إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1027 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> العمارة والنحت الفصل الخامس فن البندقية 1- العمارة والنحت


1027

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> العمارة والنحت

الفصل الخامس


فن البندقية


1- العمارة والنحت


الطابع الحسي هو أساس فن البندقية لا تستثنى من ذلك عمارتها نفسها، فقد كان في كثير من كنائس البندقية وقصورها، وبعض مباني الأعمال منها، فسيفساء ومظلمات على واجهاتها. وكانت واجهة كنيسة القديس مرقس تتلألأ بالذهب والزينة التي وضعت فيها وضعاً يكاد يكون خبط عشواء؛ وكان يأتي إليها في كل عشر سنين أو نحوها مغانم جديدة وأشكال جديدة حتى أضحى وجه المزار العظيم خليطاً من العمارة، والنحت، والفسيفساء، يطغي فيه الزخرف على البناء، وتُنْسِي فيه الأجزاء الوحدةَ والكلَّ. وإذا شاء الإنسان أن ينظر إلى تلك الواجهة بشيء أحب من الدهشة، وجب عليه أن يقف على بعد 576 قدماً منها عند الطرف الأقصى لساحة القديس مرقس Piazza San Marco؛ فعلى هذا البعد تمتزج أمام عينيه مجموعة المداخل الرومانسية، والمنحنيات المحدبة القوطية، والعمد الرومانية القديمة، والأسيجة التي من طراز عهد النهضة، والقباب البيزنطية، تمتزج هذه كلها في صورة خيالية عجيبة أشبه بحلم علاء الدين السحري.
ولم تكن الساحة وقتئذ رحبة فخمة كما هي الآن؛ فقد ظلت حتى القرن الخامس عشر غير مرصوفة، وكان جزء منها تشغله الأشجار والكروم، وجزء منها فناء لقطاع الأحجار وجزء آخر مرحاضاً. ثم رصفت بالآجر في عام 1495؛ وفي عام 1500 صب ألسندور ليوباردي لصواري الأعلام الثلاثة قواعد لم تفقها قط أية صواري أنشئت بعد ذلك الوقت، ثم أقام

فيها بارتلميوبون الأصغر Bartolommeo Buon the Younger برج الجرس الفخم. (وقد سقط هذا البرج في عام 1902 ولكنه أعيد بناؤه بالتصميم عينه). ولا يضارعه في إدخال السرور على النفس مكتباً وكيلي كنيسة القديس مرقس - مكتب وكالة فيتشيو ومكتب الوكالة الجديدة (nuovo) - الذين شيدا بين عامي 1517 و 1640 عند طرفي الميدان في الجنوب والشمال بواجهتهما الضخمتين اللتين تبعثان الملل والمسامة.
وقامت بين كنيسة القديس مرقس والقناة الكبرى تاج العمائر المدنية في البندقية ونعني بها قصر الدوج. وقد أدخل عليه في تلك الفترة كثير من التجديد حتى لم يبق من شكله الأول إلا النزر اليسير. من ذلك أن بيترو باسيجيو Pietro Baseggio أعاد بين عامي 1309 و 1340 بناء الجناح الجنوبي المواجه للقناة؛ وأن جيوفني بون وابنه بارتلميوبون الأكبر شادا جناحاً جديداً (1424 - 1438) في ناحية الغربية أي الجانب المقابل للساحة الصغرى، ثم أقاماً ((باب الورق)) Porta della Carta القوطي (1438 - 1443) في الركن الجنوبي الغربي. وتعد هاتان الواجهتان الجنوبية والغربية، بما فيهما من البواكي والشرفات الرشيقة من أجمل ما خلفه عصر النهضة؛ وتنتمي معظم التماثيل والصور المنحوتة على الواجهات، وكذلك النقوش الفخمة المنحوتة على تيجان العمد إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر؛ ويظن رسكن Ruskin أن أحد هذه التيجان - وهو القائم تحت صورتي أدم وحواء - أجمل التيجان في أوربا كلها. وأقام بارتلميوبون الأصغر وأنطونيو رتسو داخل الفناء عقداً مزخرفاً سمي باسم فرانتشيسكو فسكاري يجمع بين ثلاثة بأنماط من العمارة ألف بينها ائتلافاً غير متوقع: جمع بين عمد النهضة وأسكفاتها، والعقود الرومانسية، والأبراج المستدقة القوطية

وقد وضع رتسو Rizzo في كوتي العقد تمثالين عجيبين: تمثالا لآدم يؤكد برائته، وتمثالاً لحواء وهي تظهر دهشتها من العقاب الذي يفرض من أجل المعرفة. وقد صمم رتسو واجهة الفناء الشرقية وأتمها بيترو لمباردو. وهي قران مبهج بين العقود المستديرة والمستدقة ذات شرفات وطنوف. وكان رتسو نفسه هو الذي صمم بناء سُلَّم الجبابرة Scala de Giganti المؤدي من الفناء إلى الطابق الأول - وهو بناء بسيط، فخم اشتق اسمه من التمثالين الضخمين الممثلين للمريخ ونبتون اللذين أقامهما ياقوبو سانوفينو Jacopo Sanovino عند أول الدرج رمزاً لسيادة البندقة على البر والبحر. وكان في الداخل حجرات للسجن الانفرادي، ومكاتب للأعمال الإدارية، وحجرات استقبال، وقاعات كبيرة لاجتماع المجلس الأكبر، ومجلس الشيوخ، ومجلس العشرة. وكان عدد كبير من هذه الحجرات الجدارية في تاريخ الفن.
وبينما كانت الجمهورية تفخر بهذه الدرة المعمارية، كان كبار الأغنياء من النبلاء .. مثل آل جوستنياني، وكنتاريني، وجرتي، وبرباري، الكبرى بقصورهم. وليس لنا أن نتصور هذه القصور بحالها المنحطة الحاضرة، بل علينا أن نتصورها بما كانت عليه من العز أثناء القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بواجهاتها المبنية بالرخام الأبيض والرخام السماقي، والسربنتين، ونوافذها القوطية، وعمدها التي من طراز النهضة، وأبوابها المطلة على الماء، وأفنيتها المختبئة المزدانة بالتماثيل، والفساقي، والحدائق، والمظلمات، والقوارير، وما في داخلها من أرض صنعت من الرخام، ومن مدافيء فخمة، وأثاث مطعم مرصع، وزجاج من صنع مورانو Murano، والظل، والسجف المصنوعة من نسيج الذهب أو الفضة، والماثلات البرنزية المذهبة، أو المشغولة بالميناء، أو من المعدن المنقوش،
واللوحات المنقوشة الغائرة في السقف، والرسوم الجدارية التي صورها رجال طبقت شهرتهم الخافقين. من ذلك أن قصر فسكاري قد زين برسوم ملونة من صنع جيان بليني، وتيشيان، وتنتوريتو، وباريس بردوني Paris Bordone، وفيرونيز. وربما كان في هذه الحجرات من الفخامة أكثر ما فيها من أسباب الراحة، فأظهر الكراسي مستقيمة أكثر مما ينبغي، والنوافذ تسبب بوضعها تيارات الهواء، وما بها من وسائل التدفئة لا يدفئ جانبي الحجرة أو جانبي الإنسان في وقت واحد.
ولكن في البندقية قصور أنفق على الواحد منها مائتا ألف دوقة، وسن قانون في عام 1476 أريد به تحديد نفقاتها بمائة وخمسين دوقة للحجرة الواحدة، ولكننا نسمع بعدئذ عن حجرات أنفق على تشييدها وتأثيثها ألفا دوقة. وأكبر الظن أن أعظم هذه القصور زينة كان هو بيت الذهب Ca,dOro الذي سمي بهذا الاسم لأن صاحبه مارينو كنتاريني Marino Contarini أمر بأن يغطى كل إصبع من واجهته الرخامية أو ما يقرب منه بالنقوش التي كان معظمها مطلياً بالذهب. ولا تزال شرفاته وزخارفه القوطية الطراز تجعل هذه الواجهة أجمل الواجهات المطلة على الفناء.
وبينا كان هؤلاء الرجال واسعوا الثراء يجملون بيوتهم ويؤثثونها بأفخم الأثاث، فأنهم لم يكونوا يضنون ببعض المال لتشييد الكنائس الفخمة التي كانوا يلجئون إليها بأرواحهم في بعض الأحيان. ومن عجب أن كنيسة القديس مرقس لم تكن قبل عام 1807 كنيسة البندقية الكبرى، بل كانت من الوجهة الرسمية الكنيسة الخاصة بالدوج ومزار قديس المدينة المشفع فيها، فكانت والحالة هذه ملكاً لدين الدولة إذ صح هذه التعبير. وكان كرسي الأسقفية ملحقاً بكنيسة أصغر منها هي كنيسة سان بيترو دي كاستيلو San Pietro di Castello القائمة في الركن الشمالي الشرقي من المدينة. وكان مركز الرهبان الدمنيك في هذا الجزء القاصي نفسه، في كنيسة سان جيوفني إي باولو

San Giovanni e Paolo، وهناك وجد جنتيل وجيوفيني بليني راحتهما الأبدية. وكان أهم من هذه الكنيسة من الوجهة التاريخية كنيسة الرهبان الفرنسيس - كنيسة سانتا ماريا جلوريوزا دي فراري Santa Mario Gloriosa di Frari، (1310 - 1343) المعروفة باسم الموجز المحبب إي فراري I Frari أي ((الإخوان Friars)). ولم يكن منظر الكنيسة من الخارج ذا روعة وبهاء، ولكن شهرتها من الداخل أخذت تزداد على مر الأيام لأنها صارت قبراً يضم رفات عظام البنادقة - فرانتشيسكو فسكاري، وتيشيان، وكانوفا Canova - ومعرضاً للفنون. وفيها صمم أنطونيو رزو نصباً تذكارياً فخماً للدوج نقولو ترون Niccolo؛ وفيها وضع جيان بليني صورته الشهيرة فراري مادنا Frari modonna. ووضع تيشيان مادنا سليلة أسرة بيزارو؛ وأهم من هذه كلها تقوم صورة صعود العذراء لتيشيان في جلال وروعة خلف المذبح. وكانت تحف فنية أقل من هذه شأناً تزين المزارات الأقل من تلك الكنائس قدراً: فكانت كنيسة القديس زكريا تطالع المصلين فيها بصور سيدات مُلهمات من تصوير جيوفني بليني وبالما فتشيو؛ وكنيسة سانتا ماريا دل أورتو تطالعهم بصورة مخاض العذراء لتنتوريتو وبعظام تنتوريتو نفسه. وتلقت سان سبستيانو رفات فيرونيز وعدداً من أجمل صوره، ورسم تيشيان لكنيسة سان سلفادور صورة البشارة في الحادية والتسعين من عمره.
وكانت أسرة فذة من المهندسين والمثالين دائبة العمل في تشييد كنائس البندقية وقصورها. فقد جاء آل لمباردي إلى البندقية من شمالي إيطاليا الغربي ومن أجل هذا لقبوا بلقبهم الذي عرفوا به، ولكن اسمهم الحقيقي كان آل سولاري Solari، وكان منهم كرستوفورو سولاري الذي نحت تمثالي لدوفيكو وبيتريس، وأخوة أندريا المصور، وكان كلاهما يعمل في البندقية وميلان معاً. وكان منهم بيترو لمباردو الذ خلف أثره في نحو

عشرين بناء في البندقية، وكان هو وولداه أنطونيو وتليو الذين خططا كنيستي جيبي San Giobbe وسانتا ماريا دي ميراكولي Santa Maria de'Mircoli - التي ينفر منها ذوقنا في هذه الأيام، كما خططا فبري بيترو موسينيجو، وقبر نقولو مارسلو في سانتى جيوفني إباولو، وقبر الأسقف دسانتي Zanetti في كتدرائية تريفيزو، وقبر دانتي في رافنا، وقصر فيندرامين كاليجري vendramin - Caiegri الذي مات فيه الموسيقي فاجنر، وكانوا في هذه المشروعات كلها هم أصحاب تصميمات البناء والتماثيل جميعاً. وقد قام بيترو نفسه بأعمال كثيرة بين البناء والتماثيل في قصر الدوج. وأنشأ تليو وأنطونيو يعاونهما ألسندرو ليوباردي قبر أندريا فندارمين في سانتى جيوفني إباولو - وهي أعظم أعمال النحت في البندقية لا يستثنى من ذلك إلا تمثال الكيلوني Colleoni (الفارس) الذي أقامه فيروتشيو وليوباردى مرقس Scuolia di San Marco مدخلا فخماً وواجهة غريبة الشكل، وأشترك في آخر الأمر فنان يدعى سانتى لمباردو في بناء مقر اخوة سان ركو Scuola di San Rocco، التي اشتهرت بست وخمسين صورة من رسم تنتوريتو. ويرجع إلى أعمال هذه الأسرة معظم الفضل في انتشار طراز النهضة من العمد وطيلاتها، والقواصر المزخرفة. وتغلبها على العقود والأبراج المستدقة القوطية والقباب البيزنطية. غير أن عمارة فن النهضة التي كانت لا تزال مزعزعة من أثر النفوذ الشرقي، وقد أسرفت في الزخارف إسرافاً أدى إلى طمس خطوطها ومعالمها، وكان في حاجة إلى جو روما وإلى التقاليد الرومانية القديمة لتكسب الطراز الجديد صورته المحددة المتنافقة.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن













ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق