إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1057 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> آل بورجيا -> انهيار سلطان آل بورج الفصل السادس انهيار سلطان آل بورجيا


1057

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> آل بورجيا -> انهيار سلطان آل بورج

الفصل السادس


انهيار سلطان آل بورجيا


يبدو أن الإسكندر قضى سني حياته الأخيرة سعيداً موفقاً. فقد تزوجت ابنته في أسرة من الأدواق، وكانت فيرارا كلها تجلّها وتعظمها؛ كذلك أنجز ولده ما عهده إليه بوصفه قائداً وحاكماً؛ وكانت الولايات البابوية مزدهرة ذات حكومة ممتازة. ويصف سفير البندقية البابا في تلك السنين بأنه مرح نشيط، يبدو أنه مرتاح الضمير "لا ينغّص عليه حياته شيء". وقد بلغ في أول يناير من عام 1501 سن السبعين ولكنه، كما يصفه السفير: "يخيل إلى من يراه أنه ينقص في السن يوماً عن يوم،"(108).
وحدث في الخامس من شهر أغسطس من عام 1503 أن كان الإسكندر، وسيزاري، وجماعة غريهما يتعشون في الهواء المطلق في بيت الكردنال أدريانو كرنتينو Adriano da Corneto الخلوي غير البعيد عن الفاتيكان، وبقوا جميعاً في حديقة المنزل حتى منتصف الليل لأن حرارة الجو داخل الدار لم تكن تطاق. فلمّا كان اليوم الحادي عشر أصيب الكردنال بحمى شديدة دامت ثلاثة أيام ثم زالت. وفي اليوم الثاني عشر أصيب البابا وولده بحمى وقيء واضطرا لملازمة الفراش. وتحدثت روما كعادتها عن السم وقال النمامون إن سيزاري أمر بدس السم للكردنال ليحصل على ماله، وإن الضيوف كلهم تقريباً أكلوا خطأ من الطعام المسموم. لكن المؤرخين الآن متفقون مع الأطباء الذين عالجوا البابا على أن الحمى هي عدوى من الملاريا سببها طول التعرض لهواء الليل في روما في منتصف الصيف(109). وقد أصيب بهذا المرض نفسه نصف آل بيت

البابا، وكان كثير من هذه الإصابات مميتاً (110)، وقد مات بها في روما عدة مئات في ذلك الفصل عينه.
وظل الإسكندر ثلاثة عشر يوماً بين الحياة والموت، يستعيد صحته تارة حتى يستطيع عقد المجالس الدبلوماسية؛ بل حدث في الثالث عشر من أغسطس أن تسلى بلعب الورق. وحجمه الأطباء عدة مرار، ولعلهم قد أخذوا من دمه في إحداها أكثر مما يجب، بحيث استنزفوا قواه الطبيعية. وتوفي البابا في الثامن عشر من أغسطس؛ وما لبثت جثته أن أصبحت سوداء اللون كريهة الرائحة، تؤيد زعم من يشيعون بأنه مات مسموماً. ويقول بركهارد إن النجارين والمجدفين كانوا يتفكهون، ويجدفون وهم يجدون من الصعب عليهم أن يحشروا الجثة المنتفخة في التابوت الذي أعد لها(111). ويضيف الثرثارون أنهم رأوا شيطاناً صغيراً ساعة أن مات الإسكندر يحمل روحه إلى الجحيم(112).
وأبتهج أهل روما لموت البابا الأسباني؛ وانتشر الشغب في المدينة، وطرد "القطلانيون" منها أو قتلوا وهم في طريقهم إلى خارجها، ونهب الغوغاء بيوتهم، وحرق مائة بيت منها. ودخل المدينة جنود آل كولنا وأرسني المسلحون في الثاني والعشرين والثالث والعشرين من أغسطس غير عابئين باحتجاج مجمع الكرادلة. وفي ذلك يقول جوتشيارديني الوطني الفلورنسي:
"وتجمع أهل روما بسرعة لا يكاد يصدقها الإنسان، وتزاحموا حول جثة الباب في كنيسة القديس بطرس، ولم يكن في مقدورهم أن يشبعوا عيونهم من منظر ذلك الأفعوان الهالك الذي طمس على قلوب العالم كله، وأعمى بصائره بمطامعه التي تجاوزت كل حد، وبغدره البغيض، وما أرتكبه من أعمال القسوة الرهيبة التي لا يحصى لها عدد، وفجوره الوحشي، وعرضه للبيع كل ما هو مقدس وغير مقدس دون تفرقة بين هذا

وذاك(113). ويتفق مكيفلي مع جوتشيارديني فيقول إن الإسكندر:
لم يؤثر عنه إلاّ الخداع، وإنه لم يكن يفكر في غير هذا طول حياته كلها، ولم يقسم قط إنسان أيماناً أقوى من أيمانه بإنجاز الوعود ثم ينقض هذه الأيمان فيما بعد، ولكنه مع هذا نجح في كل شيء لأنه كان ملماً كل الإلمام بهذا الجزء من العالم(114).
وقد بينت هذه الأحكام على فرضين أساسيين أولهما أن القصص التي كانت تروى في روما عن الإسكندر صادقة، وثانيهما أن الإسكندر لم يكن محقاً في سلوك السبل التي سلكها لاستعادة الولايات البابوية. ويشترك المؤرخون الكاثوليك في الطعن على أساليب الإسكندر وأخلاقه، وإن كانوا يدافعون عن حقه في استعادة سلطان البابوية الزمني. ومن ذلك ما يقول باستور الأمين:
"إن الناس بوجه عام يصفونها بأنه حيوان لا إنسان، ويلصقون به كل أنواع الجرائم الشنيعة. ولكن البحث النقدي الحديث يحكم عليه حكماً أعدل من هذا،وينفي عنه بعض ما يلصق به من أشنع التهم؛ غير أننا وإن كان م واجبنا أن نكون حذرين في قبول القصص التي يرويها معاصرو الإسكندر عنه دون بحث وتحقيق، وإن كان الفكهون الحاقدون من الرومان قد وجدوا متعة لهم في أكل لحمه ميتاً دون رحمة، فوصفوا حياته في مطاعنهم الشعبية ونكاتهم الشعرية أوصافاً قذرة لا يصدقها إنسان، نقول إنه وإن كان من واجبنا أن نكون حذرين في قبول هذا كله فإن ما ثبت عليه من هذه التهم ليضطرنا إلى رفض ما يبذل في هذا الأيام من محاولات ترمي إلى تبرئته، لأن في هذه المحاولات عبثاً بالحقيقة لا يليق... ويستحيل علينا من وجهة النظر الكاثوليكية أن نتجاوز الحد اللائق في لوم الإسكندر وتعنيفه.
وكان المؤرخون البروتستنت كراماً في حكمهم إلى الإسكندر، فاصطنعوا

معه اللين في بعض الأحيان. فقد كان وليم رسكو William Roscoe من أوائل الذين قالوا كلمة طيبة عن البابا وذلك في كتابه الشهير حياة ليو العاشر وبابوية (1827):
"مهما تكن جرائمه، فإن الذي لا شك فيه إنها قد بولغ فيها كثيراً، فليس ثمة من ينكر أنه قد صرف جهوده في رفع شأن أسرته، وأنه استخدم السلطة التي أسبغها عليه منصبه في فرض سيطرته الدائمة على إيطاليا في شخص ابنه، ولكن يبدو أننا نظلم الإسكندر إذا وصمناه بقسط خاص غير عادي من السفالة والإسفاف في الوقت الذي كان فيه أمراء أوربا كلهم تقريباً يحاولون تحقيق مطامعهم بوسائل لا تقل إجراماً عن وسائله. فينا كان لويس ملك فرنسا، وفرديناند ملك أسبانيا يتآمران للاستيلاء على مملكة نابلي واقتسامها بينهما، ويستخدمان في ذلك أساليب من الغدر لا يمكن أن نوفيها ما تستحقه من المقت واللعنات، فإن للإسكندر بلا ريب أن يظن نفسه محقاً في كبح جماح البارونات المشاكسين، الذين ظلوا أجيالاً طوالاً يمزقون أملاك الكنيسة بالحروب الداخلية،و في إخضاع صغار الأمراء في رومانيا، وهم الذين كانوا يعترفون له بحق السيادة عليهم، والذين حصل معظمهم على أملاكهم بوسائل لا نجد لها ما يبررها، وهي أبعد عن العدالة من الوسائل التي استخدمها هو ضدهم. أما التهم التي يعتقد بصدقها كثيرون من الناس، وما يعزى إليه من الصلة الإجرامية بينه وبين أخته... فليس من العسير أن نثبت بعدها عن الصواب. يضاف إلى هذا أن رذائل الإسكندر كان يصحبها، وإن لم يعوضها، كثير من الصفات الطيبة العظيمة التي يجب ألاّ نم بها صامتين في حكمنا على أخلاقه... وإن أشد الناس عداوة لها لا ينكرون أنه ذو عبقرية فذة، وذاكرة عجيبة، وأنه كان فصيح اللسان، يقظاً، بارعاً في تصريف جميع شئونه(116)".
وقد أوجز الأسقف كريتن Creighton أخلاق الإسكندر وأعماله

بما يتفق بوجه عام مع حكم رسكو عليه، وكان أكثر رأفة به من باستور(117). وثمة حكم آخر متأخر عن حكم هؤلاء جميعاً وهو أرحم به منهم ونعني حكم العالم البروتستنتي رتشرد جارنت Richard Garnett في تاريخ كيمبردج الحديث:
"لقد كسبت أخلاق الإسكندر بلا ريب من بحوث المؤرخين المحدثين. وقد لكان من الطبيعي أن يظهر بمظهر الظلم والفجور رجل اتهم بهذه الجرائم الكثيرة، وكان بلا ريب مصدر الكثير من الفضائح. غير أ، هذا الوصف أو ذلك لا يليق به. لقد كان العامل الأساسي في أخلاقه كلها فطرته الغزيرة الفياضة. ويسميه سفير البندقية الرجل "الجسدي" وهو لا يقصد بهذا أن يعزو إليه أية نقيصة من النقائص الخلقية، بل يقصد أنه رجل حاد الطبع، عاجز عن السيطرة على عواطفه وانفعالاته النفسية. وكانت طبيعته هذه مبعث الحيرة للإيطاليين الهادئين غير دوي العواطف الجياشة من رجال الصنف الدبلوماسي الذي يكثرون بين الحكام ورجال السياسة؛ وقد أساءوا كثيراً إلى الإسكندر بعجزهم عن فهمه على حقيقته، مع أنه في واقع الأمر لم يكن أقل إنسانية من معظم أمراء زمانه بل كان يفوقهم كثيراً في هذا المجال. وكانت هذه الغريزة الجسدية العارمة مصدر كثير من الخير والشر فيه. ذلك أنها قد ساقته إلى شهوانية عارمة من نوع ما، وإن كان في نواح أخرى معتدلاً زاهداً، وسبب ذلك أنه لم تكن تقيده مبادئ أخلاقية قوية أو أفكار روحية مستمدة من الدين. أما في صورتها التي هي أدعى إلى الإجلال والتقدير، وهي حبه لأسرته فقد ساقته هذه النزعة إلى الاعتداء على جميع مبادئ العدالة، وإن لم يفعل حتى في هذه الناحية أكثر من قيامه بعمل ضروري محتوم لا يمكن أداؤه "بالماء المقدس" كما قال أحد عماله. لكن دماثة أخلاقه ومرحه قد أبعداه عن الاستبداد بالمعنى العادي لهذا اللفظ... فقد كان في العادة يعنى بمصالح شعبه من الناحية المادية، ولهذا يعد من

خير الحكام في زمانه، وكان في حكمه يضارع خير حكام تلك الأيام من الناحية العملية. غير أن عدم تقيده في سياسته بالمبادئ الأخلاقية قد أفسد عليه ما كان يستطيع أن يدركه ببصيرته القوية النفاذة، ذلك أنه كانت تعوزه الحكمة العليا التي تمكنه من أن يدرك خصائص الفترة التي يعيش فيها ويتنبأ بمجريات أمورها، ولم يكن يعرف للمبدأ معنى"(118).
والذين لهم ما للإسكندر من إحساس مرهف بمفاتن النساء ورشاقتهن لا تطاوعهم نفوسهم على أن يقذفوه بالحجارة بسبب عشقه وهيامه بالنساء، ذلك أن ما يؤخذ عليه في هذه الناحية قبل أن يرتقي عرش البابوية لم يكن فيه من الفضائح أكثر مما في مغامرات إينياس سلفيوس Aeneas Sylius المحب إلى المؤرخين، أو يوليوس الثاني الذي أكرمته الأيام فغفرت له آثامه. ولم يسجل التاريخ أن هذين البابوين قد عينا بعشيقاتهما وأبنائهما كما عنى الإسكندر بعشيقاته وأبنائه. والحق أن الجو الذي كان يحيط بالإسكندر كان فيه من خصائص الأسرة والمنزل ما كان يجعله رجلاً خليقاً بالاحترام إلى حد ما، لو أن قوانين الكنيسة وعادات إيطاليا في عصر النهضة، وألمانيا وإنجلترا في زمن الإصلاح الديني، قد أجازت زواج رجال الدين. ذلك أن خطاياه لم تكن خطايا ارتكبها ضد الطبيعة البشرية، بل كانت ضد القواعد التي تلزم رجال الدين بأن يظلوا عزاباً، وهي القواعد التي رفضها نصف العالم المسيحي بعد قليل من ذلك الوقت. وليس في مقدورنا أن نقول إن صلته بجويليا فرنيزي كانت صلة جسدية؛ ومبلغ علمنا أن فائندسا، ولكريدسيا، وزوج جويليا لم يعترضوا قط على هذه الصلة؛ ولعلها لم تكن أكثر من المتعة البسيطة التي يجدها الرجل السوي فيما تستمتع به امرأ ة جميلة من جاذبين ومرح وحيوية.
ومن واجبنا حين نحكم على أعمال الإسكندر السياسية أن نفرق بين غاياته ووسائله. فأما غاياته فقد كانت كلها غايات مشروعة- هي استعادة

"ميراث الرسول بطرس" (وأهم ما فيه لا تيوم القديمة) من البارونات الإقطاعيين أصحاب النظام الفاسد المضطرب،وأن يسترد من الطغاة المغتصبين الولايات التي هي من أملاك الكنيسة من أقدم الأزمنة. وأما الوسائل التي استعان بها الإسكندر وسيزاري على تحقيق هذه الغايات فقد كانت هي بعينها التي استعانت بها جميع الدول الأخرى في ذلك الوقت وذلك المكان - الحرب، والدبلوماسية، والخداع، والغدر، وخرق المعاهدات، والتخلي عن الحلفاء. لقد كان ترك الإسكندر الحلف المقدس، وشراؤه الجنود الفرنسيين والمعونة الفرنسية بتسليم ميلان لفرنسا، من الجرائم الكبرى في حق إيطاليا؛ وأن هذه الوسائل لتشمئز منها نفوسنا إذا استخدمها البابا تعهد أن يحافظ على مبادئ المسيح. وأياً كان الخطر الذي تتعرض له الكنيسة في أن تصبح خاضعة لسلطان حكومة مسيطرة عليها - كما خضعت لفرنسا أيام وجودها في افنيون - إذا ما فقدت أملاكها، فقد كان أفضل لها أن تضحي بسلطتها الزمنية كلها، وأن تعود فقيرة كما كان صيادو الجليل، من أن تلجأ إلى الأساليب الدنيوية لتحقيق أغراضها السياسية. ذلك أنها حين لجأت إلى هذه الوسائل ووفرت لها ما يلزمها من المال قد كسبت دولة وخسرت ثلث العالم المسيحي.
ولنعد إلى سيزاري بورجيا فنقول إنه بعد أن شفى شفاءً بطيئاً من المرض الذي قضى على حياة البابا، وجد نفسه محوطاً بما لا يقل عن عشرة أخطار لم يكن يتوقعها. ومن ذا الذي كان يتنبأ بأنه هو وأباه سيعجزان كلاهما عن العمل في وقت واحد. فبينا كان الأطباء يحمونه استرد آل كولنا المخلوعون من رومانيا، تشجعهم البندقية يطالبون باستعادة إماراتهم؛ وكان غوغاء روما الذين أفلت الآن زمامهم بعد أن مات

الإسكندر يتحفزون لنهب الفاتيكان في أية لحظة من اللحظات. وينهبون الأموال التي يعتمد عليها سيزاري في أداء رواتب جنده. فلم ير سيزاري بداً من أن يرسل عدداً من الرجال المسلحين إلى الفاتيكان؛ وأرغم هؤلاء الكردنال كسانوفا Cassanuova بقوة السيف على أن يسلمهم ما في الخزانة من الأموال؛ وهكذا فعل سيزاري ما فعله يوليوس قيصر قبل خمسة عشر قرناً من ذلك الوقت. فقد جاء إليه الجند بمائة ألف دوقة ذهباً، كما جاءوا إليه بصحاف وجواهر قيمتها ثلاثمائة ألف دوقة؛ وأرسل في الوقت عينه سفناً وجنوداً ليمنع بها الكردنال جوليانو دلا روفيري أقوى أعدائه من الوصول إلى روما؛ وكان يحس بأنه إن لم يستطع إقناع المجمع المقدس بانتخاب بابا من أنصاره فقد ضاعت كل آماله.
وأصر الكرادلة على أن يجلو جنود سيزاري وآل أرسيني وكولنا عن روما حتى يستطيعون أن يختاروا البابا الجديد في جو خال من الإرهاب. ووافق الأطراف الثلاثة على هذا المطلب، فانسحب سيزاري ورجاله إلى تشفيتا كستلانا Civita Castellana، في الوقت الذي دخل فيه الكردنال جوليانو روما، وتزعم في مجمع الكرادلة القوى المعادية لآل بورجيا. وفي الثاني والعشرين من سبتمبر عام 1503 اختارت الأحزاب المتنافسة. في مجمع الكردنال فرانتشيسكو بكولوميني Francesco Piccolomini بابا مرضاة لجميع الأطراف المتنازعة، وتسمى باسم بيوس الثالث،تكريماً لعمه إبنياس سلفيوس. وكان بيوس رجلاً غزير العلم طيب الخلق، وإن كان أيضاً أباً لأسرة كبيرة(119). وكان وقتئذ في الرابعة والستين من عمره مصاباً بخراج في ساقه. وكان من أصدقاء سيزاري ولذلك سمح له بالعودة إلى روما، ولكن بيوس مات في الثامن عشر من شهر أكتوبر.
وأيقن سيزاري أنه لا يستطيع وقتئذ أن يمنح انتخاب الكردنال دلا روفيري وهو بلا ريب أقدر رجل في المجمع المقدس. لهذا عقد سيزاري

اجتماعاً خاصاً مع جوليانو وأزالا في ظاهر الأمر ما كان بينهما من عداء: فقد وعد جوليانو بتأييد الكرادلة الأسبان (الأوفياء لسيزاري)، ووعده جوليانو إذا اختير للبابوية بتثبيته دوقاً على رومانيا وقائداً للجيوش البابوية. وابتاع جوليانو أصوات بعض الكرادلة الآخرين برشا بسيطة(120). وبذلك اختير جوليانو دلا روفيري بابا (في 31 أكتوبر سنة 1503) واتخذ لنفسه اسم يوليوس الثاني كأنه يريد أن يكون نفسه قيصراً، وأن يفوق الإسكندر. وأجل تتويجه حتى اليوم السادس والعشرين من نوفمبر لأن المنجمين تنبأوا باقتران بعض الكواكب في ذلك اليوم اقتراناً يبشر بالخير.
ولم تنتظر البندقية مطلع نجم سعيد، فقد استولت على ريميني، وحاصرت فائندسا، وكشفت عن نيتها في أن تستولي على كل ما تستطيع الاستيلاء عليه من رومانيا قبل أن تتمكن الكنيسة من إعادة تنظيم قواها. وأمر يوليوس سيزاري بالتوجه إلى إمولا وتجيش جيش جديد لحماية الولايات البابوية. ووافق سيزاري على هذا وسار إلى أستيا معتزماً أن يبحر منها إلى بيزا. لكن رسالة جاءت إليه من البابا وهو في بيزا تأمره بأن يسلم ما في يديه من حصون رومانيا. وارتكب سيزاري في تلك الساعة خطأً موبقاً يوحي إلينا بأن المرض قد أفسد عليه رأيه إذ رفض أن يطيع أمر البابا، وإن كان من واجبه أن يعلم حق العلم أنه أمام رجل لا يقل عنه في قوة إرادته إن لم يفقه. وأمره يوليوس أن يعود إلى روما؛ وأطاع سيزاري الأمر، فلمّا عاد قبض عليه في منزله. وجاءه جويدوبلدو الذي أعيد في ذلك الوقت إلى أربينو، ثم عيّن فوق ذلك قائداً للجيوش البابوية ليرى سليل آل بورجيا الساقط؛ وأذل سيزاري نفسه أمام الرجل الذي خلعه ونهب أملاكه، وأطلعه على كلمة السر في الحصون، وأعاد إليه بعض نفائس الكتب والستر المزركشة التي بقيت بعد نهب أربينو، وتوسل

إليه أن يتوسط بينه وبين يوليوس. ورفضت تشيزينا Cesena وفورلي أن تطيعا كلمة السر حتى يطلق سراح سيزاري، ولكن يوليوس رفض أن يطلق سراحه إلاّ بعد أن يقنع قلاع رومانيا بالتسليم إلى البابا؛ وتوسلت لكريدسيا إلى زوجها أن يساعد أخاها؛ ولكن ألفنسوا (ولم يكن وقتئذ قد جلس على عرش الدوقية بل كان فقط ولي عهد لها) لم يفعل شيئاً. فما كان منها إلاّ أن لجأت إلى إزبلادست؛ ولم يكن حظها معها بأحسن من حظها مع أفنسو، ولعلها هي وألفنسو قد عرفا أن يوليوس لن يتحول عن رأيه، فلم ير سيزاري آخر الأمر بداً من أن يطلب إلى مؤيديه في رومانيا أن يسلموا الحصون؛ وأطلق البابا سراحه، ففر إلى نابلي (19 إبريل سنة 1504).
ورحب به فيها جندسالوده كردويا (جندسالو القرطبي) الذي أمنه على حياته أثناء مروره بها. وعادت إليه شجاعته أسرع من عودة بصيرته فنظم قوة صغيرة، وبينا كان يستعد إلى الإبحار بها إلى بيومبينو Piombino (بالقرب من لغورن Leghorn) إذ قبض عليه جندسالو بأمر فرديناند ملك إسبانيا؛ وكان يوليوس هو الذي دفع هذا "الملك الكاثوليكي" إلى العمل لأنه لم يشأ أن يثير سيزاري في البلاد حرباً أهلية. ونقل سيزاري إلى أسبانيا في شهر أغسطس وظل يعاني مرارة السجن عامين كاملين. وحاولت لكريدسيا مرة أخرى أن تطلق سراحه ولكنها لم توفق.كذلك دافعت عنه زوجته التي هجرها عند أخيها جان دالبرت Jean d'Albert ملك نبرة، ودبرت له الخطة للهرب، وخرج سيزاري من السجن مرة أخرى وأصبح طليقاً في نبرة في شهر نوفمبر من عام 1506. وسرعان ما واتته الفرصة ليرد لدا لبرت الجميل.ذلك أن كونت لرين Leirn، وهو من أتباع الملك خرج على سيده، فتولى سيزاري قيادة جزء من جيش جان وهاجم به حصن الكونت في فيانا Viana. وخرج الكونت على رأس

الحامية من الحصن وهجم على سيزاري، فصده هذا، وتعقب القوة المهزومة بتهور وقلة مبالاة؛ وجاء المدد إلى الكونت وقتئذ، وهجم عدوه، وفر جنو سيزاري القلائل، ولم يثبت إلاّ هو نفسه ورفيق له واحد، وحارب حتى أثخن بالجراح ومات في القتال (12 مارس سنة 1507) وهو في سن الحادية والثلاثين.
وكانت هذه خاتمة شريفة تحيط بها الريب. ذلك أ، في حياة سيزاري بورجيا أشياء كثيرة لا تروقنا، نذكر منها كبرياؤه وتبجحه، وإهماله زوجته الوفية، ومعاملته النساء كأنهن أدوات لملذاته العابرة، وقسوته على أعدائه في بعض الأحيان - مثال ذلك حكمه بالإعدام على جويليوفارنو Giulio Varno صاحب كميرينو Camerino وعلى ولديه؛وقتله فيما يبدو اثنين من أبناء منفريدي Manfredi؛ وهي قسوة تناقض كل التناقض رأفة الرجل الذي يتسمى باسمه . وكان يعمل عادة بالمبدأ القائل إن تحقيق أغراضه يبرر في رأيه كل وسيلة يستخدمها لهذه الغاية، فالغاية في رأيه تبرر الوسيلة. لكننا نذكر مع هذا أنه كان يجد نفسه محوطاً بالأكاذيب، وأنه استطاع أن يتفوق في الكذب على من عداه حتى كذب عليه يوليوس. ونكاد نجزم بأنه لم تكن له يد في مقتل أخيه جيوفني، ولكن أكبر الظن أنه هو الذي حرّض السفاحين على قتل دوق بستشجيلي Bisceglie، ولعله كانت تنقصه - بسبب مرضه - القدرة على مواجهة مصاعبه بشجاعة وكرامة؛ وكان موته هو العمل الوحيد الذي شرفت به حياته.
ولكنه حتى هو كان يتصف ببعض الفضائل، فما من شك في أنه كان ذا كفاية غير عادية مكنته من أن يرقى هذا الرقي السريع، وأن يتعلم بهذه السرعة فنون الزعامة، والتفاوض، والحرب. ولمّا أن عهد إليه بذلك الواجب الشاق، واجب استعادة سلطة البابا في الولايات البابوية، ولم يكن

تحت لوائه إلاّ قوة صغيرة، قام بهذا الواجب بحركة سريعة مدهشة، ومهارة في الفنون العسكرية، واقتصاد في الوسائل.ولمّا عهد إليه أن يحكم وأن يفتح، حبا رومانيا بأكثر ما استمتعت به منذ قرون من عدالة في الحكم ورخاء في السلم. ولمّا أمر بأن يطهر الكمبانيا من الأتباع العصاة المتمردين المشاكسين، قام بهذا العمل بسرعة يصعب على يوليوس قيصر نفسه أن يبزه فيها؛ ولعله حين طافت هذه الأعمال العظيمة برأسه قد راوده الحلم الذي راود بترارك ومكيفلي: وهو أن يهب إيطاليا، بالفتح إذا لزم الأمر، الوحدة التي تمكنها من أن تقف في وجه قوتي فرنسا وأسبانيا المرتكزتين . ولكن انتصاراته، وأساليبه، وقوته، وأعماله السرية الخفية، وهجماته السريعة التي لا يحصى لها عدد، جعلته سوط عذاب على إيطاليا بدل أن تجعله عاملاً على تحريرها. ذلك أن عيوبه الخلقية كانت سبباً في القضاء على ما أنجزه من الأعمال بقوته العقلية. وكانت مأساته الأساسية أنه لم يتعلم قط أن يحب.
ولنقل مرة أخرى كلمة موجزة عن لكريدسيا: ألا ما أكبر الفرق بينها وبين أخيها الذي هوى من حالق مجده، في تواضعها، وهناءتها في سنيها الأخيرة. ذلك أنها،وقد كانت في روما مضغة في فم كل نمام،

قد أحبها أهل فيرارا ورأوا فيها مثلاً أعلى للفضائل النسوية(121). فقد حاولت فيها أن تنسى جميع محن ماضيها ومآسيه؛ واستعادت مرح شبابها ولم تخرج في ذلك عن حدود الاعتدال والأناة، وأضافت إلى مرحها هذا اهتماماً كريماً بحاجات غيرها من الناس. وقد أثنى عليها أريستو، وتيبليو Tibaldeo، وبمبو وتيتو، وإركولي اسفوردسا في أشعارهم ثناء جنت منه أكبر الفائدة؛ فقد وصفوها بأنها "أجمل فتاة" ولم يشر أحد منهم إليها بسوء.ولعل بمبو أراد أن يكون لها كما كان أبلار لهلواز Heloise ، وقد أضحت لكريدسيا وقتئذ تجيد عدة لغات فتتكلم الإسبانية، والإيطالية، والفرنسية، وتقرأ "قليلاً من اليونانية وأقل منها من اللاتينية". ويقول بعضهم إنها كانت تقرض الشعر بهذه اللغات جميعاً(122)، وقد أهدى إليها ألدوس مانيتيوس Aldus Manitius الطبعة التي أصدرها من ديوان استرتسي Strozzi وأشار في المقدمة إلى أنها عرضت عليه أن تمول مشروعه العظيم في الطباعة(123).
وقد وجدت بين هذه المشاغل العلمية الكثيرة متسعاً من الوقت حملت فيه لزوجها الثالث ثلاثة بنين وبنتاً واحدة. وقد سر منها ألفنسو على طريقته الدافقة العارمة. من ذلك أنه لما دعاه الداعي إلى مغادرة فيرارا في عام 1506 أنابها عنه في حكمها، فقامت بواجبات الحكم فيها بحكمة وحسن بصيرة جعلتا أهل فيرارا يميلون إلى مسامحة الإسكندر إذ تركها في وقت ما تشرف على شئون الفاتيكان.

وكرست جهودها في السنين الأخيرة من حياتها لتربية أبنائها وتعليمهم، ولأعمال البر والرحمة، وأضحت راهبة فرنسيسية من الطبقة الثالثة. ووضعت في الرابع عشر من شهر يولية عام 1519 طفلها السابع، ولكنه مات قبل أن يرى الضوء، ولم تغادر قط فراش المرض، حتى إذا كان اليوم الرابع والعشرون من ذلك الشهر ماتت وهي في سن التاسعة والثلاثين لكريدسيا بورجيا التي ظلمها الناس أكثر مما ظلمت هي نفسها.





يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن




















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق