1090
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> العادات العامة ووسائ
الفصل الثامن
العادات العامة ووسائل التسلية
بين العنف وعدم الأمانة، والحياة الصاخبة التي كان يحياها طلبة الجامعات، والفكاهة الخشنة والحنان اللذين يتصف بهما الفلاحون والعمال، بين هذا كله نشأت الآداب العامة الطيبة كأنها فن آخر من فنون النهضة، فتزعمت إيطاليا وقتئذ أوربا كلها في قواعد الصحة الشخصية والاجتماعية، والثياب، وآداب المائدة وطهو الطعام، وآداب الحديث، والرياضة البدنية. وكانت فلورنس تدعي أنها هي التي تتزعم إيطاليا في هذا كله عدا الملابس. وكانت تدفعها روحها الوطنية لأن ترثى لما في المدن الأخرى من قذارة، كما كان الإيطاليون يتخذون لفظ "ألماني" مرادفاً للخشونة في اللغة والحياة(88). واحتفظت الطبقات المتعلمة في إيطاليا بالعادة الرومانية القديمة عادة الاستحمام الكثير، وكان أثرياء القوم يتباهون بأثوابهم الجميلة ويؤمون الأماكن ذات المياه المعدنية، ويشربون المياه الكبريتية يطهرون بها بطونهم في كل عام مما أفرطوا من الطعام والشراب. ولم تكن ملابس الرجال أقل زينة من ملابس السيدات ولا تنقص عنها إلا الحلي، وكانت لهم أكمام ضيقة، وجوارب ملونة، وقبعات كبيرة كالتي شاهدها رافائيل على كستجليوني. وكان الجورب يغطي الساق كلها حتى آخر الفخذ فيجعل الرجال يقفزون في مشيهم قفزاً يدعو إلى السخرية. أما في الجزء الأعلى من الجسم فقد كان في وسع الرجل أن يكون حسن الهندام، فقد كان يرتدي صدرة من المخمل موشاة بالحرير ومزدانة بالمخرمات. (الدنتلا)، ولم تكن القفازات والأحذية نفسها تنقصها هذه المخرمات. وحدث في مهرجان للبرجاس أقامه
لورندسو ده ميديتشي أن أرتدى أخوه جوليانو أثواباً كلفته ثمانية آلاف دوقة(89).
وحدث في القرن الخامس عشر انقلاب تام في آداب المائدة حين ازداد استعمال الشوكة بدل الأصابع في تناول الطعام ونقله إلى الفم. ولشد ما دهش تومس كريات Thomas Coryat حين زار إيطاليا عام 1600 من هذه العادة الجديدة التي لم يتعودها الناس في أي بلد آخر رأيته في أسفاري" على حد قوله، وقد ساعد بنفسه على إدخال هذه العادة في إنجلترا(90). وكانت السكاكين، والشوك، والملاعق تصنع من النحاس الأصفر، ومن الفضة في بعض الأحيان- فإذا كانت من الفضة أعيرت للجيران حين يقيمون المآدب. أما الطعام فقد كان طعاماً وسطاً إلا في المناسبات الهامة أو المآدب التي تقيمها الدولة في المناسبات الرسمية، فقد كان التغالي فيها أمراً واجباً إجبارياً. وكان التوابل- كالفلفل، والقرنفل، وجوزة الطيب، والقرفة، والعرعر والزنجبيل وما إليها- تستخدم بكثرة لزيادة نكهة الطعام وزيادة الظمأ إلى الشراب؛ ولهذا كان كل مضيف يقدم لضيوفه أنواعاً مختلفة من الخمور. وفي وسعنا أن نرجع شيوع الثوم في إيطاليا إلى عام 1548، ولكن الذي لاشك فيه أن استعماله بدأ قبل ذلك بوقت طويل. وقلما كان يؤخذ على القوم نهم أو شراهة في الطعام والشراب؛ ذلك أن الإيطاليين في عهد النهضة كانوا كالفريسيين في العهود المتأخرة خبيرين بالأطعمة والأشربة لا نهمين فيها. وإذا ما تناول الرجال طعامهم بمعزل عن النساء كانوا يدعون معهم بعض المحاظي- واحدة أو اثنتين- كما فعل أريتينو حين عزم تيشيان. أما من هم أكثر احتشاماً فقد كانوا يجملون وجبات الطعام بالموسيقى، وارتجال الشعر، والحديث المثقف الدال على حسن التربية.
وقد اخترع فن الحديث- الحديث الجميل- الحديث الذي ينم على
الذكاء، والأدب، والتهذيب، والمتسم بالوضوح، وروح الفكاهة- اخترع هذا الفن من جديد في عهد النهضة. وكانت بلاد النوبة القديمة، وروما قد عرفتا هذا الفن من قبل، وظل حياً يتعثر في العصور الوسطى في أماكن متفرقة من إيطاليا كبلاط فردريك الثاني وإنوسنت الثالث مثلا. ثم ازدهر الآن مرة أخرى في فلورنس في أيام لورندسو، وفي أربينو على عهد اليزابتا، وفي روما أيام ليو: فكان النبلاء وزوجاتهم، والشعراء والفلاسفة، وقواد الجيوش والعلماء، والفنانون والموسيقيون "يجتمعون في رفقة العقول، يتناقلون أقوال أشهر المؤلفين، ويظهرون في بعض الأحيان احترامهم وطاعتهم لأوامر الدين، ويجملون حذلقتهم بلمسة خفيفة من الخيال العجيب، ويستمتعون بالإصغاء بعضهم إلى بعض. وقد بلغ من إعجاب القوم بهذه الأحاديث أن صاغوا كثيراً من المقالات والرسائل في لغة الحوار حتى تستطيع استيعاب هذا الضرب من التظرف. لكنهم أفرطوا في هذا آخر الأمر حتى أضحت اللغة والأفكار مسرفة في الرقة والأناقة وحتى أوهن الولع بهذه الرقة مقتضيات الرجولة، وأضحت أربينو في إيطاليا كما كانت رامبوييه Rambouillet في فرنسا، وحتى قام موليير يهاجم "الضحك النفيس" في وقت استطاع فيه أن ينجي فن الحديث الطيب ويحتفظ به لفرنسا.
وقد احتفظ الحديث الإيطالي- رغم التأنق الذي كان طابع القليل منهزز بحرية في موضوعه وألفاظه إلى قدر لا تجيزه الآداب الاجتماعية في هذه الأيام. وإذ كانت النساء غير المتزوجات ذوات السمعة الطيبة قلما يستمعن إلى الحديث العام، فقد كان المفروض أن يناقش الرجال المسائل الجنسية بكثير من الصراحة. لكن الأمر لم يقتصر على هذا؛ ففي أرقى مجامع الرجال، كنت ترى الفكاهات الجنسية المجردة من الاحتشام، والتحرر المرح في الشعر، والبذاءة الفظة في التمثيل، وكل هذه تبدو لنا الآن من المظاهر التي تشمئز
منها النفس في عصر النهضة. ولم يكن الرجال المتعلمون يتورعون عن كتابة الشعر البذيء على التماثيل، وقد كتب بمبو المهذب الرقيق فيما كتب يثني على بريابوس Priapus(91). وكان الشبان يتنافسون في النطق بأفحش الألفاظ وأكثرها بذاءة ليبرهنوا بذلك على أنهم بلغوا الحلم. وكان الرجال على اختلاف طبقاتهم يسبون ويلعنون وكثيراً ما يتطرق سبابهم إلى أقدس الأسماء في الدين المسيحي. ورغم هذا كله فإن عبارات المجاملة لم تكن في وقت ما أكثر ازدهاراً مما كانت في تلك الأيام، كما لم تكن صيغ التخاطب أكثر ظرفاً ورشاقة. وكانت النساء يقبلن يد كل صديق حميم من الذكور حين يقابلنه أو يودعنه، كما كان الرجال يقبلون أيدي النساء؛ ولم تكن الهدايا تنقطع بين الصديق والصديق، وبلغت الكياسة في الأقوال والأفعال درجة خيل إلى أوربا الشمالية أنها لا تستطيع الوصول إليها، وأضحت الكتب الإيطالية التي تعلم تلك الآداب هي النصوص المحببة التي تدرس فيما وراء جبال الألب.
ومثل ذلك يقال عن الكتب الإيطالية في الرقص، والمثاقفة، وغيرها من ضروب الرياضة، فقد كانت إيطاليا تتزعم العالم المسيحي في الرياضة كما تتزعمه في الحديث والبذاءة، فكانت البنات يرقصن في ليالي الصيف في ميادين فلورنس، وكانت أرشقهن قواماً وأبرعهن رقصاً تجاز بإكليل من الفضة؛ وفي القرى كان الفتيان والفتيات يتراقصون على الخمائل وفي البيوت وفي حفلات الرقص الرسمية: كان النساء يرقصن مع النساء أو الرجال، كما كان الرجال يراقصون الرجال أو النساء؛ وكان الهدف في كل حالة من الحالات هو الرشاقة. وانتشر رقص الباليه في عهد النهضة، وأضيف شعر الحركات إلى غيره من الفنون.
وكان لعب الورق أكثر من الرقص انتشاراً، فقد أضحى في القرن الخامس عشر ولعاً تجن به جميع الطبقات، حتى لقد أدمنه ليو العاشر نفسه.
وكثيراً ما كان يتضمن المقامرة؛ وحسبنا شاهداً على هذا أن نعيد ما سبقت الإشارة إليه وهو أن الكردنال رفائلو رياريو Rafaello Riario كسب 14.000 دوقة في دورين لعبهما مع ابن إنوسنت الثامن. وكان الرجال يقامرون أيضاً بالنرد، وكانوا أحياناً يغشُّون في هذا اللعب بأن يضيفوا إلى النرد أثقالا تؤثر في وضعه بعد رميه(92). وأولع القوم أيضاً أشد الولع بهذه اللعبة؛ ولم تفلح القوانين في تخفيف حدتها. وكم من أسرة نبيلة خرب الميسر بيتها في البندقية، حتى لقد حرم مجلس العشرة مرتين بيع ورق اللعب أو الكعوب وأهاب بالخدم أن يبلغوا عن أسيادهم اللذين يخالفون أوامر التحريم(93). وكان نظام القرض الحسن الذي أنشأه سفنرولا عام 1549 يطلب إلى المقترضين أن يتعهدوا بالامتناع عن الميسر إلى أن يوفوا بالقرض على أقل تقدير(94).
وكان اللذين تعودوا الجلوس وقلة الحركة يقضون الوقت في لعب الشطرنج ويقتنون مجموعات منه غالية الثمن، مثال ذلك أن جياكومو لورندانا من أشراف البندقية كان له قطع من الشطرنج تقدر قيمتها بخمسة آلاف دوقة.
وكان للشبان ألعابهم الخاصة، أغلبها في الخلاء. فكان الفتى الإيطالي من أبناء الطبقات العليا يدرب على ركوب الخيل، واستخدام السيف والرمح، والطعن في ألعاب البرجاس؛ وكانت المدن تستعد لهذه المباريات في بعض أيام الأعياد والعطلات بتسوير مكان فسيح في أحد الميادين يسهل عادة أن تطل عليه النوافذ والشرفات التي تستطيع أن تنظر منها السيدات لتشجع فرسانهن. وإذ لم يكن في هذه المعارك ما يكفي من الجراح والقتل، فقد ادخل بعض الشبان المتهورين في الكاوسيوم الرومانية عام 1332 مصارعة الثيران، بحيث يصارع الثور رجلا واقفاً على قدميه وليس معه من السلاح إلا حرية. وقتل في هذه المصارعة الأولى ثمانية عشر فارساً
كلهم من أبناء الأسر العريقة، ولم يقتل من الثيران إلا أحد عشر ثوراً(95). وتكررت هذه المباريات في روما وسينا، ولكنها لم تستهو الدوق الإيطالي في يوم من الأيام، وكان سباق الخيل أحب منها إلى الشعب، وكان يثير حماسة أهل روما وسينا وفلورنس على السواء. وتنتهي المباريات بصيد الحيوان والطير بالبزاة، وسباق الجري، وسباق الزوارق، والملاكمة، وبها يحتفظ الإيطاليون بشجاعتهم أفراداً؛ أما من حيث هم جماعة فقد كانوا يكلون أمر الدفاع عن مدنهم إلى الجنود الأجانب المرتزقين.
ويمكن القول بوجه عام إن الحياة كانت ممتعة مبهجة بالرغم مما فيها من كدح وأخطار، ومما تتسم به من رهبة ومخاوف، منها ما هو طبيعي ومنها ما هو وهمي وخرافي. وكان سكان المدن يستمتعون بالانتقال إلى الريف رجالا وركبانا، وإلى ضفاف الأنهار وشواطئ البحار؛ وكانوا يزرعون الأزهار ليزينوا بها بيوتهم وأنفسهم، وينشئون إلى جوانب بيوتهم الريفية حدائق غناء ذات أشكال هندسية بديعة. وكانت الكنيسة سخية على الأهلين باعيادها، كما كانت الدولة تضيف إلى هذه الأعياد الدينية أعياداً مدنية. فكانت أعياد المياه تقام على بحيرات البندقية ومياهها الضحلة، وعلى مياه نهر الأرنو في البندقية، ونهر منتشيو في مانتوا, وتشينو في ميلان. وفي بعض الأيام الخاصة كانت مواكب فخمة تسير في شوارع المدن مصحوبة بالمركبات والأعلام، وضع الفنانون ذوو الشهرة العالمية تصميمها لنقابات الحرف. وكانت الفرق الموسيقية تعزف في هذه المواكب، والبنات الحسان يغنين ويرقصن، وأعيان المدينة يسيرون فيها؛ حتى إذا جن الليل أطلقت الألعاب النارية تشق أجواء الفضاء بأشكالها العجيبة وتختفي في طبقات الجو العليا. وفي يوم سبت النور في فلورنس يؤتى بثلاث قطع من الظران جيء بها من الضريح المقدس في بيت المقدس لتوقد شريطاً يضيء شمعة تدفعها فوق سلك يمامة صناعية حتى تصل إلى الصواريخ الموضوعة في عربة اتخذت رمزاً
للدولة في الميدان أمام الكاتدرائية فتشعلها. وفي يوم عيد الجسد الطاهر يقف الاستعراض ليستمع الموكب إلى أنشودة تغنيها جماعة من البنات والأولاد، أو يشاهد حادثة من الحوادث التاريخية الواردة في الكتاب المقدس أو الأساطير الوثنية، تمثلها إحدى الهيئات. وإذا ما جاء عظيم في زيارة للمدينة كان يستقبل بموكب تشترك فيه العربات على نمط موكب النصر الروماني القديم الذي كان يستقبل به القائد المنتصر، مثال ذلك أنه لما زار ليو العاشر فلورنس مدينته المحبوبة في عام 1513 خرج أهل المدينة على بكرة أبيهم ليشاهدوا مركبة نصره التي زخرفها ورسم صورها بنتورمو Pontormo وهي تمر تحت أقواس عظيمة منصوبة في شارع المدينة الرئيسي، وسارت سبع عربات أخرى في هذا الموكب يستقلها أفراد يمثلون سبعة أشخاص كبار في التاريخ الروماني، وفي آخرها غلام عار مغطى بالذهب يرمز إلى حلول العصر الذهبي بمجيء ليو؛ ولكن الغلام توفي بعد الموكب بقليل من تأثير الطلاء الذهبي(96).
وكان يحدث أحياناً أن ترمز مواكب العربات في عيد المساخر بفلورنس إلى فكرة معينة مثل الفطنة، أو الأمل، أو الخوف، أو الموت، أو العناصر، أو الرياح، أو الفصول، أو كانت تمثل أحياناً بطريقة الإشارات الصامتة قصة كقصة باريس أمير طروادة وهلين اليونانية؛ أو باخوس وأدرباني، مصحوبة بالأغاني التي تتناسب مع كل منظر من مناظرها. وقد كتب لورندسو أغنيته الذائعة الصيت الموجهة إلى الشباب والمرح لإحدى هذه "المقنعات". وكان كل من في المدينة- من الغلمان إلى الكرادلة- يلبس قناعاً، ويلعب ألعاباً، ويغازل ويتحرر من كل قيد تحرراً يثأر فيه لنفسه مقدماً من الصوم الكبير. وفي عام 1512 حين بدا أن فلورنس لا تزال تنعم بالرخاء، ولكن الكوارث التي لم تكن تخطر بالبال لم تكن بعيدة عنها بأكثر من بضعة شهور، أعد بيرو دى كوزيمو
Piero dl Cosimo موكب "مقنعة لانتصارات الموت"، سارت فيه عربة ضخمة تجرها جاموستان سوداوان وعليها غطاء أسود رسمت عليه هياكل عظيمة وصلبان بيض. ووقف في العربة تمثال ضخم يمثل الموت يمسك بيده منجلا، ومن حوله قبور وأشكال حزينة رسمت على أثوابها السود عظام بيض تبرق في الظلام، ومشت وراء العربة شخوص مقنعة تغطي رؤوسها قلانس سود رسمت عليها رؤوس موتى من الأمام ومن الخلف. وقامت من القبور المصورة على العربة شخوص أخرى رسمت بحيث تبدو عظاماً لا غير، وكانت هذه الهياكل العظيمة تنشد نشيداً يذكر الناس بأن الموت حق على الجميع. وسارت أمام العربة وخلفها قافلة من الخيل الهرمة الضعيفة تحمل جثث أموات(97). وهكذا نطق بيرو دى كوزيمو والموكب قائم على قدم وساق بحكمه على إيطاليا المنغمسة في الملذات وتنبأ بما كتب لها من سوء المصير، وكان في حكمه وتنبؤه يردد أقوال سفنرولا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق