إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1026 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> الحياة في البندقية الفصل الرابع الحياة في البندقية



1026


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> الحياة في البندقية

الفصل الرابع


الحياة في البندقية



كانت العقود الأخيرة من القرن الخامس عشر والعقود الأولى من القرن السادس عشر أعظم الفترات روعة وأكثرها فخامة في حياة البندقية، فقد كانت تصب في جزائرها مكاسب التجارة العالمية التي عقدت الصلح مع الأتراك، ولم تنقص نقصاناً كبيراً بكشف الطريق حول أفريقية أو فتح المحيط الأطلنطي للملاحة، وتوجت هذه الجزائر بالكنائس، وأحيطت القنوات بالقصور، وامتلأت هذه القصور بالمعادن الثمينة والأثاث الغالي الثمين، وزينت النساء بالثياب الفخمة والجواهر الغالية، وأمدت هذه المكاسب طائفة كبيرة من الرسامين بالمال الكثير، وأنفقت الأموال بسخاء على الحفلات الباهرة في القوارب المزدانة بالطنافس، والمواكب المقنعة وخرير الماء المختلط بالموسيقى والغناء.
أما حياة الطبقات الدنيا فكانت هي حياة الكدح الرتيب المألوف، يخفف منه نوعاً ما الفراغ والثرثرة اللذان تتسم بهما إيطاليا، وعجز الأغنياء عن أن يحتكروا مبادئ العشق إلا بين أعلى الطبقات. وكانت القناة الكبرى وكل قنطرة مقوسة تموج بالرجال يحملون غلات نصف العالم، وكان في المدينة من الأرقاء أكثر ممن في غيرها من المدن الأوربية؛ وكان أكثرهم يؤتى بهم من الشرق، ولم يكونوا يستخدمون في الأعمال الشاقة، بل كانوا يعملون خدماً في البيوت، وحراساً خصوصيين، وكانت الجواري يعملن مرضعات، وخليلات، وكان للدوج بيترو مدتشينجو وهو في سن السبعين جاريتان تركيتان يستمتع بهما(20)، ويقول أحد سجلات البنادقة أن رجلاً من رجال الدين باع جارية لزميل آخر من طائفته،

ولكن عقد البيع ألغي في اليوم الثاني لأن المشتري الجديد وجد الجارية حاملاً(21).
ولم تكن الطبقات العليا متعطلة خاملة رغم ما كانت تستمتع به من نعيم؛ فقد كان الكثيرون منهم حين يبلغون أشدهم يشتغلون بالتجارة، والأعمال المالية، والدبلوماسية، وفي شئون الحكم والحرب، ويظهرهم ما لدينا من صورهم أيضاً رجال جد أقوياء الشعور بما عليهم من واجبات. وكانت أقلية منهم تلبس الحرير والفراء، ولعلها كانت تفعل ذلك لتسر المصورين الذين كانوا يرسمونها؛ وكانت طائفة من شبان الطبقات الموسرة - مثل جماعة الجورب La Compagna della Scalza - تزدهي بصدرياتها الضيقة، وخزها المقصب، وجواربها المخططة المطرزة بخيوط الذهب أو الفضة، أو المطعمة بالجواهر. لكن كل شاب شريف كان يخفف من فخامة ثيابه حين يصبح عضواً في المجلس الأكبر؛ فقد كان يطلب إليه حينئذ أن يرتدي ((الطوجة)) (الشملة الرومانية)، لأن هذا الثوب يكاد يضفي الكرامة على كل من يلبسه من الرجال، والسرية والخفاء على كل من تأتزر به من النساء. وكان الأشراف يكشفون عن ثرائهم الخفي من حين إلى حين في قصورهم الفخمة بالمدينة، أو في حدائق بيوتهم الريفية في مورانو Murano أو غيرها من ضواحي حين يستقبلون بالذبح زائراً أو يحيون ذكرى حادث خطير في تاريخ المدينة أو الأسرة. من ذلك أن الكردنال جريماني Grimani أعد حفلة استقبال لرانتشيو فرنيزي Ranuccio Farnese (1542)، دعا إليها ثلاثة آلاف ضيف، جاء معظمهم في قمرات بالجندولات، مفرشة بالمخمل والوسائد المريحة، وأعد لهم الموسيقى والألعاب البهلوانية، والمشي على الحبال، والرقص، والطعام والشراب. لكن أشراف البندقية كانوا في الأحوال العادية، معتدلين في حياتهم، وفي طعامهم وشرابهم، وثيابهم، وكانوا يعملون لكسب بعض ما ينفقون.

ولعل الطبقات الوسطى كانت أسعد أهل المدينة، وكانت تشترك وهي مرحة في المباهج الخاصة والعامة؛ وكان من هذه الطبقات صغار رجال الدين، وموظفو الحكومة، والأطباء، ورجال النيابة العامة، ورجال التعليم، والمشرفون على الصناعة ونقابات الحرف، والأعمال الحسابية في المصارف الأجنبية، والقائمون على التجار المحلية. ولم يكن يقلق بالهم حرصهم على الاحتفاظ بالمال الكثير كما يحرص الأغنياء، أو الكدح المتواصل لإطعام صغارهم وكسائهم كما يكدح الفقراء؛ وكانوا كغيرهم من الطبقات يلعبون الورق، والنرد، ويقضون الساعات في لعبة الشطرنج، ولكنهم قلما كانوا يتورطون في لعب الميسر حتى تخرب بيوتهم. وكان يطيب لهم أن يعزفوا على الآلات الموسيقية، ويغنوا ويرقصوا. وكانوا لضيق منازلهم أو مساكنهم يتنزهون ويقضون الوقت في الشوارع، وهي تكاد تخلو من الخيل والمركبات لأن وسيلة النقل المفضلة هي القنوات. ولهذا لم يكن من غير المألوف لدى الطبقات التي لا تميل كثيراً إلى السكون والجلوس أن تقيم في بعض الأمسيات في الأيام العادية أو في أيام الأعياد حفلات رقص وغناء في الميادين العامة لا تقتضيها شيئاً من سابق الاستعداد. وكانت لكل أسرة آلاتها الموسيقية وفيها أفراد يمكن الاستماع إلى أصواتهم؛ وكانوا شديدي التأثر بالغناء، وشاهد ذلك أنه لما أن تزعم أدريان ولارت Adrian Willaert جماعتي المرنمين في كنيسة القديس مرقس، واستمع الآلاف الذين استطاعوا دخول الكنيسة إلى هذه الترانيم، قلبوا شعارهم الشهير الذي كانوا يفخرون به وأصبحوا وقتاً ما مسيحيين أولاً وبنادقة فيما بعد.
وكانت حفلات البندقية أعظم الحفلات الأوربية فخامة، وذلك لما كان يحيطها من الكنائس، والقصور، والبحر؛ وكانت كل مناسبة يتذرع بها لإقامة الحفلات أو المواكب الفخمة كتتويج الدوج، أو عيد ديني، أو يوم عطلة قومية، أو زيارة كبير أجنبي، أو يوقع صلح مرضي، والجارنيجليو

Gharingello أو عيد النساء، أو مولد القديس مرقس، أو مولد شفيع إحدى النقابات. وكانت ألعاب المثاقفة لا تزال أهم ألعاب الحفلات في القرن الرابع عشر؛ وليس أدل على هذا من أنه حين أقامت البندقية استقبالاً فخماً لملكة قبرص بعد نزولها عن العرش في عام 1491، احتوى هذا الحفل على ألعاب للمثاقفة قام بها جنود من كريت فوق ماء القناة الكبرى المتجمد، غير أن المثاقفة كانت تبدو من الألعاب التي لا تناسب الدولة البحرية، ولهذا استبدل بها تدريجياً نوع من الحفلات المائية كانت في العادة سباق الزوارق. وكان أعظم حفلات السنة كلها حفلة زواج البحر، وهو احتفال من أعظم الاحتفالات فخامة يمثل زواج البندقية - صاحبة العظمة والجلال La Serenissima - إلى البحر الأدرياوي. ولما قدمت إلى البندقية في عام 1493 بيتريس دست مبعوثة لدوفيكو صاحب ميلان الفاتنة، زينت القناة الكبرى على طولها كله زينة الطرق الفخمة في الأيام المسيحية، وخرجت لاستقبالها بوتشينتور Bucentour، ممثلة لدولة البندقية ومزدانة كلها بالأرجوان والذهب، يحف بها ألف قارب تسير بالأشرعة أو المجاذيف، مزدانة كلها بأكاليل الزهر والأعلام الملونة؛ وبلغ عدد القوارب من الكثرة درجة غطت صفحة الماء كله حتى تعذرت رؤيته في دائرة لا يقل نصف قطرها عن ميل، كما يقول أحد متحمسي المؤرخين.
وقد وصفت بيتريس في رسالة بعثت بها من البندقية حفلة تنكرية أقيمت لتكريمها في مقر الدوج بهذه المناسبة. وكانت حفلة تمثيلية معظمها من النوع الإيمائي الصامت يقوم بها ممثلون مقنعون يسمون المتنكرين. وكان البنادقة مولعين بأنواع مختلفة من هذا التمثيل، وظلوا حتى عام 1462 محتفظين بالتمثيلات الدينية ((الخفية))، ولكن الشعب اضطر القائمين بتمثيلها إلى أن يقدموا لها أو يمثلوا بين فصولها مناظر هزلية فاسدة مضطربة إلى حد اضطرت الدولة معه إلى تحريمها في ذلك العام. وكانت الحركة الإنسانية

في هذه الأثناء قد جددت علم الإيطاليين بالمسالي اليونانية والرومانية القديمة فمثلت ((جماعة الجورب Compagna della Scalza)) وغيرها من الجماعات مسرحيات بلوتوس وترنس، وكذلك مثل جيوفني أرمونيو الراهب، والممثل، والموسيقي في عام 1506 مسرحية استفانيوم Stephanium أولى المسالي الحديثة باللغة اللاتينية في دير الإريمتاني Eremitani. وأخذت مسلاة البندقية تخطو من هذه البداية إلى الأمام نحو مسرحيات جلدوني Goldoni، وكانت في أثناء تقدمها تنافس المهازل الماجنة أو المهرجة ولم تكن أحياناً تقل عنها في الفكاهة البذيئة الطليقة، وبلغت في ذلك حداً اضطرت معه الكنيسة والدولة إلى الاشتباك في حرب دائمة مع مسرح البندقية.
وكان الفجور والدعارة يوجدان في أخلاق البنادقة والإيطاليين إلى جوار الاعتقاد الديني القوي، والصلاح الذي يتمثل في الصلوات والذهاب إلى الكنائس كل أسبوع. فقد كانت كنيسة القديس مرقس تزدحم في أيام الآحاد والأعياد المقدسة بالوافدين إليها لتلقي على مسامعهم مواعظ ملآى بالرهبان الدينية والأمل في النجاة تحيط بهم نقوش الفسيفساء أو تماثيل القديسين، أو النقوش. وكان ظلام الكهوف المعمدة المقصود يزيد من رهبة الصور الدينية والمواعظ؛ وحتى العاهرات كن يأتين إلى ذلك المكان بعد أن يسأمن صناعتهن طوال الليل، يخفين المنديل الأصفر الذي يحتم عليهن القانون لبسه رمزاً لجماعتهن، وذلك لكي يطهرن نفوسهن بالأدعية والصلوات. وكان مجلس شيوخ البندقية يرحب بتقوى الشعب هذه ويحيط الدوج والدولة بكل ما تخلعه المراسم الدينية من رهبة، حتى لقد أنفق الأموال الطائلة في استيراد مخلفات القديسين الشرقيين من القسطنطينية بعد سقوطها، وعرض أن يؤدي عشرة آلاف دوقة ليظفر برداء المسيح غير المخيط.
ومع هذا فإن مجلس الشيوخ نفسه الذي يشبّهه بترارك بمجلس من الآلهة(22) كثيراً ما سخر من سلطة الكنيسة، وتجاهل أشد القرارات البابوية

رهبة، ولم يبال بلعناتها وقرارات حرمانها، وظل يرحب باللاجئين من المتشككين المتبصرين (حتى عام 1527)(23)، ووجه أشد اللوم لأحد الرهبان لأنه هاجم يهودياً (1512)، وحاول أن يجعل الكنيسة في البندقية من أملاك الدولة؛ فكان هو الذي يختار الأساقفة لأبرشيات البندقية، ثم يعرضهم على روما لتوافق على اختيارهم؛ وكثيراً ما كان تعيينهم يتم فعلاً وإن رفضت روما الموافقة على اختيارهم. ولم يكن أسقف يعين في أسقفية بندقية بعد عام 1488 إلا إذا كان من أهل البندقية نفسها، ولم يكن يسمح لأحد من رجال الكنيسة في البندقية أو أملاكها بأن يجمع إيراداً لها أو ينفقه في مصالحها إلا إذا كانت الحكومة قد وافقت على تعيينه. وكانت الكنائس والأديرة خاضعة للتفتيش عليها من قبل الدولة؛ ولم يكن من حق أحد من رجال الكنيسة أن يتولى منصباً عاماً(24). وكان ما يوصى به للأديرة أو مؤسساتها يؤدي ضريبة للدولة، وكانت المحاكم الكنسية تفرض عليها رقابة شديدة لكي تتأكد الدولة من أن المذنبين من رجال الدين يعاقبون بما يعاقب به غيرهم. وظلت الجمهورية زمناً طويلاً تقاوم دخول محكمة التفتيش في المدينة، ولما سلمت بذلك آخر الأمر جعلت تنفيذ أحكام محكمة التفتيش في البندقية مشروطاً بمراجعة لجنة من مجلس الشيوخ والموافقة عليها؛ وبهذا لم تصدر هذه المحكمة إلا ستة أحكام بالإعدام في تاريخ محكمة التفتيش بمدينة البندقية بأجمعه(25). وأصرت الحكومة في كبرياء على أنها في المسائل الزمنية ((لا تعترف بسلطة عليا إلا سلطة الجلالة القدسية))(26)؛ وكانت تنادي جهرة بالمبدأ القائل أن مجلس عاماً من أساقفة الكنيسة أعلى سلطة من البابا، وإن أحكام البابوات يمكن أن تستأنف إلى مجلس يعقد بعد صدورها. وأيدت الدولة ذلك حين صب البابا سكستس الرابع اللعنة على المدينة (1483) فما كان من مجلس العشرة إلا أن أمر جميع رجال الدين بأن يواصلوا خدماتهم كما اعتادوا قبل؛ ولما جدد يوليوس الثاني اللعنة واتخذها جزءاً من الحرب التي شنها

على البندقية، منع مجلس العشرة نشر قرار اللعنة في جميع أملاك البندقية، وأمر عماله في روما بأن يلصقوا على أبواب كنيسة القديس بطرس استئنافاً للحكم لمجلس يعقد فيما بعد (1509)(27). لكن يوليوس انتصر في هذه الحرب وأرغم البندقية على أن تعترف بأن سلطته الروحانية سلطة مطلقة لا معقب لها.
وملاك القول أن الحياة في البندقية كانت في الجو المحيط بها أكثر بهجة منها في روحها. ولقد كانت الحكومة حازمة عظيمة الكفاية، وأظهرت في الشدائد شجاعة نادرة، ولكنها كانت في بعض الأحيان ذات قسوة وحشية، وكانت على الدوام تتسم بالأنانية؛ فلم تكن في يوم من الأيام تفكر في البندقية على أنها جزء من إيطاليا، ويبدو أنها قلما كان يهمها ما عساه يصيب تلك البلاد الممزقة من مآس. ولقد أنجبت البندقية رجالاً ذوي شخصيات قوية - يعتمدون على أنفسهم، ذوي بصيرة ودهاء، وقادرين على الكسب، شجعاناً، ذوي أنفة وكبرياء. وإنا لنعرف الكثيرين منهم من صورهم التي رسمها لهم فنانون كانوا يناصرونهم بالقدر الذي كان عندهم من الظرف والرقة لا يزيدون عليه. ولقد كانت حضارة البندقية إذا قيست بحضارة فلورنس، تنقصها المهارة والعمق، وإذا قيست بحضارة ميلان في عهد لدوفيكو تعوزها الرقة والرشاقة، ولكنها أكثر الحضارات التي عرفها التاريخ بهجة، وفخامة، وشهوانية ساحرة خلابة.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق