إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1091 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> التمثيل الفصل التاسع التمثيل



1091


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> التمثيل

الفصل التاسع


التمثيل


وترجع بعض أصول المسرحيات الإيطالية إلى هذه المقنعات والاحتفالات الساخرة. ذلك أن منظراً من التاريخ الديني في العادة كثيراً ما كان يمثل على إحدى عربات الموكب أو على مسارح مؤقتة في بعض نقط من طريق الموكب. أما المصدر الأول للمسرحيات الإيطالية فهو ما كانوا يطلقون عليه لفظ "الديفورتيوتي" وهو إحدى حوادث القصص الديني المسيحي يمثلها أعضاء إحدى نقابات الحرف، أو ممثلون محترفون في بعض الأحيان، ينتمون إلى هيئة تتخذ عرض هذه المناظر عملا لها. وقد وصلت إلينا نصوص بعض هذه التمثيليات من تلك الأيام، وهي تدل على عظمة مسرحية مدهشة. فواحدة منها تروي قصة العذراء تعثر على المسيح في بيت المقدس، ثم تفقده مرة أخرى، وتبحث عنه وهي ذاهبة العقل وتصيح: "أي بني العزيز المحبوب! أي بني، أين ذهبت، أي بني اللطيف، من أي باب خرجت؟ أي بني القدسي، لقد كنت حزيناً كاسف البال حين غادرتني! خبروني بالله أين، أين ذهب ولدي؟"(98).
وفي القرن الخامس عشر نشأ في إيطاليا عامة، وفي فلورنس خاصة نوع من المسرحيات أرقى من هذه يعرف بالتمثيليات المقدسة Sacra Rapprescntazione يمثل في مصلى إحدى نقابات الحرف، أو في مطعم أحد الأديرة، أو في أحد الميادين العامة. وكثيراً ما كانت المناظر المعدة لتلك التمثيليات معقدة تنم عن كثير من الذكاء

والفطنة: فكانت السماء تمثل بوستر ضخمة رسمت عليها النجوم، والسحب تمثل بأكداس من الصوف معلقة في الهواء تتمايل مع الريح؛ والملائكة يمثلهم غلمان مرفوعون على قوائم من المعدن مختفية في أقمشة متموجة هفهافة. وكانت القصة نفسها شعراً في العادة، تصحبها الموسيقى تعزف على الكمان أو العود؛ وكان لورندسو ده ميديتشي، وبلتشي Pulci من بين الشعراء الذين كتبوا ألفاظ بعض هذه التمثيليات الدينية؛ وجاء بوليتيان في مسرحية أورفيو Orefeo فكيف صيغة التمثيلية المقدسة كي تتفق مع الموضوعات الوثنية.
وكانت عناصر أخرى من الحياة الإيطالية تسهم في هذه الأثناء في مولد المسرحية الإيطالية. منها المسرحيات الهزلية Farse التي كان يمثلها من زمن يعيد أفراد متنقلون في مدائن العصور الوسطى، والتي تحتوي أصول المسلاة الإيطالية. وقد برع بعض ممثليها في ارتجال الحوار لمناظر القصص وحبكاتها. وكان هذا الحوار وسيلة محببة لإظهار قدرة الإيطاليين على الهجاء والمجون. ومن هذه المهازل ظهرت الشخصيات الهازلة الساخرة في المسالي الشعبية واتخذت صورها وأسماءها المعروفة بها في تلك اللغة- البنتالوني، والأرلكينو، والبلكينيلا أو البنكينلو .
وكان للكتاب الإنسانيين نصيبهم في العوامل المعقدة التي أدت إلى نشأة المسرحية، وذلك بإعادة نصوص المسالي الرومانية القديمة والإعداد للتمثيل. وقد كشف هؤلاء اثنتي عشرة مسرحية لبلوتوس في عام 1427 وكان اكتشافها حافزاً جديداً، فمثلت في البندقية، وفيرارا ومانتوا وأربينو، وسينا، وروما مسالي بلوتوس، وانتقلت التقاليد الأدبية القديمة على مر القرون لتكون من جديد المسرحيات الدنيوية. وفي عام 1486

عرضت مسرحية ميناكمي Menaechmi تأليف بلوتوس للمرة الأولى في إيطاليا، وبذلك مهد السبيل لمسرحية النهضة أتم التمهيد. ولما آذن القرن الخامس عشر بالرحيل فقدت المسرحية الدينية ما كان لها من سلطان على النظارة المتعلمين في إيطاليا، وأخذت الموضوعات الوثنية تحل بالتدريج المطرد الزيادة محل الموضوعات الوثنية؛ ولما أن ألف الكتاب الإيطاليون أمثال ببينا Bibbiena ومكيفلي، وأريستو، وأريتينو مسرحياتهم، كتبوها بأسلوب بلوتوس البذيء بعيدة كل البعد عن قصص مريم والمسيح التي كانت من قبل محببة لإيطاليين؛ وعادت إلى الظهور في هذه المسالي الإيطالية جميع مناظر المسلاة الرومانية، وجميع الحبكات المصطنعة السطحية التي تدور حول الأخطاء الجنسية، أو الخطأ في تمييز الأشخاص بعضهم من بعض، أو في المراتب والطبقات. وظهرت في المسلاة كذلك جميع أنواع الشخصيات، ومنها القوادون والعاهرات، التي كان بلوتوس يسرُ بها الطبقات الدنيا من النظارة، وخشونة الطبقات السفلى القديمة واستهتارها.
ولم يكن للمأساة مكان ما فوق مسرح النهضة رغم احتفاظ هذا العصر بمسرحيات سنكا، ورغم استكشاف المسرحيات اليونانية من جديد. ذلك أن أهل ذلك الوقت كانوا يفضلون المتعة والتسلية على الدرس العميق، ولهذا كانوا ينظرون شذراً إلى مسرحية سوفونسيا Sophonisba (1515) لجيان ترسينو Gian Trissino ومسرحية روزا مندا Rosamunda لجيوفني روتشلاى. وقد مثلت هذه المسرحية الأخيرة أمام ليو العاشر في فلورنس في ذلك العام نفسه.
وكان من سوء حظ المسلاة الإيطالية أنها تشكلت حين كانت أخلاق الإيطاليين في الحضيض. وإن قدرة مسرحية مثل كالندا Calanda تأليف ببينا، ومندرجولا Mandragola لمكيفلي، على إشباع رغبات الطبقات

العليا من الإيطاليين، وملاءمتها لأذواقهم حتى في أربينو المعروفة برقة أهلها، وإن ممثليها أمام البابوات دون أن تثير أي احتجاج، إن هذا وذاك ليدلاننا كيف تجتمع الحرية العقلية مع الانحطاط الخلقي. ولما قامت حركة الإصلاح المعارضة بعد انعقاد مجلس ترنت Trent (1545 وما بعدها)، وجه أشد النقد إلى أخلاق رجال الدين والدنيا على السواء، ومحيت مسلاة النهضة فلم يعد لها مكان في تسلية المجتمع الإيطالي.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق