إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1138 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> فرنسا تحاضر -> الحياة بين الأطلال 6- الحياة بين الأطلال


1138

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> فرنسا تحاضر -> الحياة بين الأطلال

6- الحياة بين الأطلال


كانت الأخلاق، كما يتوقع المرء في كل إقليم يصاب بالشلل الطويل المحزن في الاقتصاد والحكومة. ولقد ألف جيوفري دي لاتور لاندري، حوالي عام 1372، كتابين يرشد بهما أطفاله في هذه الفوضى، ولم يبقَ منهما غير ما وجهه إلى بناتهِ. وهو مجلد رقيق لطيف عامر بالحب الأبوي، مشوب بالهم على عفة غير آمنة وبخاصة، في زمن اقترفت فيه نساء كثيرات، الخطايا بلا جزع مما أوقعهن في فضائح مزرية. ورأى الفارس الطيب أن يقاوم هذه المغريات، وذهب إلى أن خير وقاية هي الإكثار من الصلاة. ويعرض الكتاب لعصر، لم يزل متشبثاً بالمشاعر المصقولة، والحس الأخلاقي. ونحن نلتقي بعد ذلك بسبعين سنة بشخصية منكرة، هي شخصية المارشال دي ريز أورتز، وهو رجل غني عظيم وسيد بريتاني. واعتاد أن يدعو الأطفال إلى قلعتهِ. بحجة تدريبهم على الترتيل الكنسي، ثم يقتلهم الواحد بعد آخر ويقدمهم قرباناً للشياطين، التي كان ينشد عندها القوى السحرية.

ولكنه قتل من أجل المتعة أيضاً و(لقد أنبئنا) أنه كان يضحك على صياح مرتليه المعذبين أو المحتضرين. واتبع هذا النهج أربع عشر سنة، حتى اجترأ، والد أحد ضحاياه، باتهامه، فاعترف بهذه التفاصيل كلها، وشنق عام 1440 ولولا أنه أساء إلى دوق بريتاني، لما اقتص منه، ذلك لأن الرجال من طبقته قلما كانوا يقدمون إلى ساحة القضاء، مهما كامن جرائمهم ومع ذلك، فإن الأرستقراطية التي ينتمي إليها، كثيراً ما أخرجت الأبطال أمثال الملك جون صاحب بوهيميا، أو جاستون فيوبس دي فوا، الذي أحبه فرواسارت وأثنى عليه. وفي هذه الأوحال الأزهار الأخيرة للفروسية.
وأسهمت أخلاق الشعب في هذا الانحلال. فأصبحت القسوة والخيانة والفساد أمراضاً متوطنة. وكان السوقي والحاكم سواء في قبول الرشوة. وانتشر المجون، وشكا الوزير جرسون من أن أقدس الأعياد تنفق في لعب الورق والميسر والتجديف في الرين. وكان المحتالون والمزيفون واللصوص والصعاليك والشحاذون يسدون الطرقات بالنهار، ويجتمعون بالليل ليستمتعوا بحصادهم، في باريس، في ساحات المعجزات، التي سميت كذلك لأن المتسولين الذين يبدون في المظهر مقعدين، يظهرون هناك فجأة وكل عضو من أعضاء جسمهم في صحة مذهلة.
وفشا اللواط، وشاعت الدعارة، وكاد المجون يصبح عاماً. ودعت فرقة "الآدميين" في القرن الرابع عشر، إلى مذهب العري، وظلت تمارسه علناً إلى أن منعته محاكم التفتيش. وكانت الصور الفاحشة المخلة بالآداب، رائجة كما هي الآن، ويروي جرسون، أنها كانت تباع حتى في الكنائس وأيام الأعياد الدينية. ونظم شعراء مثل ديشان قصائد غرامية

للسيدات النبيلات. ووصف نيقولا دي كليمانج كبير شماسة باييه، دير منطقته بأنه معبد مخصص للقيام بشعائر فينوس. وكان من المألوف أن يتخذ الملوك والأمراء، خليلات لهم، وكان الكثير من الزيجات الملكية-وزيجات النبلاء ينطوي على أغراض سياسية، ولذلك لم تكن هذه الزيجات جديرة بالحب. واستمرت السيدات، ذوات الحسب والنسب، في مناظرات رسمية، حول جواز العلاقات الجنسية، وأنشأ فيليب الجسور ، صاحب برجنديا، في باريس محكمة حب عام 1401. ولقد وجدت وسط هذا الخضم من الاستهتار أو في كنفهِ سيدات فضليات، ورجال شرفاء ونحن نجد لمحة عابرة عن هؤلاء، وفي كتاب عجيب ألفه حوالي عام 1393،رجل مجهول الاسم في الستين من عمرهِ، عرف بأنه مدير باريس: "أعتقد أنه عندما يزف اثنان شريفان طيبان، أحدهما إلى الآخر. فإن كل حب يزول.. إلا حب كل منهما للآخر. وأرى أنهما عندما يصطحبان، يهتم كل منهما بالآخر، أكثر من اهتمامهِ بغيرهِ، ويربط كل منهما على الآخر ويمسك بهِ، ولا رغبة لهما في الحديث أو الإشارة إلا لبعضهما.. وكل متعتهما الخاصة ورغبتهما الكبرى وسرورهما الكامل، إنما هو يمتع أحدهما الآخر ويطيعه".
وأضيف إلى صور هذا العصر اضطهادات اليهود (1306، 1384، 1396) والمجذومين (1321)، ومحاكمة الحيوانات وإعدامها، لإيذاء الناس وتسافدها معهم، والشنق علناً، الذي يدعو إلى حشد متطلع. وكانت الناس تنبش القبور في جبانة الأبرياء في باريس، كلما سقط لحم الميت عن عظمهِ، لإفساح المجال لأموات جدد، وتجمع العظام في غير نظام، في مدافن خاصة بها، على طول الأروقة، التي كانت مع ذلك، أماكن مألوفة، للقاء العاشقين، فأنشئت هناك الدكاكين، ودعت البغايا الزبائن. ورسم أحد الفنانين، مدة شهور على حائط الدير، صورة لرقصة الموت

عام 1424، تبدو الشياطين وهي تدور حول نفسها مع الرجال والنساء والأطفال المسوقين في خطوات مرحة متعاقبة إلى الجحيم. وأصبحت هذه الصورة مضموناً رمزياً لعصر يائس، ومثلته إحدى المسرحيات في بروجس عام1449، وصوره ديرل، وهلبين، وبوش في آثارهم الفنية. وغلب التشاؤم على نصف شعر هذا العصر. وهجا ديشان الحياة في كل جوانبها تقريباً، وبدت الدنيا له، كشيخ واهن جشع، مضطرب منحل ولقد ختم كلامه بقولهِ "إن كل شيء سيئ السيرة". ووافقه جرسن قائلاً: "إننا نعيش في شيخوخة الدنيا"، وإن يوم القيامة لقريب. واعتقدت امرأة عجوز، أن كل وخزة ألم في أصابع قدميها، تعلن ذهاب إحدى الأرواح إلى الجحيم، وكان تقديرها معتدلاً، فإن الاعتقاد الشائع وقتذاك أنه لم يدخل الجنة أحد من الناس في الثلاثين سنة الماضية.
وماذا عسى أن يصنع الدين، في تصدع أمة مغلوبة على أمرها؟ لقد كان الباباوات الحبيسون في افنيون يتلقون حماية الملوك الفرنسيين، وأوامرهم في السنوات الأربعين الأول من حرب المائة عام، وكانت معظم الموارد، التي يجمعها ألئك الباباوات من أوربا، تذهب إلى هؤلاء الملوك، تمويلاً لحرب الحياة أو الموت مع بريطانيا، واستطاعت الكنيسة أن تجمع للملكية في إحدى عشر سنة (1345-1355) مبلغ 3.392.000 فلورن (84.800.000 دولار؟) وحاول الباباوات مراراً أن يضعوا حداً للحرب ولكنهم فشلوا. وعانت الكنيسة مشقة مضنية، من جراء الخراب الطويل الذي منيت به فرنسا قرناً من الزمان، فأفقرت مئات الكنائس والأديرة أو خربت، وشاركت الطبقة الدنيا من رجال الدين فيما اتسم به العصر من انحلال الأخلاق. وتجاهل الفرسان والمشاة الدين لا يذكرونه إلا عند المعركة أو الوفاء، ولا بد أنهم ارتابوا، في العقيدة بسبب عدم اكتراث السماء، الذي يدعو إلى الجنون، واعتصم الناس في عصيانهم أوامر الدين

بالكنيسة والعقيدة مفزعين، وجملوا أمولهم وهمومهم إلى مزارات العذراء تسكيناً لروعهم، وكانوا يصابون في القداس، بوجد ديني، عندما يستمعون إلى العظات المخلصة للراهب رتشارد أو القديس فنسانت فرر. وابتدعت في بعض البيوت، تماثيل صغيرة تفتح بطونها بلمسة من اليد، فينكشف الثالوث.
وكان معظم قادة الفكر للكنيسة، في هذا العصر، من الفرنسيين. ولم يكن بيير دايلي واحداً من العلماء، أصحاب الرأي فحسب، وإنما كان من أقدر زعماء الكنيسة وأبعدهم عن الفساد، وأحد السياسيين من الرجال، الاكليروس، الذين عالجوا في مجمع كنستانس، الفرقة في البابوية. وكان بين تلاميذه، وهو مدير كلية نافار في باريس، شاب، أصبح فيما بعد، أعلم علماء الدين في جيله. وزار جان دي جرسون الأراضي الواطئة، فأعجب كثيراً من تصوف ريوزبرويك، والورع الجديد عند "أخوة الحياة العادية". فلما أصبح مديراً لجامعة باريس (1395)، فكر في إدخال هذا النوع من التقوى إلى فرنسا على الرغم من نقده أنانية المذهب الصوفي وما فيه من القول بوحدة الوجود واقتنع أخواته الست بقدوته وحججه، ولقد أنبئنا أنهن ظللن عذارى إلى نهاية حياتهن. وذم جوسر، خرافات الدهماء، ودجل التنجيم والسحر والطب، ولكنه اعترف بأن الرقي، ربما يكون لها تأثير بالتسلط على المخيلة (74). ورأى أن معرفتنا بالنجوم، ممعنة في النقص، حنى إننا لا نستطيع، أن نتصور تنبؤات محددة، بل إننا لا نستطيع أن نعين بالضبط مدى سنة شمسية، ولا يمكننا أن نخبر عن الموضع الحقيقي للنجوم، لأن أضواءها تتكسر، في سيرها إلينا، عبر أوساط متعددة. ودعا جوسون إلى ديمقراطية مقيدة، وإلى سيادة المجامع، في الكنيسة، بيد أنه حبذ ملكية قوية في فرنسا، ولعل الأحوال السائدة في بلاده تبرر تناقضه، وهي التي كانت أحوج إلى النظام منها إلى الحرية.

وكان رجلاً عظيماً في طرازه وجيله، وكانت فضائله خاصة به، أما أوهامه فمن عدوى عصره،كما يجب أن يقول جيته. وتزعم الحركة التي استهدف التخلص من الباباوات المتنازعين، وقصدت إصلاح الكنيسة، وأسهم في إرسال جون هس وجيروم البراغي إلى الموت.
وأخذت الطبقات العليا، تمدح أشخاصها، وتزين دورها، وسط مظاهر الفاقة التي يعانيها شعبها. وارتدى أفراد العامة البسيط من السترات، والقمصان، والسراويل، والأحذية ذوات الرقاب، وقلدت الطبقات الوسطى الملوك، على الرغم من القوانين الخاصة بالنفقات، فارتدى أفرادها، الأردية الطويلة، وربما كانت قرمزية اللون أو محفوفة بالفراء، كما ارتدى السادة النبلاء الصديريات، والجوارب الطويلة، والألفعة الأنيقة والقبعات الرائشة التي تمسح الأرض عند الانحناءات المهذبة ووضع بعض الرجال قروناً على أصابع نعالهم، لتطابق ما على رؤوسهم من رموز غير جلية. وآثرت سيدات من ذوات الحسب، القبعات المخروطية كأبراج الكنيسة، وكن يشددن أجسامهن بسترات ضيقة وسراويل زاهية اللون، وتنورات من الفرو، تتدلى أطرافها على الأرض في جلال ويظهرن صدورهن بينما يزدن من جمال وجوههن بإسدال النقاب عليها. وبدأت الأزرار تستعمل لحبك الملابس(40)، وكانت قبل ذلك مجرد حلي، ونحن نعكس هذه الحركة الآن. وكن يتلألأن، حتى البدينات منهن، بالحرائر والأنسجة المذهبة والمطرزة، والأشرطة والجواهر على الشعر وعلى الرقبة واليدين والرداء والحذاء، وتحت هذا البريق الوقائي، كثرت عند كل نساء الطبقة العليا تقريباً.
وظلت دور الفقراء كما كانت في القرون السابقة، إلا أن النوافذ من الزجاج شاعت فيها، أما القصور الصغيرة وبيوت الأغنياء في المدن فلم تعد سجوناً مظلمة، كانت قصوراً مريحة حسنة التأثيث بساحات فسيحة بها

نوافير ماء، ودرجات محواة عريضة، وطنف معلقة، وسقوف شديدة الانحدار تناطح السماء وتغوص في الثلج، وقد زودت بغرف للخدم، ومخازن، وغرفة للحراسة وأخرى للبواب، وغيرها للبياضات، ومغسل، وقبو للخمر ومخبز، بالإضافة إلى القاعة وغرف النوم لأسرة صاحب البيت. وكانت بعض القصور، كالتي يملكها بيير فوند (1390) وشاتودن (حوالي 1450) ارهاصاً بقلاع اللوار الملكية. وتعد دار الرأسمالي الكبير جاك كور في بورجس، أصون قصور ذلك العهد، وهي عمارة كاملة لها برج قوطي من الحجر المنقوش، وأفاريز وطنف مزخرفة، ونوافذ على طراز عصر النهضة، ولقد أخبرنا، أنه قد تكلف كله حوالي 4.000.000 دولار، بحساب النقد في أيامنا. وأثثت بالفاخر من الطنافس: مدافئ فخمة، تدفئ على الأقل، جانباً من الغرفة وسكانها، ومقاعد ومناضد متينة، دأب الصانع على نقشها بالحفر، دون كلل، وأرائك عليها حشيات على طول الجدران مبطنة بقماش(57) مزركش، وخزائن تحف وصواوين ضخمة تعرض الصحاف الذهبية والفضية، تليها أكواب زجاجية أبهى منها، وسجاجيد سميكة، وأرضيات من البلوط المصقول أو قرميد مطلي بالميناء، ومخادع معرشة مرتفعة وعريضة تتسع للسيد وزوجته وطفل أو اثنين. ولقد نام على هذه السرر المريحة رجال القرنين الرابع عشر والخامس عشر ونساءهما، عراة، ولم تكن قمصان النوم قد أصبحت ضرورة لا غنى عنها.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق