيزنطة الجامد الميت. ولما قدم فرانتشيسكو كسا ليقيم في بولونيا (1470)، كان لا يزال في تصويره شئ من القسوة التي انطبع بها طراز مانتينتا وجمود
الخطوط التي تشاهد في أسلوب نحته، ولكن كان قد تعلم كيف ينفث في صوره شعوراً وهيبة، وكيف يبعث فيها الحركة، ويغرقها في ألوان يتلاعب بها فيخلع عليها الحياة. وجاء لورندسو كستا إلى بولونيا وهو غلام في الثالثة والعشرين من عمره (1483)، وأقام بها ستة وعشرين عاماً، واتخذ له مرسماً في البيت الذي كان فيه مرسم فرانتشيا. ونشأت بين الرجلين صداقة قوية، وتأثر كلاهما بالآخر تأثراً أفاد منه الشيء الكثير، وكانا أحياناً يعملان معاً في صورة واحدة. ونال كستا ثناء جيوفني بينتيفجليو ورفده بعد أن رسم صورة ممتازة للعذراء على عرشها لتوضع في كنيسة القديس بترونيوس. ولما أن فر جيوفني عند اقتراب يوليوس الرهيب (1506)، قبل كستا الدعوة ليخلف مانتينتا في مانتوا.
وكان فرانتشيسكو فرانتشيا في أثناء ذلك الوقت يتخذ سبيله ليصبح راس مدرسة بولونيا وتاجها. وكان أبوه ماركو رايبوليني Marco Raibolini، غير أنه لما كانت الألقاب في إيطاليا لا ضابط لها، فقد عرف فرانتشيسكو فيما بعد اسم الصائغ الذي كان يتتلمذ عليه. وظل سنين كثيرة يمارس فنون أشغال الذهب، والفضة والنَّل ، والميناء، والحفر. وعين بعدئذ رئيساً لدار الضرب، ونقش نقوداً لمدينة بينتيفجليو والبابوات؛ وامتازت نقوده بجمالها امتيازاً جعلها مطمع جامعي التحف، وارتفعت أثمانها ارتفاعاً عظيماً بعد موته بزمن قليل. ويصفه فاساري بأنه رجل محبوب، ظريف الحديث إلى حد يستطيع معه أن يطرد الهم عن أشد الناس حزناً واكتئاباً، وكسب محبة الأمراء والأعيان وكل من عرفه"(4).
ولسنا نعرف سبب تحول فرانتشيا إلى فن التصوير. وكل ما نستطيع أن نقوله أن بينتيفجليو كشف عن مواهبه وعهد إليه - وهو في التاسعة
والأربعين - أن يرسم ستاراً لمذبح في معبد بكنيسة سان جياكومو مجيوري (1499). وسر الطاغية من هذا الرسم وكلف فرانتشيا بأن يزخرف قصره بالنقوش الجدارية. وقد أتلفت النقوش حين نهب الغوغاء القصر في عام 1507، ولكن فاساري يؤكد لنا أن هذه المظلمات وغيرها "أكسبت فرانتشيا من الإجلال في هذه المدينة ما جعل الناس يعظمونه تعظيم الأرباب"(5). وانهالت عليه الطلبات، ولعله قد قبل منها أكثر مما يسمح بإمكانياته أن تنضج. وتلقت مانتوا، وريجيو، وبارما، ولوكا، وأربينو لوحات من فرشاته؛ ففي بيناكوتيكا بولونيز حجرة مليئة بأعماله، وفي فيرونا صورة للأسرة المقدسة، وفي تورين صورة لدفن المسيح، وفي اللوفر أخرى لصلبه، وفي لندن صورة للمسيح الميت، وأخرى رائعة لبارتوليمو بياتشيني، وفي مكتبة مورجان صورة للعذراء والطفل، وفي متحف الفن بنيويورك صورة مبهجة لفيدريجو جندساجا في شبابه. وليس في هذه الصور كلها صورة من الطراز الأول، ولكن كل واحدة منها قد رسمت رسماً أنيقاً رشيقاً، ولونت بألوان هادئة، ونفث فيها من الرقة والتقى ما يجعلها بشيراً بصور رفائيل.
وإن الصداقة الأدبية التي نشأت عن طريق الرسائل بين فرانتشيا ورفائيل لمن أطرف الحوادث في تاريخ النهضة. وكان منشأ هذه الصداقة أن تموتيو فيتي Timoteo Viti الذي كان تلميذ فرانتشيا في بولونيا (1490-1495)، أصبح في أربينو أحد معلمي رفائيل الأولين. ولعل بعض خصائص فرانتشيا انتقلت إلى الفنان الشاب(6). ولما أن ذاعت شهرة رفائيل في روما دعا فرانتشيا إلى زيارته، لكن فرانتشيا اعتذر لكبر سنه وكتب أغنية في الثناء على رفائيل وتلقى منه رداً مؤخراً (5 سبتمبر سنة 1508) يفيض بالمجاملات السائدة في عصر النهضة.
عزيزي السيد فرانتشيسكو:
تلقيت تواً صورتك، وقد وصلت إلي بحالة جيدة. وإني لأشكر لك
ذلك من صميم قلبي. والصورة غاية في الجمال. وتطابق الحياة مطابقة تجعلني أخطئ أحياناً فأعتقد أنني معك أستمع إلى كلماتك. وإني لأرجوك أن تعذرني وتغفر لي إبطائي وتأجيلي إرسال صورتي مرسومة بيدي، لأني لم أستطع بعد رسمها بنفسي كما اتفقنا بسبب اشتغالي بأمور هامة ملحة لا تنقطع أبداً... على أنني أبعث إليك صورة أخرى لمولد المسيح رسمتها وسط مشاغلي الكثيرة الأخرى رسماً أخجل منه. غير أني أبعث إليك بهذه الصورة التافهة إطاعة لك وحباً فيك لا لشيء آخر؛ وإذا ما لقيت بدلاً منها (رسمك) قصة يهوديث Judith فإني سأضعها بين أعز الأشياء وأعظمها قيمة عندي.
والسيد إل داتاريو Il Datario ينتظر صورتك الصغيرة للعذراء بشوق زائد، كما أن الكردينال رياريو Riario في انتظار الصورة الكبرى.. وأنا أترقب وصولها بنفس اللذة والسرور اللذين أنظر بهما إلى كل أعمالك، وأثني عليها؛ فأنا لا أرى شيئاً أجمل أو أكثر تقى، أو أعظم إتقاناً من أعمالك.
والآن تشجع، واعتن بنفسك وكن حكيماً كعادتك، وثق أني أحس بآلامك كأنها آلامي أنا نفسي؛ وداوم على حبك لي كما أحبك أنا من كل قلبي. وأنا في خدمتك في كل شئ. المخلص رفائيل سانتشيو Rafael Sancio. وفي وسعنا أن نتغاضى هنا عن بعض التنميق الذي أملته المجاملات، ولكن الذي يؤكد لنا أن الحب المتبادل بين الرجلين كان حباً صادقاً هو رسالة أخرى بعث بها رفائيل إلى فرانتشيا مع صورته الذائعة الصيت القديسة تشيتسيليا St. Cecilia لتوضع في معبد ببولونيا، وطلب إليه "بوصفه صديقاً له أن يصحح ما قد يجده فيها من الأخطاء"(8). ويقول فاساري إن فرانتشيا حيث رأى الصورة راعه جمالها، وأحس أمامها بعجزه، ففقد
كل رغبة في التصوير، ومرض، ومات بعد قليل في السابعة والستين من عمره (1517). وهذه ميتة من الميتات الكثيرة المشكوك في روايتها في كتاب فاساري، ولكنه يتفضل فيضيف إلى قوله السابق أن هنالك أقوالاً أخرى في هذه المسألة.
ولعل فرانتشيا قد شاهد قبل وفاته بعض صور أخرى محفورة قام بها في روما تلميذه مركنتونيو رابمندي نقلاً عن رفائيل. ذلك أن مارك هذا شاهد في زيارته للبندقية بعض صور حفرها ألبرخت دورر Albrecht Dürer على النحاس أو الخشب، فما كان منه إلا أن أنفق كل ما معه من النقود تقريباً في شراء ستة وثلاثين نقشاً محفوراً من عمل فنان نورمبرج تمثل آلام المسيح عند الصلب؛ ثم نقلها على النحاس، وطبع منها عدة نسخ وباعها على أنها من عمل دورر. ولما سافر إلى روما حفر على النحاس رسماً من صنع رفائيل مطابقاً للأصل مطابقة سمح معها المصور العظيم أن يحفر عدد كبير من صوره، وأن تطبع منها عدو نسخ وتباع للراغبين. كذلك نقل ريمندي صور رفائيل وغيره، وحفر الصور المنقولة على النحاس وطبع منها عدة نسخ وباعها. وبينا كان فرانتشيا يكسب المال بهذه الطريقة الجديدة، أصبح الفنانون في أوربا على علم بالصور المشهورة التي رسمها فنانو النهضة، وبهذا أدى فنجويرا Finiguerra، وريمندي ومن جاءوا بعدهما للفن ما أداه جوتنبرج وألدوس مانوتيوس للطباعة، وما أداه غير هؤلاء للعلم والأدب؛ فقد أنشئوا خطوطاً جديدة للاتصال والنقل وقدموا للشباب مجمل تراثه وخطوطه الرئيسية على الأقل.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق