إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1038 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> إيمليا وأقاليم التخو -> على طول طريق إيمليا الفصل الثالث على طول طريق إيمليا


1038

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> إيمليا وأقاليم التخو -> على طول طريق إيمليا

الفصل الثالث


على طول طريق إيمليا


تقع في شرق بولونيا سلسلة من البلدان الصغيرة كان لها نصيب مناسب لحجمها في لألاء مجد النهضة. فكان في إمولا Imola الصغيرة إنوتشندسو دا إمولا Innocenzo da Imola الذي درس مع فرانتشيا وخلف صورة للأسرة المقدسة لا تكاد تقل جمالاً عن صور رفائيل. وخلعت فائنزا Faenza اسمها على إحدى الصناعات التي اشتهرت بها وهي صناعة القاشاني faience؛ ففيها - وفي جبيو، وبيزارو، وكاستل دورانتي، وأربينو - واصل الفخرانيون الإيطاليون في القرنين الخامس عشر والسادس عشر تغطية الأدوات الطينية بطبقة معتمة من الميناء، ونقشوا عليها بالأكاسيد المعدنية رسوماً متى أحرقت في النار أصبحت ذات ألوان زاهية بنفسجية، وخضراء، وزرقاء، متعددة الضلال، وقد بلغ هذا الفن علي أيديهم حد الكمال. واشتهرت فورلي (واسمها القديم فورم ليفاي Forum Livi) بمصورين وببطلة في هذا الفن لا تقل عن الرجال. ولن نحسب لهذه البلدة ميلتزو دا فورلي Melozzo da Forli بل نتركه لروما التي كانت موضع أعماله المحببة له. أما تلميذه ماركو بالمتسانو Marco Palmezzano فقد صور الموضوعات المسيحية القديمة لنحو مائة من الكنائس والمناصرين، وخلف لنا صورة فاتنة خداعة لكاترينا اسفوردسا Caterina Sforza.
وقد ولدت كاترينا لجالياتسو ماريا اسفوردسا Galeazzomaria Sfordza دوق ميلان دون أن يتزوج أمها، وتزوجت هي جيرولامو رياريو القاسي الوحشي طاغية فورلي، الذي ثار عليه رعاياه في عام 1488 وقتلوه، وقبضوا على كاترينا وأبنائها؛ ولكن بعض الجنود الموالين لها استولوا على

القلعة. ووعدت هي القابضين عليها، إذا ما أطلقوا سراحها، أن تذهب إلى أولئك الجنود وتقنعهم بالتسليم، فأجابوها إلى ما طلبت. ولكنهم احتفظوا بأبنائها رهائن عندهم. فما كادت تدخل القلعة حتى أغلقت أبوابها، وتولت بنفسها توجيه الدفاع بقوة وعنف؛ ولما أن هددها الثوار بقتل أبنائها إذا لم تسلم هي ورجالها لم تعبأ بتهديدهم وقالت لهم أن في رحمها ابناً آخر وإنه يسهل عليها أن تحمل بعدة أبناء آخرين. وبعث لدوفيكو صاحب ميلان جنوداً أنقذوها، وأخمدت الفتنة في غير شفقة، ونصب أتافيانو Ottaviano ابن كاترينا حاكماً على المدينة تسيره أمه بيدها الحديدية. حسبنا هذا عنها الآن وسنواصل الكلام عليها في موضع آخر.
ولا تزال تقوم الآن في شمال طريق أيمليا وجنوبه عاصمتان قديمتان: أولاهما رافنا، التي كانت فيما مضى ملجأ للفاتحين الرومان، وسان مارينو San Marino الجمهورية التي احتفظت بنظام حكمها إلى هذه الأيام. وكان منشأ سان مارينو هذه أن قامت حول دير القديس مارينوس St. Marinus (المتوفى عام 366) محلة صغيرة ذات مركز منيع على قمة جبل صخري. وقد استطاعت بفضل هذا الموقع أن تنجو من هجمات المغامرين الأفاقين في أيام النهضة. واعترف البابا إربان الثامن رسمياً باستقلالها في عام 1631، ولا تزال محتفظة بهذا الاستقلال مناً وكرماً من الحكومة الإيطالية التي لا تجد فيها إلا القليل مما يمكن أن تفرض عليه ضريبة. أما رافنا فقد استعادت رخاءها الزائل بعد أن استولى عليها البنادقة في عام 1441؛ ثم طالب بها يوليوس الثاني للبابوية في عام 1509؛ ثم رأى جيش فرنسي أن من حقه، بعد أن انتصر في معركة شهيرة بالقرب منها، أن ينهب المدينة نهباً لم تنج قد من آثاره إلى أيام الحرب العالمية الثانية، التي حطمتها مرة أخرى. وفي هذه البلدة صمم بيترو لمباردو بناء على طلب برناردو بمبو والد الشاعر الكردنال، القبر الذي يضم الآن رفات دانتي (1483).

وتقع ريمنى جنوب الربيكون مباشرة في الموضع الذي يلتقي فيه طريق إيمليا بطرف البحر الأدرياوى. وقد دخلت هذه البلدة في تاريخ النهضة دخولاً عنيفاً بفضل أسرتها الحاكمة أسرة المالاتيستا Malatesta أي الرؤوس الشريرة. وكان أول ظهور لهذه الأسرة في أواخر القرن العاشر، وكانوا وقتئذ عمالاً للدولة الرومانية المقدسة يحكمون تخوم أتكونا من قبل أتو الثالث. وأخذ هؤلاء يناصرون الحلف على الحبلين، ثم يناصرون هؤلاء على أولئك، ويخضعون للإمبراطور تارة، وللبابا تارة أخرى، فاستطاعوا بذلك أن يستحوذوا على السيادة الفعلية، وإن لم يستحوذوا على السيادة الرسمية، في أنكونا، وريمينى، وسيزينا، وأن يحكموا هذه البلدان حكم الطغاة المستبدين لا يعرفون من مبادئ الأخلاق سوى الدسائس، والغدر، والسيف، حتى لم يكن كتاب الأمير لمكيفلى إلا صدى خافتاً لحكمهم الواقعي، حكم الدم والحديد استحالا مداداً كما استحال حكم بسمارك فلسفة نيتشه. وكان أحد أفراد هذه الأسرة والمسمى جيوفنى هو الذي قتل زوجته فرانتشيسكا دا ريمنى وأخاه باولو (1285). وأبلغ سجسمندونالاتيستا Sigismondo Malatesta شهرة الأسرة ذروتها من حيث القوة، والثقافة، والاغتيال. وولدت له عشيقاته الكثيرات عدة أبناء، وكان في بعض الأحيان يجمع بين هؤلاء العشيقات في وقت واحد ويسبب له الجمع بينهن كثيراً من المتاعب(9). وتزوج ثلاث مرات، وقتل اثنتين من زوجاته متهماً إياهن بالزنا(10). وقد اتهم بأنه واقع ابنته حتى حملت منه، وأنه حاول أن يأتي ولده، وأن ولده هذا صده عن نفسه بخنجره المسلول(11)، وأنه قد أفرغ شهوته في جثة سيدة ألمانية آثرت أن تموت على أن تحتضنه(12)، بيد أننا لا نجد ما يؤيد هذه الأعمال إلا أقوال أعدائه. ولقد كان وفياً وفاء غير معهود لعشيقته الأخيرة إيزتا ديجلى أتى Isott degli Atti، وتزوجها

آخر الأمر، ولما توفيت أقام لها في كنيسة سان فرانتشيسكو نصباً تذكارياً نقش عليه مكرس لإيزتا المقدسة. ويبدو أنه لم يكن يؤمن بالله ولا بخلود الروح، ويظن أن من النكات الظريفة المرحة أن يملأ حوض الماء المقدس في الكنيسة حبراً وأن يراقب المصلين يلطخون أنفسهم به وهم داخلون(13).
ولم يكن في الجرائم التي ارتكبها من التنوع والتباين ما يكفي لاستنفاد مجهوده. فقد كان قائداً قديراً، واشتهر بالبسالة والتهور وعدم المبالاة بالعواقب، وبقوة العزيمة وتحمل كل ما تتعرض له الحياة العسكرية من مشاق. وكان يقرض الشعر. ويدرس اللغتين اللاتينية واليونانية، ويعين العلماء والفلاسفة، ويبتهج بصحبتهم. وكان يحب بنوع خاص ليون باتيستا ألبرتى، الذي كان شبيهاً بليوناردو قبل أيام دافنتشي، وقد كلفه بأن يحول كاتدرائية سان فرانتشيسكو إلى هيكل روماني. وقام ألبرتى بهذا العمل، فلم يمس الكنيسة القوطية التي أقيمت في القرن الثالث عشر بشيء، ثم أقام لها واجهة على الطراز الروماني القديم اتخذ نموذجاً لها قوس أغسطس المقام في ريمنى عام 27 ق.م. وكان يعتزم تغطية مكان المرنمين بقبة، ولكن هذه القبة لم تبنى قط، فكانت النتيجة عملاً ناقصاً مشوهاً منفراً سماه معاصروه هيكل مالاتيستيانو Tempio Malatestiano. وكان الفن الذي تم به تزيين الداخل أنشودة تمجد الوثنية. فقد صور سجسمندو في مظلم رائع من عمل بيرو دلا فرانتشيسكا راكعاً أمام قديسه الشفيع، ولكن هذا المظلم يكاد يكون كل ما بقى في الكنيسة من الرموز المسيحية. ودفنت إيستا في أحد أماكن الصلاة في الكنيسة، ووضع على قبرها قبل عشرين سنة من وفاتها نقش قبل فيه: (( إلى ايستا ريمنى فخر إيطاليا في الجمال والفضيلة)). وكان في مكان أخر للصلاة صور للمريخ، وعطارد، وزحل، وديانا، وفينوس. واحتوت جدران الكنيسة على نقوش بارزة في الرخام من طراز راق ممتاز أكثرها من صنع أجستينو دى دتشيو Agostino di Duccio تمثل ساطيرات،

وملائكة، وغلمان مغنيين، وفنون وعلوم مجسدة، مزخرفة بالحروف الأولى من أسمى سجسمندو وإيستا. وقد وصف الباب بيوس الثاني، وهو من المولعين بالفنون الرومانية القديمة، هذا البناء الجديد بأنه هيكل نبيل ملئ بالرموز الوثنية إلى حد يبدو معه كأن الضريح لم يكن لمسيحيين بل لكفة يعبدون آلهة الكافرين))(14).
وأرغم البابا بيوس سجسمندو في معاهدة مانتوا (1459) أن يرد إمارته إلى الكنيسة، ولما استعاد الطاغية الجريء قبضته عليها، قذفه البابا بقرار الحرمان، واتهمه بالإلحاد، وقتل الأقارب، ومضاجعة المحارم، والزنا، والاغتصاب، والحنث في الإيمان، والغدر، وتدنيس المقدسات(15). وسخر سجسمندو من هذا القرار وقال إنه لم ينقص كثيراً من تمتعه بالطعام والخمر(16)، ولكن صبر الباب العالم وأسلحته ودهائه تغلبت عليه؛ وانتهى الأمر حين خر سجسمندو في عام 1463 راكعاً أمام مندوب بابوي، وأسلم دولته إلى الكنيسة، وغفرت له ذنوبه. ولكن حميته المتأججة أدت به إلى أن يقود جيشاً من البنادقة، انتصر به على الأتراك في عدة وقائع، وعاد إلى ريمنى ومعه جائزة بدت له من أثمن الجوائز، لا تقل قيمة عن عظام أعظم القديسين - وهي رماد جمستوس بليثو Gemistus Pletho الفيلسوف اليوناني الأفلاطوني الذي كان قد اقترح فعلاً استبدال العقدية الأفلاطونية الوثنية بالدين المسيحي. ودفن سجسمندو كنزه الثمين في قبر فخم بجوار هيكله؛ ومات بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت (1468)، ومن حقه علينا ألا نغفله في الصورة المركبة التي نرسمها لعصر النهضة.
وإذا كان سجسمندو يمثل الأقلية الصغيرة، ولكنها الأقلية ذات النفوذ، التي رفضت جهرة، إلى حد قليل أو كثير، العقيدة المسيحية السائدة في العصور الوسطى، نقول إذا كان سجسمندو يمثل هذه الأقلية، فما علينا إلا ننحدر بإزاء ساحل البحر الأدرياوى من ريمنى إلى أقاليم التخوم

فتصل إلى لوريتو، حيث نجد مثالاً حياً للدين القديم لا يزال يملأ قلوب الإيطاليين. فقد كان آلاف الحجاج المخلصين يهرعون في كل عام من أيام النهضة، كما يهرع آلاف منهم في هذه الأيام، لزيارة البيت المقدس Casa Santa وهو بيت يقال لهم إن مريم، ويوسف، وعيسى، كانوا يسكنونه في الناصرة، ثم نقلته الملائكة، كما تقول القصة العجيبة، بمعجزة من المعجزات إلى دلماشيا أولاً (1291)، ثم عبرت به البحر الأدرياوى (1294)، إلى أجمة من الغار قريبة من ريكاناتى Recanati. وقد أقيم حول البيت الحجري الصغير سور من الرخام من تصميم برامنتى، وأضاف إليه أندريا سانسوفينو Andrea Sansovino زخارف في صورة تماثيل، ثم شيد جويليانو دا مايانو Guiliano de Maiano وجويليانو دا سانجلو Gniliauo da Sangallo (1468 وما بعدها) فوق هذا البيت كنيسة، ووضع على مذبح داخل البيت المقدس تمثال لمريم والطفل مصنوع من خشب الأرز الأسود، يقول الأتقياء الصالحون إنه من صنع الفنان لوقا الإنجيلي. ولما احترق هذا التمثال عام 1921 وضعت في مكانه صورة أخرى منه، مزينة بالجواهر والأحجار الكريمة، وتضيئه المصابيح الفضية ليلاً ونهاراً. لقد كان هذا أيضاً من أعمال النهضة.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق