1056
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> آل بورجيا -> لكريدسيا
الفصل الخامس
لكريدسيا
1480-1519
كان الإسكندر يعجب بولده، ولعله كان يخافه، ولكنه كان يحب ابنته بكل ما في الطبيعة البشرية من عاطفة قوية. ويبدو أنه كان يجد في جمالها المتوسط، وفي شعرها الذهبي الطويل (الذي بلغ من الثقل حداً يسبب لها الصداع)، وفي قوامها الخفيف المتزن حين ترقص(95)، وفي إخلاصها البنوي له في كل ما عاناه من تحقير وحرمان، نقول يبدو كأنه كان يجد في هذا كله متعة أكثر مما وجده يوماً من الأيام في مفاتن فانتسا أو جويليا. ولم تكن ذات جمال بارع غير معتاد، ولكنها وصفت في أيام شبابها بأنها حلوة الوجه docle ciera؛ وقد احتفظت بهذا "الوجه الحلو" إلى آخر حياتها التقية بين ما كان يحيط بها من فظاظة وانحلال، وفي خلال ما مر بها من مرارة الطلاق، وارتياعها وهي ترى زوجها يقتل، وتقول إنها تكاد ترى مقتلة بعينها. ويدل على احتفاظها به أن ذلك من الأقوال التي تتردد على ألسنة الشعراء في فيرارا.
وتتفق الصورة التي رسمها لها بنتو رتشيو والمحفوظة في جناح آل يورجيا في الفاتيكان مع وصفها لهذا في أيام شبابها.
وذهبت لكريدسيا إلى دير النساء لتتلقى فيه تعليمها كما كانت تذهب إليه كل من تستطع أداء نفقات هذا التعليم من البنات الإيطاليات، وانتقلت في سن غير معروفة من بيت أمها فانتسا إلى بيت دنا أدريانا ميلا، وهي عمة للإسكندر. وفي هذا البيت عقدت صداقة وثيقة دامت طول حياتها مع جويليا فرنيزي Giulia Farnese كنة أدريانا، وعشيقة والدها المزعومة. وقد وهبت لكريدسيا كل ما يستطيع الحظ الطيب أن يهبها إياه ما عدا
البنوة الشرعية. ولهذا نشأت في جو من الأنوثة المرحة المبتهجة، وكان الإسكندر سعيداً لسعادتها.
وانتهى هذا الشباب الذي لم يتسرب إليه الهم بالزواج؛ وأكبر الظن أنها لم يسئها قط أن أباها هو الذي اختار لها زوجاً؛ فقد كان هذا هو العادة المألوفة في زواج البنات الإيطاليات؛ ولم يكن لينشأ عن هذا الاختيار من الشقاء أكثر مما ينشأ عن اعتمادنا نحن على الحكمة الكامنة في الاختبار القائم على الحب الغرامي. وكان الإسكندر يرى، كما يرى أي حاكم سواه، أن زواج أبنائه يجب أن يكون سبيلاً لضمان مصالح الدولة، وما من شك في أن هذا أيضاً كان يبدو أمراً معقولاً لا غبار عليه في عيني لكريدسيا. وكانتنابلي وقتئذ عدوة للبابوية، وميلان عدوة لنابلي؛ ولهذا فإن زواجها الأول قيدها وهي في سن الثالثة عشرة بجيوفني اسفوردسا سيد بيزارو، وابن أخي لدفيكو، ونائب حاكمميلان (1493)؛ وكان وقتئذ في سن السادسة والعشرين، وأخذ الإسكندر يشبع حبه الأبوي بتهيئة بيت للزوجين في قصر الكردنال دسينو القريب من الفاتيكان.
ولكن أسفوردسا كان مضطراً إلى الإقامة في بيزارو بعض الوقت، ومن أجل ذلك اصطحب زوجته الشابة معه. وقد ذبلت نضرتها في هذه الشواطئ النائية، بعيدة عن أبيها المغرم بها، ومباهج روما ومتعتها، ولم تنقض على انتقالها إلاّ بضعة أشهر حتى عادت إلى العاصمة. ولحق بها جيوفني فيها فيما بعد، ولكنه ظل بعد عيد الفصح من عام 1497 في بيزارو وبقيت هي في روما. وفي الرابع عشر من شهر يونية طلب إليه الإسكندر أن يفصم عرى الزوجية بحجة أن الزوج عنين - وهي الحجة الوحيدة التي يرى القانون الكنسي أنها تجيز فصم عرى الزواج؛ وآوت لكريدسيا بعدئذ إلى دير النساء لتدفن فيها حزنها أو عارها، أو لتقطع ألسنة الوشاة(96). ثم قتل أخوها دوق غنديا بعد بضعة أيام من ذلك الوقت،
وتهامس الفكهون المتظرفون من أهل روما أن مقتله كان بأيدي عملاء اسفوردسا لأنه حاول إغواء لكريدسيا(97). وأنكر زوجها أنه عنين، وأشار إلى أن الإسكندر كان يضاجع ابنته. وعين البابا لجنة، يرأسها اثنان من الكرادلة، لتنظر هل بلغ الزواج غايته، وأقسمت لكريدسيا أنه لم يبلغها، وأكدت اللجنة للإسكندر أنها لا تزال عذراء. وعرض لدفيكو على جيوفني أن يثبت قدرته الجنسية أما لجنة تضم المندوب البابوي في ميلان، ولكن جيوفني رفض هذا العرض، ولسنا نجد مأخذاً عليه في رفضه. بيد أنه وقّع وثيقة رسمية يعترف فيها بأن الزواج لم يبلغ غايته، ورد إلى لكريدسيا بائنتها البالغ قدرها 31.000 دوقة، وفصمت عروة الزوجية في 20 ديسمبر من عام 1497. وولدت لكريدسيا لزوجيها التاليين أبناء وإن لم تلد أبناء لجيوفني؛ ولكن زوجة اسفوردسا الثالثة ولدت في عام 1505 ولداً يظن أنه ولده(98).
وكان يظن من قبل أن الإسكندر إنما فصم عقدة الزواج، ليستطيع عقد زواج آخر أكثر فائدة سياسية من الزواج الأول. ولكنا لا نجد دليلاً يؤيد هذا الادعاء؛ وأكثر من هذا احتمالاً أن لكريدسيا قد أفصحت عن الحقيقة المحزنة. ولم يشأ الإسكندر أن يبقيها بلا زوج؛ فأخذ يسعى إلى التقرب من نابلي ألد أعداء البابوية؛ وعرض على الملك فدريجو أن يزوج لكريدسيا من دن ألفنسو دوق بستشيجلي Besceglie، وهو ابن نغل لألفنسو الثاني ولي عهد فدريجو. ووافق الملك على هذا العرض، ووقع عقد الخطبة الرسمي (في يونية سنة 1498). وكان وكيل فدريجو في هذا الزواج هو الكردنال اسفوردسا، عم جيوفني مطلق لكريدسيا. وشجع لدفيكو صاحب ميلان فيدريجو على قبول هذه الخطة(99)، ويبدو أن عم جيوفني لم يسئه قط فصم عرى الزوجية الأولى، واحتفل بالزفاف في الفاتيكان في شهر أغسطس التالي.
ويسرت لكريدسيا الأمور بأن أحبت زوجها؛ ويسرها فوق ذلك أن تكون له بمنزلة الأم، فقد كانت هي وقتئذ في الثامنة عشرة من عمرها وهو بعد طفل في السابعة عشرة. ولكن كان من سوء حظهما أن يكونا شخصين ذوي شأن في العالم، وأن يكون للسياسة مكان في فراشهما الزوجي. ذلك أن نابلي رفضت أن تقدم زوجة لسيزاري بورجيا فذهب إلى فرنسا يطلب فيها هذه الزوجة (أكتوبر سنة 1498). وتحالف الإسكندر مع لويس الثاني عشر عدو نابلي اللدود؛ وساء بستشيجلي الشاب أن يجد روما تتفاوض مع وكلاء ملك فرنسا، فما كان منه إلاّ أن فر مسرعاً إلى نابلي. وحطم هذا الفرار قلب لكريدسيا؛ وأراد الإسكندر أن يسترضيها، ويجبر قلبها المكلوم فعينها نائبة عنه في اسبليتو (أغسطس عام 1499)؛ وعاد ألفنسو فانضم إليها هناك، وزارهما الإسكندر في نيبي، وطمأن الشاب، وعاد بهما إلى روما؛ وفيها وضعت لكريدسيا ولداً سمى ردريجو باسم أبيها.
ولكن سعادتهما كانت في هذه المرة أيضاً قصيرة الأجل؛ ذلك أن ألفنسو قد امتلأ بغضاً لسيزاري يورجيا،وربما كان سبب ذلك البغض أن ألفنسو نفسه كان متوتر الأعصاب حاد المزاج، أو لعل سببه أن سيزاري يورجيا كان في نظره رمزاً للحلف الفرنسي مع البابوية، وبادله سيزاري بغضاً ببغض وزاد عليه الاحتقار. وحدث في مساء اليوم الخامس عشر من يولية سنة 1500 أن هجم على ألفنسو جماعة من السفاحين المأجورين أثناء خروجه من كنيسة القديس بطرس. وأصيب ألفنسو بعدة جراح، ولكنه استطاع أن يصل إلى بيت كردنال سانتا ماريا في برتيكو. واستدعيت لكريدسيا له فلمّا رأته أغمى عليها، ولكنها سرعان ما أفاقت، وأخذت هي وأخته سانتشيا تعنى به أعظم عناية. وأرسل الإسكندر حرساً مؤلفاً من خمسة عشر رجلاً ليدفع عنه أذى آخر، ونقه ألنسو على مهل؛ وأبصر يوماً ما سيزاري يسير في حديقة قريبة منه، ولم يكن يخالجه أدنى شك في
أن هذا هو الرجل الذي استأجر من كانوا يريدون قتله، فأمسك بقوس وسهم وأطلق السهم يريد أن يقتله به. وأخطأ السهم الهدف خطأً يسيراً، ولم يكن سيزاري بالرجل الذي يتيح لعدوه فرصة أخرى، فاستدعى حراسه، وبعث بهم إلى حجرة أفنسو، ويبدو أنه أمرهم بقتله؛ فوضعوا وسادة على وجهه ومازالوا يضغطون بها عليه حتى مات مختنقاً، وبما كان ذلك على مرأى من زوجته وأخته(10). وصدق الإسكندر رواية سيزاري للقصة، وأمر بدفن ألفنسو في غير احتفال وبذل كل ما في وسعه لمواساة لكريدسيا التي كان خطبها أفدح من أن يواسى.
وانزوت لكريدسيا فيبيبي، وهناك كتبت رسائلها المسماة أتعس الأميرات وأمرت بإقامة الصلوات تطلب بها الرحمة لألفنسو. ومن الغريب أن سيزاري زارها في بيبي (أول أكتوبر سنة 1499)؛ ولمّا يمض على موت ألفنسو أكثر من شهرين ونصف شهر، وأنها استضافته طول الليلة. ذلك أن لكريدسيا كانت صبوراً لينة الجانب؛ ويبدو أنها أخذت مقتل زوجها على أنه رد فعل طبيعي من أخيها على محاولة قتله. ويلوح أنها لم تكن تعتقد أن سيزاري هو الذي استأجر السفاحين الذين حاولوا اغتيال ألفنسوا ولم يفلحوا في محاولتهم؛ وإن كان يخيل إلينا أن هذا هو أرجح التفاسير لهذه المأساة التي هي إحدى المآسي الغامضة في عصر النهضة؛ ولقد أظهرت في المدة الباقية من حياتها كثيراً من الشواهد على أن حبها لأخيها لم تمحه جميع هذه المحن. ولعل حبه لها وحب أبيها، اللذين يبلغان من القوة كل ما تستطيع العاطفة الإنسانية الجائشة، هو الذي جعل الفكهين من أهل روما، أو بالأحرى من أهل نابلي(101) المعادية، يتهمونها على الدوام بمضاجعة أبيها وأخيها، حتى لقد وصفها أحد الكتّاب ذلك الوصف الجامع الموجز بأنها: "ابنة البابا، وزوجته، وزوجة ابنه"(102). وصبرت على هذا أيضاً وهي هادئة مستسلمة؛ ولقد أجمع المطلعون الباحثون
في هذه الفترة أن هذه كلها اتهامات قاسية لا نصيب لها من الصحة(103)؛ ولكن هذه المطاعن ظلت تدنس اسمها عدة قرون .
ولسنا نرجح أن سيزاري قتل ألفنسو ليزوجها من بعده زواجاً أكثر نفعاً من الوجهة السياسية. فقد عرضت بعد فترة الحزن على كبير من أسرة أرسيني، ثم على آخر من أسرة كولنا- وهما زواجان لا يبلغان من الفائدة السياسية مبلغ زواجها من ابن وارث عرش نابلي. ولسنا نسمع بأن الإسكندر عرض على إركولي دوق فيرارا أن يزوجها من ابنه ألفنسو(104)، إلاّ في نوفمبر من عام 1500، كما أننا لم نسمع إلاّ في سبتمبر من عام 1501 أنها خطبت له. ويلوح أن الإسكندر كان يأمل أن فيرارا التي يحكمها زوج ابنته، ومنتوا التي ارتبطت مع فيرارا بالزواج من زمن بعيد ستكونان في واقع الأمر ولايتين بابويتين؛ وأيد سيزاري هذه الخطة لأنها تؤمن له فتوحه أكثر من ذي قبل، وتضع في يده قاعدة طيبة يهجم منها على بولونيا. وتردد إركولي وألفنسو للأسباب التي سبق تفصيلها؛ وكان ألفنسو قد عرضت عليه يد كونتة أنجوليم Angouleme ولكن الإسكندر أضاف إلى عرضه وعداً ببائنة ضخمة، وبما يكاد يكون إلغاءً تاماً للجزية التي كانت فيرارا تعطيها للبابوية. على أن أحداً رغم هذا كله لا يصدق أن أسرة من أقدم الأسر الحاكمة في أوربا، وأعظمها ثراء كان يقبل لكريدسيا زوجة لدوقها المرتقب لو أنها كانت تصدق القصص القذرة التي كان يذيعها سراً الكتّاب النمامون في روما. وإذ لم يكن إركولي أو ألفنسو قد رأيا لكريدسيا حتى ذلك الحين، فإنهما جريا على الخطة المألوفة في مثل هذا الزواج السياسي، وطلبا إلى سفير فيرارا
في روما أن يبعث لهما بتقرير عن شكلها وأخلاقها، وميزاتها. وجاءهم الرد الآتي:
سيدي العظيم: ذهبت اليوم مع دن جيرارد سراتشيني Gerardo Saraceni في زيارة إلى السيدة العظيمة لكريدسيا لنبلغها احترامنا بوصفنا نائبين عن فخامتكم وعن جلالة دن ألفنسو. وتحدثنا إليها طويلاً في مختلف الشئون. وخرجتا من حديثنا معها على أنها غاية في الذكاء والظرف، وأنها سيدة غاية في الرشاقة. والنتيجة التي وصلنا إليها أنك يا صاحب الفخامة ودن ألفنسو العظيم ستسرون منها غاية السرور. فهي فضلاً عن رشاقتها الفائقة في كل شيء، متواضعة، ودودة، مؤدبة؛ وهي إلى هذا كله مسيحية مؤمنة تخاف الله. وستذهب غداً للاعتراف، وستتناول العشاء الرباني في أسبوع عيد الميلاد. وهي في منتهى الجمال، ولكن سحر أدبها وظرفها ليدهشنا أكثر من جمالها؛ وجملة القول أن أخلاقها تنفي عنها كل مظنة "السوء". بل أننا على العكس منن هذا لا نجد فيها إلاّ كل ما هو خليق بالثناء... روما في 23 ديسمبر سنة 1501.
خادمكم
جوانس لوكاس Joannes Lucas، (105)
واقتنع صاحبا الفخامة والجلالة من آل استنسي وبعثا بطائقة فخمة من الفرسان تصحب العروس من روما إلى فيرارا. وأعد سيزاري بورجيا من عنده مائتي فارس لهذا الغرض عينه، كما أعد طائفة من الموسيقيين والمهرجين لتسليتها في رحلتها الشاقة. ودل الإسكندر على افتخاره وسعادته بأن أمدها بحاشية من 180 شخصاً تضم خمسة أساقفة. وحمل جهازها على عربات صنعت لهذه الرحلة خاصة، وعلى مائة وخمسين بغلاً؛ وكان من هذا الجهاز حلة تبلغ قيمتها 150.000 دوقة (187500؟ دولار)، وقبعة قيمها عشرة آلاف دوقة، و 200 صدرة كلفت كل
واحدة منها مائة دوقة(106). وبدأت لكريدسيا سفرها في اليوم السادس من يناير عام 1502 بعد أن استأذنت سراً من والدتها فائندسا، وعبرت إيطاليا للانضمام إلى طيبها، وأخذ الإسكندر بعد أن ودعها ينتقل في الموكب من مكان إلى مكان، ليلقي عليها نظرة أخرى وهي ممتطية صهوة جوادها الأسباني الصغير المكسو كله بالجلد والذهب، وظل يرقبها حتى اختفت عن الأنظار هي وحاشيتها التي تضم ألف رجل وامرأة، ولعله كان يظن أنه لن يراها مرة أخرى.
وأكبر الظن أن روما لم تشهد قط من قبل مثل هذا الموكب يخرج منها، كما أن فيرارا لم تشهد قط موكباً مثله يدخلها. واستقبل لكريدسيا بعد رحلة دامت سبعة وعشرين يوماً، الدوق إركولي ودن ألفنسو على رأس موكب كبير من الأعيان، والأساتذة، وخمسة وسبعين من الرماة حملة الأقواس، وثمانين من النافخين في الأبواق والمزامير، وأربع عشرة عربة مستوية السطح تحمل سيدات من بنات الأسر الكريمة في ثياب فخمة. ولمّا بلغ الموكب الكنيسة الكبرى نزل من أبراجها رجلان ممن يمشون على الحبال، وقدّما التحية لكريدسيا. ولمّا بلغ الموكب قصر الدوق، أطلق سراح جميع المسجونين؛ وابتهج الشعب بجمال دوقته المقبلة وبسماتها، وسعد ألفنسو بأن كانت له هذه الزوج العظيمة الفاتنة(107).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق