1140
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> فرنسا تحاضر -> الفن
8- الفن
كان فنانو فرنسا لهذا العهد أكثر تفوقاً من شعرائها، ولكنهم شقوا أيضاً بإمحالها. ولم تقدر لهم هناك رعاية كريمة يعتمدون عليها في المدينة أو الكنيسة أو عند الملك. "والولايات التي عبرت عن كرامة طوائفها، بالمعابد الضخام، وتسامت بهذا التعبير إلى عقيدة لا يرقى الشك إليها، أضعفها وقضى عليها ازدياد سلطان الملك إلى جانب التوسع في الاقتصاد من المجال المحلي إلى المحال القومي ولم تعد الكنيسة الفرنسية تمول أو تلهم، مثل المباني الهائلة، التي ارتفعت على أرض فرنسا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ولقد انحطت العقيدة، كما اضمحلت الثروة، وتبدد الأمل الذي دفع في هذه القرون إلى الحروب الصليبية، وتشييد الكاتدرائيات في وقت واحد أي العمل والصلاة التي تحث عليه-فقد نشوته المنتجة وكان الأمر يحتاج في العمارة إلى طاقة أكبر من طاقة القرن الرابع عشر، ليتم ما بدأه عصر أشد فتوة. وعلى الرغم من هذا فقد أنجز جان رافي كاتدرائية نوتردام في باريس (1351)، وأضافت "رون" كنيسة صغيرة للعذراء عام (1302) إلى كاتدرائية سبق أن أنشئت باسمها، وشيدت بواتييه لكاتدرائيتها عام (1379) واجهتها الغربية الشامخة.
وأخذ الطراز المشع للتخطيط القومي (1275)، يسلم قيادة شيئاً فشيئاً، إلى طراز قوطي هندسي، يعتمد على أشكال اقليدية بدلاً من الخطوط المشعة. وعلى هذا النحو شيدت بودو، كاتدرائيتها (1320-1325) وأقامت كان عام (1308) برجاً رشيقاً، مستدق الطرف، على كنيسة سان بيير، ولقد تحطم هذا البرج في الحرب العالمية الثانية، وزودت اكسير كاتدرائيتها بصحن جديد عام (1355)، وأضافت كوتانس عام (1371-1386) وأمين عام (1375)، كنائس صغيرة
رائعة إلى مزاريهما التاريخيين، وأكدت رون مجدها المعماري بإقامة الكنيسة المجيدة لسانت أوين (1318-1545).
ولما تصورت فرنسا أنها منتصرة، في الرابع الأخير من القرن الرابع عشر، أظهر معماريوها طرازاً قوطياً جديداً، مرحاً في روحهِ، مسرفاً في تفاصيل النقوش المحفورة، معقداً مبهرجاً في تفريقاته الزخرفية، مسرفاً إلى حد غير معقول في الزينة. وأصبح العقد القوطي، أو العقد المدبب لقوس متصل، وقتذاك عقداً مخروطياً لقوس مقلوب، كلسان اللهب الذي أعطى هذا الطراز اسمه (المشع). ولم تعد تستعمل تيجان العمد، وتلولبت العمد أو خططت، وأفرط في حفر أماكن المرتل، وحجبت بستائر حديدية من شرائط دقيقة، وأصبحت الزخارف المدلاة كأعمدة الثلج الجامد المتدلي من سقوف المغاور والكهوف، وصارت القباب تيهاً من الأضلاع التي تتراوح بين الظهور الخفاء، وابتدعت فواصل النوافذ، عن الأشكال الهندسية القديمة الجامدة، وفاضت في رشاقة فاتنة وتعمد لا يوصف، وبدت الأبراج وكأنها شيدت من الزخرف، واختفى البناء خلف الزينة. وكانت غرة هذا الطراز الجديد في الكنيسة الصغيرة التي شيدت باسم القديس يوحنا المعمدان عام (1375) في كاتدرائية أمين، وما أن جاء عام 1475)، حنى كان هذا الطراز قد غلب على فرنسا، وبدأ عام 1436، يحقق إحدى معجزاته الرقيقة، وهي كنيسة سان ماكلو في رون. وربما ساعد، على انتصار الطراز المشع في النصف الأول من القرن الخامس عشر، استرداد الثقة وبعث الروح العسكرية على يد جان دارك وشارل السابع، ونمو الثروة التجارية، كما يمثلها جان كير، ونزوع الطبقة البرجوازية، الصاعدة إلى الزينة المترفة. وظل الطراز القوطي في هذا الشكل النسوي، إلى أن أعاد الملوك والنبلاء الفرنسيون من حروبهم في إيطاليا، أفكار عصر النهضة المعمارية الكلاسيكية.
ويحمل نمو العمارة المدنية في أعطافهِ، ظهور الطابع الدنيوي لهذا العصر. ورأى الملوك والأمراء، أن هناك ما يكفي من الكنائس، فابتنوا لأنفسهم قصوراً، تكون فتنة للشعب، ومأوى لحظياتهم، وأنفق الأغنياء من نواب المقاطعات، ثروات طائلة على دورهم وأعلنت المجالس البلدية عن غناها بتشييد دور البلدية الفخمة، وصممت بعض المستشفيات مثل مستشفى بون تصميماً جميلاً طليقاً لا بد أنه قد أسبغ الصحة على المرضى. وجمع الباباوات والكرادلة، حشداً منوعاً من الفنانين، وعضدوهم، بيد أن بنائي فرنسا ورساميها مثاليها، كانوا يلتفون حول نبيل أو ملك. وشيد شارل الخامس قصر فنسن عام (1364-1373)، والباستيل عام (1369)، واستقدم الفنان واسع الأفق أندريه بونيفو ليحفر صوراً لفيليب السادس، وجون الثاني وشارل نفسه للمقابر الملكية، المصففة، الرائعة، التي تزحم ممشى كنيسة سانت دينيس وسردابها عام (1364). وشيد لويس أمير أورليانز قصر بيرفوند، وكان جون دوق بري، على الرغم من قسوتهِ على الفلاحين، واحداً من أعظم رعاة الفنون في التاريخ.
وهو الذي صور له بونيفيه عام 1402 كتاب المزامير. وهو ليس إلا واحداً من سلسلة المخطوطات المزوقة، الموضوعة بالقرب من القمة، فيما يمكن أن يسمى غرفة الموسيقى، في فنون الرسم. ولهذا السيد الفطن نفسه، صور جاك دي هسدن "الساعات الصغيرة" و "الساعات الجميلة" و "الساعات الكبيرة"، وهي تمثل كتب "الساعات" للصلوات اليومية الكنيسة. وأخرج الإخوان بل جيهنانيكان وهرمان مالويل من لمبورج، الساعات الغنية (1416) وهي خمس وستون منمنمة تصور الحياة في فرنسا ومناظر منها: النبلاء يصيدون، والفلاحون يعملون، ومنظر ريفي يضفي عليه الجليد صفاء. وتعد هذه الساعات الغنية المستورة الآن، حتى عن أعين السائحين، في متحف كونديه في شانتلي، والمنمنمات التي صورت للملك الطيب، رينية صاحب انجو آخر انتصارات فن التزويق، ذلك لأن هذا الفن
قد نافسه في القرن الخامس عشر الحفر على الخشب وانتشار المدارس الموفقة في الرسم على الجدران واللوحات في فونتنبلو وأمين وبورجس، وتورومولان وافنيون وديجون إذا لم تتحدث عن أساتذة الفن الذين كانوا يعملون لدوق برجنديا. وأدخل بونيفيه وفان ايكس، طرز التصوير الفلمنكية إلى فرنسا، وكذلك عن طريق سيمون مارتيني وغيره من الإيطاليين في افنيون، وعن طريق الدولة الإنجيفية في نابلي عام (1368-1435). ولقد أثر الفن الإيطالي في الفرنسي، قبل أن تغزو الجيوش الفرنسية إيطاليا بزمن طويل. حتى إذا جاء عام 1450، كان الفن الفرنسي، قد نهض على قدميه، وسجل انتسابه إلى هذا العصر بصورة الورع لفيلينوف وهي بلا توقيع، وتوجد الآن في اللوفر.
ويعد جان فوكيه، أول شخصية واضحة، في فن التصوير الفرنسي، ولقد ولد في تور عام (1416)، وتعلم سبع سنوات في إيطاليا (1440-1447)، وعاد إلى فرنسا، وهو متحيز للمهاد المعمارية الكلاسية التي أصبحت في القرن السابع عشر، هوساً، على يد نيكولاس بوسان وكلود لورين. ومهما يكن من شيء، فقد رسم صوراً متعددة لأشخاص وهي تكشف بقوة عن مقومات شخصياتهم: مثل جوفينال كبير أساقفة أورسان وحاكم فرنسا- وهو عبوس حازم، وليس ممعناً في التقوى إلى الحد الذي جعله غير صالح للحكم، وأتين شيفالييه وهو القائم على خزانة المملكة- رجل مهموم، منزعج من استحالة الحصول على المال بالسرعة، التي تنفقه بها الحكومة، وشارل السابع نفسه، بعد أن جعلت منه أنييه سورل رجلاً ، وآنيته في اللحم الوردي، وتحول على يد فوكيه إلى عذراء هادئة سنية بعينين خفيفتين وصدر بارز وزوق جان لشفاييه، كتاب الصلوات، وبدد ملل إقامة بمناظر، نظرة، من وادي الوار. وتحتفظ رصيعة مطلية بالميناء في اللوفر، بصورة فوكيه كما رأى نفسه-
صورة ليس لها مثل رفائيل سيما الأمارة، يصعد إلى أعلى، وإنما صانع بالفرشاة، في رداء العمل، حازم حي، مهموم مصمم، وعلى جبينه سمة قرن كامل من الفقر. مع ذلك، فقد مضت حياته، بلا ملمات من حكم ملك آخر، وارتقى، إلى أن أصبح آخر الأمراء "مصور الملك" لويس الحادي عشر وبعد جهد السنين يأتي بالنجاح، وسرعان ما يأتي الموت بعد ذلك.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق