1111
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الخاتمة -> انحطاط عصر النهضة -> اضمحلال إيطاليا
الباب الثالث والعشرون
انحطاط عهد النهضة
1534-1576
الفصل الأول
اضمحلال إيطاليا
لم تكن الحروب التي اندلع لهيبها لغزو إيطاليا قد خبت نارها بعد ولكنها قد غيرت وجه إيطاليا وطبيعة أهلها، فالأقاليم الشمالية قد خربت تخريباً جعل مبعوثي هنري الثامن يشيرون عليه بأن يتركها لشارل عقاباً له على ما فعل بها. ونهبت جنوي، وفرضت على ميلان ضرائب فادحة قاتلة، وأخضع حلف كمبريه مدينة البندقية، كما أضعفها وأذلها فتح الطرق التجارية الجديدة، وقاست روما، وبراتو، وبافيا الأمرين من جراء السلب والنهب؛ وانتشرت المجاعة في فلورنس واستنزفت مواردها المالية، وكادت بيزا تدمر نفسها في كفاحها لنيل حريتها، وأما سينا فقد أنهكتها الثورات، كما أفقرت فيرارا نفسها في نزاعها الطويل مع البابوات، وأتت بما يغض من كرامتها بتحريضها على الغزو المستهين لروما. وحل بمملكة نابلي ما حل بلمباردي من سلب ونهب وتخريب على أيدي الجيوش الأجنبية، وذوى غصنها الرطيب زمناً طويلاً كانت فيه خاضعة للأسر الحاكمة الأجنبية، وصقلية؛ وما أدراك ما صقلية؟ لقد أضحت معششاً لقطاع الطرق، وكانت السلوى الوحيدة
لإيطاليا هي أن خضوعها لشارل الخامس قد أنجاها في أغلب الظن من اجتياح الأتراك لها وانتهابهم إياها.
وانتقلت السيطرة على إيطاليا إلى أسبانيا بمقتضى اتفاقية بولونيا (1530) عدا أمرين اثنين: أولهما أن البندقية الحذرة احتفظت باستقلالها، وثانيهما أن البابوية، بعد أن حد من سلطانها، قد أيدت سيادتها على ولايات الكنيسة. فأما نابلي، وصقلية، وسردينية، وميلان، فقد أصبحت تابعة لأسبانيا يحكمها ولاة من قبلها. وأما سافوي ومانتوا، وفيرارا وأربينو وهي التي كانت عادة تؤيد شارل أو تغضى عن فعله فقد سمح لها بان تحتفظ بأدواقها المحليين على شريطة أن يسلكوا مسلكاً حسناً في علاقاتهم بالإمبراطور. واحتفظت جنوى وسينا بشكلهما الجمهوري، ولكنهما خضعتا للحماية الإسبانية، وأرغمت فلورنس على قبول فرع آخر من آل ميديتشي حكاما لها، استبقوا لأنهم تعاونوا مع أسبانيا.
وكان فوز شارل مرحلة أخرى من مراحل انتصار الدولة الحديثة على الكنيسة، لأن ما بدأه فيليب الرابع عام 1303 في فرنسا، قد أتمه شارل ولوثر في ألمانيا، وفرانسس الأول في فرنسا، وهنري الثامن في إنجلترا، وقد حدث هذا كله في عهد بابوية كلمنت. ذلك أن دول أوربا الشمالية لم تكتشف ضعف إيطاليا وحسب، بل إنها فضلا عن ذلك قد زال عنها خوفها من البابوية؛ فقد أضعف إذلال كلمنت ما كان يشعر به الناس فيما وراء الألب من احترام للبابوات، وهيأ عقولهم للخروج على سلطان للكنيسة الكاثوليكية.
وكان سلطان الأسبان على إيطاليا نعمة عليها وبركة من بعض الوجوه، فقد قضى هذا السلطان إلى حين على الحروب التي كانت تقوم بين الدويلات الإيطالية بعضها وبعض. كما قضى من عام 1559 حتى عام 1796 حتى عام 1796 على المعارك التي كانت تدور رحاها بين الدول الأجنبية فوق الأراضي الإيطالية؛
وأتاح للأهليين نظاماً سياسياً متصلا بعض الاتصال، وهدأ من حدة الانفرادية العارمة التي أوجدت النهضة ثم قضت عليها آخر الأمر. فأما الذين كانوا يرجون النظام ويسعون إليه فقد ارتضوا هذا الخضوع الذي أنجاهم من الفوضى؛ وأما الذين كانوا يعتزون بالحرية فقد حزنوا لما أصابها بهذا السلطان. ولكن أكلاف السلم مع الخضوع للأجنبي وما فرضته على الإيطاليين من عقوبات، سرعان ما أضرت باقتصاد إيطاليا وحطمت روحها المعنوية، ذلك أن الضرائب الفادحة التي فرضها الولاة للاحتفاظ بمظاهر الأبهة لأنفسهم ولأداء رواتب الجند ونفقاتهم، وصرامة قوانين أولئك الولاة، واحتكار الدولة للحبوب وغيرها من ضروريات الحياة، كل هذا أضر بالصناعة والتجارة، يضاف إلى هذا أن الأمراء الإيطاليين ساروا هم أيضاً على سنة الولاة الأجانب ففرضوا أفدح الضرائب وأشدها فتكاً بالنشاط الاقتصادي الذي كان يمدهم بحاجتهم من المال، وذلك لكيلا لا يكونوا أقل من الولاة خيلاء وترفاً. واضمحلت شؤون النقل البحري إلى حد لم يعد في وسع السفن الإيطالية الكبيرة أن تحمي نفسها من قراصنة البربر الذين كانوا يهاجمون السفن والسواحل، ويأسرون الإيطاليين ويبيعونهم عبيداً لسراة المسلمين، ولم يكن الجنود الأجانب الذين يقيمون في بيوت الإيطاليين على الرغم من سكانها، أقل إضراراً بالإيطاليين من القراصنة أنفسهم؛ فقد كان هؤلاء يجهرون باحتقارهم لهذا الشعب الذي لم يكن له من قبل نظير وحضارته التي لم تبلغ شأنها حضارة أخرى سابقة؛ وكان لهؤلاء حظ وافر فيما اتسم به ذلك العصر من انحلال في الأخلاق الجنسية.
وحلت بإيطاليا كارثة أخرى، كانت أشد وقعاً عليها من أضرار الحرب والخضوع إلى الأسبان؛ تلك هي أن الطواف برأس الرجاء الصالح (1488)، وافتتاح الطريق المائي الكامل إلى الهند (1498)، قد أنقصا نفقات النقل بين الأمم الواقعة على شاطئ المحيط الأطلنطي وبلاد آسية الوسطى
والشرق الأقصى عنها في الطريق المتعب فوق جبال الألب إلى جنوى أو البندقية، ومن ثم إلى الإسكندرية، ثم بطريق البر إلى البحر الأحمر، ثم بالبحر مرة أخرى إلى الهند. يضاف إلى هذا أن سيطرة الأتراك على هذا الطريق الثاني قد جعلته غير مأمون، ومعرضاً لأن تفرض على من يتبعونه الضرائب والرسوم الفادحة، كما كان معرضاً لهجمات القراصنة، وللحروب، وينطبق هذا بعينه وبدرجة أكبر على الطريق المار بالقسطنطينية والبحر الأسود. وكانت نتيجة هذا التحول أن اضمحلت تجارة البندقية وجنوى وحال فلورنس المالية بعد عام 1498، ولم يحل عام 1503 حتى كان البرتغاليون يبتاعون من فلفل الهند قدراً لم يجد معه التجار البنادقة والمصريون من هذه السلعة ما يستطيعون إصداره(1). وكانت نتيجة ذلك أن صعد ثمن الفليفل بمقدار ثلث ثمنه الأصلي في سوق البندقية التجارية، على حين أنه كان يباع في لشبونة بنصف الثمن الذي يطلبه التجار في البندقية! ولهذا شرع التجار الألمان يهجرون متاجرهم على ضفة القناة الكبرى، وينقلون مشترياتهم إلى البرتغال. وكاد الحكام البنادقة يحلون هذه المشكلة في عام 1504 حين عرضوا على حكومة الممالك القائمة وقتئذ في مصر الاشتراك معها في مشروع يهدف إلى إعادة القناة القديم بين دال النيل والبحر الأحمر، ولكن استيلاء الأتراك على مصر في عام 1517 قضى على هذا المشروع.
وفي ذلك العام نفسه علق لوثر مقالاته الثورية على باب كنيسة وتنبرج، وكان الإصلاح الديني سبباً ونتيجة من أسباب اضمحلال إيطاليا الاقتصادي ونتائجه. أما أنه سبب لهذا الاضمحلال فيرجع إلى قلة وفود الحجاج ونقص إيراد الكنيسة من الأمم الشمالية إلى روما؛ وأما أنه نتيجة فلأنه استبدل بطريق البحر المتوسط ومصر إلى الهند الطريق المائي كله، ونشأت التجارة الأوربية مع أمريكا التي أغنت بلاد المحيط الأطلنطي وكانت من أسباب فقر إيطاليا. فقد أخذت التجارة الألمانية يزداد انتقالها في نهر الرين إلى مصبه في بحر الشمال، ويقل
تنقلها فوق الجبال إلى إيطاليا، وأضحت ألمانيا مستقلة تجاريا عن إيطاليا، وهكذا كان اتجاه التجارة نحو الشمال والقوة الجاذبة نحو الشمال سبباً في انتزاع ألمانيا من المحيط التجاري والديني الإيطالي، واكتسابها القوة والإرادة اللتين أمكنها بهما أن تقف على قدميها بمفردها.
وكان لكشف أمريكا آثار في إيطاليا أطول مدى مما كان لطريق الهند الجديد. فقد أخذت أمم البحر المتوسط تضمحل بعد هذا الكشف وتترك راكدة في سير الركب الآدمي وانتقال التجارة؛ وبرزت أمم المحيط الأطلنطي إلى مكان الصدارة، بعد أن اغتنت من تجارة أمريكا وذهبها. وأحدث هذا انقلاباً في الطرق التجارية أعظم من أي انقلاب آخر سجله التاريخ منذ فتحت بلاد اليونان القديمة لسفنها طريق البحر الأسود إلى أواسط آسيا بعد انتصارها على طروادة. ولم يضارع هذا الانقلاب ويفقه فيما بعد إلا ما حدث من انقلاب في الطرق التجارية على أثر استخدام الطائرات في النصف الثاني من القرن الحالي.
وكان العامل الأخير في اضمحلال النهضة هو حركة الإصلاح المضادة. فقد أضافت هذه الحركة إلى اضطراب أحوال إيطاليا السياسية وانحلالها الخلقي، وإلى خضوعها لسلطان الأمم الأجنبية وما حل بها من الخراب على أيدي هذه الأمم، وإلى تحول التجارة منها إلى أمم المحيط الأطلنطي، وإلى ما خسرته من الموارد بسبب حركة الإصلاح الديني، نقول إن هذه الحركة أضافت إلى هذا كله تبدلا قوياً. ولكنه تبدل طبيعي في أحوال الكنيسة وفي مسلكها. ذلك أن حركة الإصلاح الديني الألمانية، وانفصال إنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية، وزعامة أسبانيا في القارة الأوربية، قد قضت على "اتفاق السادة المهذبين" الذي لم تصغ نصوصه أو تدون، والذي لم يدركه فيما نظن العاملون به، وهو اتفاق كانت الكنيسة بمقتضاه، في أثناء ثرائها واطمئنانها على سلطانها، تسمح بقسط كبير من حرية التفكير للطبقات
المفكرة، على شريطة ألا تحاول هذه الطبقات إضعاف إيمان الناس أو خلق الاضطراب فيه، لأن هذا الإيمان هو الخيال الذي لاغنى عنه لحياتهم، وهو مصدر نظامها وسلوتها. فلما شرع الناس أنفسهم ينبذون عقائد الكنيسة وسلطانها عليهم، ولما كسب الإصلاح الديني أنصاراً له معتنقين مبادئه في إيطاليا نفسها، أوشك صرح الكثلكة كله أن يتصدع من أساسه؛ وأجابت الكنيسة على هذا- وكانت ترى نفسها دولة، فسلكت كما تسلك كل دولة يتعرض كيانها للخطر، فبدلت خطتها من التسامح والحرية إلى تحفظ الخائف المرتاع وفرضت قيوداً شديدة على التفكير، والبحث، والنشر، والقول. وكانت السيطرة الأسبانية تفرض الآراء الدينية والسياسية مجتمعة؛ وكان لها نصيب في تحويل كثلكة عصر النهضة اللينة إلى تزمت الكنيسة الصارم الذي إلتزمته بعد مجلس ترنت (1545-1563). وجرى البابوات الذين جاءوا بعد كلمنت السابع على السنة التي سار عليها الأسبان وهي توحيد الكنيسة والدولة واستخدام القوة الناشئة من هذا التوحيد في السيطرة الصارمة على الحياة الدينية والعقلية.
وكما أن رجلاً أسبانياً هو الذي كان سبباً في إنشاء محكمة التفتيش حين هددت ثورة الأليجنسيين الدينية في القرن السادس عشر سلطان الكنيسة في جنوبي فرنسا، وكان من نتائج هذا التهديد أن قامت طوائف دينية جديدة لخدمة الكنيسة وتجديد حماسة المسيحيين الدينية؛ حدث أيضاً في القرن السادس عشر أن جاءت إلى إيطاليا صرامة محكمة التفتيش الأسبانية، وكان رجل أسباني هو الذي أنشأ نظام اليسوعيين- الجزويت (1534)- تلك الجمعية العجيبة، التي لم تكتف بقبول الإيمان التقليدية القديمة، إيمان الفقر، والعفة، والطاعة، بل تجاوزت ذلك إلى الخروج إلى العالم لتنشر الدين الصحيح، ولتكافح في كل مكان من العالم المسيحي الإلحاد أو الخروج على الدين. وكانت حدة الجدل الديني في عهد الإصلاح، وكان تزمت المبادئ الكلفنية
وعدم تسامحها، واضطهاد المذهبين المتعاديين أحدهما للآخر في إنجلترا، كان هذا كله مشجعاً على وجود تعسف مقابل له في إيطاليا(3)، وحلت مبادئ إجناشيوس ليولا Ignatius Loyala وجهاده الديني محل مبادئ إرزمس الحرة المتحضرة؛ ذلك أن الحرية ترف لا يكون إلا مع الأمن والسلم.
واتسع نطاق الرقابة على المطبوعات التي بدأت أيام البابا سكتس الرابع فوضعت في عام 1559 قوائم بالكتب المحرمة لخطرها على الدين أو الأخلاق، وأنشئ مجلس لوضع قوائم التحريم في عام 1571. ويسر استعمال الطباعة أعمال الرقابة، ذلك أن مراقبة الطابعين العموميين كانت أيسر من مراقبة الأفراد النساخين. وحدث في البندقية التي كانت تكرم وفادة اللاجئين المفكرين والسياسيين أن شعرت الدولة نفسها بما في الانقسام الديني من ضرر على الوحدة الاجتماعية والنظام، ففرضت (1527) رقابة على المطبوعات، وانضمت إلى الكنيسة في منع نشر المطبوعات الروتستتنتية، وقاوم الإيطاليون هذه الخطط في أماكن متفرقة؛ وبلغ من حنقهم على واضعيها أن الجماهير من أهل روما ألقت بتمثال البابا بولس الرابع بعد موته (1559) في نهر التيبر، وأحرقت المقر الرئيسي لمحكمة التفتيش، وظلت النار مشتعلة فيه حتى دمرته عن آخره(4). لكن هذه المقاومة لم تكن منظمة بل كانت مفردة منقطعة، وغير ذات أثر فعال، وبذلك انتصر الطغيان، واستحوذت على روح الإيطاليين التي كانت من قبل مرحة، مبتهجة، متدفقة، نزعة من الاكتئاب، والتشاؤم، والاستسلام، حتى لقد صارت عادة لبس الثياب السود- القلنسوة السوداء، والصدارة السوداء، والجورب الأسود، والحذاء الأسود- صارت هذه العادة طراز إيطاليا التي كانت في سالف الأيام مولعة بالألوان الزاهية، كأن الشعب قد اتشح بالسواد حداداً على المجد الذي زال والحرية التي ماتت(5).
وصحب هذا الارتكاس الذهني بعض التقدم الخلقي. فقد تحسن سلوك
رجال الدين بعد أن بعثت فيهم المذاهب المتنافسة روح الحمية، فقام البابوات ومجلس ترنت بإصلاح كثير من مساوئ الكنيسة. وليس من السهل أن نقول هل حدث تحسين مثل هذا في أخلاق غير رجال الدين؛ ويبدو أن من السهل جمع بعض الشواهد الدالة على الشذوذ الجنسي، وعلى وجود أبناء غير شرعيين، وعلى مضاجعة المحارم، وعلى ظهور الآداب البذيئة، والفساد السياسي، والسرقة، والجرائم الوحشية في إيطاليا بين عامي 1534-76 كما كانت تحدث فيها من قبل(6). وتدل سيرة بينفينوتو تشليني Beyenuto Cellini الذاتية على أن الفسق، والزنا، والسطو، والاغتيال كانت تمتزج بعقائد ذلك العصر. وبقي القانون الجنائي على ما كان من قسوة في سابق العهد: فالتعذيب كثيراً ما كان من الوسائل التي يلجأ إليها في استخلاص الشهادة من الشهود ضد البريئين، كما كان يلجأ اليه لانتزاع الاعتراف من الملتهمين، وكان لحم القاتلين لا يزال ينتزع بالكلابات المحمية الحمراء قبل أن يشنقوا(7).وكانت عودة الاسترقاق بوصفه نظاماً من النظم الاقتصادية الكبرى من أعمال ذلك العهد، وشاهد ذلك أن البابا بولس الثالث حين أعلن الحرب على إنجلترا في عام 1535 قرر في هذا الإعلان أن أي جندي بريطاني يؤسر في هذه الحرب يصح أن يتخذ رفيقاً بحكم القانون(8)، ونشأت حوالي عام 1550 عادة استخدام العبيد والمذنبين لجر سفن التجارة والحرب.
على أن بابوات ذلك العهد كانوا مع ذلك رجالا ذوي أخلاق عالية نسبياً في حياتهم الخاصة. وكان أعظمهم جميعاً بولس الثالث- وكان بولس هذا هو بعينه ألسندرو فارنيزي الذي نال منصب الكردنال لما كان لشعر أخته الذهبي من أثر في نفس الإسكندر السادس. ولسنا ننكر أن بولس هذا كان له ابنان غير شرعيين(9)، ولكن هذه كانت عادة مقبولة في ايام شبابه، وكان في وسع جوتشيارديني على الرغم منها أن يصفه بأن "رجل يزينه العلم والأخلاق الفاضلة المبرأة من كل عيب"(10). وكان بمبونيوس
ليتوس Pomponius Laetus على أن يكون من الكتاب الإنسانيين، ومن أجل ذلك كانت رسائله تضارع رسائل إرزمس في ظرف لغتها اللاتينية الفصحى، وكان محدثاً مهذباً يحيط نفسه برجال قادرين ممتازين. على أن السبب في اختياره الكرسي البابوي لم يكن لمواهبه وفضائله بقدر ما كان لكبر سنه وضعفه؛ فقد كان في سن السادسة والستين، وكان في وسع الكرادلة أن يثقوا بأن سيموت بعد قليل، ويتيح لهم فرصة أخرى للمساومة ونيل المناصب الكنسية التي تدر عليهم المال الوفير(11)، ولكنه ظل يقاوم رغباتهم خمسة عشر عاماً كاملاً.
أما من حيث روما، فقد كانت مدة توليته البابوية من اسعد الأيام في تاريخها. ففي أيامه كلف لاتينو مانتي Latino Manetto المشرف على المباني في أيامه أن يجفف الأرض، ويسويها، ويوسع الشوارع ويشق كثيراً من الميادين العامة الجديدة، وأن يستبدل بالأحياء القذرة مباني فخمة جميلة، وحسن بهذه الطريقة أحد الشوارع الكبرى- المعروف باسم شارع بولس Paul's Codso- حتى أصبح يضارع شامب إليزيه Champs Elysees في باريس، وكان اعظم أعمال بولس الدبلوماسية أنه أقنع شارل الخامس وفرانسس الأول بأن يعقدا هدنة تدوم عشر سنين (1538). وكاد يصل إلى غرض عظيم نبيل- هو التوفيق بين الكنيسة وبين البروتستنتية الألمانية- لولا أن جهوده قد جاءت بعد الأوان. وقد أوتي من الشجاعة- التي يعوزها كلمنت السابع- ما جعله يدعو إلى عقد مجلس عام للكنيسة. ونشر مجلس ترنت المنعقد تحت رياسته بموافقته العقيدة الدينية الصحيحة، وأصلح كثيراً من مساوئ رجال الدين، وأعاد النظام والأخلاق الفاضلة بين القسيسين، واشترك مع اليسوعيين في منع الأمم اللاتينية من الانشقاق على الكنيسة الرومانية.
وكانت نقطة الضعف المفجعة في بولس هي تحيزه لأقاربه، فقد وهب
كميرينو Comerino لحفيده أتافيو، وحبا ابنه بيرلويجي Pierluigi ببياتشيندسا وبارما. فأما بيرولويجي فقد اغتاله الأهلون الحانقون، وأما أتافيو فقد انضم إلى مؤامرة دبرت ضد جده. ومل بولس بعد ذلك الحياة، ومات بعد عامين من ذلك الوقت بسكتة قلبية في سن الثالثة والثمانين (1549). وحزن الرومان على موته كما لم يحزنوا على موت بابا آخر منذ أيام بيوس الثاني الذي جلس على كرسي البابوية قبل مائة عام من ذلك الوقت.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق