إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1141 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> فرنسا تحاضر -> جان دارك 9- جان دارك 1412 -1431





1141


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> فرنسا تحاضر -> جان دارك

9- جان دارك


1412 -1431


في عام 1422 نادى ابن شارل السادس عشر الذي تبرأ منه أبوه، بنفسه ملكاً باسم شارل السابع. ونظرت فرنسا في عزلتها، إليه لينقذها، ثم ران عليها يأس عظيم وكان هذا الشاب الجبان، فاتر الهمة عديم الاكتراث في العشرين من عمره، لم يصدق أنه يستحق الملك الذي أعلنه، وربما شارك الفرنسيين شكوكهم في شرعية مولده. وتظهر الصورة التي رسمها فوكيه له، وجهاً حزيناً ساذجاً، تحت عينيه جيوب، وأنف ممتد. وكان متديناًً إلى درجة الفزع، يسمع ثلاث صلوات كل يوم، ولا يترك ساعة من ساعات الكنيسة تمر دون أن يتلو، ما يناسبها من صلاة، وكان يخلوا بين هذه الأوقات، إلى رتل طويل من الحظايا، وأنجب اثني عشر مولوداً فرضهم على زوجته الفاضلة. ورهن جواهره، ومعظم الملابس التي على كاهله، ليمول مقاومة بلاده إنجلترا، ولكنه لم يكن مفطوراً على الحرب، فترك الصراع لوزرائه وقواده. ولم يكن أحد منهم متحمساً أو متيقظاً، وتشاجر بعضهم مع بعض في حقد- اللهم إلا جان ذينو الأمين، والابن غير الشرعي للويس، دوق اورليان. ولما تحرك الإنجليز جنوباً لمحاصرة تلك المدينة عام (1428)، لم يتفقوا على خطة للوقوف في وجههم، وكانت الفوضى، طابع ذلك الزمان، وتقع اورليان، على حنية اللوار، فإن سقطت، انظم الجنوب بأسره، وهو المتردد في الولاء وقتذاك لشارل السابع

إلى الشمال، ليجعل من فرنسا مستعمرة إنجليزية. وأخذ الشمال والجنوب معاً يرقبان الحصار، ويصليان من أجل حدوث معجزة.
وأخذت دمريمي القرية البعيدة، الهاجعة إلى جوار الموز على حدود فرنسا الشرقية تراقب الصراع بعاطفة دينية وطنية. وكان الفلاحون هناك من أبناء القرون الوسطى في إيمانهم وشعورهم، في العقيدة والشعور، يعيشون من الطبيعة، ولكن فيما هو فوق الطبيعي، وكانوا واثقين من أن الأرواح تعيش في الهواء المحيط بهم، وأقسم كثير من النساء، أنهن رأينها وتحدثن معها-واعتقد الرجال مثلما اعتقد النساء، وهو ما كان سائداً في أنحاء الريف الفرنسي، أن الإنجليز شياطين، تخفي أذنابها، في أذيال معاطفها وراجت نبوءة في القرية، وهي أن الله سيرسل في يوم من الأيام، فتاة عذراء، تنقذ فرنسا من هؤلاء الشياطين، وتضع حداّ لحكم الحرب الشيطانية. وهمست زوجة عمدة دمريمي، بهذه الآمال إلى جان ابنتها في العماد.
وكان أبوا جان واسمه جاك دارك، فلاحاً ناجحاً، ولعله لم يلق بالاً، إلى مثل هذه الحكايات. وقد عرفت جان التقوى، بين هؤلاء القوم الأتقياء، وأغرمت بالذهاب إلى الكنيسة، وكانت تعترف بانتظام وحرارة وشغلت نفسها بجمع الصدقات للكنيسة وألفت الدواجن والطيور، في حديقتها الصغيرة، أن تأكل من يدها. واتفق لها في أحد الأيام، أن تخيلت، وهي صائمة، أنها رأت، نوراً عجيباً فوق رأسها، وأنها سمعت صوتاً يهتف بها "ياجان كوني طفلة طيبة مطيعة. واذهبي دائماً إلى الكنيسة". وكانت وقتذاك (1424) في الثالثة عشرة من عمرها، وربما أسبغت عليها التغيرات في وظائف أعضائها، مسحة صوفية في هذه المرحلة الممعنة في الانفعال من مراحل حياتها. وتحدثت "هواتفها"- كما نعتت هذه الرؤى- بأحاديث كثيرة طوال السنوات الخمس بعد ذلك، حتى خيل إليها آخر الأمر، أن

الملك ميكائيل نفسه يأمرها: "اذهبي لإغاثة ملك فرنسا، ولسوف تستعيدين ملكه..اذهبي إلى السيد بودريكورت، القائد في فوكولور، وسيقودك إلى الملك". وقال الهاتف في مرة أخرى: "يا ابنة الله، ستقودين الدوفان إلى ريمز، حتى يستطيع هناك أن يحصل على رسامته وتتويجه" ذلك لأن فرنسا كانت تشك في حق شارل الإلهي في الحكم، فلم يحصل على رسامته من الكنيسة، ولكن إذا صب الزيت المقدس على رأسه، فإن فرنسا تقف من ورائه صفاً واحداً وفي ذلك إنقاذها.
وبعد تردد طويل مزعج أطلعت أبويها على رؤياها. فذهل أبوها عندما فكر في فتاة بريئة تضطلع بمثل هذه الرسالة الخيالية، قال إنه لن يسمح لها بذلك وتوعدها بأن يغرقها بيديه. وأراد أن يمعن في تقييدها فأقنع، شاباً قروياً، أن يصرح بأنها وعدته بأن تمنحه يدها بالزواج، فأنكرت قوله، وفرت بعذريتها التي نذرتها لقدسيتها، ولكي تطيع أوامرهم، إلى عم لها، وألحت عليه، أن يأخذها إلى فوكلير عام (1429). وهناك نصح قائد بودريكور، عمها، أن يصفع الفتاة، البالغة من العمر سبع عشرة سنة، وأن يعيدها إلى والديها، ولكن جان لما شقت طريقها، ومثلت أمامه، وصرحت بجنان ثابت، أنها مبعوثة من الله لمساعدة الملك شارل على إنقاذ أورليان، ذاب القائد المتعاظم، فأرسل إلى شينون، وهو يفكر في أن في الفتاة مساً من الشياطين، يطلب إذن الملك بلقائها. وجاء الإذن الملكي، وأعطى بودريكور الفتاة سيفاً، وابتاع لها أهل فوكولير، جواداً، ووافق ستة من الجنود أن يدلوها على الطريق، في الرحلة الطولة المحفوفة بالمخاطر، عبر فرنسا إلى شينون. وتسربلت بزي الرجال العسكري-، سترة وصدار وجوربين طويلين وطماق ومهمازين-وقصت شعرها كالفتيان- ولعلها فعلت ذلك منعاً لتقحم الرجال، وتيسيراً لركوب الجواد اكتساباً لموافقة القواد والجند. وعبرت في رصانة وثقة مدنا، اختلفت في النظر إليها بين الخوف منها باعتبارها ساحرة، أو إجلالها باعتبارها قديسة.
وبعد أن قطعت في رحلتها أربعمائة وخمسين ميلاً، في أحد عشر يوماً، بلغت الملك ومجلسه. ومع أن حلته البسيطة، لم تكن تنبئ عن أبهة الملك، فقد عرفته جان (كما أنبئنا-وكيف ترفع الأسطورة يدها من تاريخ هذه الفتاة) لفورها، وحيته بأدب قائلة.."أمدك الله بطول العمر، أيها الدوفان الكريم...إن اسمي جان لا بوسل إن إله السموات يتحدث إليك بواسطتي، وهو يقول إنك سترسم وتتوج في ريمز، وتكون وكيلاً لملك السموات، الذي هو ملك فرنسا". وقال أحد القساوسة وهو الذي أصبح راعي كنيسة العذراء، فيما بعد، إنها أكدت للملك، في مجلس خاص، شرعية مولده. وظن بعضهم، أنها قبلت في أول لقاء لها مع شارل، أن يكون رجال الدين أصحاب الحق في تفسير هواتفها، وأنها اتبعت قيادتهم في حديثها مع الملك، وعن طريقها يحل الأساقفة، محل القادة في صياغة السياسة الملكية. ولما كان شارل ما يزال مرتاباً من أمرها، فقد أرسلها إلى بواتييه ليمتحنها العلماء هناك. فلم يجدوا فيها شراً وكلفوا بعض النسوة أن يتأكدوا من عذريتها، واطمأنوا من هذه الناحية الحساسة أيضاً. لأنهم اعتقدوا أن للعذراى، مثلهن في مثل مريم العذراء بعض المزايا باعتبارهن وسائل الله ومبعوثاته.
وكان دينوا، قد أكد للحامية في أورليان، أن الله سيغيثهم قريباً بشخص ما. فلما سمع عن جان، كان بين مصدق ومكذب لآماله، ورجا البلاط، أن يرسلوها إليه تواً. فوافقوا، وأعطوها حصاناً أسحم وأحاطوها بدرع أبيض، ووضعوا بيدها علماً أبيض، مزيناً بزهرة فرنسا، وأرسلوها إلى دينوا، مزودة بجمع من الحرس، يحملون الزاد للمحصورين. ولم يكن من العسير، أن تجد منفذاً إلى المدينة (29 إبريل عام 1429)، فلم يكن الإنجليز، يحدقون بها إحداقاً تاماً، ولكنهم قسموا رجالهم الذين يتراوحون بين ألفين وثلاثة آلاف (أي أقل من حامية أورليان) على اثني عشر

حصناً، في أماكن استراتيجية بالضواحي. وحيا أهل أورليان جان، باعتبارها مريم العذراء مجسدة، واتبعوها مؤمنين بها إلى الأماكن المحفوفة بالمخاطر، وصحبوها إلى الكنيسة، يصلون إذا صلت، ويبكون إذا بكت. وترك الجند، حظياتهم بأمرها، وجاهدوا، لكي يثبتوا تطهرهم، ووجد أحد قادتهم وهو لاهير، أن ذلك مستحيلاً، وجاءته فتوى من جان، أن يقسم على عصا قيادته. وهذا المغامر الجاسكوني، الذي نطق بالدعاء المشهور "إلهي مولاي أتوسل إليكَ أن تعمل من أجل لاهير، ما يعمله هو من اجلك لو أنك كنت القائد، وكان لا هيرا هو الله".
وأرسلت جان كتاباً إلى تالبوت، القائد الإنجليزي، تقترح عليه، أن يتحد الجيشان وأن يكونوا إخوة، وأن يتقدموا إلى فلسطين، لتخليص الأرض المقدسة من الترك، ورأى تالبوت، أن هذا يخرج عن نطاق مهمته. وبع ذلك بأيام قلائل، تجاوز فريق من الحامية الأسوار، دون أن يعلموا دينوا أو جان وهاجموا حصناً بريطانياً, فأبلى الإنجليز بلاءً حسناً، وتقهقر، الفرنسيون، ولكن دينوا وجان، سمعا بهذه الفتنة، فركبا جواديهما واستحثا رجالهما أن يعودوا إلى الهجوم من جديد، ونجح الهجوم، وترك الإنجليز مكانهم وفي اليوم التالي هاجم الفرنسيون حصنين آخرين، واستولوا عليهما، وكانت العذراء وسط المعمعة، وفي الصدام الثاني، اخترق سهم كتفها، فضمد الجرح وعادت إلى المعركة. وأخذ مدفع جويوم ديزي، القوي يصب في الوقت نفسه على قلعة الإنجليز في ليه توريل، قذائف، تزن كل منها مائة وعشرين رطلاً. وأعفيت جان من رؤية الفرنسيين وهم يذبحون خمسمائة من الإنجليز عندما سقط هذا المعقل الحصين. وانتهى تالبوت إلى أن قواته، لا تفي بالحصار، فأمرها بالانسحاب شمالاً (8 مايو). وابتهجت فرنسا بأسرها، ورأت في "عذراء أورليان" إرادة الله ولكن الإنجليز، قالوا إنها ساحرة، وأقسموا أن يأخذوها حية أو ميتة.

وفي اليوم التالي لانتصارها خرجت جان لتلقى الملك، المتقدم من شينون، فحياها بقبلة، ووافق على خطتها، في السير عبر فرنسا إلى ريمز، وإن كان معنى ذلك المرور بأرض معادية. وقابل جيشه قوات إنجليزية في مونج وبوجنسي وباتاي، وأحرز انتصارات حاسمة، لطخوها بمذابح انتقامية، أفزعت العذراء، ولما رأت جندياً فرنسياً، يذبح أسيراً إنجليزياً، ترجلت عن جوادها، وأمسكت برأس الرجل المحتضر في يديها، وواسته، وأرسلت تطلب كاهناً، يعترف له. وفي الخامس عشر من يوليو، دخل الملك ريمز، وفي السابع عشر، رسم وتوج في احتفالات رائعة في الكاتدرائية العظيمة. ورأى جاك دارك، وهو عائد من دومري ابنته، في زي الرجال، تمتطي صهوة جوادها في أبهة عبر عاصمة فرنسا الروحية، فلم يدع الفرصة تفوته، وضمن بواسطتها، إعفاء قريته من الضرائب. واعترت جان نوبة عابرة، اعتقدت فيها أن مهمتها، قد انتهت، وفكرت، "إن رضى الله أن أرحل وأرعى الأغنام مع أختي وأخي".
ولكن حمى القتال مازجت دماءها. ومع أن نصف فرنسا اعتقد أنها ملهمة ومقدسة، فقد كادت تنسى الآن أنها قديسة، وأصبحت محاربة. كانت حازمة مع جنودها، تؤنبهم في حب، وجردتهم من وسائل التسلية التي يعدها جميع الجنود حقاً لهم، ولما رأت بغيتين في صحبتهم، جردت سيفها من غمده، وضربت إحداهما بقوة، تحطم معها السيف وماتت المرأة، وتبعت الملك وجيشه في غارة على باريس، وكان الإنجليز لا يزالون يحتلونها، وكانت في العربة عند تطهير الخندق الأول، وما أن اقتربت من الخندق الثاني، حتى أصيبت بسهم في فخذها، ولكنها تحث الجنود. وفشل هجومهم، وبلغت إصاباتهم ألفاً وخمسمائة، فلعنوها لأنها ظنت أن الصلاة قد تسكت مدفعاً، ولم يكن ذلك من تجاريبهم. واتهمها بعض الفرنسيات اللائي كن يتسقطن أول إخفاق لها بأنها قادت هجوماً يوم ميلاد العذراء

(8 سبتمبر 1429). فانسحبت بفرقتها إلى كومبيين، ولما حاصرها هناك البرغنديون المتحالفون مع الإنجليز، قادت هجوماً ببسالة، ولكنه صد، وكانت آخر من انسحب، ووجدت أبواب المدينة قد أوصدت قبل أن تبلغها. فسحبت عن جوادها، وأخذت أسيرة إلى جون صاحب لكسمبورج (24 مايو 1430) وكرمها هذا السيد وأسكنها في قلاعه في بوليو وبوريفوار.
وأوقعه حسن حظه في مأزق خطير. فإن مولاه، فيليب الطيب صاحب برجنديا، طالب بالغنيمة الثمينة، وحث الإنجليز، سيرجون على أن يسلم الفتاة إليهم، آملين أن يؤدي إعدامها العلني إلى تحطيم ذلك السحر الذي طالما قوى من عزائم الفرنسيين. وأرسلوا بيير كوشون، أسقف بوفيه، الذي طرد من كنيسته لمناصرته الإنجليز، إلى فيليب بالسلطة والمال ليتفاوض على نقل العذراء إلى السلطات الإنجليزية، ووعدوه إن وفق في مهمته، أن ينصبوه كبيراً لأساقفة روين. وكان دوق بدفورد، يدير جامعة باريس، فناشد علمائها، أن ينصحوا فيليب بأن يسلم جان. فقد تكون ساحرة خارجة على الدين، إلى كوشون باعتباره رئيس الكهنوت في المنطقة التي أسرت فيها. ولما وفضت هذه المطالب، قدم كوشون إلى فيليب وجون رشوة مقدارها عشرة آلاف كراون من الذهب. ولم تنجح هذه المحاولة أيضاً، ففرضت الحكومة الإنجليزية حظراً على جميع الصادرات إلى الأراضي الواطئة. فواجهت فلاندرز الإفلاس، وهي أغنى مصدر لموارد الدوق. ووافق جون على الرغم من توسلات زوجته، كما وافق فيليب على الرغم من لقب "الطيب" الذي يتسمى به، على قبول الرشوة آخر الأمر، فأسلما العذراء إلى كوشون، الذي أخذها إلى روين. ومع أنها كانت من الناحية الرسمية هناك، من سجناء محكمة التفتيش، إلا أنها وضعت تحت الحراسة الإنجليزية في برج قلعة، يحتلها ايرل ورويك بصفته حاكم روين. ووضعت الأغلال في قدميها، ولفوا وسطها بقيد وربطت إلى جذع من الخشب.

وبدأت محاكمتها في الواحد والعشرين من فبراير عام 1431، واستمرت إلى يوم الثلاثين من مايو. ورأس كوشون المحاكمة، وقام أحد كهانه مدعياً عاماً. ومثل راهب دومينيكي محكمة التفتيش، وأضيف حوالي أربعين من علماء الدين والشريعة إلى هيئة المحكمة. وكانت التهمة هي الهرطقة. وأفتت الكنيسة بأن ادعاء تلقي الوحي الإلهي هرطقة عقوبتها الإعدام، وذلك لكي تقمع الفريق المفزع من المتجرين بالسحر، الذين ابتليت بهم أوربا. فأحرقت الساحرات، لادعائهن القوى الخارقة، والرأي الشائع، بين رجال الكنيسة والمدنيين، أن الذين يدعون مثل هذا الادعاء، يكونون قد حصلوا في الواقع على القوى الخارقة من الشيطان. ويبدو أن بعض قضاة جان، كانوا يعتقدون هذا في قضيتها، وفي رأيهم أن رفضها الاعتراف بأن سلطة الكنيسة باعتبارها، وكيل الله على الأرض، تنسخ أوامر هواتفها، يثبت أنها ساحرة. ثم أخذ أغلبية أعضاء المحكمة بهذا الرأي، ومع ذلك فقد تأثروا من بساطتها الصريحة في أجاباتها، وبتقواها وطهارتها الواضحتين، فقد كانوا بشراً، ويبدو أنهم شعروا بقدر عظيم من الشفقة نحو هذه الفتاة التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها، وكان من الواضح أنها ضحية الخوف من الإنجليز. قال وروك بصراحة الجندي "إن ملك إنجلترا قد دفع فيها ثمناً باهظاً، وهو لن يتركها مهما يكن، تموت ميتة طبيعية". واقترح بعض أعضاء المحكمة أن الأمر ينبغي أن يعرض على البابا-وذلك يخلصها ويخلص المحكمة من السلطة الإنجليزية. وأبدت جان رغبتها في أن ترسل إليه، ولكنها عقدت مفاضلة قضت عليها، فإنها تعترف بسلطة العليا في شؤون العقيدة، أما فيما يتعلق بما فعلته إطاعة لهواتفها، فليس لها من قاضٍ غير الله. وأجمع القضاة على أن قولها هذا هرطقة. وقضت في المحاكمة شهوراً أنهكتها، وأقنعت ب، توقع على تنازل عما سبق أن قالته، ثم رأت أنها بهذا ستقضي حياتها سجينة في نطاق القضاء الإنجليزي، فسحب تنازلها، وأحاط الجنود

الإنجليز بالمحكمة، وهددوا القضاة بالقتل، إذا لم تمت العذراء حرقاً. وفي الواحد والثلاثين من مايو، اجتمع نفر من القضاة وحكموا عليها الإعدام.
وفي الصباح نفسه، وضعن أكوام مرتفعة من الحطب في ساحة السوق بمدينة روين. ونصبت منصتان بالقرب منها-إحداهما لونشستر كاردينال إنجلترا وأساقفة، والأخرى لكوشون والقضاة، ووقف للحراسة ثمانمائة من الجنود البريطانيين. وأحضرت العذراء في عربة، يصحبها راهب أوغسطيني، واسمه، إسامبار، الذي صادقا إلى النهاية، معرضاً حياته للخطر. وطلبت صليباً، فسلمها أحد الجنود الإنجليز إياه، وقد صنعه من قضيبين من الخشب، فقبلته، ولكنها طلبت أيضاً، صليباً باركته الكنيسة، وأقنع إسامبار الموظفين، أن يحظروا إليها صليباً من كنيسة سانت سوفير. فزمجر الجند من التأخير لأن الوقت أصبح ظهراً. وسأل قائدهم "أتريدوننا أن نتناول غذاءنا هنا؟". فانتزعها رجاله من أيدي القساوسة، وساقوها إلى القائمة التي تشد إليها. ورفع إسامبار، أمامها صليباً، وصعد راهب دومينيكي معها إلى المحرقة. وأشعلت أكوام الحطب، وارتفعت ألسنة اللهب إلى قدميها. فلما رأت الراهب الدومينيكي، لا يزال إلى جانبها، ناشدته أن يهبط آمنا. وابتهلت إلى هواتفها، وقديسيها، والملك ميكائيل والمسيح، ودخلت في سكرات الموت. وتنبأ أحد كتاب سر الملك الإنجليزي بحكم التاريخ باكياً.. "قضى علينا، لقد أحرقنا قديسة".
وفي عام 1455 أمر البابا كاليكستاس Calixtus الثالث، بوحي من شارل ال"ابع، أن يعاد فحص الأدلة التي أدينت بها جان، وفي عام 1457 (وكانت فرنسا منتصرة حينذاك) أعلنت المحكمة الدينية التي أعادت النظر في الموضوع، إن الحكم الذي صدر عام 1431، ظالم وباطل. وفي عام 1920 عد البابا بيندكت الخامس عشر عذراء أورليان، بين قديسي الكنيسة.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق