إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1088 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> المنزل الفصل السادس المنزل



1088


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> المنزل

الفصل السادس


المنزل


وتبدت الرقة المطردة الزيادة في شكل البيت وفي الحياة المنزلية. لقد ظلت مساكن الشعب كما كانت من قبل- ذات جدران مغطاة بالملاط أو الجص مطلية بالجير، عارية عن الزينة، وأرض مغطاة بالبلاط، وفناء داخلي به في العادة بضر، ويحيط بالفناء طبقة أو طبقتان من الغرف مزودتان بأبسط لوازم الحياة. أما قصور العظماء والأغنياء الحديثي الثراء روعة وترف تذكر الإنسان مرة أخرى بقصور روما الإمبراطورية. ذلك أن الثروة التي كانت محبوسة من قبل على الكاتدرائيات قد صبت الآن صباً على القصور فجاءتها بالآثاث، ووسائل النعيم والمتعة، والزينة التي قلما نجدها إذا تخطينا جبال الألب في قصور الأمراء والملوك. فها هو ذا بيت تشيجي الريفي، وقصر مسيمى Massimi اللذان خططهما بلدسارى بروتسي Baldassare Peruzzi يحتوي كل منهما على متاهة من الغرف تزدان كل واحدة منها بالعمد الأسطوانية والمربوعة، أو الأطناف المنقوشة، أو السقف ذات اللوحات المذهبة، أو القبة والجدران المصورة، أو المصطلى المحلى بالتماثيل، أو الصور المنحوتة في الجص، أو النقوش العربية، أو الأرضية المصنوعة من الرخام أو القرميد. وكان في كل قصر سرر، ونضد، وصناديق، وأصونة صنعت لتعيش مائة عام وتسر الناظرين. وكانت خزائن أدوات المائدة أو نضدها مثقلة بالصحاف الفضية والأواني الخزفية الجميلة الأشكال، وكان في القصر فرش وثيرة مريحة، وطنافس جميلة، وستر بديعة، وكثير من الملابس الداخلية المتينة الصنع المعطرة. وكانت مدافئ عظيمة تدفئ الحجرات، والمصابيح أو المشاعل، أو القناديل

تثيرها. ولم يكن شيء ما ينقص هذه القصور غير الأطفال.
ذلك أن تحديد النسل يكثر كلما كثر المال اللازم لإعالة الأطفال، وكانت الكنيسة والكتب المقدسة تأمر بزيادة النسل ومضاعفة عدد الأبناء، ولكن الرغبة في التنعم كانت تشير بالإقلال منهم؛ وحتى في الريف حيث يكون الأطفال مصدر ثراء كانت الأيسر التي بها ستة أبناء نادرة الوجود، وفي المدن حيث يكون الأطفال عبئاً على الآباء كانت الأسر صغيرة العدد- وكلما زاد ثراء الأسرة قل عدد أفرادها- وكثير من الأسر لم يكن فيها أبناء على الإطلاق(64). غير أن الأسر الإيطالية كان في مقدورها أن تنجب أطفالاً ظرفاء كما نتبين ذلك من صور الأطفال التي رسمها الفنانون ومن رسوم دوناتلو ولوكا دلا ربيا Luca della Robbla، والتماثيل المنحوتة كتمثال "القديس يوحنا الشاب" الذي نحته أنطونيو رسيلينو والمحفوظ في المتحف الأهلي بواشنجتن. وإن تضامن الأسرة، والولاء والحب المتبادلين بين الآباء والأطفال ليزيدهما رونقاً وجمالا ما كان سائداً في ذلك الوقت، من انحلال في الأخلاق.
وكانت الأسرة لا تزال وحدة اقتصادية، أخلاقية، جغرافية، إذا عجز أحد أعضائها عن الوفاء بما عليه من دين وفى به سائر الأعضاء، وتلك ظاهرة تخالف ما اتسم به ذلك العصر من نزعة فردية. وقلما كان عضو يتزوج أو يترك البلاد دون موافقة أسرته، وكان الخدم أعضاء في الأسرة أحراراً بمولدهم، صريحين في حديثهم. وكان للوالد على الأبناء سلطان كامل، وأمره مطاع في الأزمات، ولكن الأم كانت هي التي تحكم المنزل في العادة، ولم يكن حب الأم لأبنائها يختلف عند الفقيرات عنه لدى الاميرات، انظر إلى ما كتبته بيتريس دست عن ولدها الصغير إلى أختها إزبلا: "كثيراً ما تمنيت أن تكوني هنا لتشاهديه بعينيك، فلو أنك كنت هنا لما خالجني أقل شك في أنك لن تستطيعي أن تحاجزي نفسك عن تقبيله وتدليله"(65).

وكانت معظم الأسر من الطبقة الوسطى تحتفظ بسجل يحوي تواريخ ميلاد أعضائها، وزواجهم، وموتهم، والحوادث الهامة في حياتهم تتخللها في بعض المواضع تعليقات ناطقة بالحب والمودة. فقد كتب جيوفني روتشيلي Giovanni Rucelli (أحد أسلاف الكاتب المسرحي صاحب هذا الاسم نفسه) هذه العبارة في أواخر أيامه في سجل من هذا النوع لأسرته:
"أحمد الله الذي خلقني إنساناً عاقلا مخلداً؛ في بلد مسيحي؛ قريب من روما، مركز العقيدة المسيحية؛ وفي إيطاليا أشرف بلاد العالم المسيحي؛ وفي فلورنس أجمل مدائن العالم كله... أحمد الله الذي جعل لي أماً ممتازة، رفضت بعد موت أبي كل عروض الزواج مع أنها لم تكن تجاوزت سن العشرين عند وفاته، وكرست حياتها كلها للعناية بأبنائها؛ كما رزقني أيضاً زوجة صالحة، أحبتني حباً صادقاً، ووجهت أعظم عنايتها لبيتها وأبنائها، أبقاها الله لي كثيراً من السنين، وكان موتها أفدح خسارة أصابتني أو يمكن أن تصيبني طوال حياتي. فإذا ما تذكرت جميع هذه النعم والمزايا، فإني الآن وأنا في سن الشيخوخة أحب أن أتجرد من جميع المنافع الدنيوية لكي أتوجه بروحي كلها إلى التسبيح بحمدك يا الله والثناء عليك يا حي يا قيوم يا من وهبتني الحياة(66).
وكتب رجلان، أو لعلهما رجل واحد، حوالي عام 1436 رسالتين عن الأسرة وطريقة حكمها. لقد كان أنيولو بندلفيني Anolo Pandolfini في أغلب الظن صاحب الرسالة الفصيحة المسماة رسالة في حكم الأسرة Trattato del governo della famlglia؛ وكتب ليون باتستا ألبيرتي Leon Baltista Alberti بعده بقليل رسالة في الأسرة Trattato della famiglia، يشبه الكتاب الثالث من كتبها "الاقتصاد Economieo" أعظم الشبه بالرسالة السابقة حتى لقد ظن بعضهم أن الكتابين ليسا إلا صورتين

مختلفتين لرسالة واحدة من قلم ألبرتي. وليس ببعيد أن تكون نسبة كل واحدة منهما لصاحبها صحيحة، وأن ما بينهما من تشابه كبير يرجع إلى أن كلا المؤلفين قد اعتمد في رسالته على كتاب اكسنوفون Xenophon في الاقتصاد Ocenomicus ورسالة بندلفيني أحسن الرسالتين. وكان صاحبها رجلا ثرياً شبيهاً في هذا بآل روتشلاي؛ وقد خدم فلورنس في مناصب دبلوماسية، وكان سخياً في هباته للمشروعات العامة. وقد كتب رسالته في أواخر حياته الطويلة ووضعها في صورة حوار بينه وبين أبنائه الثلاثة. فهم يسألونه هل يسعون إلى المناصب العامة؛ ولكنه يشير عليهم بالابتعاد عنها، لأنها تتطلب أعمالا تتصف بالخيانة والقسوة، والسرقة، وتعرض صاحبها لارتياب الناس، وحسدهم، وتوجيه السباب له. ويقول لهم إن نجاح المرء في نيل السعادة لا يقف على نيل المناصب العامة أو الشهرة الواسعة، بل إن سعادته تعتمد على زوجته، وأبنائه، ونجاحه الاقتصادي، وسمعته الطيبة، وأصدقائه الأوفياء. وينبغي للمرء أن يتخذ له زوجة تنقص عنه في السن إلى درجة تجعلها خاضعة لتعاليمه قابلة لأن يشكلها على هواه؛ وعليه أن يعلمها، في السنين الأولى من زواجهما، واجبات الأمومة، وفنون تدبير المنزل. والحياة الهنيئة مصدرها الاقتصاد والنظام في العناية بصحة الجسم والعقل، وحسن استخدام المواهب، والوقت، والمال: فأما العناية بالصحة فتكون بالتعفف، والرياضة، والاعتدال في الطعام؛ وأما حسن استخدام المواهب فوسيلته الدرس، والتخلق بالأخلاق الشريفة باتباع أوامر الدين وبالقدوة الصالحة؛ والانتفاع بالوقت يكون بتجنب البطالة، والانتفاع بالمال يكون بحسن تدبير الدخل، والنفقات، والادخار والعمل على توازن هذه العوامل الثلاثة. والرجل الحكيم يستثمر ماله أولا في مزرعة أو ضيعة يصرف شؤونها بحيث تمده هو وأسرته بمسكن ريفي، وبما يلزمه من الحب والنبيذ، والزيت والطيور، والخشب وبأكثر ما يستطيع الحصول عليه من ضرورات الحياة

الأخرى، ويحسن به كذلك أن يكون له بيت في المدينة، حتى يستطيع أبناؤه أن ينتفعوا بما فيها من وسائل التربية والتعليم، ويتعلموا بعض الفنون الصناعية(67). لكن ومن واجب الأسرة أن تقضي أكبر جزء تستطيعه من الوقت في بيتها الريفي:
"ذلك أن للبيت الريفي مزايا عظيمة شريفة على حين أن كل ما للإنسان من ملك يتطلب من صاحبه العمل ويعرضه للخطر، والخوف، وخيبة الأمل. أما البيت الريفي فهو على الدوام صادق شفيق رحيم... ففي الربيع تبعث الأشجار الخضراء، ويبعث تغريد الطيور، في نفسك البهجة والأمل، وفي الخريف يعود عليك الجهد المعتدل بثمرة تعادله مائة مرة، وأنت طول العام أبعد ما تكون عن الحزن والكآبة. ذلك أن البيت الريفي هو البقعة التي يحب فيها الرجال الصالحون الأشراف أن يجتمعوا بعضهم ببعض... فأسرع إذن إلى هناك، وطر من كبرياء الأغنياء وخيانة أشرار الرجال(68)".
ويرد على هذا كاتب يسمى جيوفني كمبانو Giovanni Compano بالنيابة عن ملايين الملايين من الفلاحين فيقول: "لو لم أكن من أبناء الريف، لابتهجت من فوري بهذا الوصف للسعادة الريفية، أما وأنا الريفي الزارع، "فإن ما ترونه أنتم سبباً للبهجة، أراه أنا باعثاً للملل والسآمة"(69).




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق