1116
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الخاتمة -> انحطاط عصر النهضة -> أضواء صغرى
الفصل السادس
أضواء صغرى
كان عهد الاضمحلال في إيطاليا عهد البعث في سافوي، وليس ببعيد أن يكون عمانوئيل فليبيرت Emmanual Philibert وهو صبي في الثامنة من عمره قد رأى الفرنسيين يستولون على الدوقية (1536)، ولما بلغ الخامسة والعشرين من عمره ورث تاجها وإن لم يرث أرضها وديارها؛ وفي التاسعة والعشرين اضطلع بدور رئيسي في انتصار الأسبان والإنجليز على الفرنسيين في سان كنتن St. Quentin (1557)، ولم يمض على هذا النصر إلا عامان حتى سلمت له فرنسا بلاده المخربة وعرشه المفلس، وكان بعث سافوي وبيدمنت على يديه من أعظم الأعمال التي قام بها رجال الحكم والسياسة في التاريخ، ذلك أن منحدرات جبال الألب في دوقيته كانت معششاً لهراطقة الكلفنية. وعرض عليه البابا بيوس الرابع إيراد الكنائس في عام كامل ليستعين به على قمع هذه الشيعة، واتخذ عمانوئيل لهذا الغرض إجراءات شديدة حاسمة، فلما أن أدت هذه الإجراءات إلى هجرة أفرادها جملة لجأ إلى خطة التسامح والمسالمة، وكبح جماح محكمة التفتيش، وآوى في بلاده اللاجئين من الهيوجينوت، ثم أنشأ جامعة جديدة في تورين وتبرع بالمال اللازم لتأليف دائرة معارف عامة في جميع العلوم، وكان على الدوام مجاملا لطيف المعشر، كما تكررت خيانته لزوجته مرجريت أميرة فالوا Margaret of Valois التي كانت تمده بالنصح السديد والمعونة الدبلوماسية، والتي كانت واسطة العقد في الحياة الاجتماعية والذهنية الساطعة
في تورين، ولما مات عمانوئيل (1580)، كانت دوقيته من أحسن بلاد أوربا حكما، ومن نسله كان ملوك إيطاليا الموحدة في القرن التاسع عشر.
وفي ذلك الوقت كان أندريا دوريا، الذي غدر بالفرنسيين في أنسب الأوقات فانتقل من صفوفهم إلى صفوف الأسبان، كان أندريا هذا يحتفظ بزعامته في جنوي، وكان رجال المصارف في تلك المدينة قد قدموا المال اللازم لحروب شارل الخامس، فكافأهم شارل على ذلك بأن أبقى لهم سيادتهم على المدينة لم يمسسها بسوء، ولم تنكب جنوى بقدر ما نكبت البندقية بسبب تحول التجارة من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلنطي، فعادت مرة أخرى ثغراً عظيماً وحصناً ذا موقع حربي عزيز المنال، وشاد فيها جاليتسو أليسى البيروجي Galezzo Alessi of Perugia، ووصف فاساري طريق بالبي Via Balbi بأنه أفخم شوارع إيطاليا بأجمعها .
حسبنا هذا عن جنوي، أما ميلان فقد عين شارل الخامس فيها نائبا عنه ليحكمها بعد أن توفي فرانتشيسكو ماريا اسفوردسا آخر حكامها من هذه الأسرة في عام 1535. وكان خضوعها لشارل إيذاناً بعودة السلم إى ربوعها، فازدهرت المدينة وعمها الرخاء من جديد، وشاد أليسي فيها قصرمارينو Marino الجميل؛ وكان ليوني ليوني Leone Leoni الحفار في دار السك بميلان ينافس تشيليني في فنون النقش الصغرى على اللدائن، ولكنه لم يجد رجلا مثل تشيليني ينشر له روائع فنه، وكان أعظم من امتاز من أهل ميلان في ذلك الوقت هو سان كارلو بوروميو San Carlo Borromeo الذي قام في أواخر عصر النهضة بمثل ما قام به القديس أمبروز أيام الاضمحلال في العصر القديم، وكان ينتمي إلى أسرة شريفة غنية؛ وقد عينه عمه بيوس الرابع كردنالاً وهو في سن الحادية والعشرين، وكبيراً لأساقفة ميلان في الثانية والعشرين (1560)، وأكبر الظن أنه كان وقتئذ
أغنى رجال الدين في العالم المسيحي كله، لكنه تخلى عن جميع إيراد مناصبه الدينية عدا منصب كبير الأساقفة، وتبرع بما تدره من المال للأعمال الخيرية، وانقطع لخدمة الكنيسة وأجهد نفسه في هذه الخدمة إجهادا كاد يقذي على حياته، وهو الذي أنشأ طائفة "ناذري القديس أمبروز" Oblates of St. Ambrose، واستقدم اليسوعيين إلى ميلان، وأيد بقوة جميع الحركات التي تهدف إلى إصلاح الكنيسة، التي ظلت على ولائها للمذهب الكاثوليكي، وإذ كان قد اعتاد الثراء والسلطان، فقد أصر على الاحتفاظ بكل ما كان لمحكمة أسقفيته في العصور الوسطى من اختصاصات، وتولى بنفسه المحافظة على القانون والنظام، وملأ سجون الأسقفية بالمجرمين والملحدين، وظل أربعة وعشرين عاماً الحاكم الحقيقي للمدينة، وضعف شأن الأدب والفن بسبب حرصه الشديد على الوحدة الدينية والخلق القويم؛ ولكن بليجرينو تبيلدي Peligrino Tibaldi المهندس المعماري والمصور علا نجمه بفضل رعايته، وكان هو الذي وضع تصميم المرنمة الفخمة في الكاتدرائية الكبرى، وقد غفر أهل المدينة للكردنال قسوته حين ظل في أثناء وباء الطاعون الذي انتشر في المدينة عام 1576 يؤدي واجبات منصبه، ويواسي المرضى والثاكلين بزياراته التي لاتعرف الملل، ويقظته الشديدة وصلواته مع أن كثيرين من الأعيان قد فروا من المدينة.
وشاد الكردنال تولوميو جاليو Tolomeo Gallio في تشرنوبيو Cernobio على بحيرة كومو قصر دست الريفي (1565)؛ ولعله لم يكن واثقاً من أن ثمة جنة غيره. وفي بريستشيا رسم جيامبتستا مورني Giambattista Moroni، تلميذ مورتو Moretto صوراً خليقة بأن توضع إلى جانب معظم صور تيشيان . وواصل فنتشيندسو كامبي Vincenzo Campi في كريمونا
تقاليد أسرته في رسم صور تقرب من أن تكون خالدة. وفي فيرارا سوى إركولي الثاني Ercole II نزاع دولته الطويل مع البابوية بأن أدى إلى بولس الثالث 180.000 دوقة ووعده بأداء سبعة آلاف أخرى جزية سنوية. ووهب ألفنسو الثاني المدينة فترة أخرى من الرخاء (1558-1597) أثمرت صورة أورشليم المحررة لأنوناسو وصورة الراعي الأمين لجيوفني جواريني Giovanni Guarini. وأخذ جيرولامو دا كاربي Girolamo da Carpi فن التصوير عن جاروفولو Garofolo، ولكنه، كما يقول فاساري، اضاع كثيراً من وقته في الحب والعزف على العود، وعجل بالزواج، فلم يتسع وقته للاهتمام بمطالب العبقرية.
وازدهرت بياتشندسا وبارما وقويت فيهما الحركة الفنية في ذلك العهد، وكان البابا بولس الثالث يطالب بالمدينتين على أنهما من أملاكه الإقطاعية وخلعهما على ابنه بييرلويجي فارنيزي في عام 1545 وإن كانتا قد ظلتا عدة قرون من أملاك ميلان، وكانت هذه الدوقية نفسها وقتئذ تابعة لشارل الخامس، وقبل أن يمضي عامان بعد ذلك الوقت اغتيل الدوق الجديد في بياتشندسا على أثر فتنة قام بها أشراف المدينة، الذين رضوا عن فسقه وفجوره ولكنهم لم يرضوا عن احتكاره المال والسلطان، وقال بولس بحق إن ناسج برد المؤامرة لحمته وسداه هو فيرانتي جندساجا، الذي كان وقتئذ يحكم ميلان من قبل الإمبراطور شارل، ولاحظ أن جيوش الإمبراطور، كانت معدة من قبل بالقرب من المدينة، استولت من فورها على بياتشندسا وأضحت من أملاك الإمبراطور (1547)، ولم يمض على وفاة بولس إلا قليل من الوقت حتى عين يوليوس الثالث أتافيو ابن بيير لويجي دوقاً على بارما؛ وبما أن أتافيو هذا كان فضلا عن ذلك زوجاً لابنة شارل، فقد سمح له أن يحكم بارما إلى يوم وفاته (1586).
ولم ظهر أعراض الاضمحلال على بولونيا، وفيها وضع فينولا Vignola
تصميم باب بانكي Porto de' Banchi إجابة لطلب جماعة من التجار، وأضاف أنطونيو مورندي إلى جامعة المدينة ملعباً ذائع الصيت ضم إلى فنانها العظيم؛ وكتب سباستيانو سيرليو Sebastiano Serlio رسالة في العمارة تضارع رسالة بلادينو فيما كان لها من تأثير، وفي عام 1563 عهد البابا بيوس الرابع إلى توماسو لوريتي Tommasso Laureti من أهل بالرم أن ينشئ نافورة في ميدان سان بترونيو Piazza di san Petronio. وعهد أعمال النحت في هذا المشروع إلى فنان فلمنكي شاب جاء وقتئذ من فلورنس، ولعل اسمه قد اشتق من اسم المدينة التي قام فيها بأعظم عمل له. ووضع جيوفني دا بولونيا أو جيان بولونيا نماذج لتسعة تماثيل تقام حول فسقية نيتون Fontana di Nettuna الضخمة، وأقام على قمة هذه المجموعة تمثالا ضخماً لرب البحار عاري الجسم قوي البنية، وصب من البرنز في أركان الفسقية تماثيل لأربعة أطفال سعداء مع دولفين يقفز في الماء؛ ثم وضع بين قدمي نيوتن أربع عذارى رشيقات القوام يعصرن الماء من أثدائهن، وأعادت بولونيا جيان إلى فلورنس مثقلاً بالمال والثناء، ولم تأسف على السبعين ألف فلورين (875000؟ دولار) التي أنفقتها على النافورة الفخمة، ذلك أن روح الفن المدني كانت لا تزال حية في إيطاليا.
وإننا لتدهشنا، ونحن نلقي نظرة الوداع على روما في عصر النهضة، سرعة إفاقتها من كبوتها بعدما حل بها من الدمار عام 1527. لقد أظهر كلمنت السابع من المهارة في مداواة العلة أكثر مما أظهره في منعها. لقد أنقذ الولايات البابوية من الدمار باستسلامه إلى شارل، واستمدت البابوية من مواردها ما تحتاجه من المال لإعادة النظام إلى الكنيسة وتعمير بعض ما تخرب من روما. ولم تكن خزائن البابا قد أحست بعد بنقص الموارد من جراء حركة الإصلاح الديني؛ ولاح في عهد بولس الثالث أن روح النهضة وروعتها قد عادت إليهما الحياة إلى وقت ما.
لقد كان بعض الفنون يحتضر وبعضها الآخر يولد أو يبدل صورته. ويكاد جيوليو كليوفيو Giulio Clovio، وهو رجل كرواتي يقيم في منزل الكردنال فارنيزي، يكون آخر المزخرفين للمخطوطات، لكن حدث في عام 1576 أن ولد كلوديو منتي فيردي Cloudio Monteverdi في كريمونا، وسرعان ما أضيفت المسرحيات الغنائية والموشحات الدينية إلى الفنون الجميلة، وأخذت أناشيد القداس المتعددة الالحان في باليسترينا تترنم بعودة القوة والحياة إلى الكنيسة، وكان عصر التصوير الإيطالي العظيم يؤذن بالزوال، غير أن بيرينو دل فاجا Perino del Vaga وجيوفني دا يوديني Giovanni da Udine اللذين جاءا بعد رافائيل، قد وجها هذا الفن إلى ناحية الزخرفة، أما النحت فكان يستحيل إلى أشكال مشوهة، فقد أخذ رفائلو دا منتي لوبو Rafaello de Montelupo وجيوفني دا منترسولي Giovanni da Montorsoli يبالغان فيما بالغ فيه أستاذهما ميكل أنجيلو، فأخرجا تماثيل ملتوية الأطراف التواء يؤدي إلى مواقف مبتكرة ولكنها غريبة قبيحة منفردة.
وكانت العمارة وقتئذ أعظم الفنون ازدهاراً، فقد اصلح ميكل أنجيلو قصر فانيزي وحدائقه المقام على تل بلانين (1547)، وأتم هذا الإصلاح جيوفني دلا بورتا (1580)، ووضع أنطونيو دا سنجالو Antonio da Sangallo الأصغر معبد القديس بولس في قصر الفاتيكان (1540). وفي القاعة الملكية المؤدية من معبد بولس ومعابد سستيني أمر البابا بولس الثالث أن يضع سنجالو هذا تصميم الأرضية الرخامية واللوحات الزخرفية، وأن يقوم فاساري وابنا ركاري Zuccari بعمل مظلمات الجدران؛ وأن يقوم دانيلي فلتيرا Daniele da Volterra ومعه بيرينو دل فاجا بحفر النقوش في الجص، وازدانت حجرات البابا في سانت أنجيلو بمظلمات من صنع بيرينو، وجيوليو رومانو، وجيوفني دا يوديني وحفرهم، وشاد
الكردنال إبوليتو دست الثاني بالقرب من تريفولي (1549) أول قصرين ريفيين لأسرة دست؛ وأعد بروبيجوريو Pirro Ligorio الرسوم اللازمة للملهى وزخرفة أبناء زكاري، ولا تزال الحدائق المدرجة تشهد بما كان لكرادلة النهضة من ذوق رقيق ينفقونه دون مبالاة.
وكان أحب المعماريين إلى الشعب في روما أو حولها في ذلك العهد هو جياكومو باروتسي دا فنيولا Giacomo Barozzi da Vignola. وقد جاء هذا المهندس من بولونيا لدراسة الخرائب الرومانية القديمة، وكون طرازه الخاص بالجمع بين بانثيون أجربا وباسلقا يوليوس قيصر، وسعى لأن يجمع بين السقف المقبب والعقود، والعمد والقواصر، وكتب كما كتب بالاديو كتابا لنشر مبادئ فنه؛ وأحرز أول نصر له في كبرارللو Capraralo القريبة من فيتربو حين صمم الكردنال فارفيزي قصراً لآل فارنيزي غير قصرهم الأول واسعاً مترفاً (1547-1549)، ثم شاد بعد عشر سنين من إتمامه قصراً ثالثاً لهم في بياتشندسا، ولكن أعظم أعماله أثراً هي التي أقامها في روما وهي بيت البابا جيوليو الريفي الذي أقامه للبابا يوليوس الثالث وبورتا دل بوبولو Porta del Popolo، وكنيسة جيسو Gesu (1568-1575). وفي هذا الصرح الذائع الصيت الذي بناه لطائفة الجزويت الناهضة خطط فنيولا نيفا ذا عرض وارتفاع عظيمين وحول أجنحة الكنيسة إلى معابد، وكان المهندسون الذين جاءوا من بعده يرون أن هذه الكنيسة أعظم مظهر للطراز المشوه- ففيها أشكال كثيرة منحنية أو ملتوية بالزخرف، وخلف فنيولا عام 1564 ميكل أنجيلو في منصب كبير المهندسين لكنيسة القديس بطرس، وكان له نصيب من الشرف في رفع القبة الكبرى التي صممها أنجيلو من قبل.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق