1036
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> إيمليا وأقاليم التخو -> كريجيو
الباب الثاني عشر
إيمليا وأقاليم التخوم
1378 - 1534
الفصل الأول
كريجيو
على بعد خمسين ميلاً جنوبي فيرونا يلتقي المسافر بطريق إيمليا القديم الذي كان يمتد 175 ميلاً من بياتشندسا ماراً بيارما. ورجيو، ومودينا، وبولونيا، وإيمولا، وفورلي، وتشيزينا Cesena حتى يصل إلى ريميني . ونمر الآن ببياتشندسا كما نمر ببارما (إلى حين)، لنتحدث عن بلدة صغيرة ذات حكم ذاتي (قومون) على بعد ثمانية أميال إلى الشمال الشرقي من ريجيو، وتشترك معها في هذا الاسم. وكريجيو Corregio واحدة من عدة بلدان في إيطاليا لا تذكر في التاريخ إلا لأنه قد وجدت فيها عباقرة خلعت عليهم أسمها. وكانت الأسرة الحاكمة فيها تسمى أيضاً كريجيو، ومن أفرادها نقولو دا كريجيو الذي كتب عدة قصائد لبتريس وإزبلا دست. وكانت هذه البلدة مكاناً يتوقع الإنسان أن يولد بع عباقرة ويموتوا، ولكنهم لا يقولون أو يفعلون شيئاً، لأنها لم يكن لها فن ذو شأن أو تقاليد واضحة تنشئ الكفاية الفطرية وتعلمها وتشكلها. غير انه كان على رأس
بيت كريجيو في القرن السادس عشر الكونت جلبرات Count Gilbert العاشر وزوجته فيرونيكا جمبارا Veronica Gambara التي كانت من أعظم سيدات النهضة. فقد كان في مقدورها أن تتكلم اللغة اللاتينية، وكانت تعرف الفلسفة المدرسية (الكلامية) وكتبت شروحاً على الآراء الدينية لآباء الكنيسة. وقالت شعراً بأسلوب بترارك، وكانت تلقب ((ربة الشعر العاشرة))، واتخذت من بلاطها الصغير ندوة للفنانين والشعراء، وساعدت على إشاعة تلك العبادة الغرامية للنساء التي أخذت من ذلك الوقت تحل بين الطبقات العليا في إيطاليا محل عبادة مريم العذراء الشائعة في العصور الوسطى، والتي كانت توجه الفن الإيطالي نحو تمثيل مفاتن النساء. وقد كتبت في اليوم الثالث من سبتمبر عام 1528 إلى ازبلا دست تقول: ((لقد فرغ السيد أنطونيو أليجري Antonio Allegri من رسم تحفة رائعة تصور مجدلين في الصحراء، وتعبر أكمل تعبير عن الفن السامي الذي يعد من كبار أساتذته))(1).
وكان أنطونيو أليجري هذا هو الذي أختلس عن غير علم منه شهرة مدينته وأذاع هذه الشهرة بين سائر البلدان، وإن كان خليقاً باسم أسرته أن ينطق بطبيعة فنه المرحة. وكان أبوه من صغار ملاك الأراضي، أوتي من الثراء ما أمكنه به أن يكسب لابنه عروساً بائنتها 257 دوقة (6425 ؟ دولاراً). ولما أظهر أنطونيو ميلا إلى الرسم والتصوير الملون، أرسل ليتدرب عنه عمه لورندسو أليجري. ولسنا نعرف من الذي علمه بعدئذ، ويقول بعضهم انه ذهب إلى فيرارا ليتلقى الفن على فرانتشيسكو ده، بيانكي - فيراري Francesco de'Bianch Ferari، ثم انتقل إلى مرسمي فرانتشيا Francio وكستا في بولونيا، ثم انتقل مع كستا إلى مانتوا حيث تأثر بمظلمات مانتينيا الضخمة. وسواء كان ذلك أو لم يكن فالمعروف أنه قضى معظم حياته في كريجيو مغموراً إذا قيس إلى غيره من الفنانين،
ويبدو أنه كان هو دون غيره من أهل هذه المدينة يظن أنه سيكون من بين المخلدين. ويلوح أنه درس النقوش المحفورة التي نقلها ميركنتونيو رايمندي Mercantonio Raimondi عن رفائيل، وأكبر الظن أنه شاهد أيضاً أعمال ليوناردو إن لم تكن في أصولها فلا أقل من أن تكون في نسخ منقولة عنها. وقد دخلت هذه المؤثرات كلها في أسلوبه الفردي الكامل في فرديته وكان لها طابعها فيه.
وإن تسلسل موضوعاته وتتابعها ليقابل ضعف العقيدة الدينية بين الطبقات المتعلمة في إيطاليا في الربع الأول من القرن السادس عشر، ونشأة الموضوعات الدنيوية فيه ووجود المناصرين له من غير رجال الدين، فقد كانت أعماله الأولى، ما كان منها يرسم للأفراد المشترين وما كان يرسم للكنيسة وهو الجزء الأكبر منها، كانت هذه الأعمال تروي قصة المسيحية، فمنها صورة عبادة المجوس، وفيها يبدو وجه العذراء جميلا شبيها بوجه صغار البنات الذي احتفظ به كريجيو فيما بعد للشخصيات غير ذات شأن في صوره، ومنها صورة الأسرة المقدسة، وعذراء القديس فرانس التي ظلت العذراء فيها محتفظة بملامحها التقليدية، لاستراحة بعد العودة من مصر التي تمتاز بالتجديد والابتكار في التأليف، والتلوين، والخصائص، وصورة لا دسنجريلا La Zingarella حيث رسمت العذراء وهي منحنية في حنان حول طفلها، بكل ما استطاعه كريجيو من رشاقة، وصورة العذراء تعبد الطفل التي جعل فيها الطفل مصدراً يشع منه الضوء الذي ينير المنظر كله.
وقد جاء تحوله إلى النزعة الوثنية نتيجة عمل غريب كلف به. ذلك أن جيوفنا دا بياتشندسا رئيسة دير سان باولو في باروما عهدت إليه تزيين
حجرتها، وكانت سيدة يهمها نسبها أكثر مما تهمها تقواها، ولهذا اختارت موضوعا لزخرف حجرتها مظلمات ديانا العفيفة ربة الصيد، ورسم كريجيو فوق المدفأة ديانا في عربة فخمة، ثم رسم من فوقها في ستة أجزاء متقاطعة تلتقي كلها عند السقف المستدير مناظر مستمدة من الأساطير القديمة، في أحدها كلب يدلك طفلاً ويظهر نحوه أعظم الحب، ويعبر هذا الكلب بعين صورت أعجب التصوير عن خوفه من أن يختنق ويقضي على حياته من فرط الحب، ويسمو جماله اليقظ على جميع الأشكال البشرية والدينية المتناثرة حوله. ومن ذلك الحين أصبح الجسم البشري العاري في معظم الأحوال العنصر الأساسي في الزخارف التصويرية التي قام بها كريجيو، ودخلت الأساليب الوثنية في الموضوعات المسيحية نفسها. ذلك أن رئيسة الدير قد حولته عن المسيحية.
وأثار نجاحه أهل بارما وجاءه بأعمال درت عليه كثيرا من الربح، ففي عام 1519 رسم الزواج الخفي لسانت كاترين (نابلي). وفي هذه الصورة تظهر العذراء والقديس ذوي جمال يعجز عن الوصف، ومع هذا فان كريجيو جاء بأحسن منهما حين استخدم الموضوع نفسه لرسم الصورة التي تعد من أثمن كنوز اللوفر والتي تحوي وجوهاً جميلة، ومنظراً طبيعياً فاتناً، وتبادل الظلال والأضواء على الأثواب المهفهفة والشعر المتماوج.
وقبل كريجيو في عام 1520 مهمة شاقة يقوم بها في بارما - وهي أن يقوم بنقش مظلمات في السقف المقبب لكنيسة جديدة في دير للبندكتيين في سان جيوفني إفنجيلستا San Giovanni Evangelista وفوق منصتها والمعبدين الجانبيين فيها. وظل يكدح في هذا العمل أربع سنين، حتى إذا كان عام 1523 انتقل مع زوجته وأبنائه إلى بارما ليكون أقرب إلى عمله. وقد صور على القبة الرسل جالسين جلسة مستريحة في دائرة حول السحب الوثيرة، يحدقون بأعينهم في صورة المسيح التي روعي فيها المنظور والتناسب
في الحجم مع غيرها من الصور بحيث تخدع الناظر إليها أسفل فيتمثل له البعد بينها وبين الرسل الناظرين إليها. وأكبر السباب في روعة هذه القبة يرجع إلى صور الرسل الفخمة، الذين يظهر بعضهم عراة، ينافسون في ذلك آلهة فدياس، ولعل مصورهم قد أخذ عن ميكل أنجيلو جلال العضلات التي رسمها في معبد سستيني قبل ذلك الوقت باثني عشر عاماً. ويرى في بندريل بين عقدين القديس أمبروز القوي يناقش القديس يوحنا في بعض المسائل الدينية، وقد خلع عليه الفنان من الجمال ما لا يقل عن جمال أي إله بالغ من آلهة البارثنون. وترى أشكال فنية مفرطة في الجمال، يفترض أنها ملائكة تملأ فراغ الصورة بوجوه ملائكية، وأعجاز، وسيقان، وأفخاذ. وهنا نرى النهضة اليونانية التي تقادم عهدها في الآداب الإنسانية وفي مانوتيوس، وقد بلغت أوجها في الفن المسيحي.
ولما حل عام 1522 فتحت كتدرائية بارما العظيمة أبوابها للفنان الشاب، وتعاقدت معه على أن تؤجره ألف دوقة (12.500 دولار) لينقش لها أماكن الصلاة والقبا، وموضع المرنمين، والقبة. وظل يقوم بهذه المهمة في فترات امتدت إلى ثمان سنوات من عام 1526 إلى يوم وفاته. واختار لزخرفة القبة صورة صعود العذراء وروع كثيرين من قساوسة الكتدرائية بأن جعل هذه الصورة النهائية منظراً جائشاً باللحوم الآدمية. فوضع في وسط الصورة العذراء متكئة على الهواء، تسبح نحو السماء بذراعيها الممتدتين لتقابل فيها ابنها، ومن حولها وأسفل منها حشد سماوي من الرسل، والحواريين، والقديسين - صورا أحسن تصوير لا يقل عن أحسن صور رفائيل، ويخيل إلى الناظر أنهم يدفعونها إلى أعلى بأنفاس الضراعة والعبادة، وتستند العذراء على جماعة من الملائكة يبدون كأنهم فتيان وفتيات أصحاء
الجسام تبدو أجسامهم العارية الفتية رائعة الجمال، أولئك أجمل الفتيان المراهقين العراة في الفن الإيطالي بأجمعه. وذهل أحد رجال الدين وارتبك حين شاهد كل هذه الأذرع والسيقان فعاب الصورة بقوله إنها: ((كتلة من لحم الضفادع المقلو))؛ ويبدو أن غيره من جماعة القسيسين قد التبس عليهم أمر ذلك الخليط من اللحم البشري الذي يحتفل بالعذراء؛ وأن ذلك أدى إلى أن يقف عمل كريجيو في الكتدرائية إلى حين.
وكان في هذه الأثناء تتقدم به السن إلى الكهولة (1530)، وأخذ يتوق إلى الحياة الهادئة المستقرة؛ ولهذا ابتاع بضعة أفدنة خارج كريجيو وأصبح من ملاك الأرض كأبيه، واجتهد في أن يعول أسرته ويمول مزرعته بفرشاته، وأخرج في خلال مشروعاته الكبرى وبعدها طائفة من الصور الدينية، تكاد كل واحدة منها تكون آية فنية: مجدلين تقرأ؛ عذراء القديس سبستيان- وهي أجمل عذراء في كريجيو؛ وسيدة إسكوديلا ومها طاس والطفل المسيح مصوراً أحسن تصوير؛ وسيدة سان جيرولامو التي تسمى في بعض الأحيان ألـ جيرونو II Giorno أو النهار، ولا تقل صورة جيروم هنا في جمالها عن صورته عند مايكل أنجيلو. وصورة الملك الممسك بكتاب أمام المسيح ذات جمال كجمال الفتيات، وتمثل مجدلين وهي تضع خدها على فخذ المسيح أطهر الخاطئات وأرقهن قلباً، والألوان القوية الزاهية الحمراء والصفراء تجعل الصورة كلها خليقة بتيشيان في أحسن عهوده. وآخر ما نذكره من صوره صورة عبادة الرعاة التي خلع عليها الخيال أسم الليل La Notte، ولم يكن ما أولع به كريجيو في هذه الصور هو الطائفة الدينية بل كل قيمها الجمالية - خشوع الأم الشابة وتعبدها، وهي نفسها ذات جمال تطالعك بوجهها البيضي، وشعرها اللامع الأملس، وجفونها الناعسة، وأنفها الرفيع، وشفتيها الرقيقتين، وصدرها الناهد؛
يضاف إلى ذلك عضلات القديسين الرياضية القوية، وجمال مجدلين المتحاشمة، وجسد الطفل الوردي. وكان كريجيو، وهو ينزل عن محاولات الكتدرائية يمتع عينيه بمناظر مؤتلفة قد تسفر حين تتم عن جمال رائع فتان.
وتلقى حوالي عام 1523 عدداً من الطلبات من فيدريجو الثاني جندساجا كشفت عن مل ما في فنه من العناصر الوثنية. ذلك أن هذا المركيز أراد أن يستميل إليه شارل الخامس فأمر برسم صورة في إثر صورة أهداها جميعاً إلى الإمبراطور، وتلقى منه في نظير ذلك الجزاء التافه المرغوب وهو لقب دوق. وكان هذا المركيز قد نشأ في جو روما الوثنية وعرف كريجيو ذلك فصور له طائفة من الموضوعات الأسطورية تخلد ذكرى الانتصارات الأولمبية في الحب أو الشهوات. ففي صورة تربية إيروس (إله الحب) تضع فينوس الغماء على عيني كيوبيد (كيلا يهلك الجني البشري)؛ وفي صورة جوبتر وأتيوبي يتخفى الإله في زي ساطير (جنية الحراج) ويتقدم نحو السيدة وهي راقدة على الكلأ عارية؛ وفي صورة دانائى Danae يمهد بشير مجنح لقدوم جوبتر بخلع ملابس الفتاة الجميلة، والى جانب فراشها يلعب غلامان سعيدان غير عابئين بفجور الأرباب. وفي صورة أيوما ينزل جوبتر مختفياً في سحابة من سمائه التي مل الإقامة فيها، ويمسك بيد قوية سيدة بدينة تتمنع عنه في دلال ثم تخضع لرغبته وثنائه، وفي صورة اغتصاب جتيميد يرى غلام جميل يسرع به نسر إلى السماء ليشبع رغبات إله الآلهة محب الجنسين على السواء. وفي صورة ليدا والبجعة يصور المحب في صورة بجعة، ولكن الموضوع هو بعينه؛ وحتى في صورة العذراء والقديس جورج نرى صورتين لكيوبيد يلعب فيهما لعباً سمجاً أمام العذراء كما أن القديس جورج في زرده البراق هو المثل الأعلى لجسم الشباب في عصر النهضة.
على أننا ليس من حقنا أن نستنتج من هذا أن كريجيو لم يكن إلا رجلاً شهوانياً يميل إلى تصوير الأجسام. لقد كان يحب الجمال حباً ربما يكون عارماً، ولعله أسرف في إبراز ظاهر هذه الموضوعات الأسطورية دون غيرها، ولكنه في صور العذراء قدر الجمال الأشد عمقاً من هذا حق قدره. وبينما كانت فرشاته تجول في صور جبل أولمبس، كان هو نفسه يعيش معيشة رجل الطبقة الوسطى المنتظم المخلص لأسرته، الذي لا يكاد يترك داره إلا ليقوم بعمل، ويقول عنه فاسارى إنه ((كان يقنع بالقليل، ويعيش كما يجب أن يعيش المسيحي الصالح))، ويقال إنه كان حيياً مكتئباً؛ ومنذا الذي لا يكتئب وهو يأتي كل يوم إلى عالم من كبار مشوهين بعد أن تراوده في مرسمه أحلام الجمال.؟
ولعل نزاعاً قد شجر حول أجر العمل في الكتدرائية؛ وشاهد ذلك أن تيشيان سمع أصداء هذا النزاع تترد في بارما حين زارها، وقال إنه لو أن القبة قلبت وملئت بالدوقات لما وفى ملؤها بأجر كريجيو نظير ما صوره فيها. ومهما يكن من هذا الأمر فأن مسألة الأجر هذه كان لها شأن عجيب في احتضار الفنان. ذلك أنه تلقى في عام 1534 قسطاً من هذا الأجر قدره ستون كروناً (750؟ دولاراً) كلها من النحاس. وحمل الفنان هذا الحمل المعدني وسافر من بدوا راجلاً؛ واشتد الحر عليه، فأسرف في شرب الماء، فانتابته الحمى، ومات في مزرعته في اليوم الخامس من شهر مارس في عام 1534 في سن الأربعين (ويقول بعضهم إنه كان في سن الخامسة والأربعين).
وإذا ما أحصينا أعماله المجيدة التي قام بها في حياته القصيرة هالتنا كثرتها. فهي أكثر مما قام به ليوناردو، أو تيشيان، أو مايكل أنجيلو أو أي فنا آخر غير رفائيل في السنين الأربعين الأوائل من حياته، وكريجيو لا يقل عنهم جميعاً في رشاقة الخطوط. وفي حسن الهيكل الخارجي،
وفي تصوير النسيج الحي للبشرة الآدمية. ويمتاز تلوينه بالسيولة واللألاء، والحياة الناشئة من انعكاس الأضواء والشفيف، وهو أرق - بألوانه البنفسجية، والبرتقالية، والوردية، والزرقاء، والصيغات الفضية المختلفة - من البريق الذي يخطف البصر في رسوم البنادقة المتأخرين. وكان أستاذاً في التضليل فكان يصور الضوء والظل بتراكيبهما وإيحياءاتهما التي يخطئها الحصر، حتى لا تكاد المادة في صور عذاراه تستحيل صورة ووظيفة من صور الضوء ووظائفه. وكان يجرب في جرأة عظيمة أساليب من الأشكال يؤلف بينهما: الهرمي، والقطري، والدائري، ولكنه في مظلمات القبا ترك الوحدة تفلت منه بين سيقان القديسين والملائكة المسرفة في الكثرة. وقد أولع بمراعاة المنظور في صوره ولعاً جاوز الحد، ولهذا بدت الشخوص التي في صور القبا مزدحمة مكدسة، منفرة شبيهة بصورة المسيح الصاعد لسان جيوفني إيفانجيلستا وإن كانت هذه الشخوص قد رسمت كما يتطلب العلم الدقيق. لكنه لم يعني قط الدقة الميكانيكية، ولذا فأن كثيراً من شخصياته، كشخصية مكوبر Micawber تنقصها الدعامات الظاهرة التي تستند إليها. وقد صور بعض موضوعات دينية تصويراً غاية في الإبداع ولكن أعظم ما كان يهتم به هو الجسم - جماله، وحركاته، ومواقفه، ومباهجه؛ وترمز صوره الأخيرة انتصار فينوس على العذراء في الفن الإيطالي أثناء القرن السادس عشر.
ولم يكن يتفوق عليه في نفوذه في إيطاليا وفرنسا غير ميكل أنجيلو؛ و قد اتخذته مدرسة بولونيا في التصوير التي يتزعمها آل كراتشى نموذجاً في القرن السادس عشر؛ وأقام الفنانان اللذان جاءا بعد هذه الأسرة، وهما جيدو رينى Guido Reni ودومينيكيو Domenichino على أساس فن كريجيو فناً ممتازاً في تصوير الأجسام ذات عاطفية حسية. وأدخل شارل له برون Cherles Le Brun (الأسمر) وبيير مينو Pierre Mignaud
في فرنسا ونشرا في فرساي نمطاً شهوانياً وردياً من الزخارف المكونة من شخوص وثنية كصور كيوبيد يقذف السهام وصغار الملائكة الممتلئ الأجسام؛ وكان كريجيو لا رفائيل هو الذي غزا فرنسا، وطبع فنها بطابع احتفظ به إلى أيام وتو Watteau.
واتصلت أعماله في بارما نفسها وحورها فرانتشيسكو مدسيولى Francesco Muzzuoli الذي يسميه الإيطاليون أصحاب الأهواء والنزوات البرمجيانينو IIP armigianino أي البارمى. وقد ولد مدسيولى هذا يتيماً (1504)، وكفله عمان له كانا مصورين، ولهذا تفتحت مواهبه بسرعة. وعهد إليه وهو في السابعة عشرة من عمره، أن يزين معبداً في الكنيسة نفسها - كنيسة سان جيوفنى إيفانجيلسيا - التي كان كريجيو ينقش قبتها. وكاد طرازه في هذه المظلمات يبلغ من الرشاقة ما بلغه طراز كريجيو نفسه، وأضاف إليه ما امتاز به من حب للملابس اللطيفة. ورسم حوالي ذلك الوقت صورة لنفسه كما يرى في مرآة، وهي من أكثر الصور الذاتية استرعاء للنظر في فن التصوير، تكشف عن غلام ذي رقة، وإحساس مرهف، وكبرياء. ولما حاصرت جيوش البابا مدينة بارما حزم عماه هذه الصور وغيرها من صوره، وأرسل فرانتشيسكو بها إلى روما (1523) ليدرس أعمال رفائيل وميكل أنجيلو، ويستجاب رضاء البابا كلمنت السابع. وبينما كان يشق طريقه نحو النجاح الكامل إذ أرغمه انتهاب روما على الفرار إلى بولونيا (1527)، حيث سرق زميل له فنان جميع صوره المحفورة ورسومه. ويبدو أن عميه اللذان يكفلانه كانا قد ماتا قبيل ذلك الوقت فأخذ يكسب قوته بأن رسم لبيترو أريتينو Pieteo Aretino صورة العذراء الوردة التي كانت قبل في درسدن، ولبعض الراهبات صورة سانتا مرغريتا التي لا تزال بولونيا. ولما جاء شارل الخامس ليعيد تنظيم إيطاليا المخربة رسم له فرانتشيسكو صورة
بالزيت، أعجب بها الإمبراطور وكان من شأنها أو تغنى الفنان لولا أن بارامجيانينو عاد بها إلى مرسمه ليصقلها بعدد قليل من المسات، ثم لم ير شارل بعد ذلك أبداً.
وعاد إلى بارما (1531) وطلب إليه أن ينقش قبة في كنيسة مادنا دلا استيكاتا Madonna della Steccata. وكان وقتئذ في أوج مجده، وكان الأعمال التي ينتجها من حين إلى حين من أعلى طراز، فكان منها جارية تركية أشبه بالأميرات منها بالإماء، وزوج الفريسة كاترين وهي صورة تضارع صورة كريجيو التي تحمل الاسم عينه، بما فيها من أطفال ذوى جمال سماوي، وصورة أخرى لا أسم لها يقال إنها لعشيقته أنتيا Antea التي قيل عنها إنها أشهر الخليلات في ذلك العهد، ولكنها هنا تتحاشم تحاشماً ملائكياً في أثواب أفخم من أن ترتديها إلا الملكات.
لكن بارمجيانينو أولع في ذلك الوقت أشد الولع بالكيمياء الكاذبة، ولعل الذي دفعه إلى هذا ما حل به من الفقر والكوارث، فأهمل التصوير وانصرف إلى إقامة أفران لاستخراج الذهب. ولما عجز قساوسة سان جيوفنى عن إعادته إلى عمله في الكنيسة أمروا باعتقاله لعدم وفائه بعهده لهم، فما كان من المصور إلا أن فر إلى كسلمجيروي Casalmaggiore ودفن نفسه بين الأنابيق والبوتقات، وأطلق لحيته، وأهمل مظهره وصحته، وأصيب بالبرد والحمى، ومات موتاً فجائياً كما مات كريجيو (1540).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق